تراث وفقـه
 
 
00/04/2011


 ذرين تاج، قرة العين، الطاهرة


ان الحدث التالي والمهم جداً في تاريخ هذا الأمر هو مؤتمر بدشت. ومن المحتمل ان تسأل، اين تقع بدشت؟ انها تقع بين طهران ومازندران في مصيف منعزل تتخلله الحدائق والاشجار وتقع فيه بعض البيوت. وكان يستعمل كدار استراحة صيفية للنبلاء. انه أجمل مكان طبيعي اختاره حضرة بهاءالله للتشاور مع اتباع حضرة الباب، فلقد كان هادئاً وتنتشر حوله الحدائق الجميلة، وكان للحدائق الثلاث التي استأجروها فسحة واسعة في وسطها. وهناك كان بامكانهم التشاور بحرية، لقد كان من الخطورة بمكان عقد مثل هذا التجمع في طهران. ومن المحتمل ان المؤمنين توقفوا في هذه القرية وهم في طريقهم الى خراسان.
أرسل حضرة بهاءالله جناب الطاهرة الى بدشت مع الخدم والتجهيزات والمال اللازم لجماعتها. وبعد عدة أيام، ذهب بنفسه الى هناك، وكذلك ذهب حضرة القدوس. استأجر حضرة بهاءالله ثلاث حدائق، خصص الأولى لحضرة القدوس فقط، وجهّز الثانية لجناب الطاهرة ومرافقيها، واحتفظ بالثالثة لنفسه. ونصبت خيام الاحباء في الساحة الوسطية. وكانت خيمة حضرة بهاءالله من خيام عائلات الوزراء، لأنه كان ابن وزير.
تعجب أحد الخدم في اليوم الاول عند مشاهدته إمرأة في هذا المكان تنصح وتخاطب العديد من الرجال - حتى من وراء حجاب - وكانت كلماتها تظهر أهمية قداسة هذا المؤتمر، فقالت له: "إن موضوعنا عن اللـه، عن الدين، عن الامور الروحانية، وفوق كل ذلك تقديم حياتنا في سبيل الحقيقة. إعلم ان أية خطوة نتخذها هي في سبيل الله. فهل أنت مستعد لإتباعنا؟" كان في كل يوم يقدم واحداً من اولئك الجمع خطبة عن أمر حضرة الباب.
وأقتبس من كتاب "مطالع الأنوار" الفقرة التالية:
كان عدد المجتمعين في بدشت 81 نفراً ومن وقت حضورهم الى يوم تفرقهم كانوا ضيوفاً على حضرة بهاءالله، وفي كل يوم كان يعطي ميرزا سـليمان النوري لوحاً يقرأه بترتيل في مجمع الاحباء الحاضرين. وكان يسمي كل فرد منهم باسم جديد. وتسمّى هو أيضا بالبهاء وسمّى آخر حروف الحيّ بالقدوس وسمّى قرة العين بالطاهرة وصدر لوح من حضرة الباب لكل من اجتمع في بدشت وصدر بالاسم الذي تسمى به أخيراً وكان بعض أتباع جناب الطاهرة من المحافظين على التقاليد القديمة قد اشتكوها فيما بعد الى حضرة الباب مدعين عليها بالخروج على التقاليد القديمة، فأجابهم حضرة الباب على ذلك بقوله (ما الذي أقوله عن من أسماها لسان العظمة بالطاهرة). وفي كل يوم من ايام ذلك الاجتماع المشهود كان يلغى تقليد من التقاليد المعروفة.
وقد وصف المؤرخ الفرنسي المسيو نيكولاس هذا الاجتماع وقال انه استمر لعدة ايام. وكانت النقاشات تدور بمجملها حول موضوع الانتقال من التعاليم القديمة الى تعاليم حضرة الباب الجديدة.
وحسب ما ذكره حضرة عبدالبهاء في "تذكرة الوفاء" (انه في وقت انعقاد هذا المؤتمر في بدشت، لم يكن حضرة الباب قد أعلن نفسه بعد عن المرحلة النهائية من ظهوره انه القائم، فقد أعلن في البداية انه الباب، الا ان القائم تعني انه الإمام الموعود. ولقد عمل حضرة بهاءالله وحضرة القدوس وجناب الطاهرة الترتيبات الضرورية للاعلان التام عن مقام حضرة الباب وعن إلغاء عدد من التشريعات والأصول الاساسية).
ذات يوم كان حضرة بهاءالله مريضاً بالحمى وبقي في خيمته - في الحقيقة كان في ذلك حكمة - فخرج حضرة القدوس من خيمته وذهب لزيارة حضرة بهاءالله، فأرسلت جناب الطاهرة رسالة شفهية الى حضرة القدوس تطلب منه الحضور اليها، وعندما رفض الاستجابة لطلبها، جاءت بنفسها الى حديقة حضرة بهاءالله، سافرة الوجه وهي تقول لهم ان الظهور الجديد قد ظهر. وحالما شاهد الحاضرون منظر هذه المرأة اضطربوا واستغربوا عند ادراكهم أعلان الأمر المبارك ومن إلغاء بعض القوانين القديمة. وقد دبَّ بين الحاضرين اضطراب شديد من هذا التصرف الذي لم يسبق له مثيل، لدرجة ان حضرة بهاءالله أمر أحد المؤمنين بقراءة سورة الواقعة من القرآن بصوت عال، وتتعلق معاني كلمات هذه السورة بيوم القيامة. وجاء فيها ان شيئاً استثنائياً سيقع في يوم القيامة. وعندما شاهد المؤمنون ما يجري، هرب جمع منهم ولم يقبلوا بالتغيير الجديد، بينما عاد آخرون الى محضر حضرة بهاءالله للسؤال عن حقيقة الموضوع. ويقال انه عندما نقل موضوع بدشت الى حضرة الباب، كتب يقول للمؤمنين بإتباع أوامر جناب الطاهرة، وخاطبها بقوله مستعملاً لقب "جناب الطاهرة"، ولقد استعمل حضرة عبدالبهاء هذا الاسم بدلاً من قرة العين في كتابه "تذكرة الوفاء". ووصف الحاج ميرزا جاني في مذكراته قرة العين بـ "أم العالم".
كان مؤتمر بدشت قصير المدة، وذكر ان فترة مكوث حضرة بهاءالله هناك كانت واحداً وعشرين يوماً. ان مواضيع المؤتمر المثيرة لفتت انتباه سكان المناطق المجاورة وأثارتهم، فهجموا على المجتمعين ونهبوا ممتلكات البابيين الذين لم يقاوموهم او يقاتلوهم. وهكذا قوطع المؤتمر وإنفض بلا نظام، كما وصف ميرزا جاني بدشت في ذلك الوقت.
حتى وقت طباعة كتاب "مطالع الأنوار" في سنة 1932م، قد يتساءل المرء عن سبب عدم حضور باب الباب (الملا حسين بشروئي) الى المؤتمر، ففي الفصل السادس عشر يتضح السبب، فهو لم يعلم شيئاً عن المؤتمر، وغالبية الاحباء الذين اجتمعوا هناك كانوا في طريقهم اليه في مشهد. وحتى في مذكرات ميرزا جاني يجد المرء سبباً! فباب الباب كان راغباً في التوجه من مشهد الى مازندران قبل عدة أيام من انعقاد المؤتمر الفعلي، وزار في يوم مغادرته تلك المدينة، مقام الامام الرضا بصحبة سبعين من أتباعه.
وإتفق ان حصل شغب بين أتباعه وسلطات المدينة، لذلك ارسل البرنس حمزه ميرزا وراء باب الباب واحتجزه لعدة أيام في معسكره. وحالما أطلق سراحه، جمع أصحابه وبدأ المسير. وعندما وصل الى قرب بارفروش وصلته أخبار وفاة محمد شاه. فأثار هذا الخبر حالة من الاضطراب الشديد في المملكة، وهوجم باب الباب وأتباعه بسبب إيمانهم بتعاليم حضرة الباب، وحوصروا في مقام الشيخ طبرسي، فلم يستطيعوا سوى الدفاع عن أنفسهم فقط، وكان من المستحيل عليهم مغادرة المكان، فهم لم يذهبوا الى هناك لبناء قلعة او لمحاربة المسلمين او محاربة الحكومة لا سمح الله. لقد حوصروا من قبل قوات الجيش.
كانت شرارة البداية قد انطلقت في أول الأمر من قبل أعداء الدين الجديد، وبسرعة ساندهم جنود الشاه. ولقد سبق وأن كتب حضرة القدوس قبل ذلك رسالة تنبأ فيها بظروف استشهاده هو وباب الباب، ويمكن للقاريء ان يفهم ما تبع ذلك في بقية المذكرات.
بعد انفضاض مؤتمر بدشت وتفرق المؤمنين وتشتتهم نتيجة المصادمات، وبينمـا كان بعضهم ما يزال في قرية نيالا، وصلتهم الأخبار وهم مازالوا في الطريق عن محاصرة باب الباب في طبرسي. كان حضرة القدوس قد وصل الى مدينته بارفروش وقت وصول الأخبار، وحالما استطاع الخروج، أسرع الى باب الباب وبدأ بمساعدته في تنظيم القلعة لتكون جاهزة للحصار. ولحسن الحظ، أن الحصار بدأ في الوقت الذي ذهب غالبية ضباط الجيش الى طهران لحضور حفلة تتويج جلالة الإمبراطور ناصر الدين شاه في 20 أكتوبر 1848، وخلال هذا الوقت تمكن الرجال في طبرسي من تحويل هذا القصر الى ما يعرف اليوم بإسم "قلعة طبرسي".
حالما سمع المؤمنون عن هذه المصيبة الخطيرة التي وقعت على باب الباب وأتباعه، نهضوا من فورهم للتوجه اليها ومن أبعد مقاطعات ايران بل وحتى من العراق في محاولة للوصول الى هذه البقعة المهلكة. وكانوا يعلمون بالتأكيد انه بعد وقت قليل، ان كل فرد من تلك العصبة المخلصة في قلعة طبرسي سيسقط أمام مدافع الأعداء. فماذا كان يرى البابيون المسرعون الى القلعة في خيالهم؟ أو هل تذكرون نبوءة حضرة القدوس في رسالته عن الموت القادم؟ على كل حال لا أحد منكم او من القراء يشك بإخلاص ووفاء هؤلاء الأتباع، لأن ما لاقوه كان فوق تحمل البشر تمامـاً.
ويقال أن جناب الطاهرة عند سماعها بمصيبة باب الباب قررت الذهاب الى القلعة لمساعدتهم بتنكرها بلباس رجل. إلا أن حضرة بهاءالله طالبها بعدم فعل ذلك. وقال لها: قبل كل شيء ستفشلين في الوصول، وفوق ذلك أن الحرب والقتال لا تناسب أي فرد، وخاصة النساء. إضافة الى أن هناك ظهور جديد يأمر بالابتعاد عن الحروب.
من هذا يستطيع المرء ان يرى انه حتى قبل إعلان حضرة بهاءالله لدعوته كان قد وضع الأساس لمبدأ تجنب الحرب. وحالما أعلن حضرة بهاءالله أمره في بغداد 1863، منع الكلام عن الانتقام او القتل لحماية النفس. وهكذا كانت قوة كلماته الخلاقة. فمنذ ذلك اليوم ولحد الآن لم يقتل البهائيون أحداً إنقاذا لأنفسهم او بهدف الانتقام. لا يمكن للعالم أن يظهر تسجيلاً أكثر جمالا من الطاعة لهذا الأمر أكثر من القائمة الطويلة من الشهداء البهائيين. ان البطولة والمحبة والشهامة والفرح التي قدّم بها الاتباع حياتهم، هي واحدة من أعظم الاثباتات التي تدل على ان الظهور البهائي هو كلمة الله الى البشرية بهذا الدور العالمي.
ان البابيين في السنوات الست تلك، كانوا يعلمون فقط الطريقة القديمة في الدفاع عن النفس ولم يملكوا سوى فرصاً قليلة للتعلم من حضرة الباب. ومع انهم اقتبسوا قليلا من المباديء الجليلة، فقد وهبوا أرواحهم بكامل المحبة، لا من أجل أنفسهم بل من أجل الأمر المبارك. ولم يكن لديهم الوقت الكافي للتعلم من حضرة الباب، فقد كان سجيناً وبعيداً عنهم جميعاً منـذ أول اعلان دعوته، ما عدا تلك الأشـهر القليلة التي عاشها في اصفهان. ومن يدري فمن المحتمل انها كانت كلها كذلك. ان نظام حضرة الباب كان لإجتثاث العادات القديمة. ان هؤلاء المؤمنين الأوائل بتعاليم حضرة الباب، بإستشهادهم الخالد، أجبروا العالم النائم الغارق في سباته على النهوض والانتباه لظهور المظهر الإلهي القادم والمعلم الالهي الجديد للعالم أجمـع.
وقال عبد البهاء في نفس الكتاب (تذكرة الوفاء) ان جناب الطاهرة أعْتُرِضَتْ وهي في طريقها من بدشت الى طهران وأعتقلت وأرسلت الى العاصمة تحت حراسة مجموعة من الغوغاء ثم سجنت فيما بعد في بيت محمود خان كلانتر (رئيس الشرطة).
وكتب الحاج ميرزا جاني، ان حضرة بهاءالله وميرزا جاني نفسه وعدد آخر من المؤمنين حاولوا الوصول الى قلعة طبرسـي لتقديم المسـاعدة. وكان معهم أربعة الآف تومان (أربعة آلاف دولار تقريبا) وأغراض ومنقولات أخرى. وكما جاء في "مطالع الأنوار"، في بداية ديسمبر 1848م (محرم 1265هـ)، أوفى حضرة بهاءالله بوعده الذي أعطاه الى باب الباب وتحرك من نور مع عدد من أصدقائه متوجها الى قلعة طبرسي. وكانت رغبته في الوصول الى هدفه أثناء الليل، ولم يرغب في التوقف أثـنـاء الرحلة، إلا ان أصحابه طالبوه ببضع ساعات من الراحة، ورغم انه كان يعلم ما يسببه هذا التأخير من مخاطر كبيرة وان العدو سوف يفاجئهم، فقد وافق على طلبهم، مما أدى الى إلقاء القبض عليهم جميعاً. وجاء في رواية اخرى انهم عندما كانوا يبعدون مسافة ستة أميال عن قلعة طبرسي، ألقي القبض عليهم من قبل الضباط الملكيين. فضربوا وأخذوا الى المعسكر لقتلهم. ولكن، بما ان حضرة بهاءالله كان ينحدر من أسرة معروفة من مازندران، فقد قدّم له بعض الضباط الملكيين حمايتهم، وأرسلوه الى بارفروش (آمل) حيث عانى من البلاء والأذى ما يعجز الوصف عنه. فإشترى تاجران من كاشان موطن ميرزا جاني حرية المساجين بالمال.
لقد حاول الأصحاب في طهران ثني عزيمة ميرزا جاني عن الذهاب الى طبرسي، إلا انه أجابهم: "سوف أستشهد في قلعة طهران، ورغم انه سيلقى القبض عليّ في هذه الرحلة إلا انه سيطلق سراحي. علاوة على ذلك، ليس هناك سبب أخجل منه يمنعني من الذهاب، وسأذهب بكامل ارادتي!".
وقال حضرة عبدالبهاء في "تذكرة الوفاء"، ان رغبة حضرة بهاءالله كانت في الذهاب الى نيالا ثم الى قلعة طبرسي، الا ان حاكم آمُـل سمع عن ذلك وجاء الى نيالا بصحبة سبعمائة مسلح وحاصر حضرة بهاءالله واعتقله ثم أرسله مخفورا مع أحد عشر فارساً من الشرطة الى آمُل. وفي آمُل تعرض حضرته للتعذيب ثم ارسل الى العاصمة.
وأرى انه لا يمكنني ان أغلق ملف بدشـت بدون أن أخبركم عن مؤمن آخر كان حاضراً في مؤتمر بدشت (أول مؤتمر بهائي) وهو الحاج الملا اسماعيل من قـم، وهو رجل دين من كربلاء استشهد في النهاية في طهران سنة 1852. فعندما طلب منه الجلادون هو وزملائه السجناء البابيين إنكار دينهم او مواجهة القتل، قال لجماعتـه: "من ناحيتي، فأنا عازم على الاعتراف بإيماني وتقديم حياتي له، لأننا إذا فشلنا في الإعلان عن ظهور القائم، فمن ذا الذي سيفعل ذلك؟ وإذا فشلنا بتوجيه الناس الى الطريق الصحيح، وتمزيق حجبات الغفلة، وإيقاظهم من سباتهم وغفلتهم، وتوضيح تفاهة هذا العالم الفاني لهم وتقديـم شهادة فعلية عن حقيقة هذا الدين المقدس السامي، فمن سيفعل ذلك؟ فليتقدم اذن من يتمكن من انجاز هذه المهمة بكل شجاعة ويصحبني!" فتقدم سبعة من رفاقه المؤمنين المخلصين حسب ما جاء في كتاب "التاريخ الجديد"، وفدوا أنفسهم واستشهدوا في طهران. وكان أحدهم هو الحاج ميرزا سيد علي، خال حضرة الباب الخالد الذي تعهد بتربيته منذ طفولته والذي كان دائما من أخلص أتباعه. ان شهداء طهران السبعة دخلوا التاريخ ومن المحتمل ان الهامات هذا الإخلاص الفذ قد جاءت من ذلك الاجتماع في بدشت! لهذا فإن المؤمنين الذين اجتمعوا في بدشت قد أعلنوا عن القائم بأرواحهم!
كان حضرة القدوس (الملا محمد علي) يشجع أتباعه في يوم رأس السنة 1849، في طبرسي ويرتل لهم بعد القصف "نحن لا نمنح الألم لأحد حتى نعتبره من عداد القديسين. ان هذا الألم هو جوهرة من خزائننا، فنحن لا نمنح جواهرنا للجميع!"
في النهاية، أدركت الجيوش المحاصرة لقلعة طبرسي، انها لا تستطيع احتلالها بالقوة، وفهموا أنهم غير قادرين على تمزيق "الرايات السود" شعار المؤمنين المخلصين، ولا يمكنهم كذلك الصمود أمام هجمات أولئك الأرواح البواسل الذين كانوا يتقدمون من بوابة القلعة وهم يمتطون جيادهم ويصيحون بصيحة "يا صاحب الزمان". فتصرف الأعداء بشكل سافل جداً، إذ وعد قائدهم بمنحهم الحرية وتأمين سفر محترم لهم الى مناطقهم، إذا هم استسلموا، فكتب على ظهر غلاف كتاب القرآن المقدس تصريحه ووعده الموثق ما يلي: "أقسم بهذا الكتاب المقدس، وبالله الواحد الأحد الذي أنزله، وبمن أنزلت عليه هذه السور، انني لا أضمر أية نيّة، سوى تأسيس السلام والمحبة. أخرجوا من قلعتكم وتأكدوا انه لن ترفع عليكم يد مرة أخرى..."
استلم حضرة القدوس كتاب القرآن من يد الرسول وقبّله باحترام وصلى وطلب من رجاله الاستعداد لترك القلعة، وقال: "باستجابتنا الى دعواهم، سنمنحهم فرصة اظهار حقيقة نواياهم".
ويقدم "مطالع الأنوار" وصفاً رائعاً لذلك الخروج، فيقول: "وضع حضرة القدوس على رأسه العمامة الخضراء التي أرسلها له حضرة الباب والتي أرسل مثلها الى باب الباب، وكان الأخير يرتدي خاصته يوم استشهاده ايضا. خرج من مقام الشيخ طبرسي مائتان وأثنان من المؤمنين، ولم يبتعد عن حضرة القدوس من هذا الجمع الا عدد قليل بسبب اشاعات كاذبة وصلتهم من أعدائهم، حيث ألقي عليهم القبض فيما بعد وبيعوا كـعبيـد. ومن خلال قصص وكلمات هؤلاء القلّة من الرجال المباعين، علمنا ما دار وجرى في ذلك الحصار التاريخي لقلعة طبرسي. أما البقية الباقية فعذبوا وقتلوا جميعاً.
وعانى حضرة القدوس - في مدينته بارفروش حيث أخذوه - عذاباً لا يمكن لقلم أن يصفه، فقد جرد من ملابسه ورميت عمامته المهداة له من حضرة الباب في الطين، وسيق في الشوارع حاسر الرأس حافي القدمين مكبلا بالسلاسل تتبعه سخرية واستهزاء الجمهور الذين كانوا قد شاهدوا وعرفوا حقيقة طهارة وقدسية حياته منذ طفولته. ولعن وشتم وبصق عليه من قبل حثالة المجتمع، وثـقّب وشرِّح وقطِّع جسده من قبل الغوغاء النابحة الشرسة. وفي وسط كل هذه الضوضاء والفوضى، سمع صوته وهو يقول: "أغفر يا الهي لهؤلاء جريمتهم، عاملهم يا إلهي برحمتك، لأنهم لا يعلمون ما أدركنا وما فزنا به. لقد حاولت إظهار طريق الخلاص لهم. فانظرهم كيف قاموا على قتلي. إظهر لهم يا إلهي طريق الحق وبدّل طريق ضلالهم بطريق الهداية!"
وعندما وصل الموكب الى الساحة العامة، مكان الاعدام، قال حضرة القدوس الشاب ذو السبعة وعشرين عاما: "يا ليت أمي كانت معي لتشهد بأم عينها بهاء عرسي!". وحالما أتم هذه الكلمات، أجهز عليه الغوغاء وقطعوه إرباً إرباً ورموا بقايا جسده في نار أعدت لهذا الغرض. وفي رواية أخرى، ان سعيد العلماء جاء وقطع أذني حضرة القدوس بنفسه وضربه بفأس على رأسـه.
كان باب الباب ذو السادسة والثلاثين من العمر قد واجه استشهاده التاريخي الرائع قبل ذلك بقليل.
أرجو ان لا يعتقد أحد إنني أذكر هذه الجرائم المخيفة لأنتقد المسلمين المتعصبين الذين ارتكبوا هذه الأفعال بإسم الله. لا! انني أدرك انهم ينتسبون الى العهد القديم، وفي المقابل انني لا أنسى تلك الوحشية البشعة التي ارتكبت في عالمنا الغربي باسم الدين. انني أذكر هذه الوقائع التاريخية لأنها تبرهن كيف تصل كلمة الله بهذه الاعمال العظيمة الى البشر من عصر الى عصر. أفلا نتعلم من دورات الديانات السابقة كيف نتأكد من الحقيقة قبل ان نقتل رسل الله وأصحابهم الأوائل!
إذن دعونا نترك قلعة طبرسي، وقبل ان نفعل ذلك، لنلق آخر نظرة على ذلك الجمع الهائج. كان الغوغاء المحتشدين ينهبون الضحايا، وعثروا في جيب أحد هؤلاء الشهداء الشبان الشجعان... ماذا؟ قطعة لحم حصان صغيرة تحجرت بشدة بحيث لم يتمكن الشهيد من تناولها! حقاً ان القلوب لتتحرك من شجاعة ومعاناة أتباع حضرة الباب الأوائل هؤلاء! (من كتاب لمارثا ل. روت-مترجم من الفارسية)


ونتابع عن هذه الشخصية البديعة وتاريخ الطاهرة..