تراث وفقـه
 
 
10/08/2011


 الطاهرة داعية البهائيين


تعتبر كربلاء والنجف في العراق من أعظم الأماكن المقدسة للزوار الشيعة المسلمين بعد مكة والمدينة في جزيرة العرب. وعلى كل حال، ذهبت جناب الطاهرة مباشرة الى بيت معلمها السيد كاظم الرشتي في كربلاء، وكان حزنها عظيماً عندما علمت انه ترك هذا العالم قبل وصولها بعشرة أيام. فأقامت في بيته، وبموافقة بقية أفراد عائلته، استطاعت الوصول الى العديد من مؤلفاته التي لم يطبع البعض منها أبداً. فدرستها بشغف، وقالت لطلابه: "تأملوا كم ترك لنا الشيخ احمد والسيد كاظم الرشتي. لقد أورثونا بحراً من العلوم!"
أخبرني الأصدقاء في بغداد، ان جناب الطاهرة أقامت في كربلاء لمدة ثلاث سنوات. وذكر بعض الكتاب أنها أخذت مكان السيد كاظم وبدأت بتدريس طلابه. كانت تجلس دائماً خلف ستارة، لأن النساء كن لا يظهرن بدون حجاب. بل كان يعتبر سماع صوت المرأة خارج جناح الحريم كعلامة من علامات الضلالة. ان العالم لا يعرف شيئاً يذكر عن النساء العظيمات اللائي اشتهرن في إيران ممن حصلن على تعليمهن وثقافتهن الجزئية نتيجة مخالطتهن جناب الطاهرة في كربلاء والسفر معها بعد ذلك الى المدن الأخرى. فمن بين مجموعة تلامذتها كانت خورشيد بكم الاصفهانية ولقبها شمس الضحى، التي أصبحت فيما بعد والدة زوجة سلطان الشهداء في أصفهان وجدة ميرزا جلال الذي تزوج ابنة حضرة عبد البهاء روحا خانم في حيفا في فلسطين. ومن صاحباتها الأخريات والدة الملا حسين بشروئي الذي عرف فيما بعد بباب الباب، وأخته، لأنه كان أول من آمن بحضرة الباب.
وكتب حضرة عبد البهاء في كتابه "تذكرة الوفاء" باللغة الفارسية فصلاً قصيراً عن جناب الطاهرة، ويعتبر أفضل وأصدق ما كتب عن حياتها. ولقد قرأ لي بشغف أحد المؤمنين في طهران ويدعى ولي الله ورقاء هذا الكتاب بصوت عال وترجم غالبيته، ومن بين العديد من نقاطه، أتذكر أن حضرة عبد البهاء قال: (أن بعض تلامذة السيد كاظم الرشتي بعد وفاة معلمهم ذهبوا الى مسجد الكوفة ليصوموا ويبتهلوا ويتضرعوا لمدة أربعين يوما. وكان من بينهم الملاّ حسين بشروئي والملاّ علي البسطامي. وبقي الآخرون ينتظرون في كربلاء ومن بينهم جناب الطاهرة، فكانت تصوم وتتعبد خلال النهار، وفي المساء كانت تصلي وتدرس الكتب الدينية. ذات ليلة، شاهدت في رؤيا لها، شاباً من السلالة النبوية واقفاً في الهواء، ثم سجد وصلى، وسمعت أحدى أدعيته وحفظتها عن ظهر قلب، ثم أسرعت بتسجيلها عند استيقاظها).
وذكر بعض المؤرخين مثل البروفسور ادوارد براون في كتابه "التاريخ الجديد" انه بعد فترة التعبد التي قام بها الأتباع، بدأ العديد منهم في البحث عن القائم الموعود. وعندما همَّ الملاّ حسين بشروئي بالسفر الى شيراز، قالت له جناب الطاهرة بأنه سيلتقي بالموعود، وطلبت من أخيها الروحاني هذا أن يبلغ المعلم الجديد ولاءها الشديد له ويسلمه الرسالة التي كتبتها. وعندما قابل الملاّ حسين بشروئي ميرزا علي محمد في شيراز الذي أعلن انه هو حضرة الباب، آمن به على الفور وقدّم له رسالة جناب الطاهرة، ومن ساعتها قبلها حضرة الباب كواحدة من أتباعه الثمانية عشر "حروف الحي" (ولقد أطلق على نفسه الحرف التاسع عشر).
وبهذا أصبحت جناب الطاهرة أول امرأة آمنت بالدين الجديد. وذكر في كتاب "كشف الغطاء" أن جناب الطاهرة قد أُبلغت برسالة حضرة الباب بواسطة الملاّ علي البسطامي الذي زار كربلاء في سنة 1844م (1260هـ) بعد عودته من شيراز.
وعلى كل حال، فمن المؤكد أن ما ذكر في "مطالع الأنوار" صفحة 81 كان دقيقا وجميلا بحيث أعيد ذكره: لما علمت جناب الطاهرة بسفر زوج أختها المدعو محمد علي من قزوين، سلمته خطابا مختوما وطلبت منه أن يسلمه الى ذلك الشخص الموعود الذي لابد وان يقابله أثناء بحثه، وأفهمته أن يقول له:
لمعات وجهك أشرقت وضياء طلعتك اجتلى
قـال ألسـت بربكـم قلنا بلـى قلنـا بلـى
وقد قابل الملاّ محمد علي (حضرة الباب) وأقبل الى دعوته وسلّمه الخطاب وأوصل اليه الرسالة، فأقرها حضرة الباب ضمن حروف الحيّ. وكانت الوحيدة من بين حروف الحيّ الثمانية عشر التي لم تقابل حضرة الباب، إلا أنها قد شاهدته ببصيرتها الخفية الثاقبة.
ويقال ان الملاّ حسين بشروئي بحث عن رفيقه الملاّ علي البسطامي الذي جاء الى شيراز للبحث عن الموعود، أما بقية الأتباع فذهبوا في اتجاهات مختلفة الى ايران والعراق للبحث عن الموعود الجديد، ولقد آمن الملاّ علي البسطامي أيضا بحضرة الباب، ثم أُرسل بعدها ليعود الى كربلاء حاملا البشارة، وأخذ معه واحداً من كتب حضرة الباب الموسوم "أحسن القصص"، وعندما قرأته جناب الطاهرة وجدت بين صفحاته الدعاء الذي سمعته في رؤياها. فغمرتها فرحة كبيرة لأنها تأكدت ساعتها تماما، أن ميرزا علي محمد الموجود في شيراز، انه هو حضرة الباب الجديد (المظهر الإلهي). ولقد قرأت جناب الطاهرة الكتاب بتمعن ولهفة، وأرسلت وراء الملاّ علي البسطامي وسألته كثيراً عن حضرة الباب. فآمنت وبدأت على الفور بترجمة الكتاب الى الفارسية، وكذلك كتبت تعليقاتها الخاصة عن هذا الكتاب الأول. كما أنها كتبت بعض الكتب بالفارسية وألّفت قصائد عن حضرة الباب ونهضت بمحبة خالصة لتنفيذ واجباتها المقدسة.
وعندما يتساءل الناس إن كانت الديانـة البهـائية قد بزغت من الإسلام، فهنالك جواب واحد، نعم. بالضبط مثلما ظهرت المسيحية من الديانة اليهودية، لذلك يمكنكم ملاحظة ان جميع أتباع حضرة الباب الأوائل كانوا مسلمين وكان العديد منهم من رجال الدين، وكان حضرة الباب نفسه من نسل محمد(ص). وعلى كل حال، كانت تعاليمه جديدة، وإلا لما استشهد أكثر من ثلاثمائة من أعاظم رجال الدين في إيران في سبيل الأمر المبارك خلال العشر سنوات الأولى من عمره. وانه لم يطلق على نفسه اسم باب المعرفة إلا ليعلن عن أمر "من يظهره الله". ولقد ظهر حضرة بهاءالله فيما بعد كما أخبر عنه حضرة الباب تماماً، وكان حضرة بهاءالله نفسه الذي أنزل لهذا العالم الديانة البهائية، وهي من أعظم الحقائق الواجب معرفتها اليوم على الأرض، لأنها المفتاح الرئيس لهذا العالم الدنيوي والعالم التالي، وأنها الخطة الإلهية لحضارة إلهية جديدة.
لا يمكن تصور إنسان يرغب في الموت - رجلاً كان أم إمرأة - بدون أن يفعل شيئاً للإنسانية والأجيال القادمة. لقد بنى الآخرون لنا، ومن المؤكد إننا لا نختلف عنهم حتى نفشل في البحث عن أقوى خطة فعالة لتقدم البشرية من الناحية الروحانية. فدعونا ندرس التعاليم لنرى دعوتهم ونثبت هل هي حقيقة أم كذب! ان أفضل أثر نتبعه هو جناب الطاهرة، أو على الأقل ما يساعد العالم أكثر، هو دقتها الشديدة في البحث عن الحقيقة! لقد ابتدأت بذلك وهي طفلة واستمرت حتى يوم مغادرتها هذا العالم.
لقد سمع علماء الدين انها أصبحت من المؤمنات الموقنات بحضرة الباب وراحت تنشر هذه الحقيقة تماما في وسط المجتمع الإسلامي، لأن في كربلاء والنجف كان يعيش العديد من مشاهير علماء الدين. ومن المؤكد أنهم شكوها الى الجهات الحكومية. فأعتقلت السلطات خورشيد بكم بعد البحث بدلاً عنها. وحالما علمت جناب الطاهرة بذلك، كتبت الى الحاكم تقول انها هي التي يبحثون عنها وطالبت بإطلاق سراح صديقتها. فوضع الحاكم بيت جناب الطاهرة تحت المراقبة حتى لا يخرج أو يدخل إليه أحد، وكتب الى حكومة بغداد يطلب التعليمات. فراقب الحرس البيت لمدة ثلاثة شهور ومنعوا الناس منه. وعندما لم يأت رد من بغداد، كتبت جناب الطاهرة الى حاكم كربلاء تخبره عن عزمها في الذهاب الى بغداد لتنتظر تعليمات سلطات بغداد أو استنبول هناك، لأن العراق كان في ذلك الوقت تابعاً لتركيا. فسمح الحاكم بذلك، وسافرت جناب الطاهرة وخورشيد بكم ووالدة باب الباب وشقيقته مع العديد من النسوة الى بغداد. وعند حركتها من كربلاء قام الأهالي بتحريض من علماء الدين، برجمها بالحجارة.
بوصولهن الى بغداد سكنت المجموعة في بيت الشيخ محمد شبل العراقي، والد محمد مصطفى بغدادي (والد الدكتور ضياء بغدادي الذي عاش في شيكاغو في الولايات المتحدة لعدة سنين). وعند ذاك بدأت تبلّغ الأمر الجديد في كل يوم، وكانت تتكلم بقوة شديدة وفصاحة بحيث أن كل من شاهدها وسمعها قبل ذلك تعجب وقال: "إنها ليست المرأة التي نعرفها من قبل"، وبدأت محاضراتها تفتن الكثير من المستمعين، وأوجدت في مستمعيها رغبة حقيقية في التحري عن هذه الحقائق. وفي مدة قصيرة جذبت ببراهينها غير العادية وعلمها العميق واثباتاتها المقنعة العديد من الأتباع، وجاء الى بغداد العديد من طلابها في كربلاء لحضور دروسها. ونتيجة لمهاجمتها القوية لجذور سلطة علماء الدين، كان من الطبيعي ان ينهض العلماء بذعر شديد وبشكل عام لمهاجمتها، فنهض العديد منهم ضدها وضد كل من آمن بتعاليم حضرة الباب.
ومثلما حدث في كربلاء، حدث في بغداد، فلقد تحدّت علماء الدين - من خلال الحاكم - للحضور الى مناقشة علنية في أمور الدين الجديـد.
ولقد تراسلت أيضا مع علماء الدين في قزوين، فاعتذروا ورفضوا ذلـك، وطالبوا الحكومة بترحيلهـا مع رفيقاتهـا الى بيت مفتي بغداد، وكان اسمه ابن الآلوسي وهو ابن سيد محمود الآلوسي. فسكنت في بيته لمدة ثلاثة شهور، كانت خلالها تناظر العلماء وتدافع عن دينها. وفي كل تلك المدة كان الجميع في انتظار تعليمات السلطات فيما كان عليهم أن يفعلوه مع جناب الطاهرة. وكان المفتي يسألها كل يوم أسئلة علمية، ولـم يبد أي استغراب من أجوبة جناب الطاهرة. ويقـال انه قـال لها: "آه يا طاهرة..! أقسم بالله العظيم إنني أشاطرك المعتـقد، لكنني أخاف سيوف عـائلـة العثمانييـن ".
وخلال تلك الأيام في بغداد، استمر تدفق العديد من الناس إليها لاستماع التعاليم الجديدة منها.
وعندما كنت في طهران، سمعت من الدكتور أرسطو حكيم، كيف أن جده الدكتور حكيم مسيح - وكان طبيب الشاه الخاص ومحبوباً جداً من العائلة المالكة - انه جاء مع جلالته الى العراق في زيارة الى كربلاء، وشاهد هذا الدكتور الكليمي سابقا (حكيم مسيح) خلال تجواله في بغداد جماعة كبيرة من المثـقـفين وغالبيتهم من علماء الدين وهم يستمعون الى محاضرة ثم الى مناقشة تلتها، مع سيدة تجلس خلف ستار. فذهب للاستماع إليها وكانت تحاجج هؤلاء العلماء بحديث معقول جداً وتغلبت عليهم وعجزوا عن دحض براهينها. فتعجب كثيراً، وعلى الفور اقتنع انها على حق ثم آمن بما كانت تدعو له، ولم يكن قد سمع عن حضرة الباب من قبل، وظن ان هذه السيدة لابد وان تكون هي الموعود. لقد استمع الى محاضراتها ثلاث مرات، بعدها أكمل زيارته مع الشاه وعاد الى طهران.
ذات مرة، قدَّم هذا الطبيب خدماته بالذهاب الى سجن طهران لرؤية رجل مريض جدا يدعى الملا أصدق اعتقل بتهمة البابية، وكانت فرصة للحصول على معلومات أكثر عن جناب الطاهرة وحضرة الباب.
في النهاية، كانت ثمرة إيمان هذا الطبيب المئات من البهائيين من أصل كليمي من القاطنين في همدتن وطهران اليوم، وكان ولده طبيباً أيضا وان غالبية أحفاده أصبحوا أطباء ومن بين العلماء والمقتدرين ومن الخدّام المخلصين للديانة البهائية في طهران اليوم. أمضى أحد أحفاده وهو الدكتور لطف الله حكيم بعض الوقت مع حضرة عبدالبهاء في حيفـا، وكان هناك عندما صعد حضرة عبدالبهاء في 28 نوفمبر 1921، ونحـن ندين جميعا للدكتور لطف الله حكيم للعديد من الصور الفوتوغرافية عن حضرة عبدالبهاء عندما منح لقب (سير) وعن صور أيامه الأخيـرة في الحدائق وعن موكب التشييع. لقد قدمت عائلة حكيم خدمات جليلة للأمر المبارك منذ أوائل أيامه؟
يعزى لهذا المفتي الذي استضاف جناب الطاهرة في بغداد بطلب من الحاكم، تأليف كتاب باللغة العربية، قرء بشكل واسع في الغرب وفيه تكلم عن جناب الطاهرة خلال اقامتها في منزله. قال: انه في كل صباح مع أول خيوط الفجر كانت تنهض وتشرع في الصلاة والمناجاة والدعاء وكانت تصوم دائماً. وقال انه لم يشاهد إمرأة أكثر طهارة منها وأكثر إيمانا حتى في أكثر الرجال علماً وشجاعة.
ذات مسـاء استدعى والـد المفتي ولده وراح يوبخه، وكان يحتقر جناب الطاهرة بعكس ولده المفتي، وقال له: أن رسـالة وصلت الآن من استنبول وفيهـا يمنح السـلطان الطاهرة حريتها ولكنـه أمرها بعدم البقاء في المناطق التركيـة وأمره بعمل الترتيبات اللازمة لمغـادرتها العراق غداً.
وعلى الفور غادرت جناب الطاهرة وبقية النسوة بيت المفتي وجهزن أنفسهن للرحيل الى إيران. أن أصدقائي في بغداد قالوا لي أن ابن الآلوسي هذا كان معجباً بجناب الطاهرة لغزير علمها، وأخبروني انه قال: "إنني أرى فيها علماً وثقافة وأدباً وأخلاقاً عالية مما لم أشاهده بعظماء الرجال في هذا القرن". وقال أحباء العراق أيضاً: انه عندما دخل والد المفتي البيت وشرع بلعن جناب الطاهرة بعد أن علم انها تركت دين سيدنا محمد(ص)، خجل الابن وتقـدم بعد ذلك الى جناب الطاهرة يسألها الصفح، وتوسل إليها أن تغفر لوالـده غلطته. إن المفتي نفسه هو الذي جاء ليقول لها:- "أنت حرّة، ولكن عليك الآن بتجهيز حاجياتك للسفر الى إيران بأمر السلطان".
وكان قد رافقها في رحلتها جمع كبير من الأحباء يزيد عددهم على الثلاثين شخصاً لمحبتهم لها وشعورهم بالخطر المحدق فوق رؤوسهم. ومن كياسة مفتي بغـداد انه أرسل عشرة فرسان تحت إمرة ضابط ليرافقوها مع أصحابها بمنتهى الاحترام والأدب من بغداد الى خانقين وحتى الحدود الإيرانية. وكان من ضمن رفيقات سفر جناب الطاهرة خورشيد بكم ووالدة ميرزا هادي النهري وآخرين. ومن بين الإيرانيين السيد محمد يزدي والسـيـد محمد بايكاني والسيد محسن كاظمي والملاّ إبراهيم محـلاتي، ومن بين العرب كان الشيخ محمود شبل الذي جهز كل شيء لرحلتها واستأجر البغال وأماكن الإقامة وشراء الطعام ودفع كامل مصاريف الجماعة من ماله الخاص حتى كرمنشاه وابنه محمد مصطفى. ومن العراق أيضا الشيخ صالح كريماوي والشيخ سلطان كربلائي والدرويش ماكوي وجواد وعبد الهادي زهراوي وحسين حلاوي والسيد جباني وآخرون.
عند وصول جناب الطاهرة وأصحابها الى كرمنشاه، أعد للنسوة أحد البيوت وللرجال بيت آخر، وحالما علم السكان بوصولهم أسرعوا اليهم لسماع التعاليم. وخلق العلماء فوضى كبيرة وتسـببوا في طردهم وسمح رئيس بلدية كرمنشاه للغوغاء بمهاجمة بيوتهم ونهبت كل ممتلكات البابيين، ووضع أتباع حضرة البـاب في عربة كبيرة تجرها الجياد وسيقوا خارجا الى الصحراء، حيث تركوهم لوحدهم في العراء، وهناك أعادوا الجياد معهم الى المدينة وتركوا العربة بدون جياد. كان هؤلاء المسافرين في حالة مزرية، فلم يكن معهم لا طعام ولا ملابس احتياطية ولا أغطية. فكتبت جناب الطاهرة الى حاكم كرمنشاه وشرحت له ماذا فعل بهم رئيس البلدية وأضافت: "لقد كنّـا ضيوفك في كرمنشاه، فهل تعتقد انه من اللطف معاملتنا بهذا الشكل؟" وذهب أحد المسافرين الى كرمنشاه ليسلم الرسالة.
استغرب الحاكم جدا عند استلامه الرسالة، لأنه كان جاهلا بهذه المظالم وعلم ان كل الذي حصل كان بتحريض من علماء الدين، وعلى الفور أمر رئيس البلدية بإعادة كل الممتلكات التي نهبت الى هذه الجماعة واعادة الخيول اليهم والتأكد من وصولهم الى همدان سالمين. وقد دعاهم للعودة الى كرمنشاه مرة ثانية، الا ان جناب الطاهرة رفضت ذلك.
وحسب ما جاء في كتاب "مطالع الأنوار" ان استقبالا حماسياً كان بانتظارها عند وصولها الى كرمنشاه وان الأمراء وعلماء الدين ورجال الدولة قد أسرعوا لزيارتها، وكانوا قد تأثروا جدا من فصاحتها وشجاعتها وحكمتها البالغة وخصالها الحميدة. ولقد قُريء تفسير سورة الكوثر النازل من قلم حضرة الباب أمام الناس وتُرجم. وكان من بين النساء اللاتي قابلن جناب الطاهرة واستمعن لشرح تعاليم حضرة الباب المقدسة زوجة الأمير حاكم كرمنشاه، ولقد اعتنق الأمير وعائلته الديانة الجديدة وشهدوا جميعاً بمحبتهم وتعلقهم بجناب الطاهرة.
واستنادا الى محمد مصطفى في كتاب "مطالع الأنوار" (ص 278) ان جناب الطاهرة مكثت يومين في قرية ساهنية في طريقها الى همدان حيث حظيت بلقاء لا يقل حماسا عن الذي استقبلت به في قرية كرند. وتوسل سكان القرية السماح لهم بالانضمام الى موكبها وتقديم المساعدة لها ولأتباعها، لنشر الامر المبارك. الا انها باركت وشكرت مسعاهم ونصحتهم في البقاء في قريتهم، ثم توجهت الى همدان.
وهكذا استمرت الرحلة، وخلال الطريق وخصوصا من ساهنية، كان رؤساء القبائل يرحبون بها. وعند وصولهم الى همدان كانوا جميعا سعداء، فقد حظوا باستقبال رائع. وقامت الاميرات والنساء الشهيرات بزيارتها والاستماع لتعاليمها.
ليس من العجب انهم كانوا يرغبون في الحديث معها، لانها كانت تحمل الحقيقة. وكما قال البروفسور ادوارد براون: ( إن ظهور إمرأة مثل الطاهرة في أي بلد وفي أي عصر هي حالة نادرة او حدث نادر، لكن ظهورها في بلد مثل ايران فهو إعجوبة، لا بل انه معجزة تماما. ومثلما كانت في عفتها وجمالها الرائع ومواهبها العقلية الفذة وفصاحتها المتوهجة وايمانها الشجاع واستشهادها المجيد، كان وقوفهـا نادراً ليس لها مثيل بين نساء بلادها وبقيت ذكراها خالدة الى الأبد. إن كان ليس لدين الباب من إدعاء عظيم، فيكفيه انه أظهـر بطلة مثل قرة العين "الطاهـرة" ).
وعلى كل حال، فقد كان من بين رؤساء الدين في همدان شخص واحد، عادى جناب الطاهرة تماما وكان يحث الناس على قتلها، لكنه كان يخشى الحكومة. فكتبت له رسالة طويلة توضح فيها تعاليم حضرة الباب وارسلتها له بواسطة الملا ابراهيـم محلاتي أحد أتباعها المخلصين. فوصل الرسول وهو يحمل الرسالة في ساعة اجتماع العديد من علماء الدين في مجلس لتقرير طريقة يواجهون بها جناب الطاهرة وما سيفعلون معها. فكانت هذه الرسالة كعلم أحمر اللون خفّاق أمام ثور هائج، فقام المجتمعون على حاملها الملا ابراهيم وأشبعوه ضرباً حتى فقد الوعي. وعندما أعيد محمولاً الى جناب الطاهرة، لم تبكه مثلما توقعت الأميرات ان تفعل، واستغربن جميعاً عندما سمعنها تقول له: "يا ملاّ ابراهيم، هذا هو الوقت الذي نكون فيه مستعدين لتقديم حياتنا، ألم يفعل حواريو المسيح ذلك، وكذلك فعل أصحاب محمد(ص)؟" وفعلاً، بعدما شفي الملا ابراهيم من حالته، عاد للخدمة ثانية.
كانت جناب الطاهرة تخطط للذهاب الى طهران في محاولة منها لمقابلة السلطان محمد شاه لتخبره عن التعاليم الجديدة، إلا ان أحد رجال الدين من الذين رفضوا مقابلتها ومناقشة الدين الجديد معها عندما كانت في كرمنشاه، كتب سراً الى والدها يخبره ان ابنته تحتقر مكانة العلماء المرموقة. فأرسل والدها على الفور، ابنه ومعه بعض الاقرباء الى همدان للترحيب بها وحثها على العودة الى منزلها. وعندما علمت انهم في طريقهم اليها، قالت لأصحابها: "إنهم قادمون الينا، علينا العودة الى قزوين قبل وصولهم الينا". وأرسلت عدداً من أتباعها المخلصين ليعودوا الى العراق، وتركت قسماً في همدان، ورافقها البقية منهم. وكان من بين المجموعة الأخيرة خورشيد بكم والشيخ صالح كريماوي والملا ابراهيم المحلاتي. فقابلوا أقرباءها الهائجين الذين قدموا للبحث عنها وأصطحابها بمفردها الى بيت أبيها، ورفضت تلبية طلبهم، وقالت: "أنني لست وحدي، هؤلاء هم أصحابي ويجب أن يأتوا معي". فسافر الجميع معاً. وكانت رحلة قاسية جداً بطقس سيء استمرت مدة اسبوع. (من كتاب لمارثا ل. روت-مترجم من الفارسية)