تراث وفقـه
 
 
00/04/2011


 

الطاهرة- صوت السافور-زرين تاج-قرة العين 


إشتهرت جناب الطاهرة أيضاً بأسم "قرة العين"، وهي أشهر امرأة في تاريخ إيران وستبقى ذكراها الى الأبد. وبما أنني سافرت خلال القارات الخمس، فقد شاهدت كيف ان حياتها أثرت في النسـاء والرجال في كل أنحاء العالم. ولاحظت كيف ان قصائدها يلتمسها العلماء في كل بلد، وأعلم أيضاً أن من بين البهائييـن من يتخذ حياة جناب الطاهرة مثالاً سامياً يبتغي الوصول إليه، مع أن الفترة كانت أقل من تسع سنوات، من وقت أول سماعها عن ظهور حضرة الباب الى زمن شهادتها بسبب محبتها لحقيقته، إلا أن حياتها الرائعـة بقيت منذ ذلـك الحين تبدو لنا في كل يوم مثل "معلم حيّ".( لمارثا ل. روت الكاتبة)
تصور في ذهنك واحدة من أجمل شابات إيران، عبقرية، شاعرة، أعلم علماء عصرها في القرآن والحديث، تصورها ابنة عائلة ضليعة في الفقه والأدب، وإبنة أعظم وأعلى مجتهد ديني في المقاطعة، غنية جداً، تتمتع بمكانة اجتماعية رفيعة، تعيش في قصر فخم جداً، متميزة بين رفيقاتها الشابات بشجاعتها غير المحدودة. تصور ماذا يعني هذا بالنسبة لإمرأة شابة مثلها ما زالت في العشرينات، لتقف كأول إمرأة حواريّة لرسول، هنا يمكنك أن تفهم هذه الحكاية.
في الجريدة الاسيوية لسنة 1866م الجزء 7 صفحة 474، قدمت صورة واضحة عن جناب الطاهرة، وجاءت الترجمة كالآتي:-
"كيف لإمرأة مخلوقة ضعيفـة جداً في ايران، وبالتحديد في مدينة قزوين، حيث يحتل رجال الدين مثل ذلك النفوذ القوي، ويمتلكون القدرة على جلب اهتمام رجال الحكومة والمواطنين بسبب كثرة عددهم وأهميتهم وقوتهم، كيف تتمكن امرأة في مثل هذا البلد ومثل هذه المقاطعة وتحت مثل تلك الظروف القاسية، من القيام على أمر كهذا؟ هذا هو السؤال المهم الذي حيّر الكثيرين. حتى ان مؤرخ ايران سبهر قال:- "انها كانت حقيقة نادرة ليس لها مثيل في التاريخ".
لكي أقدم لكم حقيقة تاريخ هذه المرأة الشابة العظيمة، عليّ ان أذكر لكم أولا الألقاب التي عرفت بها في العالم. أعطاها حضرة بهاءالله لقب "الطاهرة"، ولقّبها استاذها في كربلاء سيد كاظم الرشتي " قرة العين "، وعرفت كذلك بأسماء أخرى، "زرين تاج" (ذات التاج الذهبي) ولقبت أيضاً بـ "النقطة". أما اللقب الذي أعطاها اياه والدها، فلم يستعمل في التاريخ أبداً، مما يدل على مقدار طبيعة قوة حياتها الروحانية.
لهذه المرأة الايرانية الشابة قوة عميقة جداً، وتعرف هذه المَلَكَة بالبصيرة الثانية. لاحظت دائماً في التاريخ ان أولياء الله قادرين على التنبؤ بمستقبل الأحداث! وتساءلت مع نفسي في بعض الأحيان، هل كانت جناب الطاهرة لمّاحة بما فيه الكفاية لتقول:- "يا إلهي، أهب حياتي لتثبيت هذا الدين بين البشر". وهل كانت بحاجة أيضاً لتتدرب على الاشتياق الى تقديم حياتها كشهيدة لخدمة هذا الظهور العالمي الجديد؟ من المؤكد إننا نعلم انها في أول انبهارها الروحاني المتألق، شعرت بمسؤولية كونها واحدة من أتباع حضرة الباب. فلقد كتبت في إحدى قصائدها الأولى: "شاهدت على بوابة قلبي أثر وخيام فاجعتي!"
إنني أشعر إنها كانت تعلم مسبقاً بإستشهادها وقدمت استقبالاً رائعاً له. ومن خلال هذا النور يمكن للمرء أن يفهم روحانيتها الطاهرة وشجاعتها المقدامة ليس فقط تجاه الخطر المحدق بحياتها بل لكونها أول إمرأة في العالم الاسلامي الشرقي تجرأت على رفع النقاب عن وجهها خلال فترة قصيرة، والى إمتلاكها الشجاعة الكافية للذهاب الى مؤتمر بدشت للتشاور مع مجموعة من الرجال من أتباع حضرة الباب. إن فاطمة الزهراء لم تقدم المساعدة الى والدها محمد(ص) أكثر مما قدمته جناب الطاهرة لمساعدة حضرة الباب في إظهار حقيقة هدفه.
يمكن للمرء أن يسمع كلماتها وهي تخاطب الجمع في بدشت في مجلس تشاورهم حول موضوعين:- الأول كيف نحرر حضرة الباب من سجنه. والثاني هو الاعلان الصريح المباشر ان كان عليهم الاستمرار في العمل بالقوانين الاسلامية القديمة، أو ان كان حضرة الباب قد قدّم قوانيناً جديدة وعليهم تأسيس نظام جديد يتناسب مع الدورة الجديدة. ومن الممكن انها قالت في خطابها لهم بوجهها السافر:-
( إن صوت السافور الذي أشير اليه في يوم القيامة والبعث هو صوتي الآن لكم! إنهضوا يا إخواني، إن القرآن الكريم قد تُم وبدأت دورة جديدة! ألست أنا أختكم وأنتم أخواني؟ ألا يمكنكم ان تنظروا إليَّ كصديقة حقيقية لكم؟ فإن كان ليس باستطاعتكم أن تبعدوا عن عقولكم الأفكار السوداء - لأنه لم يسمع في الدور السابق من ينادي بضرورة كشف وجه المرأة من خلف تلك الحجب الكثيفة - كيف ستتمكنون من تقديم أرواحكم فداء لدين عظيم؟ ألم تلاحظوا وتدركوا ان عادة تغطية الوجه القديمة كانت لا ترضي محمد(ص) بدرجة كبيرة؟ ألم تسمعوا قط ان نساء الرسول محمد(ص) نفسه كن في رحلاتهن مكشوفات الوجه؟ ألا تتذكرون انه في بعض الأمور كان محمد(ص) يطلب من أصحابه الذهاب الى زوجته لطرح الاسئلة عليها؟ ولكن حتى لو كان هذا ليس من سنة محمد (ص)، فاليوم قد ظهر نور جديد غيَّر كل شيء! إن هذه هي ساعة البعث، لنملأ نفوس الرجال ببهاء الكلمة الالهية. دعونا نحرر نساءنا ونخلق مجتمعنا الجديد. دعونا ننهض من قبور الخرافات والأنفس ونقول ان يوم القيامة قد حلَّ، عندها ستستجيب كل الارض لحرية الضمير والحياة الجديدة! إن نفخة صور البعث هي أنا!).
هـل لكلام جـان هيـوس أو لمـارتـن لـوثـر، وقعٌ أشدُ من هذا الكلام؟ كلا! فعلى أكتاف حضرة الباب النحيلة القوية الطاهرة وعلى أكتاف حوارييه القلّة وقعت أعباء مهمة تحطيم الخرافات والعادات القديمة جداً. كان على هذا ان يحدث قبل ان تبنى الحضارة الروحانية الجديدة على أسس متينة. لم يكن قد حدث مثل هذا في مختلف مراحل تطور الديانات منذ الأزل.
سافرتُ من بغداد الى قزوين في ايران في يناير 1930م على نفس طريق القافلة التي سلكته ذات مرة جناب الطاهرة، البطلة الالهية الشهيرة، ودخلت المدينة التي نشأت فيها. كانت روحي توّاقة لمعرفتها عن قرب! وتمنيت مشاهدة البيت الذي ولدت فيه في قزوين، لكن الاصدقاء أخبروني انه شيء مستحيل، فأقاربها مسلمون متعصبون، ولأنهم سابقاً كانوا مستائين جداً منها ومن الدين الذي أنشأه حضرة الباب، بقي الناس يعتقدون ان هذه الكراهية ما زالت معلقة بالديانة البهائية.
كان صاحب فندق جرانت هوتيل الذي نزلت فيه واقفاً على باب الفندق، فإذا به يشاهد أحد أقرباء جناب الطاهرة ماراً من أمامه، فدعاه للدخول وقدّم له كوباً من الشاي وقال له ممازحاً: "على عائلتكم أن تخجل منكم. إنكم مثل طين أسود ظهرت منه وردة نرجس! إن جدتكم الطاهرة محبوبة في كل بلدان العالم، إلا انكم لا تظهرون أي بادرة تقدير لها. لديَّ ضيفة أمريكية في فندقي مشتاقة جداً لمشاهدة البيت الذي عاشت فيه الطاهرة ذات يوم.
أجاب القريب: ان كانت تريد رؤية بيت الطاهرة، فسآخذها أنا إليه.
أجاب صاحب الفندق بتعجب: لا، لا يمكنك أن تفعل هذا!
أجاب القريب: نعم، يمكنني، وسوف أفعل.
وهكذا حصل، وذهبت مع صاحب الفندق والقريب المسلم الى البيت التاريخي لتلك المرأة الشابة الشهيرة. كان مكاناً كبيراً جميلاً بنوافذ مزخرفة، ويبدو انه كان في زمانه من أجمل المساكن في مناطق ايران في تلك الأنحاء. أطلعني القريب على جناح السيدات في القصر حيث ولدت جناب الطاهرة، ثم أخذني الى مكتبة جميلة رائعة في الطابق الثاني حيث كانت الطفلـة الصغيرة تجلس للقراءة. البُنيّة التي أصبحت فيما بعد شاعرة وأول شهيدة في آسيا الوسطى من أجل تثـقيف ومساواة المرأة ونزع الحجاب! أطلعني على السجن والقبو للقصر العظيم حيث سجن الوالد ابنته، لكن القريب قال بلطف: إن والد جناب الطاهرة كان يحب ابنته الموهوبة رغم انه كان يختلف معها بشدة في المعتقدات الدينية، ولقد سجنها في بيته الخاص محاولاً حمايتها من وحشية أولئك الذين كانوا مسـتعدين لكيّها بالسياخ لانتمائها الى الديـانة البابية المكروهة، لكنه حتى هو، لم يستطع حمايتها، فلقد جاءوا وأخذوها بعيداً الى سجن المدينة.
عندما سجدتُ لأقبّل أرضية غرفتها وأصلي، حضر جميع أقاربها ووقفوا صامتين. لقد كانوا ودودين ومحترمين. وحال خروجي من غرفتها العزيزة، قال لي ذلك القريب: إنك أول بهائية تأتي من الغرب وتسأل عن الطاهرة وتشاهد بيتها وأحفادها.
فأجبته: لم يأت أحد من قبل لعدم امتلاكه الشجاعة الكافية! أقول لك الحقيقة، كنا خائفين جداً منكم جميعاً!
فقال لي هذا القريب بعد الصلاة والدموع تترقرق في عينيه: انني لست ضد الطاهرة، إنني أشعر انه لشرف لنا أن نكون أحفاد مثل هذه العائلة النبيلة. ان والدتي هي الأخت الصغرى للطاهرة.
بعدها، عاد معي الى الفندق وكان بيننا حديث طويل، وفي ذلك اليوم بدأت علاقة صداقة حميمة بين أحد أحفاد جناب الطاهرة وبهائية من الغـرب. إنني أشتاق الى تلك الذكريات اللطيفة المقدسة والى رؤية ذلك المحامي الرائع قريب جناب الطاهرة يقف مع البهائيين وهو يقول: "الله أبهـى". كان ذلك بالنسبة لي وأنا خارجة من ايران مفعمة بالطاقة الروحانية والجسدية وهو واقف بينهم كمثال للوحدة التامة وكقوس قزح رائع النور ظهر في السماء فوق رؤوسنا؟
وتذكرت العديد من الأحداث التي أخبرني بها هذا القريب عن جناب الطاهرة، وكتبت كذلك بعناية كل ما قاله لي أحفاد البهائيين عنها، فأقدمه لكم رغم اختلاف التفاصيل، إلا ان الأحداث تُظهر نفس النور المشرق عن هذه المرأة البهائية الأولى، "حضرة جناب الطاهرة"!
ولدت جناب الطاهرة حوالي سنة 1819م او 1820م، كما سمعت، فلقد أحرق الكتاب الذي سجّل تاريخ ميلادها مع بقية كتبها وملابسها في اليوم التالي لشهادتها المؤسفة. الا ان المؤرخين والاحفاد الذين يعرفونها قد اتفقوا على انها ولدت بين (1817و1820م) وجاء في كتاب "مطالع الأنوار" ان جناب الطاهرة ولدت في سنة 1233هـ الموافق 1817-1818م وهي نفس السنة التي شهدت ميلاد حضرة بهاءالله. وبهذا يكون عمرها 36 سنة عندما تجرعت كأس الشهادة في طهران.
عندما كانت طفلة صغيرة كانت ذكية جداً، وكانت متشوقة جداً للمعرفة والعلم وتحفظ دروسها التي كان والدها يعلمها إياها بسرعة، حيث كان من أكبر العلماء والمجتهدين في ايران، وفي النهاية خصص معلماً خاصا لها. كان ذلك شيئاً غير عادي بالنسبة للبنات في ذلك الوقت، فلم يكن لهن حظاً من الثقافة آنذاك. وقد فاقت أخوتها في تقدمها واجتهادها، واجتازت اختبارات صعبة في دراسة العلوم الدينية. لقد كان القليل من الرجال في زمانها يعرفون معاني القرآن والحديث والقوانين الاسلامية مثلما كانت تعرف هي. وبسبب كونها إمرأة، حجبوا عنها درجة الاجتهاد (مجتهد) التي كانت تستحقها بجدارة. وكان والدها يردد بحسرة دائماً: "من المؤسف انها لم تولد ذكراً. والا لكانت قد احتلت مكانتي بين علماء الامبراطورية المشهورين".
كان اسـم والدها الحاج الملاّ صالح، له أخوين يدعى الكبير منهما الحاج الملاّ محمد تقي وهو عدو لدود للباب، والأصغر يدعى الحاج الملاّ علي، وقد أصبح فيما بعد من أتباع حضرة الباب المخلصين. زُوجت جناب الطاهرة الى إبن عمها الملاّ محمد ابن الملاّ تقي عندما كانت صغيرة السن تماما، ويقول بعض المؤرخون، انها كانت في الثالثة عشر من عمرها عندما تزوجت. وقد قال لي سليلها في طهران ايضا:- "ان عمرها كان ثلاث عشرة سنة عندما تزوجت، وكان لها ثلاثة أطفال، ولدين وبنت، وبعد مدة من استشهاد والدتهم، هرب هؤلاء الاطفال من بيتهم بسبب معاملة والدهم القاسية، فذهب احد الاولاد الى النجف، والآخر جاء ليسكن قريبا من طهران، وتوفيت البنت بعد زمن قصير من وفاة والدتها".
كانت جناب الطاهرة منذ نعومة أظفارها شغوفة بدراسة علوم الدين، وذات يوم عندما كانت في زيارة الى بيت ابن أخ الملاّ جواد، اكتشفت في مكتبته مؤلفات كتبت بقلم العالمين الكبيرين الشيخ احمد الاحسائي وتلميذه السيد كاظم الرشتي. ولقد انجذبت بشدة لهذه الكتب وطلبت استعارتها الى بيتها لدراستها.
كان ابن خالها صاحب البيت، كاره جداً لاعارتها تلك الكتب في ذلك اليوم، لأنه قال لها: "إن شاهدك والدك وأنت تقرأين هذه الكتب في بيتك، فسيثور بشدة لذلك، فهو من المعارضين جداً لهذين المفكّرين الحديثين". وعلى كل حال، فقد أقنعت جناب الطاهرة ابن خالها المضيف في استعارة الكتب منه وأخذتها الى بيت أبيها حيث قامت بدراستها بعناية.
أخبرني بعض أقرباء جناب الطاهرة انها عاشت معظم حياتها في بيت أبيها حتى بعد زواجها وكانت مع والدتها دائما حتى بدأت أسفارها. كان لها غرفة في بيت زوجها وفيها بعض المخطوطات والأوراق التي لم تحرق بعد وفاتها.
نود أن نوضح بعض تعاليم الشـيخ الاحسائي لأنها تؤثر بشكل كبير في معتقدات الاسلام الثابتة التي تعلمتها جناب الطاهرة في بيتها. إن احدى عقائد الشيخية كانت بخصوص الاعتقاد بعودة الجسد، فهو يقول بأن الجسد لن يبعث من جديد ولكنه يتلاشى بعد الموت، بينما تبعث الروح الى الجنة وتسكن بمحضر الله. والعقيدة الاخرى ان الله كان في السابق يرسل الرسل او المربين دائما الى الناس لقيادتهم الى ملكوته وان هذه النعمة الالهية مستمرة ولا تنقطع. وعقيدة اخرى للشيخية تتعلق بالمعتقد العام بين شيعة المسلمين بأن هناك شخص غاب لألف سنة وسيظهر كمعلم عظيم. وتقول الشيخية بخصوص هذا المعتقد ان هذا الموعود سوف لن يظهر بهذه الطريقة، لكنه سـيولد من إمرأة ويُظهر نفسه لفترة قليلة في هذا العالم. هذا الاعتقاد الأخير كان مهما جداً وخلق اضطراباً كبيراً، لان المسلمين كانوا يتوقعون لمدة ألف عام ظهور هذا الشخص بنفس الهيئة كما اختفى بها من قبل، لكنهم الآن عرفوا فجأة من الشيخية بأنه سيولد من إمرأة وسيأتي قريباً!
ان مهمة الشيخ الاحسائي هي إعلان بشارة ظهور حضرة الباب رغم انه لم يره أبداً. ولقد ذكر ايضاً علامات معينة للظهور يمكن تمييزها بعد ظهور حضرة الباب. وهنالك توضيح كامل لمعتقدات الشيخية يمكن قراءتها في كتاب "مذكرات سائح" الجزء الثاني، ترجم وطبع من قبل البرفسور أدوارد ج. براون من جامعة كمبردج في انكلترا.
ولد الشيخ احمد الاحسائي حوالي سنة 1745م. ولقد ترك الاحساء مكان ولادته وذهب الى كربلاء والنجف ليدرّس وينشر علومه الروحانية، وكان له هناك أتباع كثيرون وحاز على شهرة واسعة بحيث ان شاه ايران فتح علي، دعاه للوفود الى طهران، وخلال رحلته هذه في ايران توقف في قزوين وقام بزيارة الحاج الملا محمد تقي. وكان للرجلين نقاش حول حقيقة موضوع البعث. وخلالها وصم الملا القزويني الشيخ الاحسائي بالكفر والهرطقة وأظهر عداء سافراً له بحيث أجبر الشيخ الاحسائي على ترك المدينة (وكما ورد في "مطالع الأنوار" الذي طبع منذ كتابتي لهذا الكتاب في ايران سنة 1930، ان الشيخ احمد توفي في 1827م عن ثمانين عاما ودفن في المدينة المنورة).
كانت جناب الطاهرة ما زالت طفلة في ذلك الوقت عندما إعتادت سماع والدها وعمها يستنكرون اعتقادات الشيخ الاحسائي، وسُمعت ذات مرة وهي تقول: "ان الشيخ على حق، وإن والدي وعمي على خطأ". فأجابوا عليها في ذلك الوقت: "إقرأي كتبنا ومؤلفاتنا، فنحن أكثر علماً من الشيخ الاحسائي".
لقد أخذت جناب الطـاهرة كل الكتب التي تمكنت من العثور عليها حول تعاليم الشيخ احمد من مكتبة ابن خالها، وطلبت أيضاً كتابات السيد كاظم الرشتي ودرستها (وحسب ما جاء في كتاب مطالع الأنوار ان السيد كاظم ولد في رشت في مقاطعة جيلان سنة 1793، وقد حفظ القرآن قبل بلوغه سن الثانية عشر، وفي سنة 1806 سكن في اردبيل(1) وبعد ذلك ذهب للبحث عن الشيخ احمد وتتلمذ على يده في يزد، وكانا يعيشان معاً سنة 1817م في طهران. وذهب السيد كاظـم الى كربلاء سنة 1822م ودرَّسَ هناك حتى وفاته سنة 1843م). ولقد أصبح التلميذ (السيد كاظم) رئيس الطائفة الشيخية بعد وفاة استاذه الشيخ احمد. ومن المهم معرفة شيء عن أفكار هذين القائدين العظيميـن في تلك الفترة، لانهما فعلا مثل ما فعل يوحنا المعمدان عندما أعلن عن قدوم السيد المسيح، وكذلك الشيخ احمد والسيد كاظم، فقد بشرا بقدوم حضرة الباب في القريب العاجل.
وكتب البرفسور ادوارد براون من جامعة كمبردج ان السيد كاظم عندما كان في سن الثانية عشر ويسكن في اربيل في العراق، شاهد رؤيا تقول له بان يضع نفسه تحت قيادة الشيخ الاحسائي الروحانية الذي كان يسكن آنذاك في يزد. فذهب وجلس يتتلمذ على يده، وكما قلت في الفقرات السابقة انه أصبح خليفة الشيخ احمد. لقد كتب السيد كاظم اكثر من ثلاثمائة كتاب، وتوفي في كربلاء سنة 1843م فور عودته من الكاظمية. وقبل وفاته بفترة قليلة قال لبعض تلاميذه: "ان فترة اقامتي في هذه الدنيا قاربت نهايتها وان هذه هي آخر رحلاتي. فلماذا تحزنون وتضطربون من وفاتي؟ ألا ترغبون أن أذهب ويظهر القائم؟"
أو كما ذُكر في كتاب "مطالع الأنوار": "أليست محبتكم لي من أجل ذلك الحق الذي ننتظر ظهوره جميعاً؟ ألا ترغبون في وفاتي من أجل ان يظهر ذلك الموعود؟"
لقد تراسلت جناب الطاهرة تلك المرأة الشابة القزوينية مع السيد كاظم الرشتي لبعض الوقت، وكانت المراسلات بين الاثنين تتم عن طريق عمها الأصغر الحاج الملاّ علي، وسألته العديد من الاسئلة العميقة عن الدين، وبسبب ما تتمتع به من ادراك عظيم وصفات مثلى، فانه هو الذي أعطاها لقب "قرّة العين". ولقد لقّبها والدها بـ "أم سلمه" إلا انها لم تستعمله قط.
حاولت هذه التلميذة توضيح هذه التعاليم الجديدة لوالدها، لكنه كان يوبخها دائماً.
وقالت انها قد وجدت العديد من المعاني في هذه الكتابات المستندة الى مفاهيم القرآن والأفكار الاسلامية.
وفي النهاية قالت لوالدها: "إني لا أرى أياً من هذه المزايا فيك أو في عمي تقي". وحاولت ان توضح له حقيقة البعث والوعود الالهية وظهور الموعود، لكنه كان يعارض كل هذه الأفكار. ذات ليلة، ذكرت جناب الطاهرة أحد أقوال الإمام جعفر الصادق إسناداً لدعواها. وبمجرد ان سمع والدها ذلك ثار غضباً وراح يسخر من هذا القـول. فقـالت له منبهة: "يـا أبتي.. إنك تنتقد قول الإمام!" بعد ذلك امتنعت عن الحديث في أمور الدين مع والدها، الا انها كانت دائمة الاستفاضة والسؤال من السيد كاظم الرشتي في كربلاء بواسطة المراسلة.
كانت لها رغبة شديدة في الذهاب الى كربلاء للدراسة على يد السيد كاظم، ولقد ساعدها عمها الحاج الملاّ علي وساعد أختها في الحصول على الإذن من عائلتها للقيام بتلك الزيارة الى الأضرحة المقدسة في كربلاء والنجف، لكن رغبتها الحقيقية كانت زيارة استاذها بالاضافة الى القيام بزيارة المقامات.
من المحتمل ان سهولة حصولها على موافقة والدها وزوجها ووالد زوجها كانت بسبب اعتقادهم ان الزيارة سوف تعيدها الى معتقداتها السابقة! وعلى كل حال، فانه يقال ان هاتين الشابتين اللتين ذهبتا لزيارة كربلاء كانتا على درجة كبيرة من الجمال والمكانة الاجتماعية بين النبلاء. فالاثنتان كانتا غنيتين.
كانت هناك قرية تبعد حوالي خمسة عشر ميلا من قزوين، أهداها والد جناب الطاهرة اليها كاحدى هداياه، وأطلقت عليها جناب الطاهرة اسم "بهجت آباد" وتعني أرض البهجة.
كانت هذه السفرة في سنة 1843م، عندما كانت جناب الطاهرة في سن الثالثة والعشرين او كما يقول البعض في سن السادسة والعشرين، وكان لها ولدين وبنت. ولقد اشتهرت كإحدى العالمات الشابات في عصرها ومن أجمل النساء المحبوبات. ان الصورة الوحيدة التي يمكن الحصول عليها للطاهرة، هي صورة روحانية، إذ لا يوجد لها لا صورة فوتوغرافية ولا صورة زيتية، وهذا ما قاله لي أقرباؤها. ولقد رسم الفنانون صورا عديدة لها، إلا انها لم تكن من الواقع، بل من خيالهم.
في تلك الأيام، كانت تفكر فقط بظهور المعلم الجديد للعالم، ولقد ذكرت لعمها انها ترغب أن تكون أول إمرأة تخدمه عند ظهوره. لم يدرك أحد مثلها وضع ايران المزري وكم كانت حقوق المرأة مسلوبة بسبب التعصب الشديد السائد في ايران. قالت لعمها الملاّ علي: "آه.. متى يأتي ذلك اليوم الذي تنزل فيه قوانين جديدة على الأرض! إنني سأكون أول من يتبع تلك التعاليم الجديدة وسأفدي نفسي من أجل بنات جنسي!" (من كتاب لمارثا ل. روت)