تراث وفقـه
 
 
20/09/2011


 تزوير السيرة وتاريخ الاسلام


كعبة هبل ام كعبة ابراهيم؟ قصة بناء الكعبة بطريقة اخرى

Wednesday, July 15, 2009


سيرة ابن هشام من أهم المصادر الإسلامية في التراث العربي ، الأمر الذي لا ينتطح فيها عنزان . وذلك ، لأنه من الذين انتهت إليهم سيرة إبن إسحاق الذي يعتبره الباحثون شيخ كتاب السيرة ، طبعا يوجد إلى جانبه بعض أعلام المجال كالواقدي والطبري وابن سعد ...

لكن معظم علماء الإسلام يعودون إليه كركن أساسي في بناء تاريخ النبي والأحداث التي ارتبطت بظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية . وإن كان الفكر النقدي الحديث يفرض عدم اعتماده بشكل قطعي لبناء صورة شبه متكاملة عن ظهور الإسلام ، إلا أنه يبقى أساسيا لتحليل بعض العلاقات والأفكار الرائجة آنذاك .

طبيعي أن السلطة السياسية الإسلامية عملت على منع ترويج وتأريخ الوجه الآخر للإسلام السلبي ، ومسحت كل أفكار معارضيها سامحة فقط بكتابة ملاحم وبطولات الصحابة التي بطبيعة الحال ، الكثير منها هو نتاج للفانتازم والمخيلة الصحراوية .

وكلما تمطط الزمن كلما ضاعت الحقيقة ... حيث يكاد يجزم الإنسان العربي اليوم من خلال ما وصلنا عبر تشطيبات كثيرة وخطوط حمراء أن الأخلاق الإنسانية في ارتكاس مستمر كلما ابتعدنا عن الزمن النبوي وزمن الصحابة الصالحين ، وتابعي التابعين .

لكن ، العكس هو الصحيح تماما ... الكثيرون منا يعرف ابن هشام ، والتلخيصات والتهذيبات التي تباع في المكتبات لسيرته ، لكن الحقيقة هو أن تلك التلخيصات هي توجيه إيديولوجي للقارئ ، وخيانة عظمى لسيرته .

لذلك فقراءة سيرة ابن هشام كاملة هي الوحيدة الكفيلة بمعرفة حقيقة الكتاب وطبيعة تفكير ابن هشام .

هذا الشخص ابن هشام ، هو أيضا مارس علينا الرقابة المعرفية عندما كتب بخط يديه أنه حذف الكثير مما وصله من سيرة ابن إسحاق التي اعتمدها في الرواية ، ومسح كل ما رآه مما لا يتوافق مع الأخلاق النبوية والتي ستشوه صورة النبي إن نقلها .

وبالتالي يكون تشطيبه ومحوه لتلك الوقائع نابع من أسباب ذاتية وليست موضوعية ، واضعا ميزانا دينيا فيما سيكتبه لخدمة الإسلام ، وهو فقط ما سينقله عن ابن إسحاق ، وكل ما سيعطي صورة سلبية عن الإسلام سيمحوه !! بشهادته بنفسه .

لذلك فنحن الآن ، أمام سيرة ابن إسحاق برقابة ابن هشام ، وهذا واضح حتى في سياقته للأشعار ، عندما يكتب أنه حذف هذه الأبيات لأنها تقذع في المسلمين وأخلاقهم .

بل ذهب إلى حذف أبيات هجاء كثيرة لشعراء مسلمين كحسان بن ثابت بدعوى أنه أقذع فيها ...

إن رقابة السلطة السياسية الإسلامية حذفت الكثير من التاريخ الإسلامي ، فارضة على الكتاب سواء في السيرة أو التفسير أو الحديث ... محو كل ما يقدم صورة سلبية عنها ، والمؤلفون حذفوا الكثير من ما وصلهم من المؤلفات التي قبلهم " وهو ما يفسر اختفاء واحتراق مؤلفات تاريخية مهمة " ... حتى وصلنا إلى اليوم ، الذي يحذف فيه المؤلفون وهيئات الرقابة الكثير من معلومات المؤلفات تحت أكاذيب نسخة منقحة ، تلخيص ، تهذيب ...

وهذا ليس عصيا على الإدراك ، لأن مقارنة بسيطة مع سيرة ابن هشام كاملة كما وصلتنا وتلخيص لسيرة ابن هشام أو تنقيح لها من طرف كتاب معاصرين يبين بجلاء الهدف الإيديولوجي من التلخيص ، أي إخفاء الحقائق على القارئ .

كي لا أطيل ، سأقوم بتعريف بسيط لشيخ السيرة ابن إسحاق : ولد في المدينة 85 هجرية ، وتوفي بين 150 و 153 هجرية حسب اختلاف الروايات ، حكي عن مجونه الكثير وهو ما رواه ابن النديم عن ضربه بأسواط من طرف أمير المدينة حين عرف أنه يغازل النساء ونهاه عن الجلوس في مؤخر المسجد . إتهماه مالك بن أنس وهشام بن عروة بالكذب والدجل ، لكن ابن شهاب الزهري وسفيان الثوري يوثقانه . ويقول من يدافع عنه أنه تم التشهير به لأنه كان يطعن في نسب مالك بن أنس وللخصومات الفكرية التي كانت بينهما ... وكالعادة ، سنبقى في دوامة : هل هو شخص ماجن وكذاب وهو شيخ السيرة النبوية !! أم أنهم شهروا به ، وهذا يعني أن كل من شهر به وهاجمه هو الكذاب . وكلاهما أمرين أحلاهما مر . ونبقى حائرين من الدجال هنا ، ابن إسحاق والمدافعين عنه ممن عاصروه من الثقاة ، أم الدجال هو أنس بن مالك وأصحابه !! ، ولكن الأكيد هو أن ابن إسحاق شيخ مؤلفي السيرة النبوية في التاريخ الإسلامي ...

أما ابن هشام الذي وصله كتاب ابن إسحاق فنشأ بالبصرة ونزل مصر ويقال وفاته بين 218 و 213 هجرية ، وقال الذهبي وابن كثير أنه اجتمع مع الشافعي وتناشدا أشعارا كثيرة ، أكد أنه حذف من سيرة ابن إسحاق كل ما رآه يتعارض مع الأخلاق الحميدة للإسلام ، ويكون السؤال هنا : كيف كتب ابن إسحاق تلك الأمور التي رآها ابن هشام متعارضة مع الأخلاق النبوية ؟ وابن هشام جاء بعد ابن إسحاق وكتب كتابه كله استنادا عليه ؟؟؟ وكيف سمحت السلطة السياسية القمعية الإسلامية أن يكتب ابن إسحاق تلك الأمور ، إن لم تكن فعلا هي تخفيف لفظائع وجرائم خطيرة ارتكبت في بدايات الإسلام ؟ فكتبها ابن إسحاق بشكل لطيف جدا وخفيف جدا ورغم ذلك وجدها ابن هشام مسائل مضرة بسمعة بالإسلام ...

لسنا هنا بصدد الحديث حول التاريخ الإسلامي وتزويره ، ولكننا أمام موضوع الكعبة استنادا على السيرة النبوية لابن هشام . وفي الحقيقة ، تبقى سيرة ابن هشام كتابا متحفظا بالمقارنة مع سير وكتب تاريخ أخرى قدمت العجائب في الفونتازم أو في سياقة جرائم وفظاعات الإسلام في شبه الجزيرة العربية ... فلنقم بإطلالة بسيطة على كعبة هبل أو كما يقال كعبة إبراهيم في سيرة ابن هشام :

أورد ابن هشام علاقة الملك الحميري اليمني " تبع " بالكعبة ، هذا الملك الذي ورد اسمه في القرآن في سورة الدخان " أهم خير أم قوم تبع " ، أو في سورة قاف حيث جاء اسمه مع الأنبياء والرسل " كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود وعاد وفرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة وقوم تبع وكل كذب بالرسل " ، ويبقى ورود إسم الملك الحميري تبع في القرآن من الأمور الغير مفهومة ، إذ عرفنا مثلا أن ورود أسماء الأماكن أو الملوك تكون عادة مقرونة بأحداث أنبياء كما هو الأمر مع فرعون مثلا المقرون بالنبي موسى ... وتقول بعض الأحاديث النبوية أن النبي اعتبر الملك " تبع " مسلما آمن بالإله ، كما تشير بعض كتب التاريخ أن تبع هو أول من كسى الكعبة ، وربما هذا ما يفسر ورود إسم الملك تبع في القرآن ، ولنعد إلى ما أورده ابن هشام :

- يقول ابن هشام : " وكان تبع وقومه أصحاب أوثان يعبدونها ، وتوجه إلى مكة وهي طريقه إلى اليمن ، فأتاه نفر من هذيل ، فقالوا له أيها الملك ألا ندلك على على بيت مال داثر أغفلته الملوك قبلك ، فيه اللؤلؤ والزبرجد والياقوت والذهب ، قال : بلى . قالوا بيت بمكة يعبده أهله ، ويصلون عنده . فسأل حبرين فقالا له : ما نعلم بيتا لله اتخذه في الأرض لنفسه غيره ، وإن فعلت ما دعوك إليه لتهلكن . قال فماذا تأمرانني ، قالا : تصنع عنده ما يصنع به أهله ، تطوف به وتعظمه وتكرمه وتحلق رأسك عنده . قال لهما فما يمنعكما أنتما أن تفعلا . قالا : إنه لبيت أبينا إبراهيم ، ولكن أهله حالوا بيننا وبينه بسبب الأوثان التي نصبوها وبالدماء التي يهرقون عنده . فصدقهما . وذهب إليه وطاف به ، ونحر عنده وحلق رأسه ، وأقام بمكة ستة أيام ، وأري في المنام أن يكسو البيت فكساه الخصف ، فكان تبع أول من كسا الكعبة ، وأمر بتطهيره ، وجعل له بابا ومفتاحا .."

فهذه الحكاية من سيرة ابن هشام تحكي الخرافات المرتبطة بالكعبة مع تبع ، والشعائر المرتبطة به منذ القدم كالطواف والنحر والحلق ، وأن كل الأفعال التي حدثت بخصوصه من بناء أو كسوة مرتبطة بالأحلام والرؤية كما سيتبين لاحقا ، فتبع لم يكسه من تلقاء نفسه ، بل من خلال شخص أمره بذلك في نومه .. ويضيف في نفس الحكاية مع تبع حول كعبة هذيل مع الذين حرضوه على سرقة كعبة مكة :

- يقول ابن هشام : " وكانت رئام بيتا لهم يعظمونه ، وينحرون عنده ويكلمون منه إذ كانوا على شركهم ، فقال الحبران : إنما هو شيطان ، يفتنهم بذلك فخل بيننا وبينه . فقال : هذا شأنكما ، فاستخرجا منه كلبا أسودا وذبحاه ، ثم هدما ذلك البيت .. "

من خلال تتمة قصة تبع ، يظهر التنافس بين الكعبات ، حيث دلته القبيلة المنافسة ليهدم كعبة قريش لكنه هدم كعبتهم في الأخير ، وحتى لو كانت هذه القصة خيالية فهي تظهر حجم التنافس بين الكعبات في ذهن مؤلف هذه القصة أو راويها في سيرة ابن هشام ، كما يظهر كلام الشياطين من الكعبة حيث يسمعه الناس ، وهذه كانت ظاهرة معروفة في شبه الجزيرة العربية في تلك الفترة التاريخية ، حيث أن الشياطين تتحدث للناس ويرونها ، ولا أحد يشك في وجودها ، بل من المسلمات التي لا نقاش فيها . كما يمكننا الإشارة إلى الممارسات السحرية والكلب الأسود الذي سيحذر منه النبي ...

- يقول ابن هشام : " ثم إن أبرهة بنى القليس بصنعاء ، وكتب إلى النجاشي أنه بنى له كنيسة عظيمة وسيصرف حج العرب من مكة إلى القليس ، فسمع أحد بني فقيم بن عدي بن عامر من النسأة قول أبرهة فذهب للقليس وقعد فيها أي تغوط فيها ، فلما عرف أبرهة بما قام به الرجل وأنه تغوط في كنيسته ، غضب غضبا شديدا وأقسم أن يهدم كعبة مكة . فلما خرج في جيشه ووصل الطائف ، قالوا له إنما نحن عبيدك وليس عندنا لك خلاف ، وليس هذا بيتنا الذي تريد – يعنون اللات - ، إنما تريد البيت الذي بمكة ، واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيم الكعبة ، فلما وصل أرسل لقريش أنه لا يريد حربهم ولا دماءهم وإنما يريد هدم الكعبة ، وأصاب بعيرا لقريش فيها بعير لعبد المطلب بن هشام ، فقال عبد المطلب لرسول أبرهة أنهم أيضا لا يريدون حربه وأن الكعبة هي بيت الله وبيت خليله إبراهيم وإن شاء منعها . وذهب عبد المطلب مع رسول أبرهة إلى أبرهة ، فسأله ما حاجتك . فأجاب عبد المطلب : حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي ، فقال أبرهة : كنت عجبتني عندما رأيتك ، وزهدت فيك عندما كلمتني . أتكلمني في مائتي بعير ، وتترك دينا هو دين آبائك قد جئت لهدمه لا تكلمني فيه . فقال عبد المطلب : إنني رب الإبل وإن للبيت رب يحميه ... "

من ثنايا هذه القصة الشهيرة يمكننا أن نرى بوضوح مجموعة معطيات ومعلومات بخصوص الكعبة ، مثلا : النسأة والأشهر الحرم الأربعة التي كانت قبل الإسلام والتي فصل فيها ابن هشام ولم أوردها هنا ، وأنه أيضا كانت بيوت كثيرة في شبه الجزيرة العربية كبيت اللات ، وأن الطائف لا تعترف بقداسة كعبة مكة أو على الأقل قداستها لا تضاهي قداسة اللات ، وأن بناء الكعبة من طرف إبراهيم قصة كانت معروفة عند قريش كباقي القصص التي جاءت في القرآن ... ونعود لتتمة قصة أبرهة والكعبة :

- يقول ابن هشام : " فلما هموا بهدم الكعبة أرسل الله عليهم طيرا من البحر أمثال الخطاطيف والبلسان ، مع كل طائر 3 أحجار يحملها ، أمثال الحمص والعدس ، لا تصيب منهم أحدا إلا هلك ، وليس كلهم أصابت .. وأن أول ما رؤيت الحصبة والجذري بأرض العرب ذلك العام ..."

وهذه الحادثة التي ستعطي للكعبة قداسة كبيرة وسترفع مكانة قريش الدينية بين العرب ستساهم في التمهيد لظهور الإسلام وانتشاره فيما بعد ، والحقيقة أنه ليس فقط ابن هشام أو كتب التاريخ الإسلامية من تحدثت عن ظهور الجدري في مكة عام الفيل ، بل كتب تاريخ كثيرة أجنبية ومؤرخون من ثقافات أخرى ذكروا الجذري الذي ضرب مكة عام الفيل كالوزير البيزنطي بروكوب .. وهي الحادثة التي أوردتها سورة الفيل محافظة على مصطلحات القصة كما جاءت منذ الجاهلية بما فيها كلمة سجيل مثلا ، ويكمل ابن هشام روايته عن الحادثة

- يقول ابن هشام : " وذكر بعض المفسرين أن سجيل هي كلمة فارسية مكونة من كلمتين السنج : حجر ، والجل أي طين ، فجمعتهما العرب في كلمة واحدة ، وقالت السجيل " .

وإن كان السيد ابن هشام أضاف بيتا شعريا للتدليل أن العرب استعملت كلمة سجيل في قاموسها اللغوي ، إلا أنه يبقى بلا معنى ، والمرجو هنا مطالعة كتاب في الشعر الجاهلي لطه حسين بالمناسبة .

- يقول ابن هشام :" فلما رد الله الحبشة عن مكة ، أعظمت العرب قريشا ، وقالوا : هم أهل الله ، قاتل الله عنهم وكفاهم مؤونة عدوهم .. ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل ، أنه كان لا يظعن ظاعن من مكة – يخرج أحد – إلا حمل معه حجارة من حجارة الحرم تعظيما للحرم ، فحيثما نزلوا وضعوه ، فطافوا به كطوافهم بالكعبة ، حتى نسوا ما كانوا عليه ، فعبدوا الأوثان ، وفيهم على ذلك بقايا من حج إبراهيم كالطواف والوقوف بعرفة والمزدلفة وهدي البدن والإهلال بالحج والعمرة مع إدخال ما ليس فيه ، فكانت قريش تقول في الإهلال : لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك . فيوحدونه بالتلبية ويشركون معه الأصنام ويجعلون ملكها بيده .. "

لا داعي للحديث عن محاولة إيجاد بداية لعبادة الأصنام في مكة ونواحيها ، كما حاول سياقتها ابن هشام سواء من خلال ما أورده عن بداية عبادة الأصنام من حجارة أخدوها أول مرة من كعبة اسماعيل بمكة ثم انتشرت في نواحيها ، أو العكس ، أي أن عمرو بن لحي هو أول من جاء بالأصنام ونصبها في مكة ، لكن الأكيد أن شعائر الطواف بالأصنام كانت تتلاقى في أحايين كثيرة . كما أريد الإشارة إلى التلبية التي تتشابه مع الإسلام في شقها الأول ، أما شقها الثاني الذي يشرك بالإله أصناما فهو يجعلها أيضا ملكا لله ويؤكد أن الأصنام لا تملك شيئا . وهو خلاف ما جاء حول تصوير قريش بالجهل التام في المجال العقدي ...

- يقول ابن هشام : " وكانت العرب قد اتخذت مع الكعبة طواغيت وهي بيوت تعظمها كتعظيم الكعبة ، لها سدنة وحجاب وتهدي لها كما تهدي للكعبة وتطوف بها كطوافها بها ، وتنحر عندها ، وهي تعرف فضل الكعبة عليها ، لأنها كانت قد عرفت أنها بيت إبراهيم الخليل ومسجده ..."

وهذا ما يحاول الفقهاء والمؤسسات التعليمية الإسلامية إخفاءه على الناس ، فلا أحد يتطرق لهذه الكعبات ولو بشكل عابر . حيث يبدو أنه كان ثمة فقط كعبة واحدة للطواف العربي .. أما ما قاله ابن هشام عن تقديس العرب لكعبة قريش لأنهم يعرفون أنها كعبة ابراهيم ، فهو انطباع شخصي له وجملة لا معنى لها ، ورأينا كيف تبرأت ثقيف لأبرهة من كعبة قريش وأنه ليس بيتها ، كما أنه ما معنى أن تطوف تلك القبائل بشعائرها حول كعباتها وهي تقدس كعبة قريش!!!

ويذكر ابن هشام الكعبات : " اللات بالطائف ، وسدنتها وحجابها بنو متعب ، مناة للأوس والخزرج على ساحل البحر من ناحية المشلل ، بيت رئام لحمير بصنعاء ، رضاء بيت لبني كعب ، كعبة ذو الكعبات لبكر وتغلب ... "

- وفي سياق حديثه عن الجدرة وسبب تسميتهم بذلك قال ابن هشام : " وإنما سموا بالجدرة لأن عامر بن عمرو بن جعثمة تزوج بنت الحارث الجرهمي ، وكانت جرهم أصحاب الكعبة ، فبنى للكعبة جدارا فسمى عامر بذلك الجدار وأولاده بالجدرة ..." ، وسيأتي الحديث لاحقا عن امتلاك جرهم للكعبة قبل أن يستولي عليها قصي بن كلاب ، وإنما سقنا هذا الحديث هنا للاستدلال على البناء الذي كان يطالها دائما والتغييرات منذ أن بنيت أول مرة .

- أما حكاية زمزم فقال عنها : " بينما عبد المطلب بن هشام نائم في الحجر ، إذ أتي فأمر بحفر زمزم ، وهي دفن بين صنمي قريش إساف ونائلة ، عند منحر قريش ، وكانت جرهم دفنتها حين ظعنوا من مكة ، وهي بئر إسماعيل . فلما توفي إسماعيل ولى البيت بعده ابنه نابت ، ثم ولى البيت مضاض بن عمرو الجرهمي ، فلما طغت جرهم بمكة ، ورأت غبشان من خزاعة وبنو بكر ذلك أجمعوا على إخراجهم ، وحاربوهم وأخرجوهم ، وكانت مكة لا يطغى فيها أحد إلا أخرجته ، وإنما سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة . وقيل إسمها بكة ، لإجتماع الناس وبكائهم فيها ... فلما أرادت جرهم الخروج ، خبأ عمرو بن الحارث الجرهمي قرني غزالة وحجرالركن في بئر زمزم وهدمها ، وتولت خزاعة البيت كابرا عن كابر حتى حليل بن حبشية ، وتزوج قصي من بنت حليل ، ولما كثر ماله وولده رأى أنه أولى بالكعبة من خزاعة ، وقال إن قريش صفوة أبناء إسماعيل ، وكلم في ذلك قريش وبني كنانة ومن والاه ، وكتب لأخيه رزاح بن ربيعة أنه عازم على إخراج خزاعة من مكة ، فأتى لنصرته واقتتلوا قتالا شديدا ، فولي قصي البيت وتملك على قومه وأهل مكة فملكوه . وأقر للعرب ما كانوا عليه من شعائر في الحج ، وجمع الحجابة والسقاية والرفادة والندوة واللواء.. وكان أمر قصي في قريش في حياته وبعد موته كالدين المتبع ، وقال بعضهم أن سبب مطالبة قصي بالكعبة أنه كان يأخد مفاتيح البيت من زوجته ، فيفتحه للناس ويقفله عندما كان يعطي حليل بن حبشية المفاتيح لابنته عندما كبر . وذكر في هذا أسباب استيلاء قصي على البيت في روايات أخرى وأسباب مختلفة سنسوقها في حينها .. "

فليس النبي محمد أول بني عبد المطلب الذين كان يأتيهم الوحي ، بل الكثير من أجداده كما هو حال عبد المطلب الذي جاءه الوحي وهو نائم بحفر زمزم ، وتذكرنا هذه القصة هنا بقدوم جبريل على محمد في غار حراء وهو نائم أيضا ليسأله القراءة ، كما أوردها ابن هشام أو غيره .. كما تبين الصراع حول امتلاك البيت ، وسيطرة قصي بن كلاب على القلب الديني لمكة وبداية سطوع نجم عائلة قصي التي ستستأثر بكل الشرف الديني ، بما فيها ظهور نبوة محمد في هذه العائلة !!!

- وفي بعض شعائر الحج الجاهلي الذي أخد الإسلام أركانه يقول ابن هشام مثلا : " كانت صوفة تدفع بالناس من عرفة ، وتجيز بهم إذا نفروا من منى ، ويرمي بهم رجل ، حتى إذا مالت الشمس قام فرمى ورمى الناس معه .. فإذا فرغوا من الجمار وأرادوا النفر من منى ... وكان صفوان هو الذي يجيز للناس بالحج من عرفة ثم بنوه من بعده ، حتى كان آخرهم الذي قام عليه الإسلام ، كرب بن صفوان ،.. وكانت الرفادة خرجا تخرجه قريش في كل موسم من أموالها إلى قصي بن كلاب فيصنع به الطعام للحجاج ، وكان قصي فرضه عليهم ، فكانوا يخرجون له كل عام خرجا يدفعونه إليه ، وبقيت الرفادة حتى جاء الإسلام وأقره الإسلام فهو الطعام الذي يصنعه السلطان بمنى .. ثم تولي شرف السقاية والرفادة هاشم ، ثم من بعده عبد المطلب ، ثم أتي عبد المطلب وأمر بحفر زمزم . حيث إذ هو نائم أتاه آت وقال له احفر طيبة . قال : فما طيبة ؟ ثم أتاه في الغد وقال : احفر برة . فقال : وما برة ؟ ، ثم أتاه في الغد وقال له احفر المضونة ، فقال له : وما المضونة ؟ فجاءه وقال له احفر زمزم . قلت وما زمزم ؟ قال لا تنزف أبدا ولا تذم ، تسقي الحجيج الأعظم ، وهي بين الفرث والدم ، عند نقرة الغراب الأعصم .. "

إن المصالح والأرباح الدينية في قريش كانت عائدة بالأساس إلى عائلة قصي التي يتحذر منها النبي حيث أطبقت سيطرتها على كل عائدات البيت ، وإن كان الصراع بين أحفاد قريش يطفو حينا على السطح ، إلا أنهم كتلة واحدة لا تستطيع أي عائلة أخرى مجاراتهم أو منافستهم ، فالخلافات هي خلافات عائلية وإن أخذت أحيانا طابعا دمويا . وتبقى الكهانة وكلام السجع وطريقة الوحي والكلام الغامض متشابها في أماكن كثيرة . فدائما ، الآتي في المنام هو يأمر ، والمجيب يتسائل ثلات مرات أو أكثر قليلا ، حتى تتبلور الإثارة عند المستمعين . كما تكرر مثلا في مسألة التساؤل عند النبي محمد عندما أمره جبريل 3 مرات وهو يتساؤل ماذا أقرأ ؟ ثم ، أن جواب عبد المطلب عن ما معنى زمزم !! جواب واضح على أن هذا الإسم لم يكن يعرفه عبد المطلب !! فكيف سأل عبد المطلب عن معنى زمزم إن كانت إرثا ومعروفة منذ إسماعيل ؟ ربما سيقول البعض أنها كانت بلا إسم حتى سماها عبد المطلب عن طريق الملاك الذي جاءه وأمره بحفرها . فلماذا لم يرد إسمها القديم ، واختفى تماما بينما توالت كل شعائر الحج الوثني بدعوى أنه لم يطلها تحريف !!! فهذا الإختفاء الفجائي لإسم البئر وعدم وجوده أصلا إلى حين حفره عبد المطلب يوضح أن جد الرسول هو أول من حفر زمزم . وكما قال ابن هشام في أسماء الآبار الأخرى التي سيأخد بئر زمزم مكانها : " وحفرت بنو أسد بئر سقية ، وحفرت بنو عبد الدار بئر أم أحراد ، وحفرت بنو جمح السنبلة وهي بئر خلف بني وهب ... فعفت زمزم على البئار الأخرى التي كان يسقي عليها الحاج ، وانصرف الناس إليها لمكانها ، ولفضلها على ما سواها ، ولأنها بئر إسماعيل ، وافتخرت بها بنو عبد مناف على قريش كلها ... " !! فإلصاق إسم إسماعيل على البئر التي حفرها عبد المطلب وسماها زمزم كما جاء في منامه لم يكن اعتباطا ، بل كان نتيجة منافسة سياسية دينية أيضا ، هدفها تركيز سقاية الحاج في يد عائلة الرسول بدل أن يأتي الحجاج العرب إلى آبار العائلات الأخرى ، حيث كان الحجاج العرب يذهبون إلى السياقة من آبار مختلفة ...

- وتابع ابن هشام في حفر زمزم : " أنه لما بدأ عبد المطلب يحفر بئر زمزم بين الصنمين إساف ونائلة ، منعته قريش من حفرها ، وقالت له : لا نتركك تحفر بين وثنينا هذين الذين ننحر عندها . فقال عبد المطلب لإبنه الحارث دذ " دافع " عني حتى أحفر ، فوالله لأمضين للذي أمرت له ، ولما حفر يسيرا وجد البئر ووجد فيه غزالتين وأسياف ، فقالت له قريش إنه إرث أبينا إسماعيل وطالبته بالقسمة ، لكنه رفض القسمة وقال لهم سنحتكم للأقداح نضربها ، فذهبوا إلى ضارب الأقداح عند هبل ، وهبل صنم في جوف الكعبة ، فخرجت الأسياف والأذرع لعبد المطلب ، والغزالين للكعبة ، بينما لم ينل قريش شيئا من ذلك الكنز . ثم إن عبد المطلب أقام سقاية زمزم للحجاج .. "

غالبا ما تصدم القارئ للتراث الإسلامي التناقضات اللانهائية للبنية القصصية ، حيث يكون الأمر شبيها تماما بحكايات ألف ليلة وليلة . وحقيقة ، فقط هذه الرواية هنا عن زمزم يمكن الكتابة عنها عشرات المؤلفات . فجد النبي عبد المطلب الذي جاءه الوحي في المنام بحفر زمزم ، سوف يحتكم أيضا للأقداح وهبل للفصل فيما بينه وبين قريش في اقتسام الكنز الذي وجده عند حفر البئر . الإله هبل وأقداحه سوف يحكمون الحكم الحق والمنصف !!! للكعبة الغزالين ، ولعبد المطلب الأسياف والأذرع ، وقريش الكافرة لن تنال شيئا !!! إن العدالة السماوية وانتصار عبد المطلب جد النبي عن طريق القوى الغيبية ولو كان عن طريق هبل تحققت هنا ... هذا يبين حجم الخرافة في شبه الجزيرة العربية . إن الذي وضع هذه الخرافات لم يكن طبعا يريد هدم الإسلام – الإسرائيليات كما يقولون للخروج من بعض التناقضات في بعض الأحاديث – ، بل إن من وضعها شخص كان يريد أن يؤكد أن زمزم هي إرث إسماعيل وإبراهيم إنتصارا للإسلام ولشرف عائلة النبي محمد حتى في الجاهلية . وهذا يدل على أن التزوير والكذب في التاريخ الإسلامي والجاهلي جاء عبر المسلمين الذين حاولوا خلق أساطير تدافع عن الإسلام . وفي مثل هذه الحكايات ، لا ينبغي أن ننسى السياق الزمني لكتابتها ، السياق الذي حاول محو وتشطيب التاريخ الحقيقي لقريش وشبه الجزيرة العربية ، ثم وضع تاريخا مزورا يقدم الإسلام وعائلة الرسول بالأخلاق العالية ، أما قريش وأصحابهم فكانوا يعيشون في جاهلية عظمى ...

- كما يواصل ابن هشام حكاية عبد المطلب وعلاقته مع زمزم : " ونذر عبد المطلب لئن ولد له 10 نفر ، لينحرن أحدهم لله عند الكعبة ، فلما توافى بنوه عشرة جمعهم وأخبرهم بنذره ، ودعاهم إلى الوفاء لله بذلك . فوافقوا . فطلب منهم كتابة أسمائهم وذهب إلى جوف الكعبة عند هبل ليضرب الأقداح على من سيدبحه عبد المطلب من أبناءه وفاء لله . فخرج القدح على عبد الله والد النبي محمد ، فأخده عبد المطلب وأخد الشفرة متوجها به إلى إساف ونائلة ليذبحه ... فمنعته قريش وقالت لئن فعلت صارت سنة فينا وسيبدأ الناس يذبحون أولادهم . واقترحوا إلى الإحتكام إلى كاهنة لها تابع في الحجاز ، فوافق عبد المطلب ، لما جاؤوها قالت لهم : ضعوا عبد الله وضعوا الإبل واضربوا عليهم بالأقداح ، فمتى خرجت في الإبل فاذبحوا الإبل واتركوا عبد الله . ففعلوا ، وقربوا الإبل والأقداح ، ووضعوا 10 إبل ثم 20 تم ... إلى أن وصلت إلى مئة إبل ، فخرجت الأقداح في الإبل ، ففرحت قريش وقالوا له ها قد فدى الله ابنك ، فقال عبد المطلب والله لنعيد الضرب على المئة ، فأعادوا فخرجت في الإبل وتركت عبد الله ، فقال والله لأعيدها ، فخرجت مرة ثالتة في الإبل ، فنحرت الإبل ... فلما مات عبد المطلب ولي السقاية على بئر زمزم العباس ابن عبد المطلب عم الرسول ، وبقيت في يده ، حتى جاء الإسلام وأقره الرسول عليها أيضا .. " ، ضرب الأقداح أي القرعة .

فهذه الأسطورة التي تحاكي فداء ذبح إسماعيل ، وتتكرر مع عبد الله والد النبي محمد ، والتي أوردتها كل كتب السيرة ، من البديهي أنهم وضعوها لإعلاء شرف عبد الله ووفائه حتى يكون ذكره في التاريخ كشخص عظيم أيضا مع عائلته . وكدا ، إنصافه من طرف الإله بفديه ، وطبيعي فدائما من يتدخل هو الكاهن وهبل والأقداح ... وهذا غريب جدا . بل يكون مستحيلا . ولا داعي للإشارة بأنه واضح جدا من كتابة كل هذه الخرافات حيث أجمعت عليها كتب السيرة التي وصلتنا ، أنها لم تكن بشكل عفوي ، بل كانت بشكل منهجي ومدروس تدعمه السلطة السياسية الإسلامية لكتابة تاريخ مزور . وطبعا ، ليس من المعقول أن يقول أحدهم أن هذه الحكايات مكتوبة لهدم الإسلام !!! فكتابها يزورون التاريخ لصالح الإسلام وإضفاء قدسية عليه من خلال إضفاء القداسة أولا على عائلة النبي ، حتى يكون مفهوما لماذا اختار الله محمدا من دون الناس للنبوة ، فهو شريف ابن شريف حفيد عائلة شريفة تكسو أفرادها كلهم علاقتهم الطاهرة مع الإله عبر أحلام النوم واليقظة ، وهذا ما يدفعنا إلى القول أن السيرة النبوية الحقيقة وسيرة قريش قبل الإسلام لم تكتب بعد . وللأسف ، ربما لن تكتب أبدا ، فهذا الذبح الذي هو نسخة كربونية لقصة ذبح إسماعيل هي أسطورة مفضوحة ، لأن تتبع خيوط التاريخ عبر المؤلفات وتفكيك عناصرها يدل على هذه الكذبة ، بل عندما ساقوها بذكر أن عبد الله كان في تلك الفترة أحب وأصغر بني عبد المطلب ، سقطوا في فخاخ كثيرة لأن الأمر لم يكن كذلك ، وهو ما دفع بالكثير من العلماء المسلمين لتفسير هذا التناقض ومحاولة إيجاد مخرج للمأزق كما يفعلون عادة للحفاظ على صحة القصة . لكن حتى ولو سلمنا لهم بصحتها ، فسيكونون أمام مأزق آخر حقيقي ، وهو أننا نعتبر محاولة ذبح عبد المطلب لإبنه عبد الله همجية ، خاصة أن عبد المطلب لم تكن له نبوة ، وأن الذي أنقذ عبد الله من الذبح هو الإله هبل الجالس في جوف الكعبة عندما ضربوا عليه بالأقداح ...