تراث وفقـه
 
 
20/09/2011


 متى تعود الاصنام للكعبة؟


ألم يكن العرب أكثر استعدادا لقبول الديمقراطية لو لم تهدم أصنامهم الثلاثمائة والستون التي كانت حول الكعبة، تلك الأصنام التي تعبر عن التعددية والتنوع والحرية الدينية قبل أن يأتي الاسلام ويختزلها في صنم واحد، عليه تطاحنوا وفي حبه أفنى بعضهم بعضا؟؟

إننا معشر العلمانيين نقوم في مقام خطير بين هذه الأنظمة المستبدة، و بين بعض هذه الثورات ذات النفس الاسلامي ، إنه موقف جدلي مرهق بحق، يضع العلمانيين وأنصار الحرية والتمدين بين مطرقة وسندان، بين ضمائرنا التي ترفض انتهاك حقوق الانسان مهما كان انتماءه، وبين رفضنا للبديل الذي تطرحه تلك الثورات ذات النفس الديني المؤدلج باعتباره أيضا وجه قديم من وجوه الاستبداد.
هذه البينبينية(إن جاز التعبير) لها مبرراتها الواقعية، وقراءاتها الاستشرافية بناء على معطيات الربيع العربي الأولية(مصر بإخوانها وسلفيتها، تونس بنهضتها ، ليبيا بثوارها الذين نتلمح فيهم ما يذكرنا بالافغان العرب، وسوريا بسعودتها) حتى ن الصحافة الغربية التي كانت مؤيدة للثورات الشبابية إبان انطلاقها العلماني في تونس ومصر فإنها وبعد انتشار العدوى الاسلامية في بعض شعاراتها ومطالبها، صارت أقل حماسا وتأييدا، وبات بعض المثقفين خائفا متوجسا مما يسمى الآن الشتاء الاسلامي.
وحق لهؤلاء وأولئك أن يتوجسوا فإن التاريخ الاسلامي شاهد بنزق المتدينين وإسرافهم حين يتقلدون شؤون السياسة، ولا نشك في أن الحركات الاسلامية إذا قامت للحكم والسياسة، فإنها سوف تتخذ من سير خلفاء الاسلام في العصر الوسيط مثالا يحتذى حذو القذة بالقذة كما يعبرون.

وإنني في هذاالمقال أورد مشهدين من مشاهد الحياة السياسية والاجتماعية في ظل الخلافة الاسلامية كمثال لما يمكن أن تتدهور إليه الأمور في حال قرفص هؤلاء على هرم السلطة وتولوا شؤون البلاد.

المشهد (أ) في السياسة الخارجية:

لقد دأب المسلمون إذا أرادوا تجميل صورة الاسلام على القول: إن الاسلام ما انتشر بالسيف وإنما انتشر بمبادئه السمحاء وعقائده الغراء وأخلاق أهله، وعدل ولاته وخلفائه..ونقول لهؤلاء هلا قرأتم واستطلعتم أولا قبل أن تلوكوا كلاما لستم ببالغيه وتطلبوا لدينكم ما ليس منه ولا فيه.. فالتاريخ الاسلامي ازدحم بفظائع الأمراء وشنائع الخلفاء، وسوف نطرق مرة بعد مرة نتفا لسير ملوك الاسلام وخلفائه، على امتداد العصور، وكر الدهور، حتى يتبين الجاهل، ويتنبه الغافل، إلى أن ظهور الاسلام لم يكن رحمة بل نقمة، ولم يزل السيف فيه مصلتا على الرقاب، موغلا في العقاب. لتتبينوا أن الدين كان أبدا مطية السياسة، وأن الدماء والأرواح كانت أرخص من جناح البعوض، ولتحمدوا ما أتاكم به العقل المتمدن من مبادئ حقوق الانسان وأساسات العدل الاجتماعي في ظلال الحرية والمساواة.

يشهد التاريخ الاسلامي وما دبجته أقلام المؤرخين المسلمين على اعتداءات مفرطة صاحبة الفتوحات الاسلامية وانتهاكات صارخة للكرامة والحرية الانسانية ما يعد صفعة في وجه الاسلاميين الذين يدعون أن الاسلام جاء لاحقاق العدل ونصرة المظلوم وارساء قواعد الاخاء والتسامح بين البشر.
فمن تلك الامم التي نالها حظ من جور الفتوحات وسيوف أمراء المومنين أمة التبت. والتبت منطقة في آسيا الوسطى على تخوم الصين وموطن الشعب التبتي البوذي المسالم. تسمى أحيانا بـ"سقف العالم" وفيهم الزعيم الروحي الشهير دلاي لاما.

مما نورده في هذا الصدد ما ذكره (الأزرقي) في أخبار مكة وهو من أقدم المصادر المعتبرة عن مكة وأشهرها: أن ملكا من ملوك التبت هو (الاصبهبد كابل شاه) أسلم ، وكان له صنم من ذهب يعبده في صورة انسان(بوذا)، وكان على رأس الصنم تاج من الذهب مكلل بخرز الجوهر والياقوت الأحمر والأخضر والزبرجد، وكان على سرير مربع مرتفع من الأرض على قوائم، والسرير من فضة، وكان على السرير فرشة(فراش) الديباج، وعلى أطراف الفرش أزرار من ذهب وفضة مرخاة، ثم يذكر الازرقي أن هذا الملك لما أسلم ، أهدى السرير والصنم إلى الكعبة، فبعث به إلى الخليفة المأمون هدية للكعبة، والمأمون يومئذ بمرو من خراسان، فبعث به المأمون إلى الحسن بن سهل بواسط، وأمره أن يبعث به إلى الكعبة، فبعث به مع نصير بن إبراهيم الأعجمي، فقدم به هذا الأخير مكة في سنة احدى ومائتين(٢٠١) وكان موسم الحج، فلما عاد الحُجاج من منى، نصب نصير بن إبراهيم السرير وما عليه من الفراش والتاج والصنم، في وسط رحبة عمر بن الخطاب، بين الصفا والمروة، وبقي ثلاثة أيام منصوباً ومعهم لوح من فضة مكتوب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا سرير فلان بن فلان ملك التبت، أسلم وبعث بهذا السرير هدية إلى الكعبة، فاحمدوا الله الذي هداه للاسلام، وكان يقف على السرير محمد بن سعيد ابن أخت نصير الأعجمي، فيقرأه على الناس بكرة وعشية، ويحمد الله الذي هدى ملك التبت إلى الاسلام، ثم دفعه إلى الحجبة يقصد سدنة البيت وحراسه .

وهذا الملك البوذي لما اضهدته وأمتَه جحافل الفاتحين، وقهرتهم بحد السيف وضاعفت عليه الجزية واستخلصت منه الفداء، اضطر إلى أن يشهر اسلامه حقنا لدماء قومه من سيوف المسلمين، وحفظا لاعراضهم ونسائهم أن يصيرهم المأمون خدما وإماء وملك يمين، فنطق بالشهادتين من وراء لسانه لا من شغاف قلبه، كما يدل عليه منطوق الرقعة التي أرسلها المأمون مع الصنم والتاج والسرير المذهب، وتم التحفظ عليها في جوف الكعبة التي صارت تحت حكم هؤلاء الرعاع الفاتحين متحفا يذخر فيه الخلفاء مسروقاتهم التي ينهبونها من البلاد التي ينزون عليها نزو الجراد.

والذي يقرأ الرقعة المأمونية لا يفرق بين المأمون الخليفة( ظل الله في الأرض) والمأمون (البلطجي) الذي يسطو على أملاك الغير ومعبوداتهم التي عليها مدار حياتهم الروحية، ليزين بها جدران الكعبة، في تناقض صارخ مع ما نهاهم عنه اسلامهم حين دخل محمد مكة يوم الفتح، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً فجعل يطعنها ويقول: جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا.
فأي حق جاء به الاسلام حين يخط هذا البلطجي العباسي رقعته الرقيعة، قائلا بما أوتي من صلافة: أمر الامام المأمون أمير المؤمنين أكرمه الله: ذا الرياستين الفضل بن سهل بالبعثة بهذا السرير من خراسان إلى بيت الله الحرام، في سنة ٢٠٠ وهو سرير الاصبهبد كابل شاه بني دومي كابل شاه، المحمول تاجه إلى مكة المخزون سريره في بيت مال المسلمين.

ويذكر المؤرخون أن جنود الخليفة قد ضاعفوا عليه الخراج والفدية عن بلاد كابل وقندهار(افغانستان) ونصبت المنابر وبنيت المساجد فيها، وخرج الأصبهبد كابل شاه، نازلاً عن سريره هذا خاضعاً لله مستسلماً، وأن عامل المأمون على خراسان لم يقنع بإسلام الملك حتى سامه وأذله للدين ولمن يسمونه إمام المسلمين، وأوجبوا بعد عليه العمل بحدود الاسلام بعد أن أضاف بلطجية الخلافة أفغانستان وكشمير إلى خراسان إلى بطن المأمون أجمعين.

ثم قد يسأل المرء عن مآل التاج والسرير الثمين والصنم الذي لا يقدر بثمن..لا تعجبوا إن علمتم أن بلطجيا آخر سطا عليه أيام الفتن والنزو وكل أيام العرب فتن ونزو.. نجد خبر ذلك عند الأزرقي يقول: بعد أن جعلوه(اي الصنم والتاج والسرير) في خزانة الكعبة بقي حتى استخلف يزيد بن محمد بن حنظلة المخزومي على مكة، وخرج إلى اليمن فخالفه إبراهيم بن موسى العلوي إلى مكة مقبلاً من اليمن، فسمع به يزيد بن محمد فخندق على مكة(أي تربص به هناك حتى يمنعه من الاستيلاء عليها) وأرسل إلى الحجبة فأخذ السرير وما عليه منهم، فاستعان به على حربه، وقال: أمير المؤمنين يخلفه لها، وضربه دنانير ودراهم، وذلك في سنة ٢٠٢، فبقي التاج واللوح في الكعبة إلى اليوم (يقصد الى ما قبل ٣٠٠ للهجرة حيث توفي الازرقي قبلها) أما اليوم فبنو عبد الوهاب يحرمون حتى الصورة الفوتوغرافية وإدخال الكاميرات إلى الحرم المكي، فضلا عن إدخال صنم الى الكعبة.. فدونك سيف الشريعة.

نعم أيها السادة (وضربه البلطجي الصغير دنانير ودراهم) هذا ما انتهت إليه تحفة أثرية نادرة.. إلى ضرب فضتها وذهبها دراهم ودنانير تتعاورها الأيدي عملة للبيع والشراء، بينما أمثالها اليوم تتهافت عليها كبريات المتاحف العالمية ومنها ما عرضه المتحف البريطاني مؤخرا تحت شعار (افغانستان ملتقى الحضارات) عرضت فيه تحف وآثار اغريقية وبوذية واسلامية (سلمت من الديناميتية الاسلامية)- تعبر عن روح التعددية الثقافية التي تأبى الشمولية الطالبانية، التي اختزلت البلاد الافغانية في أحادية ضيقة، ودولة ايديولوجية غارقة في التطرف والانغلاق. ولازال المأمون وبلطجيته اليوم يأتون نفس الآثام التي اقترفوها في حق الشعوب الأخرى التي تمكنوا منها، ولك في تكبيرات المجاهدين وهم يحشون تمثال بوذا العريق في باميان بالديناميت خير مثال.

مشهد (ب) في السياسة الداخلية أو سياسة الراعي والرعية:

هذا مثال على تعامل الخليفة في الاسلام مع من هم خارج حدود سلطانه، أما من هم داخله وتحت يده وإمرته، فدونك تاريخ الخلفاء وسيرهم الدموية في الرعايا الأوفياء ونورد لذلك مثالا من أهونها وأيسرها فظاعة حتى ننبه الحس العام إلى حقيقة الخلافة الاسلامية التي يصبوا إليها الاسلامويون منذ سقوطها على يد مصطفى كمال في عشرينيات القرن الماضي.

قال النويري في نهاية الأرب في حوادث سنة 132: وفي هذه السنة استعمل السفاح أخاه يحيى بن محمد على الموصل عوض محمد بن صول، وكان سبب ذلك أن أهل الموصل امتنعوا من طاعة محمد بن صول وأخرجوه عنهم. فكتب إلى السفاح بذلك واستعمل عليهم أخاه يحيى بن محمد، وسيره إليها في اثني عشر ألف رجل، فنزل قصر الإمارة بجانب مسجد الجامع، ولم يظهر لأهل الموصل شيئاً ينكرونه ولم يعترض فيما يفعلونه، ثم دعاهم فقتل منهم اثني عشر رجلاً، فنفر أهل البلد وحملوا السلاح، فأعطاهم الأمان، وأمر فنُودي: من دخل الجامع فهو آمن؛ فأتاه الناس يهرعون إليه، فأقام يحيى الرجال على أبواب الجامع، فقتلوا الناس قتلاً ذريعاً أسرفوا فيه، فقيل: إنه قتل فيه أحد عشر ألفاً ممن له خاتم وممن ليس له خاتم خلقاً كثيراً.

فلما كان الليل سمع يحيى صراخ النساء اللاتي قتل رجالهن، فسأل عن ذلك الصوت فأخبر به، فقال: إذا كان الغد فاقتلوا النساء والصبيان. ففعلوا ذلك، وقتل منهم ثلاثة أيام. وكان في عسكره قائد معه أربعة آلاف من العبيد، فأخذوا النساء قهراً.فلما فرغ يحيى من قتل أهل الموصل في اليوم الثالث ركب اليوم الرابع وبين يديه الحراب والسيوف المسلولة، فاعترضته امرأة وأخذت بعنان دابته، فأراد أصحابه قتلها فنهاهم عن ذلك، فقالت له: ألست من بني هشام؟ ألست ابن عم رسول الله ؟ أما تأنف للنساء أن يفعل بهن؟ فأمسك عن جوابها وسير معها من يبلغها مأمنها، وقد عمل كلامها فيه. فلما كان الغد جمع العبيد للعطاء، فاجتمعوا، فأمر بهم فقتلوا عن آخرهم..

هذان مشهدان يختزلان بكل أمانة نظرية الخلافة الاسلامية التي ينظر لها الاسلاميون من عبد السلام ياسين في المغرب، مرورا بالغنوشي في تونس الذي يرى أن مرحلة ما بعد الهجرة قد بدأت، إلى الاخوان المسلمين في مصر. والسؤال المطروح بالحاح هو هل من سبيل لتعايش الاسلام مع الديمقراطية، في ظل سلفنة محمومة للاسلاميين أنفسهم، وغياب نظريات وقراءات جادة وجذرية لمسألة التعايش بين الاسلام وقيم الحداثة؟؟