تراث وفقـه
 
 
29/01/2012


 متعة الحج وعلاقتها بالزواج المقدس


من الأشياء التي كانت تمارس في موسم الحج قبل الإسلام ما سمي بـ"متعة الحج" التي أشار غالبية المؤرخين وفقهاء الإسلام إلى أنها نوع من الزواج يتم أثناء أداء شعيرة الحج. وقد ربطه هؤلاء بالغريزة الجنسية والحاجة لإشباعها كما سنرى.

إلا أن هذا الرأي تنتابه بعض نقاط الضعف لأنَّ إشباع الغريزة الجنسية هو شأن فردي لا حاجة لأنْ يحدد بممارسة جماعية وفي موسم ديني مثل الحج، إلا أن يكون مرتبطًا بأحد طقوسه. وقد اختلف المسلمون بشأن هذه الشعيرة من قائل إنها شعيرة إسلامية أو مقرة من قبل الإسلام إلى قائل إنها شعيرة وثنية، إلا أن الإسلام لم يشأ معارضتها لأسباب لها علاقة بظروف الدعوة آنذاك. ويستدل أصحاب الرأي الأول على رأيهم بدلالة النص القرآني الذي يقول:

فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاث أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب[1].

ومما يفهم من هذا النص أنه لا يحل المتعة وحسب بل ويفرض بديلاً لها وهو الصيام عشرة أيام فيما إذا لم يتم ممارستها وقت الحج، وربما يشمل ذلك من لم يكن أهلهم (أي أزواجهم) حاضري المسجد الحرام. كذلك يستدل أصحاب هذا الرأي بدلالة إقرارها من قبل الرسول واستمرار العمل بها في عهد الخليفة أبي بكر؛ إذ لم يقع المنع إلا في عهد الخليفة عمر بن الخطاب؛ فقد روى عن عمر أنه قال:

متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما: متعة الحج ومتعة النساء[2].

وروى أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله الأنصاري أنه قال: "تمتعنا على عهد النبي الحج والنساء فلما كان عمر نهانا عنهما فانتهينا"[3]. وعن سعيد بن المسيب أنه قال: "نهى عمر عن المتعتين: متعة النساء ومتعة الحج"[4]. أما القائلين بوثنية هذه الشعيرة فيستدلون على رأيهم بممارستها في عهد ما قبل الإسلام، ناهيك عما تحتويه من إباحية يأنفها الإسلام. وبالتالي نحن أمام رأيين: إمَّا أن متعة الحج أحلت لما فيها من المتعة أي اللذة بإباحة محظورات الإحرام في المدة المتخللة بين الإحرامين: إحرام للعمرة وإحرام للحج، أو لأنها إحدى شعائر الحج قبل الإسلام وبعده إلى عهد الخليفة عمر بن الخطاب. لكن إذا كانت المتعة هي إحدى شعائر الحج فما الذي دفع الخليفة عمر بن الخطاب إلى منعها ومعاقبة من يمارسها؟ لقد اختلفت الروايات بشأن شرعية المنع أو أسبابه، فبينما عده البعض بدعة وتصرفًا جريئًا، من قبل الخليفة، له علاقة بالجانب الاجتماعي لا الشرعي، عده البعض الآخر أمرًا شرعيًا متوافقًا مع نهج الإسلام. ويستدل أصحاب الرأي الأول بروايات عديدة منها: ما رواه ‏موسى بن اسماعيل عن‏ ‏همام عن ‏قتادة ‏عن ‏مطرف عن ‏عمر إنه ‏قال: "‏تمتعنا على عهد رسول الله (ص) ‏فنزل القرآن قال رجل برأيه ما شاء"[5]. ‏وما رواه ‏مسدد عن ‏يحيى عن ‏عمران أبي بكر عن ‏أبو رجاء عن ‏عمران بن حصين ‏‏قال: ‏"أنزلت ‏آية المتعة ‏في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (ص) ‏ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ينه عنها حتى مات، قال: ‏رجل ‏برأيه ما شاء"[6]. وكذلك ما رواه عبد الرزاق ‏عن ‏هشيم عن ‏‏الحجاج بن أرطأة عن ‏‏الحكم بن عتيبة عن ‏‏عمارة عن ‏‏أبي بردة عن ‏أبي موسى: أن ‏عمر ‏‏قال: "‏هي سنة رسول الله (ص) ‏يعني المتعة ‏ولكني أخشى أن يعرسوا بهن تحت الأراك ثم يروحوا بهن حجاجا"[7]. وما رواه ‏محمد بن المثنى ‏وابن بشار ‏عن ‏ابن المثنى عن ‏‏محمد بن جعفر عن ‏شعبة ‏عن ‏الحكم عن ‏عمارة بن عمير عن ‏ابراهيم بن أبي موسى عن ‏‏أبي موسى ‏أنه كان يفتي ‏بالمتعة ‏فقال له رجل: رويدك ببعض فتياك فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في ‏النسك ‏بعد حتى لقيه بعد فسأله، فقال عمر: "‏قد علمت أن النبي (ص) ‏قد فعله وأصحابه ولكن كرهت أن يظلوا ‏معرسين بهن ‏في الأراك ثم يروحون في الحج تقطر رءوسهم"[8].

أما أصحاب الرأي الثاني فيستدلون على ذلك بجملة من الروايات منها ما رواه عمران بن سواده من أنه قال: صليت الصبح مع عمر... قلت: نصيحة، فقال: مرحبًا بالناصح غدوًا وعشيا، قلت: عابت أمتك منك أربعًا! قال: فوضع رأس درَّته في ذقنه ووضع أسفلها على فخذه ثم قال: هات، قلت: ذكروا أنك حرَّمت العمرة في أشهر الحج... وذكروا أنك حرَّمت متعة النساء وقد كانت رخصة من الله نستمتع بقُبضة ونفارق عن ثلاث، قال: إن رسول الله (ص) أحلها في زمان ضرورة ثم رجع الناس إلى السعة، ثم لم أعلم أحدًا من المسلمين عمل بها ولا عاد إليها، فالآن من شاء نكح بقُبضة وفارق عن ثلاث بطلاق[9]. وعن أبي نضرة، قلت لجابر بن عبدالله إن ابن الزبير ينهى عن المتعة، وإن ابن عباس يأمر بها، قال: فقال لي: على يدي جرى الحديث، تمتَّعنا مع رسول الله (ص) ومع أبي بكر، فلما ولي عمر خطب الناس فقال: إن القرآن هو القرآن وإن رسول الله (ص) هو الرسول، وإنهما كانتا متعتان على عهد رسول الله (ص) إحداهما متعة الحج والأخرى متعة النساء[10]، ومما يدل على استحسان المسلمين للمنع واستمرارهم عليه ما روي عن أن عبد الله بن الزبير قام بمكة فقال: إن أناسًا أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم يُفتون بالمتعة، يُعرَّض برجل، فناداه فقال إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد إمام المتقين - يريد رسول الله (ص) - فقال له ابن الزبير: فجرِّب بنفسك فو الله لئن فعلتها لأرجمنَّك بأحجارك[11]. ويرى البعض أن تحريم عمر للمتعة جاء بعد تحريم الرسول لها قبيل وفاته؛ فعن ابن عمر: قال لما ولي عمر بن الخطاب خطب الناس فقال: إن رسول الله (ص) أذن لنا في المتعة ثلاثًا ثم حرَّمها، والله لا أعلم أحدًا يتمتع وهو مُحصِن إلا رجمته بالحجارة إلا أن يأتيني بأربعة يشهدون أن رسول الله (ص) أحلها بعد أن حرَّمها[12]. وربما يعزى تحريم المتعة إلى كثرة الجواري التي جاءت بها الفتوحات والتي فتحت أبوابًا جديدة للمتعة.

أما بشان ممارسة متعة الحج فهناك بعض التساؤلات حول النطاق الذي تمارس فيه، وهل كانت تمارس بين غير المتزوجين لاسيما النساء أم بين الحجيج جميعًا؟ فحصول متعة الحج في نطاق غير المتزوجين هو أمر طبيعي وليست هناك حاجة لتحريمه، ثم أن هذا لا يميزه عن "زواج المتعة" الذي كان شائعًا آنذاك، فيما يشار إلى متعة الحج كونها شيء مختلف وبالتالي فهي شعيرة قائمة بذاتها كانت تمارس في الحقبة الجاهلية وعهدي الرسول وأبي بكر، وهو فرض من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام وصورته: أن يحرم بالعمرة إلى الحج ويلبي بها من الميقات في أشهر الحج: شوال وذي القعدة وذي الحجة ثم يأتي مكة ويطوف بالبيت سبعًا ويصلي ركعتي الطواف ويسعى بين الصفا والمروة سبعًا ثم يقصر فيحل له جميع ما حرم عليه بالإحرام، ويقم بمكة محلاً حتى ينشئ يوم التروية من تلك السنة إحرامًا آخر ويسمى هذا الحج بحج التمتع وعمرته بعمرة التمتع لقوله تعالى: "فمن تمتع بالعمرة إلى الحج"، ولأن الحاج يتمتع بالحل بين إحرامي العمرة والحج ومدة الحل بين الإحرامين هي متعة الحج.

وبالطبع فإن المقصود بمتعة الحج هو الممارسة الجنسية التي تحصل بين الحجاج من الجنسين أثناء الحج حيث تشير الروايات إلى أن الحجاج، لا سيما النساء منهم، كانوا يحجون وهم عراة، ففي تفسير الطبري للآية "يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ المسرفين"[13] أن النساء كن يطفن حول الكعبة وهن عراة. وفي موضع آخر بدون ثياب إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة وتردد: اليوم يبدو بعضه أو كله فما بدا منه فلا أجله، فنزلت الآية: خذوا زينتكم عند كل مسجد. قال غندر وهي عريانة. وقال وهب كانت المرأة تطوف بالبيت وقد أخرجت صدرها وتقول اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا فلا أجله وما هنالك. قال غندر وتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها ثم تردد: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه فلا أجله، ولذلك نزلت الآية لتؤكد هذا الطقس.

كذلك ورد عن ‏المكي بن ابراهيم ‏عن ‏ابن جريج: ‏قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏قال أبو عبد الله ‏وقال ‏محمد بن بكر البرساني ‏حدثنا ‏ابن جريج ‏قال أخبرني ‏عطاء ‏سمعت ‏جابر بن عبد الله ‏في أناس معه قال: أهللنا ‏أصحاب رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏في الحج خالصًا ليس معه عمرة قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏فقدم النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏صبح رابعة مضت من ذي الحجة فلما قدمنا أمرنا النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏أن نحل وقال ‏أحلوا وأصيبوا من النساء قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏ولم يعزم عليهم ولكن أحلهن لهم فبلغه أنا نقول لما لم يكن بيننا وبين ‏عرفة ‏إلا خمس أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي ‏عرفة ‏تقطر مذاكيرنا المني، قال ويقول ‏جابر ‏بيده هكذا وحركها فقام رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقال: قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا فلو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت، فحللنا وسمعنا وأطعنا[14].

‏كذلك ورد عن ‏محمد بن حاتم ‏حدثنا ‏يحيى بن سعيد ‏عن ‏ابن جريج ‏أخبرني ‏عطاء ‏قال سمعت ‏جابر بن عبد الله ‏رضي الله عنهما ‏في ناس معي قال ‏أهللنا ‏أصحاب ‏محمد ‏صلى الله عليه وسلم ‏بالحج خالصًا وحده قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏فقدم النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏صبح رابعة مضت من ذي الحجة فأمرنا أن نحل قال ‏عطاء ‏قال حلوا وأصيبوا النساء قال ‏عطاء ‏ولم يعزم ‏عليهم ولكن أحلهن لهم فقلنا لما لم يكن بيننا وبين ‏عرفة ‏إلا خمس أمرنا أن ‏نفضي إلى نسائنا ‏فنأتي ‏عرفة ‏تقطر ‏مذاكيرنا المني قال يقول ‏جابر ‏بيده كأني أنظر إلى قوله بيده يحركها قال فقام النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏فينا فقال: قد علمتم ‏أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم ولولا ‏هديي ‏لحللت كما تحلون ولو ‏استقبلت ‏من أمري ما استدبرت لم أسق ‏الهدي ‏فحلوا فحللنا وسمعنا وأطعنا. قال ‏عطاء ‏قال ‏جابر ‏فقدم ‏علي ‏من ‏سعايته ‏فقال بم ‏أهللت ‏قال بما أهل به النبي ‏صلى الله عليه وسلم ‏فقال له رسول الله ‏صلى الله عليه وسلم ‏فأهد ‏وامكث حرامًا قال وأهدى له ‏علي ‏هديًا ‏فقال ‏سراقة بن مالك بن جعشم ‏يا رسول الله ألعامنا هذا أم لأبد فقال لأبد[15].

وأخرج مسلم عن جابر أنه قال: أقبلنا مهلِّين مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بحجٍّ مفرد، وأقبلت عائشة (رضي الله عنها) بعمرة، حتى إذا كنا بسَرِف عركت حتى إذا قدمنا طُفنا بالكعبة والصفا والمروة، فأمرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يُحل منا من لم يكن معه هدي، قال: فقلنا: حلُّ ماذا؟ قال: الحلُّ كلُّه، فواقعنا النساء وتطيَّبنا بالطيب ولبسنا ثيابنا وليس بيننا وبين عرفة إلا أربع ليال، ثمَّ أهللنا يوم التروية[16]. وفي رواية أخرى قال: خرجنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) مهلِّين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا: أيُّ الحل؟ قال: الحلُّ كلُّه، قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلمَّا كان يوم التروية أهللنا بالحج[17]. وأخرج مسلم عن عطاء، قال:

حدَّثني جابر بن عبد الله الأنصاري أنه حجَّ مع رسول الله عامَ ساق الهدي معه، وقد أهلُّوا بالحجِّ مفردًا، فقال رسول الله: أحلُّوا من إحرامكم فطوفوا بالبيت وبين الصفا والمروة وقصِّروا وأقيموا حلالاً، حتى إذا كان يوم التروية فأهلًّوا بالحجّ، واجعلوا التي قدمتم بها متعة، قالوا: كيف نجعلها متعة وقد سمينا الحج؟ قال: افعلوا ما آمركم به فإني لولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به ولكن لا يحلُّ مني حرام حتى يبلغ الهدي محله، فافعلوا[18].

أخرج البخاري عن ابن عباس أنه سئل عن متعة الحجِّ، فقال: أحلَّ المهاجرون والأنصار وأزواج النبي في حجَّة الوداع وأهللنا، فلمَّا قدمنا مكة، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): اجعلوا إهلالكم بالحجِّ عمرة إلا من قلَّد الهدي، طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب[19]. وروى مسلم عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: أهللنا مع رسول الله بالحجِّ، فلمَّا قدمنا مكة أمرنا أن نحلَّ ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فما ندري أشي بلغه من السماء أم شي من قبل الناس، فقال: أيها الناس أحلُّوا فلولا الهدي الذي معي، فعلتُ كما فعلتم، قال: فأحللنا حتى وطئنا النساء وفعلنا ما يفعل الحلال حتى إذا كان يوم التروية وجعلنا مكة بظهر، أهللنا بالحج[20]. وفيما يخص هذه الممارسة هناك دلائل إلى أنها كانت موجودة قبل الإسلام بفترة طويلة، وهناك من يشير إلى أنها بدعة قرشية إذ شرَّعت قريش للحجيج أن يطوفوا عراة ما لم يذهبوا إلى عرفة فإذا ما رجعوا منها لم يطوفوا طواف الإفاضة بالبيت إلا عراة أو في ثوبي احمسي، ومن طاف بثوبيه لم يحل له أن يلبسهما، ومن خلع ثيابه وضعهما على خشبة في الكعبة، ثم حرَّم الإسلام طواف العراة فقد قرأ علي بن أبي طالب براءة إلى الناس يوم النحر "... لا يحج بعد اليوم مشرك ولا يطوف عريان"[21]. ولكن ما الذي يدعوا الحجيج إلى الطواف وهم عراة بحيث تستر المرأة عورتها بخرقة صغيرة؟ أليس في هذا دليلاً على وجود نوع من الشعائر الجنسية التي كانت موجودة لدى الوثنيين قبل الإسلام؟ ولعل مما يدعم هذا القول عبادة الصنمين (أساف) و(نائلة) اللذان قيل عنهما إنهما كانا حاجان مارسا الجنس في الكعبة فمسخا صنمين. وهذه القصة التي تناولها المؤرخون ربما هي التي تسمح لنا بتأكيد وجود هذه الشعيرة لأن أساف ونائلة إذا كانا قد أذنبا كما تزعم الرواية فلماذا أصبحا من معبودات العرب؟ ولماذا لم يرجمان كما يرجم الشيطان أثناء أداء الحجيج لشعيرة الحج؟ لا شك أن هذان الصنمان كانا مرتبطان بشعيرة الجنس المقدس الجاهلية قبل أن يتم طمسها في وقت لاحق، وقد قيل أن أبو ذر سمع امرأة تطوف بالبيت وتدعوا دعاءً جميلاً ثم تختتم دعائها بالمناداة "يا أساف يا نائلة"[22].

‏إن مما يدل على ممارسة المتعة في موسم الحج وجود شعيرة طواف النساء التي بدونها يحرم على المرء زوجه، فهي إيذان بانتهاء المتعة المقدسة والعودة إلى الزمن الطبيعي. والسؤال الذي يفرض ذاته هو: من أين جاءت هذه الشعيرة؟ وهل يمكن أحالتها إلى أصول بدوية أم أنها شعيرة وافدة من الحضارات المجاورة؟ وللإجابة نقول إن شعائر كهذه قد لا تكون غريبة عن الوسط البدوي الذي اعتاد على المشاعية، لكن أن يمارس في طقس ديني بحجم الحج فهو ما يثير الغرابة والتساؤل، وإذا ما كان هذا الطقس قد وفد من إحدى الحضارات المجاورة فلا بد أن يكون له نظير فيها وهذا ما يمكن أن يصدق على طقس الزواج المقدس المشهور في الحضارة الرافدية. فإذا كان طقس الزواج المقدس يهدف إلى إدامة الخصب الذي تحتاجه الحياة فمتعة الحج تحمل هذا الهدف أيضًا ناهيك عن كونها تمارس في مكان مقدس (الكعبة) التي هي نظير المعابد في الحضارة الرافدية. أما كيف وصلت هذه الشعيرة إلى جزيرة العرب، ولماذا أصبحت من الطقوس المشهودة لدى العرب الوثنيين؛ فهذا ما يجب أن يدرس بعناية ودقة ولنأمل أننا قادرين على ذلك.

*** *** ***



horizontal rule

[1] البقرة: 196.

[2] البيان والتبيين للجاحظ، 2/223. وراجع الطحاوي في كتابه: شرح معاني الآثار، مناسك الحج، ص 374 عن ابن عمر.

[3] مسند أحمد 3/363، ونظيره في ص 356 منه، وفي ص 325 منه بإيجاز.

[4] تفسير السيوطي 2/141. وكنز العمال، ط 1، 8/293.

[5] صحيح البخاري، كتاب الحج، باب التمتع على عهد رسول الله (ص)، ص 1497.

[6] صحيح البخاري، كتاب تفسير القرآن، سورة البقرة، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج، ص 4246.

[7] مسند أحمد، مسند العشرة المبشرين بالجنة، مسند الخلفاء الراشدين، أول مسند عمر بن الخطاب، ص 344.

[8] صحيح مسلم، كتاب الحج، باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام، ص 1222.

[9] تاريخ الطبري، ج 5، ص 32.

[10] مسند أحمد، ج 1، ص 52.

[11] مسلم، ج 4، ص 133.

[12] ابن ماجة، ج 1، ص 605.

[13] سورة الأعراف، الآية 31.

[14] صحيح البخاري: 2/142، باب التمتع والاقران والافراد بالحج.

[15] صحيح مسلم: 3/36، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز افراد الحج والتمتع والقران.

[16] صحيح مسلم: 4/35، باب وجوه الإحرام.

[17] صحيح مسلم: 4/36، باب وجوه الإحرام.

[18] صحيح مسلم: 4/37، باب وجوه الإحرام.

[19] صحيح البخاري: 2/144، باب قول الله لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.

[20] صحيح مسلم: 3/37، باب بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز أفراد الحج والتمتع والقران.

[21] هالة الناشف، أديان العرب ومعتقداتها في طبقات ابن سعد، رسالة ماجستير منشورة، الجامعة الأميركية، بيروت، 1972، ص 66.

[22] المصدر نفسه، ص 12.