تراث وفقـه
 
 
20/01/2012


 تشريع الاغتصاب في الاسلام


ما رأيت في أصناف المهانة والبلاء كالذي أصاب المرأة في القرآن، ولا قابلت ذلك منه بما بلغته المرأة المتمدنة من المكانة والنماء، إلا كان كصفعات البرهان على صفحات العدوان. فيا رحمة لهذه المرأة من جهل الديانة، ووعثاء البداوة , فما أرادها الاسلام إلا خاملة مغمورة, وساقطة مجزورة, ميتة في الأحياء مقبورة, وقارورة في الخيام مقصورة, مغلوبة مسلوبة, كأنها مصيبة مجلوبة.

وهذا المنشور الذي أسلمها لأتباعه ضعيفة مستخذية, منكوحة مستعطية, وصورها أنها إن كانت فوق الشياطين فهي دون الناس, إنما لجهل صاحبه بتصريف إحساسها, وقوة ضميرها, وتماسك وجدانها, وتمام عقلها. وما في الأرض( لو علم ابن آمنة) خلق أعظم من المرأة، وليس يدرك الرجل حقيقة نفسه حتى يخالط نفسها. ألا وإن أخلاق القرآن من أخلاق منشئه, وقد اندمج الناشر بالمنشور كما اندمج الثعلب في فروته, فهل ينسلخ الجلف الجافي من جلدته, وهل يعود المتنبئ الزائف عن دعوته؟ فلم يعرف المرأة إلا هولة من الهول، أو مسخا من المسوخ، وإلا شرا ماحقا وبلاء لاحقا, فلا تراها في وحي محمد إلا مخلوقة غريبة الاطوار, طريدة منبوذة في الديار, فافتن في انتهاك انسانيتها ألوانا وضروبا، والعدوان عليها من أتباع ملته أجيالا وشعوبا, فانتهبوها بأمره انتهابا, ورهنوها بين حائطين طفولة وشبابا.

ولم يدرك ابن الصحراء أن لها قلبا، وحسا مع هذا القلب، ونفسا مع هذا الحس، ورقة مع هذه النفس، وعقلا يجمع كل ذلك. فعظ يا محمد وعظوا واضرب واضربو واهجر واهجروا وإنك بعد لعلى خلق عظيم, فاللهم زدني في محمدك تحيرا.

هاهنا نطق القرآن بكلمة لو أنها في العصي والمرازيب كانت أغلظها، أو في التربية والتأديب كانت أبغضها, أو في المعاملة الاسانية كانت أوحشها, فاسمع إذا إلى ما جاء في المنطوقة القرآنية الرابعة والثلاثين من سورة النساء:

(وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا).

تذكر زبر المفسرين وكتب أسباب التنزيل أن محمدا ألفها عندما اشتكت له امرأة لطمها زوجها فاستعدت عليه، وتجرأت فطلبت القصاص منه، وجاء أبوها محمدا وقال: أفرشْتُهُ كريمَتِي فلطمَهَا, وإنَّ أثَر اللَّطْمَةِ بَاقٍ في وَجْهِهَا, فأراد محمد أن يعرفها ومن ورائها نساء المدينة، مكانة المرأة عنده وأنها أحط من الرجل قدرا، وأقل منه شأوا، وبدلا من إنصافها ادعى أن الله أوحى إليه بهذه الآية التي ذكرناها أعلاه، ثم قال لها:( أردتِ أمرا وأراد الله غيره) بمعنى أرادت العدل والنصفة والمساواة، وأراد محمد الميزة والهضم والإجحاف.

والمنطوقة القرآنية التي نحن بصدد النظر فيها جمعت من الإهانة والإذلال طبقات ومراتب, وضمت من الاغتصاب والاسترقاق ألوانا ومذاهب, كل منها في كل منها يدعم المقصد الأصلي ويمد المعنى الكلي، وأخذت كل كلمة تحمل لونا من تلك المعاني تتدحرج إلى أختها لتحمل معنى أشد من الأول وقعا وألذع ميسما، وأوجع مسا وأبلغ زجرا, فمن الوعظ إلى الهجر إلى الضرب، أحكام مرعونة وجهالات مأفونة، تتقطر إلى الوجدان فتترك فيه من النتوء، وتتداخل الى العقل فتجعله ينوء, فما هذا حكم إله عادل في بشر لطيف, وما هذه بالمعاني السامية ولا هي بالاخلاق العالية في كائن رقيق شريف, ولا هي في المجرى الطبيعي الانساني الذي ارتضته المدنية لنفسها اليوم، مساواة وعدالة ومؤاخاة.

فلنقرأ المنطوقة أولا ضمن النسق الثقافي الذي رسخه المفسرون التقليديون وجملة اللاهوتيين المسلمين, أو بعبارة أخرى ضمن الجهد التفسيري الكلاسيكي ثم نقرأها أخرى تخترق كل هذه التفاسير التي مارست وصايتها على المنطوقة القرآنية على مدى قرون ثم نحقق المقام بما اطمئن اليه فحصنا للمنطوقة القرآنية وما رشح لنا من نسيجها اللغوي ومدى تطابق التفسير الكلاسيكي مع المعطيات اللغوية والوضعية العامة للخطاب بغية الوصول إلى المعنى الأخير الذي يعطيه الخطاب.

ـ فأما النشوز فقد جاء في البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي ما نصه: قال ابن عباس: نشوزهنّ عصيانهنّ. وقال عطاء: نشوزها أن لا تتعطر، وتمنعه من نفسه، وتتغير عن أشياء كانت تتصنع للزوج بها. وقال أبو منصور: نشوزها كراهيتها للزوج.. وقيل: منعها نفسها من الاستمتاع بها إذا طلبها لذلك. وهذه الأقوال كلها متقاربة.

ـ وأما الوعظ فقالوا: تذكيرهن أمر الله بطاعة الزوج، وتعريفهن أنّ الله أباح ضربهن عند عصيانهن، وعقاب الله لهن على العصيان قاله: ابن عباس. وقال مجاهد: يقول لها: اتقي الله، وارجعي إلى فراشك. وقيل: يقول لها أن النبي قال: «لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها» وقال: «لا تمنعه نفسها ولو كانت على قتب». وقال: «أيما امرأة باتت هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح» وزاد آخرون أن محمدا قال: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم العبد الآبق وامرأة بات عليها زوجها ساخطاً وإمام قوم هم له كارهون».

ـ وأما الهجر فذكروا له معان قالوا: تركهن لكراهة في المراقد. والمضجع المكان الذي يضطجع فيه على جنب. وأصل الاضطجاع الاستلقاء.و قال ابن عباس وابن جبير: معناه لا تجامعوهن. وقال الضحاك والسدي: اتركوا كلامهن، وولوهن ظهوركم في الفراش. وقال مجاهد: فارقوهن في الفرش، أي ناموا ناحية في فرش غير فرشهن. وقال عكرمة والحسن: قولوا لهن في المضاجع هجراً، أي كلاماً غليظاً. وقيل: اهجروهن في الكلام ثلاثة أيام فما دونها. وكنى بالمضاجع عن البيوت، لأن كل مكان يصلح أن يكون محلاً للاضطجاع. وقال النخعي، والشعبي، وقتادة، والحسن: من الهجران، وهو البعد وقيل: اهجروهن بترك الجماع والاجتماع، وإظهار التجهم، والإعراض عنهن مدة نهايتها شهراً كما فعل عليه السلام «حين حلف أن لا يدخل على نسائه شهراً» وذهب بعضهم الى ان في للسبب: أي اهجروهن بسبب تخلفهن عن الجماع. وذهب القرطبي الى القول: اهْجرُوهُنَّ مِنَ الـهُجْرِ, وهو القَبيحُ من الكَلاَمِ, أي: غلظُوا عليْهِنَّ فِي القَوْلِ أي أثناء الجماع!!..
فهذا جماع ما اتفقوا واختلفوا حوله في هذه المنطوقة القرآنية، ولن تجد قولا يخرج عما نقلناه، والخلاف فيه هو خلاف تنوع كما رأيت، وليس خلاف تضاد، فكلهم مجمعون على ما أقرته المنطوقة من أوضاع مهينة، وهيئات مشينة، تختص بمعاملة الزوج لزوجته فهي تعطيه سلطة القاهر وصفة المؤدب وتلزم المرأة بلزوم الطاعة واستمراء الإهانة وقبول الوصاية.

والذي نقوله في تحقيق المقام: إن المنطوقة تعطي الرجل الحق في التصرف في المرأة كيف شاء فهي وثيقة تمليك مستوفية الشروط مكتملة الأركان فله إن هي نشزت (والكلمة تحمل لغة معنى الارتفاع اي ارتفعت حتى ساوته في المقابلة والمعارضة, وهي تعني في الاية النشوز المعنوي والمادي), اقول فهي إن عارضت له أمرا أو أظهرت له كرها أو بادرته باعتراض أو قابلته بنفور أو رفضت أن تنقاد له في الفراش, أو بعبارة أجمع ومقولة أمنع إن كانت معاملته له ندية وفي ما بينها وبينه ذات حضور وشخصية, فله ان يذيب ذاتها ويحط كرامتها بما يلي:

ـ الوعظ: في قوله فعظوهن وهي ممارسة فوقية واهانة نفسية يستعين بها الزوج على زوجته بأن الوحي إلى صفه، فما يكون منها ثورة لكرامتها واعتزازا بشخصيتها فهو في نظر الدين نشوزا ومعصية وهكذا يجعل القرآن مغالبة الزوجة لشهوات الزوج وتحكماته وغوايته في ممارسة السلطة والسادية نشوزا تستحق به اشد العقوبة واوضع الزراية.

ـ الهجار أو الهجر في المضجع: فإن هي عاندت وكابرت في الوعظ يتدحرج بنا هذا (السيموطوغراف السادي) إلى صورة أحدّ من سابقتها وألدّ (من اللدود), وإن كان الوعظ وما يلزمه من نهر وتأنيب وزجر وتقريع أوجع للوجدان، فإن الهجار في المضجع أوجع للجسد وأقذع للنفس، والذي نختاره في معنى الهجر ما قرره شيخ المفسرين وعمدتهم ابن جرير الطبري وكل من جاء بعده فهو عالة على تفسيره فقد قال في تفسير المنطوقة أو العبارة القرآنية: واهجروهن في المضاجع: أي اربطوهن بالهجار، وأكرهوهن على الجماع!! من قولهم: هجر البعير إذا شده بالهجار، وهو حبل يشدّ به البعير قال الاندلسي في البحر المحيط: قاله: الطبري ورجحه. وقدح في سائر الأقوال. وذلك مذهب الرازي في تفسيره للآية قال: يبدأ بلين القول في الوعظ، فإن لم يفد فبخشنه، ثم يترك مضاجعتها، ثم بالإعراض عنها كلية، ثم بالضرب الخفيف كاللطمة واللكزة ونحوها مما يشعر بالاحتقار وإسقاط الحرمة، ثم بالضرب بالسوط والقضيب اللين ونحوه مما يحصل به الألم والإنكاء ولا يحصل عنه هشم ولا إراقة دم، فإن لم يفد شيء من ذلك ربطها بالهجار وهو الحبل، وأكرهها على الوطء، لأن ذلك حقه!!.

وهذا الذي قاله الطبري والرازي من ربط المرأة بالحبال إلى أعواد السرير ثم استكراهها على الوطء، من أقبح أنواع الإغتصاب وأشدها دناءة وانحطاطا, وتعاقب عليه الدول المتمدنة اليوم بالسجن والتغريم، لما فيه من إضرار فادح بنفسية المرأة وسلامتها الصحية, وكل ممارسة جنسية تمت عن طريق إكراه أحد الطرفين للآخر فإنها مشمولة في نطاق الاغتصاب والتحرش الجنسي. وغني عن البيان أن الرازي كما نقلنا من كلامه لا يرى أن الواو للترتيب والتسلسل وإنما للرجل مطلق الحرية في التقديم والتأخير بين تلك المراتب ولذلك قالوا ويجمع بينها، ويبدأ بما شاء، لأن الواو لا ترتب، فإن شاء وعظ وإن شاء ضرب وإن شاء هجرها هجر البعير بربطها بالحبال إلى أخشاب السرير ثم يمارس ساديته عليها مكرهة مغصوبة.

ـ أما الضرب فمعروف ولم تحدد الآية شدّته من خفته، أو نوعه وحدّه، ولكنها أطلقته ورمت به إلى مزاج الرجل ووكلته إلى طبعه وطبيعته, والضرب يصح على اللطم والوكز وعلى ضرب اليد والسوط والعصى، وفي الأثر عن محمد أنه قال: (علق سوطك حيث يراه أهلك). وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: كنت رابعة أربع نسوة عند الزبير، فإذا غضب على إحدانا ضربها بعود المشجب حتى يكسره عليها!. وكذلك ما رواه ابن وهب عن مالك:( أن أسماء زوج الزبير كانت تخرج حتى عوتبت في ذلك وعيب عليها وعلى ضرّاتها، فعقد شعر واحدة بالأخرى، ثم ضربهما ضرباً شديداً).


فهذه المرأة في الإسلام وتلك مكانتها، جردها من جمال وجودها، واستقلال كينونتها، وضمها إلى جملة المتاع، محل لذة وقضاء وطر وموطن استبضاع، وأطفأ من نجمها، وبالغ في حجبها،و إن المتتبع لحياة المرأة تحت ظل الإسلام منذ ظهور محمد في مكة إلى يومنا الحاضر ليشعر بحجم المأساة التي ألحقه بها النموذج الفكري الاسلامي، وإن كانت حياة المرأة في المجتمعات سلسلة من المشاعر والحب والألم والتضحية والقدرة على الخلق والايحاء والابداع، فإنها في فكر القرآن لم تعد كونها أمَةً قيدها الله على أقدام الرجل.