تراث وفقـه
 
 
20/09/2011


الطاهرة داعية البهائيين


الأحداث في قزوين وطهران
عند وصول جناب الطاهرة الى قزوين، ذهبت لتسكن في بيت أبيها، وسكن الأعراب في أحد الخانات. في تلك الليلة اجتمعت الأسرة في جلسة عائلية، وقام والدها وزوجها وعمها الذي كان والد زوجها ايضا على توبيخها. وفي ذلك الموقف المثير، قال لها والدها: "إن أدعيت أنتِ مع كل علمك وثقافتك وذكائك، إنكِ أنت الباب أو حتى أكثر من ذلك، فسوف أكون مستعداً للموافقة والقبول بدعواك، لكن ماذا عساي أن أفعل عندما اخترت إتّـباع هذا الفتى الشيرازي؟".
جاء في "كتاب التاريخ" الجديد تعليقاً على هذه المناقشة، ما يلي: "يا للسماء..! لا يمكن تصور تعجرف وإجحاف هذه العائلة في مثل هذه الأحداث! عندما يشاهد أحدهم أبنته برغم مواهبها ومقدرتها الفذة، أنها تعتبر نفسها ليست سوى تراباً بالمقارنة الى شمس الحقيقة"، أو عندما تعلن: "مع كل المعرفة التي أملكها، فمن المستحيل عليَّ أن أخطأ في معرفة من هو سلطان العالم، الذي ينتظره كل الناس بلهف، لقد عرفته حقاً بالبراهين والأدلة العقلية ؛ وما معرفتي ومقدرتي العقلية ألا كقطرة صغيرة مقابل ذلك البحر الواسع العظيم أو هي كهباءة تافهة أمام ذلك النجم اللامع العظيم". وعلى الرغم من كل هذا، أجاب والدها: "إذن إنك تعتبرين ذكاءك وعلمك بهذه الدرجة من الصغر بالمقارنة مع مواهب ذلك الفتى الشيرازي، ومع ذلك، فلو كنت ولداً (بدلاً من بنت) وإدعيت مثل هذا الادعاء (إنكِ الباب نفسه) فسوف أقبل دعوتك".
وفي ثورة عمها الملاّ تقي الذي هو والد زوجها - كما قلنا - بدأ بلعن حضرة الباب وهاج غاضباً ونهض ليضربها عدة مرات. وببديهتها الملهمة، تفوهت بهذه الكلمات متنبئة عن مستقبله، مما سبب لها في النهاية أن تكوى بالحديد المحمى، فقالت: "يا عمي.. إني أرى فمك وهو مملوء بالدماء!".
وخلال النقاش، برز موضوع عودتها الى بيت الزوجيـة، الذي رفضته تماماً. فحاولوا قدر استطاعتهـم ثنيها عن قرارها، فلم تقبل بالاتفاق مع زوجها الملا محمد. وشرحت أسـبابها قائلة: "باعتراضه على دين الله، فهو نجس، وليس بيننا شيء مشترك". أو كما ذكر في كتاب "مطالع الأنوار"، فقد أجابت جناب الطاهرة على طلبه: "لو إنك كنت ترغب حقاً أن تكون زوجاً ورفيقاً مخلصاً لي، لأسرعت في استقبالي في كربلاء ومشيت على قدميك لمرافقة هودجي طوال الطريق الى قزوين، ولتمكنت خلال سفري معك من إيقاظك من غفلتك ونومك ولأرشدتك الى طريق الحق. لكن ذلك لم يحدث. لقد مرّ على انفصالنا ثلاث سنوات".
لم يكن هذا الزواج باختيار جناب الطاهرة، لقد كان الآباء في تلك الأيام هم الذين يهيئون مراسيم الخطبة والزواج. ولقد طلقها زوجها بعد عدة أسابيع من تلك الحادثة، وإتهمها هو وأبوه بالكفر والهرطقة. وجاهدا ليل نهار للتقليل من شأنها ومكانتها.
وخلال الأيام الأولى من عودتها، اعتادت جناب الطاهرة الذهاب الى بيت أحد أقربائها حيث تتمكن من مقابلة زوجات مشاهير الرجال وتتكلم معهن صراحة عن تعاليم حضرة الباب. ولقد كان صهرها (أخو زوجها) وأخته من المؤمنين ايضا. واستناداً الى جناب سمندر وهو من المؤمنين الأوائل في قزوين، ان - مرضية - أخت جناب الطاهرة كانت زوجة ميرزا محمد علي أحد حروف الحيّ والذي تجرع كأس الشهادة فيما بعد في قلعة طبرسي. ولقد عرفت - مرضية - أمر حضرة الباب وآمنت به. وكان ميرزا محمد علي هو ابن الحاج الملاّ عبد الوهاب الذي خاطبه حضرة الباب في أحد ألواحه عندما كان قريبا من قزويـن.
كان الملا تقي إمام الجمعة وعم كل من جناب الطاهرة وأختها مرضية، وهذا يعني انه كان رئيس رجال الدين في المدينة، ويقوم بإمامة صلاة الجمعة في المسجد. فجأة، سُمع ان الملاّ تقي قد أغتيل في المسجد(2). وعلى الفور تذكر ابنه وجميع أفراد العائلة كلمات جناب الطاهرة: "إني أرى فمك وهو مملوء بالدماء!". فاتهموها بتحريض القاتل او على الأقل بسابق معرفتها بكل شيء عن الحادث. مع ذلك قالت والدتها: "كيف يمكن لشخص ما معرفة نهاية شخص آخر بكل هذه الدقة، إلا من خلال الرؤيا؟"
لقد شعرت والدتها ان ابنتها كانت بريئة، وكانت هذه الأم والابنة قريبتان جداً من بعضهما دائماً ؛ لقد اخبرني أقرباء العائلة بذلك.
وهنا أنقل لكم بعض الفقرات من جناب سمندر قزويني، هذا البهائي العظيـم المعمر الذي كتب ذلك خصيصاً للدكتورة سـوزان مودي في طهران، وكان قد طُلب منها ان تكتب شيئاً عن جناب الطاهرة الى السيدة كاري جابمان كات رئيسة اتحاد حقوق المرأة العالمي لمؤتمرهن في بودابست في هنغاريا في شهر حزيران 1913، لتنشره في كتاب طبع عن مشاهير النساء. إلا ان الرسالة تأخرت في الوصول الى الدكتورة مودي، لهذا لم يرسل شيء الى بودابست، لكن هذا الجزء عن جريمة القتل كان مهماً لأنه مسجل من قبل شخص كان صبياً صغيراً في قزوين في ذلك الوقت ويتذكر الحادث بدقة قال:
"سمع أحد رجال الدين ويدعى عبد الله صالح الشيرازي، الحاج الملا تقي انه غالباً ما يشتم الشيخين، ولم يكن عبد الله صالح مؤمناً بحضرة الباب في ذلك الوقت، لكنه كان متعصباً بشدة للشيخ احمد الاحسائي والسيد كاظم الرشتي. فذهب ذات ليلة الى المسجد الذي يصلي فيه الملا تقي وإختبأ فيه حتى الفجر. وعندما جاء الملا تقي للصلاة في الفجر، هجم عليه هذا الرجل وطعنه بخنجر في فمه، ثم خبأ الخنجر تحت جسر قرب المسجد وهرب. ولم يكن يعلم عن الحادث في ذلك الوقت غير الله. وعندما تجمع الناس لأداء الصلاة، أدركوا ان الملاّ تقي قد هوجم وقتل. فأخبروا ولده وبقية أقربائه وحملوا الجسد الى البيت. ويشهد الله عليَّ لما جرى في ذلك اليوم في قزوين من هياج.
ولاعتقاد الناس ان جناب الطاهرة وبقية الأحباء هم الفاعلون، أمر ضباط الحكومة باعتقال بعض مشاهير المؤمنين، ودخل جمع من طلاب الدين الى بيت الحاج سيد أسد الله (مؤمن مخلص وكانت ابنته حماة جناب الطاهرة)، فاعتقل هو وابن أخيه أقا مهدي لكونهما كانا موجودين في البيت وأخذا الى السجن.
ونهب الغوغاء بيت كل مؤمن يمت بصلة قرابة للمؤمنين. لقد كنت صبياً صغيراً، لكنني أتذكر جيداً "سيد محسن" ذلك الرجل الذي اشتهر بلقب "معذب وقاتل البابيين"، كان برفقته العديد من الضباط والجلادين عندما طرق باب بيتنا. فلم يفتح أحد، لذلك تسلقوا الجدار ودخلوا وبحثوا في أرجاء البيت وحاولوا اقتحام بعض الغرف المقفلة آنذاك. فما كان من رب البيت إلا ان قام بفتح الأبواب المقفلة، بينما كان جميع أفراد العائلة يرتعدون خوفاً من تصرفات أولئك الرجال المرعبة. فخاطب السيد محسن النساء بقوله: "إن زوجكن قد ارتد عن دينه وباستطاعتكن الزواج من أي شخص ترغبن".
واستناداً الى الشك بتخطيط جناب الطاهرة مع الحاج سيد أسد الله لقتل الملاّ تقي، طلب ولده الملاّ محمد، زوج جناب الطاهرة من الحاكم إحضارها الى المحاكمة. فرفض والدها ذهابها، إلا أنهم أخذوها بالقوة ومعها خادمتها - كفيّة - وبعض النسوة الأخريات. واستجوبن في دار الحكومة، فكان جوابهن: "لا نعلم أي شيء عن هذا الحادث". إلا أن الملاّ محمد، بقي يطالب الحاكم بمعاقبتهن بشدة. مما حدا بالحاكم الى الرضوخ لطلبه، وأمر الجلادين بإحضار الحديد لكيّـهن. ولكي يرعبوا جناب الطاهرة وضعوا يدي خادمتها كفيّة تحت مزلاق الباب وهمّوا بحرقها من الجانب الآخر. فأدركت جناب الطاهرة تحت وطأة هذه الظروف الرهيبة انه لا ملجأ لهن إلا بالتوجة الى الله، فإتجهت بوجهها السافر نحو سجن حضرة الباب في ماكوه، وشرعت في الصلاة والتضرع، لقد كان الوضع في تلك اللحظة بعيداً عن الوصف.
وفجأة، علا صوت في الخارج يصيح: "لقد وجدوا القاتل!". وعند ذلك تحول الاهتمام تماماً للسؤال: من هو القاتل وأين وجد؟ وبهذا لم يحصل الكي. ثم علم بعد ذلك ان القاتل هو الملاّ صالح الشيرازي الذي عندما شاهد الاضطراب الشديد في المدينة واعتقال الأبرياء، توجه بنفسه الى دار الحكومة واعترف بجريمته قائلا: "أنا الذي غرزت الخنجر في فمه. وليس لي شركاء. وإنكم أعتقلتم أهل الله بدون سـبب".
فسألوه: لماذا قتلت مثل هذا الرجل العالم؟
فأجاب: لم يكن عالماً، لقد سرق قليلاً من عناقيد عنب الثقافة. فلو كان رجلاً حكيماً لما استعمل كلمات بذيئة على المنبر ضد معلمي الشيخ احمد الاحسائي والسيد كاظم الرشتي. لقد قتلته لهذا السبب فقط.
فجلبوه الى محكمة العـدل العليـا ليقابل الملاّ محمد زوج جناب الطاهرة والحاج الملاّ صالح والدها. وقدم للمحاكمة فحوكم واعترف بفعلته بمنتهى الصراحـة.
فقالوا: "انه يكذب".
فأجاب: "إن الخنجر الذي استعملته وطعنته به في فمه، مخبأ تحت جسر قرب المسجد!
فأرسل شخص الى المكان، ووجد الخنجر وأحضره. فقال الملا محمد بغضب: ان هذا الرجل لا يستحق ان يكون قاتل أبي.
فأجابه الملا صالح: أحضر لي لباساً مناسباً لطيفاً حتى يبدو قاتل والدك ذو شأن.
عندها ربط بسلاسل ثـقيلة حول عنقه وأرسل الى السجن. فراح أهل المدينة يأتون جماعات لإلقاء نظرة عليه من خلال نوافذ السجن. وكان من بينهم سيد محسن الذي ورد ذكره سابقاً، والذي راح عند اقترابه من بوابة السجن يشتم الملا صالح بكلمات بذيئة، فقفز السجين عليه على الفور مثل ليث شجاع ورماه بمسمار سلسلته، فإستدار السيد محسن وفرّ هارباً.
وخلال هذا الوقت، وبينما كان زوج جناب الطاهرة يعذب المؤمنين ويطالب بالعديد من الأرواح مقابل حياة والده، كانت هي محتجزة في بيت والدها وممنوعة تماماً من الاتصال بالعالم الخارجي.
وحاول زوجها الملا محمد وابن عم آخر لها، تسميمها، إلا انهما فشلا في ذلك. ولم يستطع أحد من أصحابها زيارتها ما عدا خاتون جان الإبنة الكبرى للحاج أسد الله. وكانت هذه المؤمنة الصديقة المخلصة، عبقرية جداً في خلق الأعذار للذهاب الى مكان حبس جناب الطاهرة. فكانت تتخفى في بعض الأحيان بشكل غسّالة ملابس، وبهذا كانت تحصل على الأخبار أو تحمل للسجينة الطعام، لأن جناب الطاهرة كانت ترفض تناول الطعام الذي يجهز لها داخل البيت. وهكذا كانت تتحمل العيش تحت هذه الظروف الصعبة القاسية.
كان أقا محمد هادي زوج هذه الصديقة المخلصة - خاتون جان - هو الأخ الأكبر(3) لجناب الطاهرة، وقد أخبرني جناب أقا محمد جواد فرهادي المشهور بين جميع البابيين باسم "عمو جان"، ان هذا الأخ أقا هادي قد غادر قزوين سراً في وقت مقتل الملاّ تقي وذهب الى طهران ودخل محضر حضرة بهاءالله الذي أمره بالعودة الى قزوين لمساعدة جناب الطاهرة وإحضارها الى طهران. ولقد حمل لها لوحاً من حضرة بهاءالله سلمته لها زوجته بنفس الطريقة السابقة.
وبعد قراءة الرسالة، قالت لها جناب الطاهرة: "إذهبي وسأتبعك". وخلال ساعة واحدة تحركت. فأخذاها الى بيت أحد النجارين حيث لا يمكن لأحد ان يفكر في البحث عنها هناك. لم يدم أمر اختفائها طويلا، فلقد اكتشف غيابها بسرعة، وعلى الفور، طغت الفوضى على المدينة وقام الغوغاء بنهب بيت الحاج أسد الله. وخلال نفس تلك الليلة، أخذ أقا هادي يساعده أقا قلي وهو خادم ومؤمن مخلص للطاهرة، أخذاها الى سور المدينة بجانب بوابة شاه زاده حسين. ونجحوا في عبور السور وذهبوا الى مسلخ خارج المدينة حيث كان بانتظارهم بعض الخيول هناك، فإمتطوها وتوجهوا نحو طهران سالكين طريق القرى مثل "ولداريه" و "اشتهارد". وعند وصولهم الى مرقد امام زاده حسن الذي يبعد أربعة أميال عن طهران توقفوا لأول مرة هناك. فإهتم أقا قلي بالخيل بينما راحت جناب الطاهرة تأخذ قسطاً من الراحة، أما أقا هادي فذهب الى طهران ليعلن عن وصولها. وحدث أن ذهب أحد المؤمنين ويدعى كربلائي حسن الى الحديقة لملاقاتها، الا ان أقا قلي لم يسمح له بذلك لعدم معرفته المسبقة به ولم يسمح له بالدخول، إلا انه حاول الدخول مستهزءاً منه، فضربه أقا قلي على صدره مرتين، وهنا تقدمت حضرتها للمساعدة، وقدمت للضيف بعض الفواكه وراحت تتحدث معه حتى جاءت مجموعة من الفرسان وأخذوهم الى بيت حضرة بهاءالله(4).
ثم أخذوها في اليوم التالي الى قرية كان يسكنها العديد من المؤمنين. ولقد كوفيء أقا قلي كثيراً لاخلاصه، ووفق خلال حياته وفي النهاية أصبح ضابطاً كبيرا في الحكومة. ولقد دخل هذا الرجل الى محضر حضرة بهاءالله. أما بخصوص هذا الموضوع فليس عندي تفاصيل محددة، وكذلك لا أعرف بأي وسيلة أخذت حضرتها مرة ثانية الى طهران ولا الحقائق الثابتة عن استشهادها. (التوقيع سمندر).
كُبِّلَ ميرزا ملا صالح الشيرازي، قاتل الملا تقي بالسلاسل وأرسل الى طهران. وبعد وصوله الى طهران، وبالرغم من اعترافه بجريمته تخليصاً للمؤمنين الأبرياء، إلا انه لم يطلق سراح أحد منهم. وذات ليلة هرب من سجنه والتجأ الى بيت رضا خان ابن رئيس اسطبل الخيل التابع لمحمد شاه. كان رضا خان مؤمناً، وبعد عدة ايام قضاها بصحبة ضيفه، آمن الميرزا صالح بأمر حضرة الباب خلال وقت لجوئه، ثم هرب الى قلعة طبرسي في مازندران. وأرسل خلفه فرسان من الشرطة للبحث عنه، إلا انه وصل الى القلعة بأمان(5).
كما أرسل بعض السجناء البابيين ثانية الى قزوين حيث قتلوا. ويقول "تاريخ الجديد": "بقي هؤلاء السجناء الأبرياء في السجن، ومع ذلك، بذل ابن الحاج الملا محمد تقي ما في وسعه للحصول من رجال الدين في طهران على فتوى بإعدام أحد السجناء، الا انه لم ينجح. ثم قام باتهام المؤمنين بهذا وذاك من تعاليم حضرة الباب، فأمر جلالة الملك محمد شاه، العالِم المجتهد أقا محمود من طهران بالتحقق والبحث في عقيدتهم. لذلك أحضروا السجناء أمامه، وعندما تم استجوابهم اتضح بطلان دعوى الملا محمد بخصوص البابيين.
في النهاية ذهب الملا محمد لملاقاة جلالة الملك ومزق قميصه وشرع في البكاء وقال "لقد ذبحوا الحاج ملا محمد تقي، ولن يعوضه دم أحد؟"
فأجابه الشاه: "لقد هرب القاتل الذي اعترف بجرمه من السجن. فاذا كانت رغبتك في تطبيق القانون، فلا قانون إداري ديني سيحكم على رجل بريء بالموت بدلاً من القاتل الهارب. وان كنت تطلب انتقاما غير قانوني، فلماذا تتعلق باسم القانون؟ أذهب وأقتل واحداّ منهم".
لذلك أخذوا الشيخ صالح العربي وهو رجل طيب ذو قلب طاهر كما ثبت في العديد من المواقف وأجهزوا عليه بتفجيره من فم مدفع.
ثم طالب الملاَ محمد بالسماح له بأخذ بعض السجناء الآخرين الى قزوين، وكان أحدهم الشيخ المبلّغ طاهر الشـيرازي والثاني الملا ابراهيم محلاتي، حتى يرثي ذكرى والده بدفعهم في السير حول قبره ثم يتركهم بعدها لحال سبيلهم. فوافق جلالة الملك على هذا الطلب. الا ان بعضهم قتل بوحشية تامة خلال الطريق الى قزوين. وعندما كان يحوم باقي السجناء حول القبر، أوثقوا الشيخ طاهر الى شجرة وعذب حتى الموت. كما قتل الملا ابراهيم ببشاعة نتيجة تحريض العامة المجتمعين حول القبر لنفس السبب. وهكذا كان طلاب جناب الطاهرة، الشيخ صالح العربي والملا ابراهيم من أوائل المؤمنين الذين سفكت دماؤهم على التراب الايراني في سبيل أمر الله. وأول من قدر لهـم من تلك الصحبة الجليلة أن يختموا بدمائهم نصرة أمر الله المقدس. أما الحاج أسد الله القزويني، المؤمن المسن الذي فعل الكثير لمساعدتها، فقد مات من البرد والارهاق في الطريق الى طهران عندما أخذوه الى هناك أسيراً.
كانت جناب الطاهرة في ذلك الوقت، ضيفة في بيت حضرة بهاءالله في طهران رغم البحث الجاري عنها، وكانت منشغلة بالتبليغ فردياً كل يوم وتتكلم من خلف ستارة. وكان الناس مستغربين لمشاهدة العديد من الأشخاص وهم يدخلون ويخرجون من بيت حضرة بهاءالله، ولتردد العديد من المؤمنين على قصره. فقد كان والده وزيراً ورئيس سكرتارية جلالة الشاه الإمبراطوري قبلهـا.
لقد شاهدت بيت حضرة بهاءالله في طهران، ويبدو انه كان غنياً جداً، كان البيت مكوناً من سبعة بيوت متصلة ببعضها. كما كان له بيتاً صيفياً خارج المدينة على سفح جبل البرز. ولقد أصبح من أتباع حضرة الباب، مباشرة بعد باب الباب سنة 1844م. ولم يلتق حضرة الباب أبداً. وكانت بينهما مراسلات كثيرة.
وكما ذكرت في البداية، فان جناب الطاهرة لم تشاهد حضرة الباب وكانت تشتاق للذهاب الى ماكوه للقائه. ولقد أوضح لها حضرة بهاءالله استحالة ذلك.
لقد مُنح المؤمنون الإذن من حضرة الباب بزيارة خراسان اذا أمكن، ليتعلموا من باب الباب ويتشرفوا به. فقررت جناب الطاهرة ان تقوم بذلك، إلا انها في ايام مكوثها في طهران، استطاعت بسرعة تمييز مقام وروحانية حضرة بهاءالله وكانت تستشيره في كل الامور.
عندما كنت في طهران، سمعت من أحد أحفادها موضوعاً غريباً، إلا إنني شخصيا أعتقد به، قال: أن جناب الطاهرة أخبرت الشاهنشاه أنها تؤمن بحضرة بهاءالله، وانه أمرها بنشر أمر الدين الجديد.
فأعدت سؤالي إن كان ذلك لا يعني شخص حضرة الباب نفسه؟ وللمرة الثانية، أجاب: كلا. انه حضرة بهاءالله!
من المؤكد أنها عرفت دور حضرة بهاءالله من خلال بصيرتها الثاقبة ودوره في هذه الديانة العالمية. ولقد أثبت ذلك كل تصرف صدر منها بعد تلك الزيارة.
كانت مغرمة جداً بحضرة عبدالبهاء، وكان له من العمر ثلاث أو أربع سنوات. فلقد اعتادت أن تحمله كثيراً. ذات يوم جاء سيد يحيى الدارابي المشهور بوحيد لزيارتها. وهو من أولئك المؤمنين الأوائل الذين استشهدوا في نيريز فيما بعد. وبقي ينتظر حضورها كثيراً، حتى قال لها الأحباء: "ألا تتركين الطفل وتذهبين للتحدث معه؟" فقالت في جوابها وهي تضع الصغير بجانبها وتخاطبه: "يا حامي الأمر الإلهي، أتسمح لي بالذهاب لمقابلة أحد أتباع الأمر؟" فاستغرب أولئك الذين سمعوها، لأنه في ذلك الوقت حتى ان والد هذا الطفل لم يكن قد أعلن أمره بعد. ومن المحتمل أنهما في أحاديتهما الروحانية الخاصة كان قد أخبرها بشيء عن مهمته القادمـة.
وتكلم حضرة عبدالبهاء في كتابه "تذكرة الوفاء" عن زيارة السيد يحيى الدارابي المعروف بوحيد، فقال: كنت أجلس على ركبة جناب الطاهرة، وكان سيد يحيى يتلو بعضاً من أقوال الإمام بخصوص الظهور الجديد. وفجأة قاطعته جناب الطاهرة وقالت: يا يحيى، فأت بعمل ان كنت ذا علم رشيد! أن اليوم ليس يوم تلاوة الأحاديث بل اليوم هو يوم الثبات وتمزيق حجب الخرافات، انه يوم إعلاء كلمة الله، انه يوم تضحية أرواحنا في سبيل اللـه. حقاً علينا تأكيد أقوالنا بأعمالنا الحقيقية". (من كتاب لمارثا ل. روت-مترجم من الفارسية)

المراجع:

(2) إن تاريخ وقوع هذه الجريمة كان بين 18 أغسطس وسبتمبر سنة 1847م الموافق 1263هـ تقريباً.
(3) وحسب ما جاء في كتاب "مطالع الأنوار"، ان ميرزا هادي كان ابن ميرزا عبد الوهاب قزويني (ص80) وميرزا عبد الوهاب كان أخ جناب الطاهرة (ص285).
(4) ويقول بعض المؤرخين، أن حضرة بهاءالله جاء بنفسه مع مجموعة كبيرة من المرافقين وأدخلوها الى المدينة.
(5) ولقد استشهد هذان الرجلان الشابان رضا خان وميرزا صالح في سنة 1849م عندما سقطت القلعة.