تراث وفقـه
 
 
00-01-2011


 قتل الحلاج في السيرة الشعبية والتاريخ


يصعب على القارئ العثور على رواية تخالف سرد رواية ابن كثير في البداية والنهاية على الرغم من وجودها في كتب اخرى، تبدو اكثر حيادة وتاريخية. هنا سرد نصوص من الصعب العثور عليها على الانترنيت على الاقل.
من كتاب الكامل في التاريخ:
مخزن القطن يبتلع الحلاج

قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره قامت أهل بغداد إلى الشيخ الجنيد، و اجتمعوا عنده، و قالوا: يا شيخ.. اعلم أن مريدك حسين قد أتعبنا، و هو يشطح، و يتكلم بكلام لم يدخل في العقل، و لا في البــال، و قد اشغلنا عن بيعنا و شرانا، أوقف حالنا، فنسألك أن ترده عنا‍.

فقال لهم الشيخ: انصرفوا، فإذا حضر نؤدبه، فما مضت ساعة إلا وحسين حضر بين يدي الشيخ، فقال له: يا حسين ما هذا الحال! اعلم أن أهل بغداد قد أتوا إلى عندي، وشكو منك، و من شطحك، ومن (كترة) كلامك، وقد أتعبتني وأتعبت نفسك، فارجع عما أنت فيه، ولا (ترمي) روحك في الهوان (فيقطعوا) منك الأوصال، (ويعذبوك) بأشد العذاب فقال له: التعذيب يطيب في رضا الحبيب، ثم إن حسين انشد في المعنى يقول شعرا:


غفلت وحادي الموت فـي طلبي يجد
وإن لم أمت يوما فلا بد مـا أغدو
أرى العمر قد ولى ولـــم ابلغ المنى
و ليس معي زاد، و في سفري بعد
فوا أسفي لو كــــان يغني تأسفي
وواه، ووا وجداه لو ينفـع الوجد
على موت مثلي و هو خال من التقى
و ليس معي تقوى و ليس معي زهد
انعم جسمي بالثيـــــاب ولينها
وليس لجسمي من ثيـاب البلى بد
كأني قد مــــددت في برزخ البلى
ومن فوقي ردم، و من تحتي اللحد
و قد بليت تلك المــــحاسن كلها
ولم يبق فوق العظم لحـم و لا جلد
و الله (لم أخشى) بشيء ســوى البلى
وقد جاء من ربي وعيد و(جا) وعد
لقد كان لي بالموت وعــظ من البلى
وقد غاب عني الأهل وانقلب الرشد
و قد كنت لله الــــمهيمن عاصيا
واحدث أحداثا و لـــيس لها رد
و أرخيت وقــت الليل سترا من الجفا
ولم أخش من ســـر عنده يبدو
عسى غــــافر الزلات يفغر زلتي
وقد يغفر المــولى إذا أذنب العبد
إلهي ترى نفسي وقلــــة صبرها
إذا لاح ضوء البرق أو قهقهة الرعد
و كيف إذا في النــار تحرق مهجتي
ونارك لا يقوى لها الحــجر الجلد
أنا الفرد عنـد الموت في القبر و البلى
وابعث فردا فارحــم الفرد يا فرد
سألت إلـــه العـرش يغفر زلتي
فقد يغفر المولى إذا أذنـــب العبد
و مالي شفيــــع غير جاه محمد
ومن جاهه في الحشر ليــس له رد
عليه صـــلاة الله ما لاح بارق
وما هطلت سحب و ما قهقه الرعد

قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره، تركه شيخه وصار يشطح، و يزيد في كلامه، و قد غرق في بحر الوداد، (فالتمت) أهل بغداد، وجاؤوا إلى الشيخ الجنيد، و قالوا له: يا سيدي الشيخ، لقد زاد مريدك حسين في كلامه ولا (بقا) لنا عليه اصطبار‍.

فقال لهم الشيخ: امسكوه (حتى إني) أحبسه في مخزن القطن إلى غد (حتى إني) أدبّر فيه حيلة، إما يرجع عمّا هو فيه، وعن مقاله، وإما نشغله بقطع أوصاله، فجاؤوا إليه. واجتمعوا عليه، وأدخلوه إلى مخزن القطن، وقفلوا عليه الأبواب، فلما رأى روحه محبوسا بكى بكاء شديدا، وأنشد:


يظنون أن الحب (هزلا) بـلا جد
وما ذاك إلا وصـف زايد الحد
وما علقت نار الهـــوى بمتيم
لذي الحب إلا لا يعيد ولا يبدي
أقل الهوى ما ينسي الصب اسمه
وأيسره نار تـــضرم بالوقد
وأوسطه نار الغـــرام تسعرا
إذا ما مضى جلـد تبدل بالجلد
و كل وداد لا يـكون مسرمدا
إلى ميعاد يوم الورى ليس بالود
فكم ليلة قد نلتها في اصطلامها
أنادم أنفاسا ألــذ من الشهد
وكم ليلة في الحب سكران هايم
بحبي وقلبي هو مقيم على العهد
تطوف علينا خــمرة معنوية
مؤيدة جلت عن الكيف و الحد
وما ذاك إلا أنـــها بعناية
(معظمةً)؟ بالعز سابقة السعد

قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره بكى بكاء شديدا، وبات في مخزن القطن، و هو واقف على أقدامه إلى الصباح، ساعة يقرا، وساعة يذكر الله تعالى و ينشد الأشعار، و يبكي بدموع غزار‍.

و أنشد يقول شعرا:


يا كراما بوصـلهم جبـــــروني
وبألطاف جودهــم جذبوني
منعوني الرقاد في الليل لمــــــا
علقوا حبهم بقلبــي سبوني
أنا عبد لهم على كل حالــــــة
خاضعا خاشــعا لهم خلقوني
فارغ القلب من سواهم عساهـــم
عبد رق ببابهــــم قيدوني
هم دعوني إليهم برضاهــــــم
وحموني عن غيرهم و هدوني
أوجدوا بي عبد رق فمالـــــي
غير حبي لهم بـــه خضعوني
أوقفوني ببابهم عن سواهـــــم
خادما دايما بهـــم جبروني
فتحوا لي أبوابهم بهــــــداهم
وأدخلوني عليهـم و أوقفوني
عبد رق بحسنهـم أتـــــملى
وبألطاف فضلهــم رحموني
أطلقوني من قيد اسر سواهــــم
وبأفضال جـودهــم قيدوني
روقوا لي المدام في الحان لمــــا
أخذوني مني وصرفــا سقوني
خمرة المصطفى شربت حقـــيقا
بالوفا والرضا بهــا عرفوني
يا خليلي وصاحـــبي و صديقي
قم إلى حانها بهـــا تجدوني
قم علي بآية ســحر و (نـادي)
يا كراما بفـضلهـم غمروني
أوقفوني إلى الرضــــا بهداهم
وإليهم بهم وهــم أرشدوني
لهم الفضل كامــــلا يا خليلي
هم كرام بفــضلهم عودوني
سلبوني عن غيرهم ورضـــوا بي
خادمــا عابدا لهم ورعوني
إنني قد رضيت بالحب فـــيهم
عبد رق نشوان مـما سقوني
كل عبـــد غدا لهم ومــريد
في هواهم بــجودهم تبعوني
من أراد الإله؟ يتبع حــــبي
في طريق الهدى لهم رسـموني
جذبوني مني لهم و إليهــــم
قربوني، وبالصـــفا جلبوني
أو جدوني بهم لهم عبـــد رق
وعلى حبهم لهــم نظروني
مقصدي هم و القصد منهم رضاهم
ورضاي وصالهم يرعــوني
عبد رق ولا (انثني) عن هواهــم
وهواهم في مهجتي يعطـوني


قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره، صبروا عليه حتى أصبح الصباح ودخلوا عليه، فوجدوا كل القطن الذي كان في المخزن محلوجا مندوفا، القطن في ناحية، (البزر) في ناحية أخرى، فتعجب الناس من ذلك، وقالوا: يا حسين أنت صنعتك حلاج حتى حلجت هذا القطن كله في ساعة؟! فلما سمع منهم هذا الكلام أنشد يقول شعرا:


أنا حسين الحلاج (ليش) تنكرون حالي
أنا حلجت قطني بالذكر و القــرآن
أنا عبد ربي حقا (بلا محــــال)
أنا قضيت عمري في خدمة الديــان
أنا فتى في قتلي (سبعين) طيــلسان
لكنهم معاذير ما (شاهدوا)؟ المــعاني
أنا عبدت ربي في ظلمـــة الليالي
في حب ربي قد صرت ثابــت الجنان
أنا فتح لي الباب بفضله دعـــاني
بفضله سترني وعفـــــوه عطاني
بالله يا (خواني) سلوه عسى يرضاني
إن كان ما يرضاني (جددن) فيه أحزاني


قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره قالوا له: قم معنا إلى عند شيخك الجنيد لترجع عما أنت فيه و إلا قطعنا منك الأوصال، قال: فسار معهم حتى وصل إلى الجنيد شيخه فقام له شيخه و عانقه، وبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول:


سقوني، وقالوا: لا (تغني)‍. ولو ســقوا
جبال حنين لو سقوها (لغنــتي)
جبال حنين لم تكن تعرف الهــــوى
ولو أنها عرفت لكانت (تغنــتي)
حرمت الرضا إن كنت بعد حديثكــم
سمعت بأذني ما حلالي (فصـمتي)
وإني لأبكي العين في كـل منـــزل
على طيب أيام مضت و(تولـتي)
أيا سادتي لولا أخاف علـيكــــم
زفرت فأحرقت الخيام بزفــرتي
ولولا مراعاة الخيـــام أهلـــها
قطعت طريق السالكين بعــبرتي
وسجادتي زهر الربيع وروضــــتي
وسبع المثاني والمثاني سبـــحتي
ومجنون ليلى مات في الحب واجـدا
ولي في هواها في الدجى لي وجدتي
فيا أيها العاصي الذي ضاع عمــره
وفرط في الأيام حتى تولتـــي
إذا كنت تهوى القوم (فاهجر) سواهم
وبادر إلى باب الحبيب (بسرعتي)
وسله الرضا و العفو عما مضـــى
تجد رحيما غفار الذنب و(الخطيتي)


قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره ناوله الشيخ منديله و قال له: خذ لك هذا المنديل يا حسين. فأخذه وحذفه في الهوا، وقال: يا منديل، خذني معك؛ فطار هو والمنديل، ولم يظهر له خبر إلى مضيّ سنة كاملة، فصار أهل بغداد و الناس متعجبين من هذا الأمر‍. فقال الناس: الحمد لله، راح حسين، و(استرحنا منه) أكلته الوحوش في البراري و الجبال.

قال: فبينما الناس في الكلام، وإذا بحسين الحلاج قد أقبل ودخل من باب بغداد، وهو يقول: لا اله إلا الله، ما يدوم إلا وجه الله، لا اله إلا الله، يا قوم اعبدوا الله، يا قوم اذكروا الله، يا قوم وحدوا الله، يا قوم قولوا: لا اله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلّم. قال: فلم تزل الناس خلفه، وهم يكتبون ما يقول حتى وصل إلى عند شيخه، فلما نظر إليه شيخه بكى بكاء شديدا، وأنشد رحمه الله تعالى يقول شعرا:


قل لإخوان رأوني مـــــــتا
فبكوني ورثوا لي حزنــــــا
أتظنون بأني ميـــــــــت
ليس ذاك الميت – والله – أنـــا
أنا في صور وهذا جســـــدي
كان بيتي وقميصي زمــــــنا
أنا كنز وحجابي مطلــــــب
من تراب قد تخلى للفــــــنا
أنا در قد حواه صــــــدف
كان سجن (فألفت)؟ السجـــنا
أنا عصفور وهذا قفـــــصي
طرت منه وتركته رهــــــنا
أحـــمد الله الذي خلصـــني
وبنى لي في المعالي وطــــــنا
كنت قبل اليوم (ميْــــتٌ)بينكم
فحييت (إن) خلعت الكفــــنا
وأنا اليـــوم أناجى مــــلأ
وأرى الله جهارا علــــــنا
عاكفا في اللوح أقـــــرأ وأرى
كل ما كان ويأتي ودنـــــا
يا قريب يا مجــــــيب اهدني
من سواك أنت كريم (معلـــنا)
وطعامي وشـــرابي واحــد
فافهموه فهو رمز (حسنــــا)
فافهمــــــوا السر ففيه نبأ
من (معاني) تحت لفظ كمـــنا
فاهدموا بيتي ورضوا قفصي
وذروا الكل يقينا بيّــــــنا
لقد رحت وقد خلفـــــتكم
لست أرضى داركم لي وطنــا
لا تظنوا الموت موتا إنـــــه
لحياة فهو غايات المنـــــى
خبرتنا الدار يوما عنهـــــم
فإذا ما مت طار (الوسنــــا)
(لا تكن) في هجمة الموت (فزع)
إنما هي انتقال من هنا إلى هنــا
وخذوا في الزاد حملا واثـــقا
ليس بالغافل منا مـن ونــــا
واحسنوا الظن برب راحـــم
يشكر السعي وتأتوا أمنــــا
ما أرى نفسي إلا أنتـــــم
واعتقادي أنكم أنـتم أنــــا
(عنصر الهامة منا)؟ واحــــد
وكذا الجسم جميعا معنـــــا
فمتى ما كان خيرا (فلــــقا)
ومتى ما كان شرا فبــــــنا
أسال لنفسي راحـــــــة
رحم الله صديـقــــا أمنــا
وسلام الله عليكم دايمـــــا
سلام من مــحب (وتنــــا)؟السجن يبتلع الحلاج



قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، وسمع شيخه منه هذا الكلام، دهش عقله، وطار لبه، وقال له: يا ولدي، يا حسين، أنت وصلت إلى هذه المنزلة؟ و إلى هذا المقام؟‍.

فقال له: وصلت ببركة الله تعالى ورسوله، وبركتك يا شيخي.

وقام وصار يشطح في كلامه، يزيد، وينقص، فأتوا أهل بغداد إلى الشيخ، وقالوا له: يا شيخ قد أتعبنا مريدك حسين الحلاج، واشغلنا عن بيعنا وشرائنا‍.

قال الشيخ: امسكوه، واحبسوه إلى غد حتى ننظر ما يكون من أمره، إما أن يرجع عما هو فيه، و إما ينفذ حكم الله فيه.

فقالوا له: يا شيخ نحن لم نقدر على مسكه.

فقال لهم: ولم ذلك؟.

فقالوا له: هذا ساعة يمشي على وجه الأرض، وساعة يمشي في الهوا‍.

فقال لهم: قولوا له: يقول لك شيخك: ادخل في هذا المكان.

قال: فجاؤوا إليه، أخذوه، وأتوا به إلى باب السجن، فقالوا له: يا حسين، يقول لك شيخك: ادخل إلى هذا الحبس.

فلما سمع بذكر شيخه قام دخل إلى السجن، فلما دخل قفلوا عليه الباب، وذهبوا، وخلّوه. فلما دخل وجد في السجن خلقا كثيرا، فلما رآهم قال:

لا اله إلا الله، محمد رسول الله، وحده لا شريك له، له الملك، و له الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير، يا معشر المسلمين، ما حَبَسَكم إلا ذنوبكم، وغفلة قلوبكم عن محبوبكم، وقد رغبتم في هذه الدنيا الدنيّة عن سيدكم ومطلوبكم، فلو رجعتم بقلوبكم إليه، لبكيتم بعيونكم عليه، وكان جعل لكم من أمركم فرجا و مخرجا، ولكن اسمعوا مني ما أقول، إن كان لكم معقول، وإلا قعادكم في هذا الحبس يطول.

قال: فعند ذلك قامت المحابيس، وجلسوا حوله، فقام بكى بكاء شديدا، وأنشد يقول شعرا:


ادر الكاسات في جنح الظـــــلام
واسقني من خمرة تشفي السقـام
خمرة في دنـــها قد عتـــــقت
قد سقيها كل صب مستهــام
خمرة المصطفى خير الـــــــورى
وقد صفت والاوليا فيها هيــام
فسقيها سيدي أبو الوفــــــــا
فبقي من سكرها فيها إمـــام
وسقيها الشيخ عبد (القـــــادري)
فرقي منها إلى أعلى مقـــام
وكذا ابن الرفــاعي أحمــــــد
من سقيها هام فيها كالهيــام
ورجال الله منها قد سقـــــــوا
شربة هاموا وقاموا في الظــلام
فهم السادات من بـــــين الورى
هجروا في حبه طيب المنـــام
يا رجال الله هذا حبّكــــــــم
قد أتاكم كلكم قوموا قيـــام
واشربوا من صرف صـــــاف فبه
شربة يصفو لكم هـــذا المقام
فنظرنا سيدا مـــــا مثلــــه
فرآه قــد تجلّــى منعــــــما
كاملا هو (ذات) وصفٍ في الأنام
ثم (جانا) بفضل و ســــلام
فسقانا شربة في حـــضـــــرة
مذ تجلى في لييلات الصيـــام
هذه خمرتـــنا يــا فقيــــري
من خمور المصطفى بدر التمــام
ومــحـــمـد سيد هو سنـــد
اسألوا يشفع لنا يوم الزحـــام


قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره قام وأذن العشاء، وصلى بالمحابيس العشاء الأخير، فلما فرغ حسين من صلاته جلس يذكر الله تعالى وهم يذكرون الله معه إلى الصباح، فقام وصلى بهم صلاة الصبح، فلما فرغ من صلاته قام وخط في أرض السجن خطا، وعمل فيه صفة مركب، وجلس وسطها، وقال: يا فقرا من أراد منكم النجاة لنفسه، و الخلاص من السجن، فليقم يجلس معي في (هذه) المركب، مركب النجاة، فعند ذلك قامت المحابيس، وجلسوا معه وسط المركب، فقام وقال لهم: يا فقرا حركوا مركبكم بذكر الله، واذكروه بالصدق و المحبة، وقولوا كلكم معي عدلا مخلصا: لا اله إلا الله، محمد رسول الله،صلى الله عليه وسلّم.

قال: فلما رفعوا أصواتهم بذكر الله تعالى، وإذ بذلك الخط تحرك وصار مركبا عظيما، وقد صار وسط البحر، فقال لهم: يا قوم، دوموا على ذكر الله. فقام وفر من المركب وصار واقفا على وجه الماء، وصار يجري المركب خلفه حتى وصله إلى البر، فعند ذلك نزلهم من المركب وقال لهم: سيروا إلى حال سبيلكم، فذهب كل واحد إلى سبيله، وقام حسين يمشي حتى دخل من باب بغداد، وهو يقول: يا قوم ظننتم إنكم فارقتم بيني و بين حبيبي، وزعمتم انه قد فاتني منه نصيبي، أما علمتم أنه معي في حضرتي ومغيبي، إن حضرت فهو قريبي، وإن غبت فهو حبيبي، و إن دعوته فهو مجيبي، وان مرضت فهو معيدي، وبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول:


تجلى لي المحبوب في القلب (أخـلاه)
عن الغير حتى صار قلبي مثــواه
وقربني سرا، و للقلب قد هـــداه
وأولاني التوفيق مــولى هـو الله
وفك ختاما عن دنان مدامــــها
نجوم وأقمار وشمس و (ميـــاه)؟
وناولني كأسا كأن شـــــعاعه
كبرق و لا برق يحاكي محيـــاه
سقاني من أهواه كاسات حبـــه
شرابا قديما قُرْقُفًا جل معنـــاه
فأسكرني ذاك المدام فطاب لـــي
خطاب الذي أهواه بقولي ألا يا هو
وشاهدت من أهواه في حال سكرتي
فمحبوب (إثباتي)؟ وصحوي بمعناه
فمن كان ذا قلب يحب لحبّـــه
ومن كان ذا صدق يعز بلقيــاه
فكم من رجال شاهدوه فأصبحـوا
هياما سكرى‍. كل من كان يهواه
قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، وإذا بالمؤذن قال:

الله أكبر …… الله أكبر ……

فقال له حسين: تكذب …!.

فلما سمعه الناس أنه قد كذب المؤذن، قاموا إليه، ومسكوه، وقد هموا يقتله، وقالوا: ما هذا الكلام الذي قلته! تكذب المؤذن …! ومن كذب المؤذن كفر وحل هرق دمه في الأربع مذاهب. فقال لهم: أنا ما كذبته في المقال، وإنما كذبته في الصدق في الحال فلو قال: الله أكبر – بصدق الإشارة – ما حملته هذه المنارة، وتفتت من تحت أقدامه الحجارة‍. وانتشر منهم، وهرب، فلحقوه، فهرب، ودخل في مدرسة، فقفلوا عليه أبوابها، وذهبوا إلى الخليفة، ثم أعلموه بذلك، وقالوا له: اعلم يا خليفة الله في أرضه، أن حسين الحلاج كان غايبا (وجا) فقال المؤذن: الله أكبر … الله أكبر فقال له: تكذب. وما يكذّب المؤذن إلا من قد كفر، وحل هرق دمه، فقال الخليفة: أين هو؟.

فقالوا له: قد حبسناه في المدرسة، ويكون تحت علمك الشريف. قال: فلما سمع الخليفة من الناس هذا الكلام، قام من وقته، وهو (ممتزج) من الغيظ، وسار معه القوم إلى أن وصلوا إلى المدرسة فوجدوه قد خرج منها، وقد كبر حتى ما بقي يسعه مكان، فما قدر أحد أن يتقدم إليه منهم، ومن الهيئة؟ التي كانت عليه، فتركوه، وساروا، فلما أصبح الصباح، أتوا إليه فوجدوه يبكي بكاء شديدا، فلما رآهم حسين الحلاج أنشد يقول شعرا:


خذ القناعة من دنياك، وارض بها
وخذ لنفسك منها راحة البـــدن
وقل لمن ملك الدنيا بأجمعــها
هل راح منها سوى بالقطن و الكفن


قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره، سار وتركهم، ولم يقدروا عليه، فقالوا له: يا حسين… إن الخليفة يريد مناظرتك، ومجادلتك مع علماء بغداد، فسار إلى عند الخليفة، فرأى العلماء مجتمعين عند الخليفة، فبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول شعرا:


لما ذكرت عذاب النار أزعجنــي
ذاك التذكر عن أهلي وأوطاني
وصرت في القفر أرعى الوحش منفردا
كما تراني على وجدي وأحزاني
وذا قليل على مثلي لجرمتــــه
فما عصى الله عبد مثل عصياني
نادوا علي، وقولوا في مجالسكــم
هذا المسيء وهذا المذنب الجاني


قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، قال له الخليفة: يا حسين.. إن أهل بغداد وعلماءها يريدون مناظرتك، ومجادلتك. فقال له: حبا وكرامة‍. أحضرهم إلى بين يديك.

فأرسل الخليفة خلفهم، وأحضرهم، وأكرمهم غاية الإكرام، وقال لهم: هذا حسين قد أحضرناه بين أيديكم، فما تقولون فيه؟ قال له العلماء: يا حسين، أنت تكذب المؤذن، فما يكون عندك في هذا الكلام، وما يكذب المؤذن إلا من قد كفر، وحلّ هرق دمه، فما تقول في هذا الأمر؟ فقال لهم: لا تخذلوني بكلامكم.

فقالوا له: بيّن لنا ذلك.

فقال لهم: احفروا لي في هذا المكان حفرة، واملؤوها فحما ونارا، و أنا أبّين لكم ذلك.

فحفروها في الحال، وملؤوها فحما، ونارا‍.

فقال: احضر يا أمير المؤمنين هاونا من نحاس، فأحضر أمير المؤمنين (هونا) من نحاس، وكان وزنه أربعون رطلا بغداديا، فلما أحضره، قام حسين، ألقاه في وسط النار، وصبر عليه حتى بقي جمرة، فقام حسين وجلس على (الهون) ووقف على رجليه في وسط النار على (الهون)، وقال لهم: يا علما!، و يا فقها!، و يا عامية!، و يا سوقية!، و يا أهل بغداد!، من كان منكم يريد مجادلتي، ومناظرتي (فليأتي)، ويجلس عندي في هذه النار على (الهون) حتى تحرق النار بدنه.

قال الراوي: فلما سمعوا من حسين هذا الكلام، ولوا الأدبار و (أركنوا) الكل إلى الفرار‍.

فقال لهم حسين: يا ويلكم، تهربون من نار الدنيا، و لاتهربون من نار الآخرة، ومن أراد منكم أن ينجو من نار الآخرة، فلا يأكل الحرام، ولا يظلم الأيتام، ولا يترك الصلاة و الصيام. ثم إنه صار يحدثهم ويعظهم، وهو واقف على (الهون) وسط النار، فلما زاد به الغرام من العشق، حط إصبعه في أذنه، وقال: الله أكبر … الله أكبر‍.

فانطفت النار، وفرقع الهاون، وصار ستين قطعة‍.

فقال حسين: يا أمير المؤمنين، لو قال المؤذن: الله أكبر‍. بصدق الإشارة، لما حملته هذه المنارة، وكانت تفتتت من تحت أقدامه الحجارة‍. أنا ما كذبته في المقال، ولكن كذبته في الكلام، وإني نظرت إلى ديك العرش.

فلما رأت أهل بغداد منه هذه الكرامات، ولوا الأدبار واركنوا إلى الفرار، وقالوا: ليس لنا طاقة‍.

فذهب حسين إلى شيخه، وبات عنده تلك الليلة، وإذا برجل قد دخل على الخليفة، وكان اسمه خالد، وناوله ثمانين فتوى على حسين الحلاج بالكفر، وتلك الفتاوى من أربعة و ثمانين عالما من علماء بغداد، و علماء الشام، وعلما ء مصر بقتل حسين الحلاج! صلاحا للمسلمين.

فلما قراها الخليفة، وفهم مضامينها أرسل إلى الشيخ الجنيد يعلمه بالقضية من أولها إلى آخرها، وليس في الإعادة إفادة‍.

وقال له: يا شيخ.. الأمر فوضناه إليك في قبض حسين الحلاج … ترسله إلى عندي مكتوفا (حتى إننا) نقاصصه، بما يوجب عليه في شرع الله تعالى، لأنه زاد في كفره.

قال الراوي بإسناده: فلما سمع الشيخ من الخليفة هذا الكلام مسك حسين وكتفه، أرسله إلى الخليفة، وقال: إني قد امتثلت أمرك – يا أمير المؤمنين ‍- فافعل به بما قدر الله تعالى عليه مما يوجبه الشرع.قال: فلما نظر حسين نفسه بين يدي أمير المؤمنين مكتوفا بكى بكاء شديدا حتى غمي عليه، فلما أفاق أنشد:


سلمت روحي من البلوى لمتلفها
ألا لعلمي بان الموت يحيــيها
نفس المحب على (الأسقام) صابرة
لعل ممرضها يوما يداويـــها
ونظرة منك يا سؤلي ويا أمــلي
أشهى إلي من الدنيا وما فيـها
وليس للنفس آمال تؤملـــها
سوى رضاك فذا أقصى أمانيها


قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، قال له شيخه: يا حسين … اصبر، فإنه الوقت قد قرب، والأجل قد حضر … سلمها تسلم. لقد أتعبتني، أتعبت نفسك، أتعبت الناس والخليفة والفقها والعلما، وأنا أقول لك: اكتم سرّك وإلا ما تسلم.

قال الراوي: فلما سمع حسين من شيخه هذا الكلام على أنه مقتول لا محالة، التفت يمينا وشمالا، وقال: ائتوني بدواة وقرطاس، فأتوه بما طلب، فكتب فيه: لكم مهجتي طوعا، لكم مهجتي رضا، لكم جسدي مني، لكم دمي حل. ثم انه ألقى الورقة في الهوا، فغابت ساعة، ثم رجعت إليه مكتوبا فيها: أنت إن كنت منا، وتريد قرب وصلنا، طبعنا قتل النفوس في شرعنا حلو قريب؟

قال الراوي: فلما فرغ حسين من هذا الكلام بكى بكاء شديدا، وأنشد يقول:


اقتلوني يا ثقــاتي
إن في قتلي حياتي
وحياتي في مماتي
ومماتي في حياتي
اقتلوني واحرقوني
في عظامي الباليات
تجدوا سر حبيبي
في طوي الباقـــيات
فأنا استغفر الله
عن عظيم السيئات؟


قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره، وإذا بشخصين عظيمين من أكابر بغداد، وكان الخليفة يحبهم حبا شديدا ويعمل بقولهم لأنهم كانوا عنده في أعلى المنازل، ولا يأخذ إلا بشهادتهم، وكانوا أقضى قضاة بغداد،وأكبر علمائها، فلما دخلا على الخليفة سلما عليه، ورد عليهم الخليفة السلام، وقال: ما شأنكم؟.

قالوا: نشهد أن حسين الحلاج قد كفر لأنه كان ماشيا ذات يوم في السوق، عليه جبة من صوف، فقال له الناس: بصرنا يا حسين ما في جبّتك؟. فقال لهم: الله.

فعند ذلك لامه العلما، ونحن معهم، فقال لهم: اذهبوا فهذا معبودكم تحت الأرض، أشار إلى الأرض بإصبعه فقالوا: كيف تجعل معبودنا الأرض، ونحن نعبد الله وحده لا شريك له!‍.

فقال لهم: ائتوني (بمسحاة وقفّة) فحفر موضع ما أشار إليه بإصبعه، فبان كنز ذهب، فقال لهم: يا قضاة… أنتم تبيعون دينكم بدنياكم، ولم تعبدوا الله على حقيقة عبادته.

فقال حسين: يا سادة العلما، أما قولكم الأول في قضية الجبة في قولي: أن فيها الله؟، فيعني أنا من مصنوعات الله تعالى‍. وأما الكلام عن الكنز، فإنكم (تعملوا) بالذهب الحق (باطل)، والباطل حق، فكأنكم عبدتم الذهب، ولم تعبدوا الله تعالى على حقيقته، لأن في الحقيقة من أحب شيئا سوى الله ورسولهفقد صار عبدا له. فعند ذلك أمر الخليفة بسجنه تلك الليلة، وأن يقيدوه و (يجنزروه؟)، ويكتفوه في عمود من رخام، فعند ذلك دخل عليه رجل من الأوليا الكبار، وكان من أصحابه، وسلم عليه، ووجده بذلك في أسوأ حال‍. فقال له حسين: ما (جابك) في هذه الليلة؟‍.

فقال: يا مولاي … جيت أسألك عن ثلاثة أشياء: الأولى: أسألك عن الصبر، و الثانية: الفقر، والثالثة: الولاية‍.

فقال حسين: نم عندي، وأنا أريك الليلة اثنتين، وغدا أريك الثالثة، فنام تحت رجليه إلى قليل من الليل، فنعس تحت رجلي حسين، فما أحس إلا وشيء (يَحْتَسِس) عليه، وينبهه، ويقول له: قف يا شيخ فلان. فقال: من ينبهني؟‍.

قال له: حسين.

قال: أرني الثلاث كرامات.

ثم قال له: من فكّك من الحديد؟

فقال: الله تعالى‍.

وأخذ بيده، وجاء به إلى صدر السجن، أشار إلى الحايط فانفلق، وبانت فلاة واسعة، وهي تضيء نورا أقوى من الشمس و القمر و النهار، وكان ذلك في ظلمة الشهر‍. فقال لحسين: ما هذا النور يا سيدي؟ قال: اذهب وتفرج في ذلك الوادي.

فذهب، ونظر إلى ذلك، فوجد الوادي من اللولو الرطب، والصغير من الحصا جوهر، والحجارة الكبار من البهرمان، والفيروزج.

فرجع إلى حسين، وأعلمه بذلك.

فقال له: أنت سألتني عن الصبر، و الفقر، فأنت رأيتني و أنا صابر على السجن، والضيق في الحديد، لم أفك نفسي. و الثاني: ضربني السجان على ثمن الزيت ليقيد به السجن، ولم أعطه نبأ‍.

و الله تعالى قدرني على هذه الرمال تبقى معادن، فهذا هو الفقر والصبر‍. ولما يقتلوني أريك الثالثة، وهي الولاية‍.

فلما أصبح النهار، أرسل وراه الخليفة، فمثل بين يديه، وسلم أمره إلى الله العظيم، وكتف نفسه، وبرك، واحتسب بالله للقضاء و القدر، فلما رأت المشايخ و الأوليا منه هذه الكرامات، قام الشيخ الشبلي رضي الله عنه، ومعه سبعين فقيرا بالتهليل و التكبير لله رب العالمين، وخرج شيخه الجنيد، ومعه أربعين فقيرا بالتكبير و التسبيح لله رب العالمين، وكادت مرايرهم أن تنفطر من حزنهم على حسين الحلاج، وقام في بغداد الذكر و الضجيج حتى خيل لأهل بغداد أن الأرض قد خسفت بهم، فقام الشيخ جنيد، وقال: يا ولدي يا حسين … ألك حاجة قبل فراق الدنيا أفوز بقضائها؟ …

قال: نعم أريد أن تحضر لي أختي (الخوته)؟ حتى أوصيها بوصية من بعدي.

قال: فذهب إلى أخته، و أتى بها، فحضرت، وهي مكشوفة الوجه.

فقال لها حسين: أما تخبي وجهك يا أختي من الرجال ……!‍.

قالت له: يا أخي … وأين الرجال … لو كانوا رجالا ما أنكروا حال الرجال.

فقال لها: يا أختي، بهذا قدر الله تعالى، نفذت في دعوة شيخي الجنيد، أريد أن أوصيك يا أختي بوصية: إذا رأيتهم قد حرقوني، فخذي من رمادي شيئا واحتفظي (عليه)، بعد ثلاثة أيام يفيض الفرات على بغداد حتى تكاد تغرق، فيأتون إليك متضرعين بين يديك، فخذي الرماد الذي عندك، وارميه في الماء، وقولي له: ارجع يا مبارك من حيث جيت، فإن أخي قد حالل من (أسا عليه) لأجل شيخه الجنيد، ولأجل عين، تكرم ألف عين.

فلما سمعت أخته هذا الكلام بكت بكاء شديدا، أنشدت تقول شعرا:


يا عين أبكي على (خيّي والتــجي)
على سعيفي وأيضا قطعة الكبـدي
كنا جميعا شبه روحين في جـــسد
لا نفترق أبدا من ساير (الحــشد)
ففرق الدهر شملا كان يجمــــعنا
وخلف الحزن و الأشجان في كبدي
فلم أزل باكية ما دمت باقيــــة
وكيف (ينعى ذراعا ماله) عضـدي
أقول عسى عطفة يمنن عليّ
بها ربي، ويجمعنا في جنة الخلــــد


قال الراوي: فلما فرغت أخت حسين من شعرها، بكى أخوها بكاء شديدا، وأنشد يقول شعرا:


غفلت وحادي الموت في اثري يجد فان لم أمت يومـاً فلا بد ما أغدو
أنعم جسمي بالثياب ولينـــها وليس لجسمي من ثياب (البلى) بدّ

قال الراوي: فلما فرغ حسين من شعره بكت أخته بكاء شديدا، و أنشدت تقول:


أقول وقد أسبلت في الليل عبرتـي
على صحن خدي من فراق أحبتي
أحبابنا انتم نسيتم عهــــودنا
فصبري على بعد الديار ووحـدتي
أرى كل من أشكو إليه من الهوى
يعالج أشواقي و يشكو كشكوتـي
لأني غريب في البلاد موجــع
أقاسي أليم البعد في كل (بلدتـي)


قال الراوي بإسناده: فلما فرغت أخت حسين من شعرها بكت بكاء شديدا، وودعت أخاها وباسته، واعتنقته، فأغمي عليهما، وقد سقطوا إلى الأرض، فظنت الناس أنهم قد ماتوا، فعند ذلك تباكت المشايخ و الفقرا و أهل بغداد، وزاد بهم الوجد و الهيام، فلما (أفاقوا) من (غشوتهم) قامت أخت حسين، و قد أعلت بالبكا و النحيب، و أنشدت تقول شعرا:


بكت عيني على تغير حالـــي
وصرف الدهر في تلك الليالي
وطول الحزن بعد حبيب قلــبي
وحزني زايد كيف احتيالـي
ومن أرجوه يا أخي (يكن) لـي
إذا بقيت النساء بلا رجـال
أخي لم (أزال) الدهر أبــكي
وقلبي موجع من سوء حالـي
أخي كيف اصبر عنك و أسلو
وتهنا عيشتي في (ذا) الليالـي
ألا يا ناس ما ترثو لحالـــي
وحزني زايد كيف احتيالـي
أخي لا تكن تنسى عهــودي
و لا (تنسى) المودة والمقـال

الموت يبتلع الحلاج

قال الراوي: فعند ذلك نادى المنادي، وهو (المنادي) في مدينة بغداد: يا أهل بغداد ، كل من أراد أن يتفرج على قتلة حسين الحلاج فليحضر‍. يا أمة محمد العجل … !.

قال: فما استتم المنادي كلامه حتى حضرت أهل بغداد، ولم يبق في مدينة بغداد كبير و لا صغير، ولا بنت، و لا امرأة، ولا شيخ، ولا رجل، حتى حضروا، وقد خلت بغداد من أهلها، وازدحمت الخلق على بعضها بعضا، حتى بقي على القدم (اثنين و سبعين) قدما‍.

فقام الجلاد، أضرم النار حتى وصل (شررها) إلى عنان السماء، فقام الجلاد، وقدم حسين الحلاج، وهو صامت، ولسانه لم يغفل عن ذكر الله. فقال له: مد يدك اليمين، فمدها، (فتكا) عليها فقطعها ألقاها قدامه، فلما وقع الكف على الأرض كتب بالدم: الله … الله … حتى كتب أربع وثمانين جلالة، بعدد الشهود الذين شهدوا عليه، ثم قال الجلاد: مد يدك الشمال. فمدّها، فقطعها، ثم قال: مد رجلك اليمين. فمدها، فقطعها، ثم قال: مد رجلك اليسار‍. فمدها، فقطعها، ونصب الجلاد الحبال على الخشب حتى يصلبه، فمر عليه الشيخ الشبلي، فناداه: يا حسين … المحبة أولها حرق، أوسطها غرق، و آخرها قتل.

فأنشد حسين يقول:


من مثلي اليوم في العشاق يا شبلي
وخالقي قـــال لي: عاشقي شبلي
كم عاشق في الهوى ذابت مرارته
في حب من خلق الأرضين و (الجبلي)
و الشيب شافع لمن يهوى لخالقه
في موقف الحشـر (يحفى غاية) الأمل
إن يستحلوا لقتلي في مـحبتهم
فقتلهم في الهوى قــد احل من قبلي


قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، مر عليه الجنيد، وهو طاير بين السماء و الأرض، فبكى بكاء شديدا، وأنشد يقول:


لاحت من قريب الحي أســرار
أشرقت من وجوه القوم أنــوار
وطاف على القوم ساق لا شبيه له
فرد قديم ولاحت بالحمى نــار
فاستيقظوا يا سكارى عند رقدتكم
واستغنموا الوقت إن الوقت غدار
من باح بالسر كان القتل شيمـته
بين الرجال، ولا يؤخذ له ثــار


قال الراوي: فلما فرغ شيخه، بكى بكاء شديدا، والتفت إلى حسين، فرآه يبتسم، وهو صامت لم يتكلم، ولم يتألم، فقام شيخه، وعانقه، و باسه، وودعه، وقال له: يا حسين لا تنس العهد و الصحبة و التربية بيني و بينك يوم القيامة‍.

فقال له: السمع و الطاعة لله، ولك يا شيخي، وأنشد يقول:


قفوا ودعونا نظرة واغنـموا الأجر
فراقكم منا المدامع قد أجــرى
و قد كنت قبل اليوم اكتـم سركم
فلما جرى دمعي تهتك (السـترا)
وكان معي عقلي و سمعي وناظري
وفي اليوم لا عقلا ملكت ولا صبرا
سلوا حادي الأضعان يرفق بسيركم
فأرواحنا ما بين (أضعانكم نسـرا)
تركتم ربوع العز مـن بعد أنسها
خرابا ووحشا و هي مظلمة قفـرا
سألت ديار الحي أين أحبـــتي
عهدناهم في النايبات لنا ذخــرا
و أين وجوه كان نور جمالــها
إذا ما تبدى يخجل الشمس والبدرا
أجاب لسان الحال عنهم قد مضوا
(فناديهم وأبكي) لمقلتك (الصبـرا)
فيا ليت شعري هل (يجيني) مبشر
وقل لفؤادي يا فؤادي لك البشرى
وأنذر روحي في لقاء أحبــتي
وأسجد لربي حين ألقاهم شكـرا


قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره بكى بكاء شديدا، وبكى شيخه، و أنشد يقول شعرا:


رحلوا و في قلب المتيم خيـــموا
فأنا الحزين لفقدهم و المغــرم
ما كان أحلى في العيون جمالكــم
ألذ في سمعي حديثا عنكـــم
ضاقت بي الدنيا لغيبة حسنـــكم
لا أوحش الله المنازل منكـــم
يا بين قد شتت شملي بـــعدهم
أصاب قلبي من سهامك اسـهم
أذقتني التفريـــــق منهم لوعة
كادت له روحي تذوب وتقـدم
قد غاب أقمار الحمى تحت الثرى
فالجو بعد جمالهم قد (أقتـــم)
ولقد عزمت على التصبر سيدي
فوجدت قلبي قد ترحل معكــم


قال الراوي بإسناده: فلما فرغ حسين من شعره، تركه شيخه، وسار و في قلبه لهيب النار، لأنه ربّاه مثل ولده، وأعز، فقام الجلاد و(رمى) الحبال على الخشب، و قال لهم: اسحبوه. فسحبوه حتى صار فوق الخشب، ففر الخلق من تحته مثل الجراد المنتشر، فدار وجهه إلى القبلة، وزعق، وقال: يا أهل بغداد، ويا حاضرين، الفاتحة، في صحايفكم، و في صحايف من احسن أو من أسا علينا‍. فلما سمع الناس منه هذا الكلام ماجوا كما يموج البحر الزاخر، وزاد بهم البكاء و النواح، وزعقت الفقرا، (وثورت) المشايخ وتصارخت الرجال، (وثار) الغبار، وصار الليل كالنهار، و النهار كالليل، وخيل للناس أن السماء وقعت على الأرض، وكادت الفتنة أن تقع بينهم، فقال لهم حسين: يا مشايخ، يا فقرا، لا تعجزوا أرواحكم، فإني قد حاللت كل من (أسا) علي لأجل شيخي الجنيد‍.

لما فرغ حسين من كلامه، قال لهم الجلاد: ارجموه. فرجموه بالحجارة، وهو يضحك رضي الله تعالى عنه وأرضاه، و يقول: طيب …طيب … في رضا الحبيب، ما احسن المحبوب، ومشاهدة الحبيب. فرجمه شيخه الجنيد بوردة حمرا، فقال حسين: آه يا شيخي، آلمتني، وقتلتني. و بكى منها بكاء شديدا‍.

فقال له شيخه: يا حسين، الناس قد رجموك بكل حجر كبير فما تألمت، وأنا رجمتك بوردة فتألمت منها، وبكيت، فما سبب ذلك؟.

فقال له: يا شيخي أما علمت أن جفا الحبيب على المحب شديد‍. فودعه شيخه، وذهب، ولم تزل الناس ترجمه، حتى مات رضي الله تعالى عنه، ورحمه رحمة واسعة، ثم بعد ذلك أنزلوه من على الخشب، أضرموا له النـــار، وحرقوه، وانصرفوا، و الله أعلم‍.

فلما حرقوه أخذت أخته من رماده، وطلعت إلى البرج كما أوصاها، و كانت الليلة جمعة، فوقفت تصلي و(تقري) وردها، فإذا بالماء قد طلع حتى ساوى (شراريف) القصور، فقالت: أيها الماء، ارجع بإذن الله عز وجل، فإن أخي حسين الحلاج قد حالل كل من ضربه، أو صلبه أو رجمه، أو حرقه، وهو يسلم عليك، و يقول لك: لا تغرق أهل بغداد فإن شيخه الجنيد فيها‍.

ثم رمت بالرماد في الماء، فهبط الماء إلى مكانه بإذن الله عز وجل، ثم وضعت رأسها، ونامت فرأت في النوم (أخوها) حسين الحلاج، و هو كالقمر ليلة البدر، و على رأسه تاج من الذهب مرصع بدرّ وجوهر، وعليه أخضر، فقال: (إلى كم تبكي)؟ لقد ضاق بسببك صدري.

فقالت: يا أخي، و كيف لا أبكي، وقد جرى عليك ما جرى‍.

فقال: يا أختي لما قطعوني كان قلبي (مشغوف) بالمحبة، فلم أجد ألما، فلما خنقوني، نزلت ملائكة حسان الوجوه، فطالعوني إلى تحت العرش، وقالوا: هذا حسين المحب، فنادى منادي: يا حسين … رحم الله من عرف قدره، وكتم سرّه.

فقلت: يا مولاي، أردت التعجل إلى مشاهدتك.

فقال: انظر إلى جمالي أي وقت شئت، لا احتجب عنك أبدا، ثم كشف عن الحجاب، فلما رأيت عرش الملك امتلأ قلبي فرحا، وسرورا‍.

وأنشد، وجعل يقول ( شعر ):


و كان فؤادي خاليا قبـــل حبّكم
و كان بذكر الخلق يلهو و يمرح
فلما دعــا قلبي هواك أجابـــه
فلست أراه عن وصالك يبـرح
فإن شئت أوصلني، وإن شئت لا تصل
فلست أرى قلبي لغيرك يصلـح


ثم قال: يا أختي، أرأيت لو كان طائر في قفص، فإن أطلق الطاير يرعى في بساتين و أنهار ، هل يضر الطائر كسر القفص.

قلت: لا‍.

قال: فذلك أنا، ثم تركني و انصرف.


وفي كتاب المسالك، فصل صلب الحلاج، يقول::(!)
أنا من أهوى ومن أهوى أنا     نحن روحان حللنا بدنا
نحن مُذ كنا على عهد الهوى      تُضرب الامثال للناس بنا
فإذا أبصرتني أبصرته          وإذا أبصرته ابصرتنا
أيها السائل عن قصتنا         لو ترانا لن تفرق بيننا
روحه روحي وروحي روحه      من رأى روحين حلت بدنا

في هذه السنة قُتل الحسين بن منصور الحلاّج الصوفيُّ، وأُحرق، وكان قدم من خراسان إلى العراق وسار إلى مكة فأقام بها سنة في الحجر، لا يستظل تحت سقف شتاءً ولا صيفاً، وكان يصوم الدهر، فإذا جاء العشاء أحضر له القوّام كوز ماء، وقرصاً، فيشربه، وبعض من القرص ثلاث عضات من جوانبه، فيأكلها ويترك الباقي فيأخذونه، ولا يأكل شيئاً آخر إلى الغد آخر النهار. وكان شيخ الصوفية يومئذ بمكة عبد الله المغربيّ، فأخذ أصحابه ومشى إلى زيارة الحلاج، فلم يجده في الحجر، وقيل له: قد صعد إلى جبل أبي قُبَيس؛ فصعد إليه، فرآه على صخرة حافياً، مكشوف الرأس، والعرق يجري منه إلى الأرض، فأخذ أصحابه وعاد ولم يكلمه، فقال: هذا يتصبر ويتقوى على قضاء الله، سوف يبتليه الله بما يعجز عنه صبره وقدرته؛ وعاد الحسين إلى بغداد.

وأما سبب قتله فإنه أتهم بالربوبية وقابلوا الحلاّج على ذلك، فأنكره وقال: أعوذ بالله أن ادعي الربوبية، أو النبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله، عز وجل! فأحضر الوزير حامد بن العباس، القاضي أبا عمرو محمد بن يوسف والقاضي أبا جعفر أحمد بن إسحق البهلول، وجماعة من وجوه الفقهاء والشهود، فاستفتاهم، فقالوا: لا يفتى في أمره بشيء، إلاّ أن يصح عندنا ما يوجب قتله، ولا يجوز قبول قول مَن يدعي عليه ما ادعاه إلا ببينة إقرار. وكان حامد يخرج الحلاج إلى مجلسه، ويستنطقه، فلا يظهر منه ما تكرهه الشريعة المطهرة. ثم أن الوزير رأى له كتاباً حكى فيه أن الإنسان إذا أراد الحج، ولم يمكنه، أفرد في داره بيتاً لا يلحقه شيء من النجاسات، ولا يدخله أحد، فإذا حضرت أيام الحج طاف حوله، وفعل ما يفعله الحاج بمكة. ثم يجمع ثلاثين يتيماً، ويعمل أجود طَعامٍ يمكنه، ويُطعمُهُم في ذلك البيت، ويَخدُمهم بنفسه، فإذا فرغوا كساهم، وأعطى كل واحد منهم سبعة دراهم، فإذا فعل ذلك كان كمَنْ حجّ. فلمّا قرئ هذا على الوزير قال القاضي أبو عمرو للحلاج: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري؛ قال له القاضي: كذبت يا حلال الدم! قد سمعناه بمكة وليس فيه هذا؛ فلما قال له: يا حلال الدمِ، وسمعها الوزير قال له: اكتب بهذا؛ فدافعه أبو عمرو، فألزمه حامد، فكتب بإباحة دمه، وكتب بعده من حضر المجلس. ولما سمع الحلاج ذلك قال: ما يحل لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السُنّة، ولي فيها كتب موجودة، فالله الله في دمي! وتفرق الناس. وكتب الوزير إلى الخليفة يستأذنه في قتله، وأرسل الفتاوى إليه، فأذن في قتله، فسلمه الوزير إلى صاحب الشرطة، فضربه ألف سوط فما تأوه، ثم قطع يده، ثم رجله، ثم يده، ثم رجله، ثم قُتل وأُحرق بالنار، فلما صار رماداً أُلقي في دجلة، ونصب الرأس ببغداد، وأُرسل بعدها إلى خراسان لأنه كان له بها أصحاب.

وقيل أنّه استغوى نصراً القشوري، من طريق الصلاح والدين، لا مما كان يدعو إليه، فخوف نصر الخيزران أم المقتدر. من قتله، وقال: لا آمن أن يلحق ابنك - يعني المقتدر - عقوبة هذا الشيخ الصالح، فمنعت المقتدر من قتله، فلم يقبل، وأمر حامداً بأن يقتله، فحُمَّ المقتدر يومه ذاك، فازداد نصر والسيدة افتتاناً، وتشكك المقتدر فيه، فأنفذ إلى حامد من بادره بمنعه من قتله، فتأخر ذلك أياماً، إلى أن زال عن المقتدر ما كان يجد من العلة، فاستأذن حامد في قتله، فضعف الكلام فيه، فقال له حامد: يا أمير المؤمنين، إن بقي، قلب الشريعة، وارتد خلق على يده، وأدى ذلك إلى زوال سلطانك، فدعني أقتله، وإن أصابك شيء، فاقتلني، فأذن له في قتله، فعاد، فقتله من يومه، لئلا يتلون المقتدر. المصدر: الكامل في التاريخ، ابن كثير الجزء الثامن ص 129
البداية والنهاية، فتنة الحلاج، وفي الوفيات لابن خلكان،

في كتاب اخبار الحلاج، لابن الساعي:
عن أبي بكر الشبلي قال: قصدتُ الحلاج وقد قُطعت يداه ورجلاه وصلب على جذع فقلت له: ما التصوف. فقال: أهون مرقاة منه ما ترى. فقلت له: ما أعلاه. فقال: ليس لك به سبيل، ولكن سترى غداً، فإنّ في الغيب ما شهدته وغاب عنك. فلما كان وقت العشاء جاء الإذن من الخليفة أن تضرب رقبته. فقال الحرس: قد أمسينا: نؤخّر إلى الغد.
فلما كان من الغد أُنزل من الجذع وقُدّم لتُضرب عنقه فقال بأعلى صوته: حسب الواحد إفراد الواحد له. ثم قرأ (يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق) الآية.
وقيل هذا آخر شيء سُمع منه. ثم ضربت عنقه ولفّ في بارية وصُبّ عليه النفط وأُحرق وحمل رماده على رأس منارة لتنسفه الريح.(ص 5)
عن إبراهيم بن شيبان قال: دخلت على ابن سُريج يوم قتل الحلاج فقلت: يا أبا العباس ما تقول في فتوى هؤلاء في قتل هذا الرجل. قال: لعلهم نسوا قول الله تعالى (أتقتلون رجلاً أن يقول ربّي الله).
وقال الواسطي: قلت لابن سريج: ما تقول في الحلاّج. قال: أما أنا أراه حافظاً للقرآن عالماً به ماهراً في الفقه عالماً بالحديث والأخبار والسنن صائماً الدهر قائماً الليل يعظ ويبكي ويتكلم بكلام لا أفهمه فلا أحكم بكفره.( ص 12)

قال الحلاج: "إنهم ينكرون عليَّ، ويشهدون بكفري، وسيسعون إلى قتلي، وهم في ذلك معذورون، وبكلِّ ما يفعلون مأجورون."
وكانت آخر كلمة تكلَّم بها عند قتله: "حَسْبُ الواحد إفراد الواحد."
وكان أكثر قوله عند صَلْبِه: "إلهي! أصبحت في دار الرغائب، أنظر إلى العجائب. إلهي، إنك تتودَّد إلى مَن يؤذيك؛ فكيف لا تتودَّد إلى مَن يؤذى فيك!"
  ( محمد الحبش، مدير مركز الدراسات الاسلامية، دمشق)

[ ذكر صفة قتل الحلاج]
393-قال أبو الحسن المالقي الأندلسي :ومن القضاة بتلك البلاد المشرقية ، أبو عمر محمد بن يوسف ، حاجب القاضي إسماعيل المتقدم الذكر ، وابن عمه . وفي أيام هذا القاضي قتل الحلاج . وابن عمه هو الذي أفتى بقتله ، بعد تقريره على مذهبه ، وقيام الشهادات عليه بإلحاد . فضرب ألف سوط ، ثم قطعت يداه ورجلاه ، ثم طرح جسده ، وبه رمى من أعلى موضع ضربه إلى الأرض وأحرق بالنار ، والعياذ بالله
[تاريخ قضاة الأندلس لإبي الحسن المالقي(ص36) طبعة المكتب التجاري].

اخر جملة اطلقها الحسن بن منصور الحلاج حين سألوه عن مبتغاه الاخير قبل ان يقطعوا راسه وقد قطعوا اطرافه وعلقوه امام الناس يسيل دمه وينازع الالم وقبل اعدامه سالوه اخر طلب له قبل قطع راسه، فطلب ان يصلي ركعتان لله قبل اعدامه. فتعجب القوم كيف سيصلي وهو مقطع الايدي والارجل ويسيل الدم ممزوجاً بالم الروح! فاخذ يتقلب على الارض ويلطخ كل وجهه وجسده بدمه فسأله القوم ماذا تصنع؟ فقال((ركعتان في العشق لا يصح وضوئهما الا بالدم)

كيف حل دم الحلاج

فانصرف الغلام وبقي على حالته من الحمّى مدّة طويلة. ثم وجد حامد كتابا من كتبه فيه:
« إنّ الإنسان إذا أراد الحجّ فلم يمكنه أفرد في بيته بناء مربعا لا يلحقه شيء من النجاسات ولا يتطرّقه أحد. فإذا حضرت أيّام الحجّ طاف حوله وقضى من المناسك ما يقضى بمكّة، ثم يجمع ثلاثين يتيما ويعمل لهم أسرى ما يمكنه من الطعام ويحضرهم ذلك البيت ويقدّم لهم ذلك الطعام ويتولّى خدمتهم بنفسه، ثم يغسل أيديهم ويكسو كلّ واحد منهم قميصا ويدفع إلى كلّ واحد سبعة دراهم أو ثلاثة دراهم - الشكّ من أبي القاسم بن زنجي - وإنّ ذلك يقوم له مقام الحجّ. » قال: وكان أبي يقرأ هذا الكتاب فلمّا استوفى هذا الفصل التفت أبو عمر القاضي إلى الحلّاج وقال له:
« من أين لك هذا. » قال: « من كتاب الإخلاص للحسن البصري. » قال له أبو عمر:
« كذبت يا حلال الدم. » قد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن البصري بمكّة وليس فيه شيء ممّا ذكرت. فكلّما قال له أبو عمر: « يا حلال الدم » قال له حامد:
« أكتب ما قلت. » فتشاغل أبو عمر بخطاب الحلّاج فلم يدعه حامد يتشاغل وألحّ عليه إلحاحا لم يمكنه معه المخالفة، فكتب بإحلال دمه وكتب بعده من حضر المجلس. فلمّا تبيّن الحلّاج الصورة قال:
« ظهري حمى ودمى حرام وما يحلّ لكم أن تتأوّلوا عليّ بما يبيحه. اعتقادي الإسلام، ومذهبي السنّة، ولى كتب في الورّاقين موجودة في السنّة، فالله الله في دمى. »

كتاب القوم وجواب المقتدر

ولم يزل يردّد هذا القول والقوم يكتبون خطوطهم حتى كمل الكتاب بخطوط من حضر فأنفذه حامد إلى المقتدر بالله.
فخرج الجواب:
« إذا كان فتوى القضاة فيه بما عرضت فأحضره مجلس الشرطة واضربه ألف سوط، فإن لم يمت فتقدّم بقطع يديه ورجليه، ثم اضرب رقبته وانصب رأسه وأحرق جثّته. » فأحضر حامد صاحب الشرطة وأقرأه التوقيع وتقدّم إليه بتسلّم الحلّاج وإمضاء الأمر فيه. فامتنع من ذلك، وذكر أنّه يتخوّف أن ينتزع من يده.
فوقع الاتفاق على أن يحضر بعد العتمة ومعه جماعة من غلمانه وقوم على بغال يجرون مجرى الساسة ليجعل على بغل منها ويدخل في غمار القوم. وأوصاه بأن لا يسمع كلامه. وقال له:
« لو قال لك: أجرى لك دجلة والفرات ذهبا وفضّة فلا ترفع عنه الضرب حتى تقتله كما أمرت. »

تنفيذ أمر المقتدر في الحلاج

ففعل محمّد بن عبد الصمد صاحب الشرطة ذلك وحمله تلك الليلة على الصورة التي ذكرت وركب غلمان حامد معه حتى أوصلوه إلى الجسر وبات محمّد بن عبد الصمد ورجاله حول المجلس.
فلمّا أصبح يوم الثلاثاء لستّ بقين من ذي القعدة أخرج الحلّاج إلى رحبة المجلس واجتمع من العامّة خلق كثير لا يحصى عددهم وأمر الجلّاد بضربه ألف سوط فضرب وما تأوّه ولا استعفى.
قال: فلمّا بلغ ستمائة سوط قال لمحمّد بن عبد الصمد:
« ادع بي إليك فإنّ عندي نصيحة تعدل عند الخليفة فتح قسطنطينية. » فقال: « قد قيل لي إنّك ستقول هذا وما هو أكثر منه، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. » فسكت حتى ضرب ألف سوط ثم قطعت يده ثم رجله ثم يده ثم رجله ثم ضرب عنقه وأحرقت جثّته ونصب رأسه على الجسر، ثم حمل رأسه إلى خراسان.
وادّعى أصحابه أنّ المضروب كان عدوّا للحلّاج ألقى شبهه عليه. وادّعى بعضهم أنّه رآه وخاطبه في هذا المعنى بجهالات لا يكتب مثلها. وأحضر الورّاقون وأحلفوا أن لا يبيعوا شيئا من كتب الحلّاج ولا يشتروها.

وحده الحلاج الذي سمى بالدعوة لقاتليه، عوضا عن الدعوة عليهم، قائلا يوم صلبه المصادف 26 آذار 922،: "قد اجتمعوا لقتلي تعصّبًا لدينك، وتقرّبًا إليك، فاغفر لهم، فإنّك لو كشفتَ لهم ما كشفتَ لي لَما فعلوا ما فعلوا"( خبار الحلاّج أو مناجيات الحلاّج، نشر وتحقيق لويس ماسينيون وبول كراوس، منشورات أسمار، باريس، 2008، ص 8.).

بربري من أصحاب مونس يقتل المقتدر
عن كتاب تجارب الامم لمسكويه
غير ان الخليفة المقتدر، الذي حكم على الحلاج بالموت، انتهى بالموت ذبحا، بعد ان خانه جميع اتباعه. عن كتاب تجارب الامم لمسكويه يقول: 
لقي عليّ بن يلبق المقتدر وهو في الطريق لم يصل إلى المعركة في صحراء منبسطة، فلمّا وقعت عينه عليه ترجّل وعليه سلاحه وقال:
« مولاي أمير المؤمنين. » وقبّل الأرض ثم قبّل ركبته، ووافى البربر من أصحاب مونس فأحاطوا بالمقتدر وضربه رجل منهم من خلفه ضربة سقط منها إلى الأرض وقال:
« ويحكم أنا الخليفة. » فقال البربري:
« إيّاك أطلب. » وأضجعه فذبحه بالسيف. وكان معه رجل من خلفاء الحجّاب طرح نفسه عليه فذبح أيضا ووقع رأس المقتدر على سيف ثم على خشبة وسلب ثيابه حتى سراويله وترك مكشوف العورة إلى أن مرّ به رجل من الأكرة فستر عورته بحشيش ثم حفر له في الموضع ودفن حتى عفا أثره. ونزل يلبق وعليّ ابنه في المضارب وأنفذ للوقت إلى دار السلطان من يحفظها وانحدر مونس من الراشديّة إلى الشمّاسيّة فبات بها ومضى عبد الواحد بن المقتدر ومفلح وهارون بن غريب ومحمّد بن ياقوت وابنا رائق على الظهر إلى المدائن.
فكان ما فعله مونس من ضربه وجه المقتدر بالسيف وقتله إيّاه ودخوله بغداد على تلك السبيل سببا لجرأة الأعداء وطمعهم فيما لم تكن أنفسهم تحدّثهم به من الغلبة على الحضرة، وانخرقت الهيبة وضعف أمر الخلافة مذ ذلك وتفاقم حتى انتهى إلى ما نشرحه فيما بعد إن شاء الله.



رواية اسماعيل بن عمر