تراث وفقـه
 
 
00/04/2011


 زواج الاميرة من خادم


1 ـ اغلب الخلفاء العباسيين كانت أمهاتهم من الجواري ، واشهر من كان منهم من أم عربية هاشمية هو محمد الأمين بن زبيدة وابن هارون الرشيد ... وبسبب ندرة زواج الخلفاء العباسيين من الحرائر كانت الزوجة الحرة تحمل لقب " الحرة " تمييزا وشرفا لها عن باقي محظيات الخليفة من الجواري ، وكان منهن الحرة بنت بدر مولى الخليفة المعتضد ، تلك المرأة التي غلب عليها لقب الحرة حين تزوجها الخليفة المقتدر ابن الخليفة المعتضد ، وتناسى المؤرخون اسمها ، ولم يذكروا سوى أنها الحرة زوجة الخليفة المقتدر وابنة بدر القائد العباسي الذي كان من موالى الخليفة المعتضد .
2 ـ وأبوها بدر الحمامى المشهور بلقب بدر الكبير ، كان من كبار القواد الأتراك فى خلافة المعتضد بالله العباسي ، وفد حاز ثقة سيده الخليفة الذي كان قلما يحوز احد على ثقته . ويذكر أن المعتضد أرسله ليتولى أعمال مصر مع ابن طولون فلما خرج ابن طولون على الدولة العباسية فارقه بدر إلى الخليفة المعتصد ، وقد كافأه الخليفة على إخلاصه فجعله واليا على فارس فخرج إلى عمله وأقام فيها على الطاعة إلى أن مات فيها . وذكر صاحب " تاريخ بغداد " إن بدر الكبير كان مشهورا بالصلاح وكان يقول الشعر وانه أصلح بلاد فارس وشكر السلطان والناس عمله وظل محمود السيرة إلى أن توفى سنة 311 هجريا فكافأه السلطان بأن اسند الولاية بعده لابنه محمد في فارس . والحق ابنته بطلة قصتنا بالبلاط العباسي .. إذن نشأت بنت بدر المعتضدى الكبير في بيت إمارة ورفاهية مع أبيها ثم مع أميرات الخلافة فلما انتقلت الخلافة ـ فيا بعد ـ إلى المقتدر بن المعتضد العباسي تزوجها ، فكانت الزوجة الحرة الوحيدة لديه ..
3 ـ وكان المقتدر مشهورا بحب الشهوات من النساء والشراب ، إلى جانب شهوته الكبيرة في الإسراف . فهو الذي فرق جواهر الخلافة ونفائسها على محظياته من الجواري ، وكان في داره المئات منهن بالإضافة إلى احد عشر ألف غلام ، وقد أنجب إثنى عشر ولدا ذكرا ، تولى منهم الخلافة فيما بعد ثلاثة هم الراضي والمتقى والمطيع .. وكانت أم الراضي جارية رومية اسمها ظلوم ، وكانت أم المتقى جارية اسمها خلوب، ، أما المطيع وهو أكثرهم بقاء في الخلافة فكانت أمه جارية اسمها شغلة وقد ولدته سنة 301.
4 ـ أما بطلة قصتنا فلم تنجب للخليفة المقتدر ولدا ولا بنتا .. ومع ذلك فقد كان بارا بها مكرما لها ، وقد اعتاد أن يعطيها الأموال والتحف الكثيرة كنوع من الاعتذار عن انشغاله عنها بالجواري الكثيرات اللائي يملأن قصره .وتحملت بنت بدر الحياة مع زوجها المفتون بالجواري .. ورضيت بان تظل حبيسة قصر زوجها الخليفة الذي لا تراه إلا لماما.. والذي ترك شئون الحكم في يد أمه " شغب " المشهورة بالسيدة ..
5 ـ ومرت السنون بطيئة متثاقلة إلى أن ثار القائد العباسي مؤنس الخادم على سيده الخليفة المقتدر واستطاع قتله سنة 320 هجريا ، بعد أن ظل المقتدر خليفة حوالي ربع قرن . وبمقتل الخليفة المقتدر تسلط أعداؤه على أتباعه وجواريه ومحظياته وكنوزه ، وماتت أمه ( شغب ) تحت التعذيب ، وصودرت كل الأموال ، ولكن خرجت أرملته الحرة بنت بدر المعتضدى بدون أذى لأنها لم تشارك في مؤامرات السياسة ، ولان جند الخلافة من الأتراك كانوا لا يزالون يحتفظون لأبيها بدر بكل الشكر والعرفان ، ولذلك خرجت – كما يقول المؤرخون – وقد سلم لها جميع أموالها وذخائرها حتى لم يذهب لها شيء ، وأضيفت إلى أموالها ما ورثته عن أبيها من ضياع وأموال ، ثم أضيف إلى ذلك ما هو أهم ، وهو تحررها من سجن الخلافة وحبس الزواج الذي كان مجرد زواج شفهي في اغلب الأحوال ..
6 ـ وانتقلت الأميرة الجديدة إلى قصر منيف في بغداد ملأته بالخدم والجواري والقهرمانات ، أي الوصيفات ، وتطلعت إلى أن تعيش حياتها أو ما بقى من حياتها متزوجة زواجا حقيقيا شأن بقية النساء. وتقدم لها كثيرون من رجالات الدولة يطلبونها للزواج تسبقهم أطماعهم في أموالها، فرفضتهم ، ليس لأنها تعرف أطماعهم ولكن أيضا لأنها تعرف أن قصورهم تمتلىء بالجواري والمحظيات ، ولا تريد أن تكرر حياتها الخالية السابقة مع الخليفة المقتدر . كانت تريد أن يكون لها زوج لا يعرف غيرها ، زوج تختاره هي بقلبها وبعقلها ، ليس مهما أن يكون غنيا أو صاحب جاه ، إنما المهم أن يكون شابا وسيما ذكيا ممتلئا بالحيوية ، باختصار تصرفت بمنطق الخلفاء حين كانوا يختارون الجواري .. ليس المهم أصلها وفصلها ، ولكن المهم جمالها وذكاؤها وثقافتها .. بهذه المشاعر أخذت تتفحص الرجال حولها ، فوقع نظرها على الشاب محمد بن جعفر ..
ثانيا : الزوج المختار : محمد بن جعفر :
1 ـ بدأ محمد بن جعفر حياته طالبا للعلم ، سمع الحديث والتاريخ والسيرة النبوية على يد المؤرخ المشهور محمد بن جرير الطبري والبغوى وابن أبى داود .. وغيرهم من الأئمة، وبسبب فقره وطموحه آثر أن يعمل خادما لدى الأميرة العباسية أرملة المقتدر الحرة بين بدر بطلة قصتنا بهدف أن ينال الحظوة عندها فيرتفع شأنه لديها فيتولى النظارة على بعض أملاكها وضياعها .. لذلك عمل بذكائه على أن يصعد السلم خطوة خطوة ، لم يأنف أن يعمل في بدايته في حمل الخضروات ومستلزمات المطبخ من الأسواق إلى مطبخ مخدومته ، ولم يأنف أن يقضى نهاره في خدمة قهرمانة المطبخ يلبى طلباتها وأوامرها . فاكتسب ثناء الخدم والخادمات واكتسب إعجابهم بذكائه وحركته الدءوب ، واكتسب أكثر من ذلك اهتمام الأميرة به . فجعلته وكيل المطبخ ، وصار يأخذ الأموال ويتصرف ويحاسبه مدير القصر ثم ازدادت ثقتها به فجعلته وكيلها في كل شئون البيت ، وبعدها صار وكيلا عنها في إدارة كل ضياعها وعقاراتها وأموالها . وبعد أن كانت تكلمه من وراء حجاب أصبحت تتحدث معه مشافهة ..
2 ـ ولم تعد تستطيع أن تكتم حبها له ورغبتها فيه ، وأدرك هو أنها تريد أن تتزوجه ، وترك لها أن تطلب ذلك بنفسها، وفى النهاية صرحت له برغبتها في زواجه ولكنه لم يسارع بالاجابة بل شرح لها الصعوبات التي تنتظرهما من ذلك الزواج غير المتكافىء ، فهو أجير عندها ولا يزال فقيرا ، إذ أن أمانته في رعاية أموالها لم تجعل منه غنيا ثريا كما يتوقع الناس من أمثال من يتولون وظائفه ، ولم تفطن إلى أطماعه المستترة بين سطور كلامه ، وغلبت عليها رغبتها في الحصول عليه مهما كلفها الثمن ، لذلك نفذت له كل مطالبه أو بما أقنعها به أنها خطته المثالية في كسر الحواجز الطبقية بينهما ..
3 ـ أعطته الأموال والعقارات باسمه ، وترك العمل عندها وعاد إلى طلب العلم كما كان ، وتوصل بالأموال والهدايا والرشاوى لأن يعنيه القاضي في بغداد شاهدا ، أي شاهد عدل تطلب السلطات الرسمية شهادته في المحيط الذي يعيش فيه ، وأصبح مشهورا بالاستقامة والعلم والأموال ، وعندئذ تقدم للزواج بها ، وكانت هي قد قدمت هدايا للقضاة حتى أقروا بأنه كفء لها ، واعترض أهلها وأولياؤها فبذلت لهم الأموال فاستكانوا لحكم القضاة بالكفاءة بينهما ..
4 ـ وتم الزواج وعاشت الأميرة ( السابقة ) زوجة سعيدة مع من أحبه قلبها واختارته بعقلها .. شابا وسيما زكيا مثقفا عالما .. وظلت تعيش في سعادتها إلى أن ماتت في نحو الخمسين من عمرها ، بعد حوالي عشر سنوات من زواجها بحبيبها ..
أخيرا : محمد بن جعفر بعد وفاة الحرة :
1 ـ واستكمل محمد بن جعفر باقي خطته . كانت قد جعلته وصيا على أموالها الأخرى ، بعد أن ورث نصف أموالها بحكم الشرع .. وعن طريق صلته بالقاضي أبى السائب أقر له القاضي بالسيطرة على باقي التركة على أنها أوقاف طبقا لما أوصت به زوجته قبل وفاتها ، وبذلك حرم أقاربها من تركتها . أو مما بقى من تركتها .
2ـ وأصبح محمد بن جعفر – وهو في ريعان شبابه – يتحكم في سيولة مالية قدرها ثلاثمائة ألف دينار عدا العقارات والضياع ، وحمل مع تلك الأموال لقبا جديدا عرف به في المصادر التاريخية وهو لقب " زوج الحرة " ، يقول عنه الخطيب البغدادي " وهو إلى الآن لا يعرف إلا بزوج الحرة ، وإنما سميت الحرة لأجل تزويج المقتدر بها ، وكذا عادة الخلفاء لغلبة المماليك من الجواري عليهم ، فإذا كانت لهم زوجة قيل لها الحرة " .
3 ـ وتفرغ محمد بن جعفر – زوج الحرة – لإلقاء العلم ، وحضر مجلسه الطلبة .. وكان من تلامذته القاضي الجراحي والدار قطني وغيرهم .. وتوفى ليلة الجمعة الرابع من صفر سنة 372 هجريا .