تراث وفقـه
 
 
20/09/2011


 اللغة العربية، مالها وماعليها

الجزء الاول والثاني والثالث

الجزء الاول: :

اللغة أمر حادث بالإجتماع، وليس الاجتماع أمر حادث باللغة. واللغة من ضرورات الاجتماع الإنساني، وهي حاملة للميراث الثقافي للجماعة، ولا فرق أن تكون اللغة الواحدة مختصة بمجتمع واحد أو مشتركة بين عدد من المجتمعات. ومن الخطأ تحديد المجتمع أو الأمة باللغة، فليس عالم اللغة العربية أو الانكليزية أو الاسبانية بأمة واحدة، وعلى العكس من هذا، هناك مجتمعات أو أمم مثل الهند أو الصين أو سويسرا أو بلجيكا لا تجمعها لغة واحدة، ولكن لا أحد ينكر قوة هذه المجتمعات الثقافية.

لم تخلق اللغة دفعة واحدة ، ولم يأخذها الخلف عن السلف كاملة. إنما يخلق الناس في أول أمرهم ألفاظاً على قدر حاجتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظاً جديدة. وإذا اندثرت هذه الأشياء اندثرت ألفاظها معها. فاللغة في حياة وموت مستمرين، والاشتقاقات والتعبيرات تنمو وترتقي تبعاً لرقي المجتمع.

اختلفت قبائل العرب فيما بينها – كثرة وقلة – في اللغة أو اللهجة، وينطبق هذا أيضاً على مناطق جزيرة العرب، كاليمن والحجاز ونجد، ونقرأ في كتب التراث الإسلامي أن القرآن نزل على سبعة أحرف أي سبعة لهجات. وما دفع عثمان لجمع القرآن وكتابته بحرف واحد هو الخلاف الذي دبَّ بين المسلمين على صحة هذه اللغة أو الحرف أو اللهجة أو تلك، وعلى معاني الكلمات المتباينة بين هذا القرآن أو ذلك المختلفين في الحرف. وسنجده يأمر زيد بن ثابت الذي كلف بجمع القرآن أن يكتبه بلغة قريش في حال الاختلاف. ولكن بأي حرف كتب العرب أول كتاب لهم وهو القرآن ولغتهم لغة محكية وليست مكتوبة. وسنلاحظ أن العرب لم يكن لهم علم لأن العلم لا يقوم في بيئة لا لغة مكتوبة لها.

استعار العرب أحد الحروف الآرامية وهو على الأرجح الكوفي ثم غيره فيما بعد. ولكنهم استعاروا هذه الحروف بعيداً عن أي طريقة علمية، بل تدل طريقة استعارتهم عن جهل تام بوظيفة الحرف والكتابة. كانت هناك عدة لهجات آرامية، فأراميوا الشرق يقولون يرخ (القمر) بينما يقول أراميو الغرب يرح، وكذلك خمرا (أحمر) وحمرا ولخم ولحم (خبز). ولم يكن عند الآراميين حرف الجيم بل كانوا ينطقونه جيم مصرية، فأستعمل العرب هذا الحرف لكتابة ثلاثة حروف ح خ ج. وكذا كان الآراميون يقولون أرص (أرض) والشرقيون يقولون (عرصا) التي لا تزال في العربية عرصات (أراضي). ولذا سنجد العربية المكتوبة في أول أمرها كالأحاجي لا يستطيع فك رموزها إلاّ من كتبها، وقلة تفهم المكتوب من المعنى العام إن لم يكن لها معاني أخرى. وكان هناك خلط كبير لا يزال أثره حتى اليوم ماثلاً. وتتضح جسامة هذا النقص والخلط من أنه يوجد في الابجدية العربية خمسة عشر حرفاً لا تفهم ويختلط لفظها ومعناها إن لم تنقط وكان هذا حال العربية وهي: (ب ت ث) (ح خ ج) (د ذ) (ر ز) (س ش) (ص ض) (ط ظ) (ع غ) (ف ق) (ن ي ى)، ونستطيع تصور صعوبة القراءة الصحيحة لهذه الأحرف لو حذفنا التنقيط. وأشار العرب لهذه الصعوبات وسموا أخطاء القراءة تصحيفاً. وقد وقع في هذا الخطأ حتى أولئك الذين يطلق عليهم أئمة اللغة والحديث، أمثال الخليل بن أحمد (718 – 785) والأصمعي (740 – 828) حتى تساءل الإمام أحمد بن حنبل: من يعرى من الخطأ والتصحيف ومن الأمثلة على ذلك لو أخذنا كلمة (يحيى) بدون نقاط فسنقرأها بالأشكال التالية نحيي – تحيي – نحيي – بحثي – نجني – نجبي وتجبن وهكذا عشرات المعاني.

وفي كاتدرائية دمشق الكبرى التي صادرها المسلمون ليحولوها إلى المسجد الأموي يرقد يحنىّ المعمداني حسب التراث المسيحي، ويدعوه المسلمون يحيى. أفلا يمكن أن يكون الجهل والتصحيف قد نقل النقطة فوق الكرسي إلى تحته ليتحول يحنىَّ إلى يحيى، وعلى هذا قس مثل هذا الاختلاط والتشويش بجميع الأحرف المنقطة.

فإذا انتقلنا إلى التشكيل (الضمة – الفتحة – الكسرة – الشدة) نقع في مشكلة مشابهة تجعل قراءة العربية مضللة، خاصة إذا أضفنا أن القبائل العربية لم تكن تلفظ الكلام على شكل واحد (أو تكتبه فيما بعد) ومع دخول شعوب غير عربية تعلمت الكلام سماعياً وأدخلت عليه رطانتها الأجنبية فيزداد الارتباك خاصة في كلمات يحتمل سياقها معنيين أو أكثر. ثم جاء عصر استعملت فيه النقط للتنقيط وللتشكيل معاً وقد أدى هذا إلى خلط جديد. وكان على العرب انتظار ثلاثة قرون ليأخذوا بالخط النُسِخي وخط الثُلث. ولينحوا منحى السريان الآراميين بالتنقيط والتشكيل. تمَّ هذا في بدايات القرن التاسع حيث تم اقتباس صناعة الورق من الصين، وتمَّ الاستغناء عن العظام وسعف النخل وجلد الحيوان حيث لا يمكن حفظ العلم أو نشره.

إن بساطة وبدائية الحياة العربية وشؤونها يستتبع إلى جانب ضيق دائرة التفكير فقراً في اللغة، مثلهم في ذلك مثل القبائل البدائية والرعوية الأخرى. ولقد حاول اللغويون اعطاء صورة مغايرة وذلك بتضخيم معاجم اللغة بكلمات استعملها الشعراء وصفاً لأشياء فذكروها كأسماء، فإن أطلق شاعر كلمة الهيصم على الأسد من الهصم وهو الكسر، وأطلق عليه آهر الهراسَّ من الهرس وضع أصحاب المعاجم الكلمتين على أنهما من أسماء الأسد وهكذا فيما يخص السيف والناقة. وعندما يتحدثون عن غنى اللغة العربية فالمقصود ولا شك هو ما يتصل بحياتهم مثل البعير وما يتصل به حيث ملئوا اللغة العربية بشؤون الإبل ولم يتركوا صغيرة أو كبيرة إلاّ ولها لفظاً أو ألفاظاً، أسماء الجمال والبعران والنوق، وحملها وحلبها ورضاعها وفطامها نعوتها في طولها وقصرها وسمنها وهزالها وأصواتها وعلفها واجترارها ورعيها وبروكها وأبوالها وسيرها إلى ما لا يحصى من هذا، ولا يختلف أمر الصحراء والخيمة في ذلك أي في الحدود التي رسمتها لهم بيئتهم مثلهم في ذلك مثل المغول وأسماء الحصان أو الاسكيمو الذين عندهم أربعون اسماً للثلج.

وفيما خرج عن حدود ما ذكرنا تبقى اللغة العربية فقيرة، فيما يتصل بالبحر وعالمه والزراعة وأدواتها والعمران والصناعات والمهارات والألبسة وأنواع الترف والفنون والكتابة وما يتعلق بها والنظم السياسية والحكومات والدواوين وفي كل ما يتعلق بأسباب الحضارة.

كانت اللهجات العربية (نستطيع أن نطلق على بعضها لغات) شديدة التلون. وقد لاحظ اللغويون المسلمون فروقاً لا يستهان بها بين لهجات القبائل حتى بعد ثلاثة قرون على بدء الإسلام. وكان هذا يشكل عائقاً دون التفاهم بين أصحاب اللهجات العربية المختلفة قبائلياً ومناطقياً. فلهجة بنو كلب القاطنين منطقة الحكم البيزنطي تتباين عن لهجة ربيعة، بل لم تكن القبيلة الواحدة تشكل وحدة لغوية، وغالباً ما كانت حدود اللهجات تقسم القبيلة وتجمع أقواماً من قبائل مختلفة وفقاً للعيش المشترك.

وسنجد أن لغات اليمن ومنها الحميرية قد بدأت بالانقراض على حساب لهجات عربية. بدأ ذلك بعد أن زالت أهمية اليمن في تجارة الشرق حيث بدأ الضعف يدب في دولها مما عرضها للغزو المستمر من قبل البداوة والتي انتصرت في النهاية وتم تعريب اليمن نهائياً مع دخول الإسلام لها.

والحديث عن فصاحة اللغة العربية هو أمر أقرب إلى الرومانسية منه إلى الواقع فمع لهجات بل ولغات متعددة للمناطق والقبائل البدوية العربية يصعب علينا الحديث عن لغة عربية واحدة أو فصاحة واحدة والفصاحة هي الإبانة والاظهار وليست كلمات أو جمل تحتمل التأويل أو التفسير ولها أكثر من معنى وهذا لم تكنه لهجة قريش التي هي أقرب إلى الآرامية الغربية لعلاقة الحجاز الوثيقة مع الشام وإذا أضفنا تأثيرات لغات اليمن على لهجة قريش أيضاً بسبب العلاقات التجارية وتأثيرات أخرى فارسية حبشية يونانية نعرف لماذا لم يكن كل العرب يفهمونها ولذا كان من الضروري شرح القرآن وتفسيره. ومع الإسلام ارتبطت لهجة قريش التي أصبحت الممثل البارز للغة العربية بالقرآن فأصبحت بذلك مقيدة به لا تستطيع الفكاك منه ولذا أصبح تطويرها عملاً شبه مستحيل إن لم يكن غير ممكن البتة. إذاً اللغة العربية لغة شفاهية وأول كتاب عربي كان القرآن ويقول ابن رسته في كتابه الاعلاق النفيسة أن أهل الحيرة (وهم آراميون شرقيون) علمرا قريشاً الكتابة في صدر الإسلام أي علموهم الكتابة بالحرف الآرامي. ولذا الحديث عن المعلقات التي كانت تكتب وتعلق على جدران الكعبة إلى غير ذلك يبدوا حديثاً بعيد عن الحقيقة تماماً لأن السؤال سيكون بأي حرف كتبت ثم من كان هناك ليقرأها في بيئة لا تكتب ولا تقرأ والمقصود هو أنها تعلق بالأذهان خاصة أن المصادر الإسلامية نفسها تتحدث عن نحو عشرة أشخاص في مكة كانوا يعرفون الكتابة والمرجح أنهم كانوا آراميي الثقافة ويعرفون الكتابة الآرامية وربما كانوا مسيحيون يقرأون كتبهم المقدسة التي كانت مكتوبة بالآرامية أو اليونانية.

الجزء الثاني:

عندما غزت الجيوش العربية الإسلامية المراكز الحضارية في الهلال الخصيب ومصر كانت اللغة العربية غريبة عن هذه البلاد، وبقيت كذلك لقرون عديدة، إذ أن دخول تلك الجيوش تم في أقلّ من عشر سنوات بينما استمرت عملية التعريب ونشر الإسلام قروناً عديدة ولا تزال مستمرةً.
ولم يصبح المسلمون أكثرية في سورية مثلا إلاّ بعد القرن الثامن عشر. وفي هذا الوقت، تقريباً، أصبحت العربية لغة شبه شعبية. وفي مصر، كان الأمر كذلك. وفي لبنان، تأخر هذا إلى القرن التاسع عشر. ولكن هذه العربية أصبحت عربية أخرى، غير تلك التي أدخلها الغزاة، فقد مزجت بالآرامية بشكل واسع النطاق بعد أن وضع لها النحويون الأراميون قواعدها في النحو والصرف والاعراب، ونقطوها وشكلوها. وحتى الآن سنجد أن أهل لبنان وجبل حوران وجبل العلويين والقلمون تشكل الآرامية عندهم أكثر من نصف لهجتهم المحكية. وقد ساعد على ذلك أن الآرامية والعربية من عائلة لغوية واحدة. وكان من السهل رفد اللغة العربية بآلاف الأسماء والمصطلحات والألفاظ والمعاني الآرامية، والتي لم تكن تعرفها العربية بحكم البيئة. ومع ذلك لا تزال العربية من أفقر اللغات وأكثرها تخلفاً في مواكبة العصر. ولقد بالغ العرب في مدح لغتهم وذلك لجهلهم بتاريخها وبتاريخ اللغات الأخرى للشعوب المتحضرة. كما بالغ المؤرخون العرب بشملهم كل الشعوب التي سكنت تخوم الجزيرة العربية بالعروبة خصوصاً من كان منهم على حضارة مثل التدمريين والأنباط واللخميين والمناذرة، والغساسنة، غير مستندين بذلك على أي دليل، مع العلم بأن هذه الشعوب لم تطلق على نفسها صفة العروبة ولا على لغاتها العربية. لقد كانت لهذه الشعوب لغاتها أو لهجاتها الآرامية وإن تكلم بعضهم العربية فبحكم الضرورة الظرفية والمكانية. ولقد بلغت هذه الشعوب شأواً بعيداً في المدنية قياساً على أحوال العرب وكانوا على دين المسيحية وغيرها وتحدثوا وكتبوا باليونانية والفارسية أيضاً. وكل هذا يكون داعياً لخصب الذهن ومع ذلك ومن غير المعقول أن لا نقرأ لهم شعراً أو نعرف لهم أدباً. ولقد حاول صاحب كتاب شعراء النصرانية تلمس كل وسيلة لعد شعراء من اللخمين أو الغساسنة أو التدمريين أو الأنباط، فلم يجد. وكل ما يروى لنا حول هذا الموضوع هو مثول شعراء مثل الأعشى والنابغة وحسان بن ثابت وغيرهم بين يدي ملوك أو أمراء هذه الشعوب لمدحهم متكسبين بذلك. هذا السر، هو أن هؤلاء الحيريين والغساسنة والتدامرة والأنباط كان فيهم شعراء وأدباء، ولكن كانت لهم أيضاً لغة خاصة بهم غير لغة قريش في الحجاز والتي لم تستطع التأثير فيهم كونهم أرقى من قريش ومن كل العرب فأنفوا أن يخضعوا للسان من هو أدنى منهم حضارة. يستتبع ذلك أن لهم شعراء وشعراً وأوزاناً تتفق مع لغتهم وعقليتهم. ولما كتب القرآن بلغة قريش، أهمل الرواة ما كان خارجاً عن هذه اللغة.
والقول بأن هذه الشعوب من أصول يمانية مردود، لأن لغة اليمن غير لغة قريش، ولها تصاريفها وحركات إعرابها، ثم أنها كانت لغة معروفة، مما يعني أن هذه الشعوب كانت أرامية الأصل واللغة. ويخبرنا مؤرخون رومان ويونان أن صلواتهم وقداديسهم كانت تتم باللغة الآرامية (السريانية) لا بغيرها. وقد قال الغساسنة عن أنفسهم أنهم سوريون. وفي سوريا ولبنان شعرً قل من عرفه من خارجهما، شعرً له أوزانه وألحانه وبحوره ومناسباته. فهناك المعنىَّ والقراَّدي والمخمَّس والمردود والعتابا والحداء والرويد والحورية والهوبرة والزلاغيط وأبو الزلف والشروقي والموَّال والندب. وجميع هذه الأنواع لها أوزان مسحوبة على أوزان آرامية (سريانية)، يعرف بعضها بإسم (الأفراميات) نسبة إلى مار إفرام السرياني، الذي وضع الكثير من هذه الألحان في القرن الرابع الميلادي، وذلك قبل أن تقول العرب شعراً، إن قالوه كما وصل إلينا. وبعضها على أوزان الشعر السوري، كالرجز الذي ليس هو كما عبَّر عنه العرب على أنه بحر من أبحر الشعر بل هو يعني الغضب، فيوم الرجز هو يوم الغضب، جيم مصرية، حيث لا تلفظ الجيم بالأرامية إلاَّ على هذه الصورة. والسبب هو بعدما هاجر قسم من الحميريين هرباً من مسروق (ذونواس) وأخبروا بفظاعاته هجاه الشعراء بمرارة وغضب، وهذا هو الرجز. كل هذا يحيلنا لنقول شيئاً عن الموسيقى لعلاقتها الوثيقة بالشعر والتي يجهل صنعتها العرب وعاداها الإسلام بأمرَّ مما عادى الشعر والشعراء.
الموسيقى إرث سوري، وأحدُ واضعي مقاماتها هو مار يعقوب السروجي. والشروقي ينسب إليه، والسروجي من سروج على الفرات، والأصل سروجي وليس شروقي، وكما ذكرنا كل جيم في الأرامية تلفظ جيم مصرية. مقام الحجاز لحن سوري قديم كثرت فيه المتعرجات صعوداً ونزولاً، في الصوت وتغييراته، ويدعى هذا التعرج الحوجاز، وما هو عليه من لفظ فهو بفعل الزمن.
مقام السُجا، وفعله ساجي، أي المعنَّى أو الشجي، والعربية أخذت هذا من الآرامية، أي شجي.
مقام البيات، نغم لذيذ يميل إلى التوق والحنين، وبه تُغنَّى أبيات العتابا والميجنا والفراقيات (فراق الأحبة)، من جبال القلمون وصولاً إلى جبال لبنان، وكذلك الشروقي. والبيات يعني بالأرامية الحسان – الجميلات – والعتابا تغنَّى دائماً على الوزن الشروقي (السروجي) ذي الأثنتي عشر نبرة. مقام نوى: لحن خشوعي ينساب مع القلوب وأصله لحن نينوى الإبتهالي. وفي عيد الصوم، إلى يومنا هذا، يجتمع المسيحيون وينصتوا إلى تراتيل وأشعار مار إفرام السوري بقلب حزين في كنائس الشرق التي حفظت كل هذه المقامات لأنها كلها تدخل في صلوات وابتهال مسيحيي الشرق.
والموال، مقطوعات شعرية قصيرة لها طابع حزين تغنى به السوريون. يا ليل، والماضي أيا ليل أو يا ليل ومعناها الحزن (على فراق الأحبة)، ولا يرافق الموال عادة سوى العود، وتسمى مرافقته تقاسيم بالعربية، وأصلها تجاسيم (جيم مصرية) من جسم، أي مثل أجواء الحزن على الأحبة المفارقين. وينادي من يتلو الموال العين لتذرف الدمع وتبكي، (يا ليل يا عين).
كانت الآرامية أهم لغة تجاور العرب. وقد سادت الآرامية الشرق برمته لمدة تناهز الألف عام، بعد أن اعتمدها الفرس لغة رسمية لهم منذ القرن الخامس ق.م. ومن الطبيعي أن تتطور اللغة مع تطور الحضارة وتقدمها، بإستنباط الألفاظ الجديدة، أو إستعارة ألفاظ من لغات أخرى، إضافة إلى الإصلاحات التي خضعت لها. وهكذا، غدت الآرامية لغة ثقافة وعلم وأدب من الطراز الأول. وكان من الطبيعي أن يغرف العرب من هذا المنهل اللغوي القريب جغرافياً ولغوياً. فغدت الآرامية جزءاً أساسياً في العربية، التي وبكل لغاتها ولهجاتها كانت شفاهية إلى أن أعطتها الآرامية الحرف أيضاً. ونحن نعلم مدى التشويه الذي يصيب التراث الشفاهي المتناقل لمئات السنين لدرجة أن أصوله تضيع ويصلنا بشكل مختلف، مما يفقده أصالته لأن فقط النصوص المكتوبة والمدونة هي وحدها المعبرة عن الأصالة والتي يمكن التعويل عليها. وبدون هذا ما كان بالإمكان رسم الجمل والمواضيع للتعبير عما يراد. إن اللغة بدون قواعد تبقى لغة صورية متغيرة حيناً وغامضة أحياناً. وتسمى هذه اللغات بالفطرية والتي تقتصر بالتعبير على ما هو موجود وظاهر، ولا تعبر تماماً عما يراد، لأن اللغة لا تملك خطة مرسومة لصياغة ما يجب أن يكونه النص، لأنها لغة محكية. وكان تأثير الآرامية كبيراً في العربية في زمن فرض لغة قريش على العرب. ذلك أن الأسماء في الآرامية (في سوريا أصبحت تسمى سريانية بعد رسوخ المسيحية) تنتهي بألف الإطلاق. كما في كلمة خمرا فهي ليست مؤنثة كما خالها اللغويون العرب، الذين وقعوا في تشوش لا مثيل له مما أثر على تشوش العربية، حيث أنهم نقلوا وأخذوا عن الآرامية دون معرفة ودراية بمدلولات اللغة وجذور الألفاظ ،فدخل الحابل بالنابل. إذن خمرا هي في الواقع حمرا، في الأرامية الغربية (السريانية) حيث تقلب الخاء إلى حاء، فأخذت وكأنها مؤنثة، وهكذا في سلامة وهي سلاما. وتواردت الألفاظ على الطريقتين الشرقية والغربية، فأخذ العرب الكلمة الواحدة لمعنيين، كما في كلمة حرب التي هي حربا وهي نفسها في الشرق خربا، وهي كلمة واحدة تعني الحرب والخراب. أما في الصفات فحدث عن تخبط العربية ولا حرج، كأسماء الأسد، ومنها الرئبال كما أخذها العرب وأصلها الروبال أي المقدم. والهزبر الذي هو في الأرامية الجزبر (جيم مصرية)، وقبل الاسترسال علينا النظر في الأحرف.
وقد استعار العرب 15 حرفاً لا غير من هذه الحروف ، وعلينا أن ندرك مدى الخلط والتشويه الذي أصاب العربية خاصة وأنها بقيت بلا تنقيط وتشكيل حتى القرن الثالث (عصر التدوين).
لو اختصرت كل الابداعات السورية التي قدمها السوريون للعالم على الأبجدية لكفى هذا مجداً. اخترع السوريون الأبجدية في حدود القرن الثامن ق.م. وكانت سوريا ذلك الحين ملتقى الحضارات الإنسانية برمتها، والتي اختمرت فيها بعد أن نقلها التجار السوريون بمراكبهم وقوافلهم لتصاغ في سوريا ومن ضمن ما صيغ الأبجدية. فقد استعان العباقرة السوريون بالمسمارية والهيروغليفية التصويرية ليحولوها إلى رموز كل منها يعبر عن مخرج صوتي سميَّ حرفاً. وهذا الخط هو خطهم وحدهم وإختراعهم الذي لا يشاركهم به أحد، حيث لا دليل على وجود أبجدية مشابهة.
تألفت الأبجدية السورية الآرامية من 22 حرفاً هي:
أبجد: أ ب ج د
هوز: هـ و ز
حطي: ح ط ي
كلمن: ك ل م ن
سعفص: س ع ف ص
قرشت: ق ر ش ت.
ومثلاً الألف وهي تعني بالآرامية الثور رمز لها برأس ثور. وهكذا الباء رمز لها بالبيت. والجيم رمز لها بالجمل (جيم مصرية). وهكذا بقية الحروف، والتي لا يزال ترتيبها الأبجدي أو بعضه ماثلا في اللغات غرباً وشرقاً مثل العائلة اللاتينية – فرنسي – اسباني – ايطالي أو الانكلوسكسوني الانكليزية الألمانية الهولندية. حيث نجد ترتيب كلمن KLMN أو قرشت QRST . في هذه اللغات هي ذاتها كما وردت في الأبجدية السورية.
أبجد ( ا ب ج د)
عربية آرامية رمزها
ألف ألفا ثور
باء بيتا بيت
جيم جملا جمل
دال دالت خيمة
هوز ( هـ و ز)
عربية آرامية رمزها
هاء هو شباك
واو واو وتد
زين زيتا سلاح
حطي ( ح ط ي )
عربية آرامية رمزها
حاء حيتا حيط (حائط)
طاء طيت حية (ثعبان)
ياء يود يد
كلمن ( ك ل م ن )
عربية آرامية رمزها
كاف كف كف (اليد)
لام لمد مقرعة (لِسَوق الدواب)
ميم ميم ماء
نون حوت* حوت
* حوت (ما جاء في القرآن نون وما يقرأون وقصة الحوت)
سعفص ( س ع ف ص )
عربية آرامية رمزها
سين سامخا عصا
عين عين عين
فاء فو فم
صاد صادا شبكة الصيد
قرشت ( ق ر ش ت )
عربية آرامية رمزها
قاف قوفا سم الخياط (إبرة)
راء راشا رأس
شين شن سن
تاء تاو علامة
ثم قام الآراميون بتقسيم الأبجدية إلى فصائل خمسة:
الأحرف الحلقية: ألف، حاء، هاء، راء
الأحرف الصافرة: زاي، سين، شين، صاد
أحرف الشفة: باء، واو، ميم، فاء
أحرف الحنك: جيم، ياء، قاف، كاف
أحرف اللسان: دال، طاء، لام، نون، تاء
وكثيراً ما تتبادل بعض الأحرف في الآرامية والعربية حسب اللهجات والمناطق والقبائل وبفعل الزمن وغيرها من العوامل. والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى.
هناك خلط في الثقافة العربية بين امرؤ القيس الملك الضليل الذي عاش في القرن الثالث الميلادي، وبين امرؤ القيس الشاعر الذي مات قبل النبوة بنحو نصف قرن ، وهذا مثال على تطور العربية بين زمن امرؤ القيس الأول وزمن امرؤ القيس الثاني اللذين تفصل بينهما ثلاثة قرون.
وهاكم نصّ شاهدة قبر امرؤ القيس الملك الضليل كمثال على الخط النبطي الآرامي الذي استخرج منه الخط العربي:
تفي نفس مر القيس بن عمرو ملك العرب كله ذو أسر التاج ملك الأسدين ونزرو وملوكهم وهرب مذحجو عكدي وماء، يزجو في حبج نجران مدينة شمر وملك معدول ونزل بنيه، الشعوب ووكله لفرس ولروم فلم يبلغ ملك مبلغه. عكدي هلك سنة 223 يوم 7 بكسول بلسعد ذو ولده.
وهذه ترجمة النصّ:
هذا قبر امرؤ القيس، ملك العرب كلهم، الذي تقلد التاج، وأخضع قبيلتي أسد ونزار وملوكلهم، وهزم مذحج إلى اليوم، وقاد الظفر إلى أسوار نجران، مدينة شمر، وأخضع معداً، واستعمل بنيه على القبائل وأنابهم عنه لدى الفرس والروم، فلم يبلغ ملك مبلغه إلى اليوم. هلك سنة 223 في اليوم السابع من أيلول، وفق بنوه للسعادة.

الجزء الثالث:

اقتدت العربية بالآرامية في تطورها، فحين كانت الآرامية تشكل بالنقاط حاكتها العربية بذلك، وعندما استعاضت الآرامية عن النقاط واستعملت التشكيل الحالي تبعتها العربية، كذلك أخذ العبرانيون النظام الصوتي عن الآراميين حيث اعتمده أحبار اليهود في ضبط التوراة بعد العام 750م. لذا من الخطأ نسبة التشكيل إلى الحجاج أو غيره، لأنه اختراع آرامي (سرياني). وقبل هذا، استعارت العرب الحرف الكوفي كما يقول المؤرخون لكتابة القرآن أول كتاب بالعربية، والحرف الكوفي ما هو إلاّ الحرف الأسطرنجيلي المستقيم غير المائل وسموه حرف قريش، والأصل بالآرامي حرف قريت أي حرف الكتبة (والكتابة).
أما النصوص المكتوبة فقد دعوها القريان. وبالعربية، أطلق المسلمون على كتابهم المقدس القرآن ويضيفون كريم وأصلها بالآرامية قريم فيصبح قرآن كريم، والأصل هو قريان قريم الذي هو الكتاب المقدس لدى السريان الآراميين. وتبديل الكاف والقاف سائد في العربية والآرامية على السواء. فاستعار العرب اسم الكتاب المقدس للقرآن دون علم بمعناه ومدلوله اللغوي، لأن قريم تعني المزين – البهي – المزخرف، حيث كانت آيات الكتاب المقدس تكتب وتنمق وتزين وتصمد في صدور المجالس، بينما كريم لا معنى لها إن اطلقت على كتاب، فالكرم لفظ دلالي محدد يطلق كصفة على الأحياء لا على الجماد وقولنا أحجار كريمة يعني أحجار زينة.
يقودنا هذا إلى أن العرب والمسلمين يستعملون ألفاظاً وتعابير وأسماءً تدخل في صلب عقيدتهم وتراثهم دون علم بمصدرها أو بمعناها، والأغرب من هذا هو أنهم لا يبحثون حتى في هذا الأمر. فلو أخدنا قريش سنجد أن المؤرخين واللغويين اختلفوا في معناها وفي مصدرها، فهناك من يقول إنها تعني الجمع أو التجميع، وهذا له علاقة بالتجارة وجمع الأموال وبتجميع الناس المختلفين في قبيلة واحدة، وذلك كون قريش لا تحمل سمات القبيلة العربية النمطية ومقوماتها.
• كانت كل طرق التجارة الشرقية تنتهي في سوريا ومنها تنقل إلى كل أنحاء العالم القديم. اختار التجار أن يبتعدوا عن مسرح حروب السلوقيين والبطالمة واليونان والرومان والفرس التي غالباً ما كانت تدور في سوريا الطبيعية، فأختاروا وأسسوا مدناً تقع في الصحراء أو على حدودها، قليلة الماء ويصعب الوصول إليها. ورغم ذلك، أصبحت هذه المدن قوى اقليمية عمادها التجارة، فنفوذ الأنباط كان يمتد من دمشق إلى الحجاز، أما تدمر فكانت تمتد من أنقرة في الأناضول إلى الاسكندرية في مصر. وكان لكل المدن التجارية مكانة دينية مرموقة، فلكل منها كعبتها أو معبدها. ذو الشرى للأنباط، وبعل في تدمر، والله في مكة (قبل الإسلام). ويتزامن خراب تدمر على يد الرومان وتحويلها من مملكة عظيمة إلى قرية منسية بسبب إهمال الملكة زنوبيا لموازين القوى، وذلك أنها اختارت مواجهة روما القوة العظمى ذلك الحين. إذاَ يتزامن خراب تدمر وغيرها من المراكز والمدن التجارية مع بداية الاهتمام بمكة.
وهنا نجد قصي والذي هو ربما أحد هؤلاء التجار (الذين يجمعون بين التجارة والكهانة) ينطلق من الشام للإستيلاء على مكة، المكان الآمن والبعيد عن نفوذ الامبراطوريات والقوى المتصارعة في الهلال الخصيب. وبعد أن أصبح أحد مواطني مكة المرموقين بالمصاهرة وربما بالمال الذي أنفقه في سبيل تحقيق هدفه، سنجد أن قوة عسكرية قادمة من الشام لدعم قصي (تقول المصادر العربية إنه أخوه من أمه). وبعد أن تم له الإستيلاء على مكة، تقاطر التجار وحاشيتهم إليها ليشكلوا ما يعرف بقريش، ولهذا نجد لغتها خليطاً من الآرامية والعربية ومن لغات أخرى بشكل أقل.
بدأت قريش بقصي، فلا نعرف قريش قبل قصي، فإن كان أصل قريش تجميع عصبة من الناس أو كان أصلها قريت أي الكتبة فالأمران لا يخصان العرب، فهم أميون من جهة، والقبيلة العربية كما ذكرنا لها مقومات مختلفة عن تجميع ناس في قبيلة من جهة أخرى.
ومثلما استطاع التجار الأنباط إنشاء مملكة ودولة أخذت تدمر مكانها، بعد انهيارها. كذلك بدأ تجار مكة يخططون لذلك. وهذا ما تم بخليط من القيم البدوية والقيم التجارية والكهانة.
وفي هذا الجو نقرأ حديثاً منسوباً لمحمد يقول: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، ولا أحد يدري كيف تقوم تجارة مرموقة بدون كتابة وحساب، إنه التلفيق الذي يتسم به التاريخ العربي الإسلامي.
قصي بن كلاب بن مرة، لا نعرف أحداً من العرب تسمى بقصي، بالآرامية قسي وجذرها قس تعني الشيخ الديني وهي ليست حكراً على رجال الدين المسيحيين. واهتمام قصي بالكعبة. ولارتباط التجارة بمواسم الحج حيث كانت كعبة بعل في تدمر محجة إضافة إلى الحج إلى بعل بكاّ (بعلبك) فكان الحج مرتبطاً بالتجارة برباط وثيق، ومرة ربما أصلها مارا ويعني بالآرامية السيد. وكلاب ربما أصلها كل أب أي ابن السادة أو أبو السادة.
وقريش سكنت مكة، وإلى مكة يتوجه الحجيج سنوياً مثقلين بالذنوب طالبين الغفران نادمين وباكين، وهذا ما كان يفعله السوريون في معابد الإله بعل مثل بعل بكاَّ، أي البكاء والندم طالبين الغفران من بعل، ومكة (مكاَّ) تعرف أيضاً ببكاَّ، وكعبة بكاَّ تعطي نفس المعنى والدلالة والدور.
وفي مكة نبع زمزم وبالآرامية سَمسَم أي الشافي. أما الحج فتذكر بعض المصادر أن الحجيج العرايا كانوا يحكّون عريهم بالحجر الأسود والذي كان أبيض فإسود مما أصابه من دم الحيض ومن ذنوب البشر. ولعل لهذا علاقة بطقوس الإخصاب، وما ذكر متعة الحج وأخبار صاحبات الراية الحمراء والبغاء في مكة في مواسم الحج، إلاّ لما له علاقة بكل هذا. إنما نحن نميل إلى أن الحج ليست آتية من الحك، إنما أصلها حجاَّ أي احتفل، وكل المراسم الاحتفالية المسيحية تسمى بالآرامية حجاَّ.
مثلما سداق المرأة الذي يعني بالآرامية حق المرأة فنقله العرب صداق.
رمضان، شهر الصوم عند المسيحيين، تقول العرب أن اسمه مشتق من الرمضاء، أي الحر. مثلما ذي الحجة من الحج، وربيع الأول والآخر لقوعوهما في الربيع، كان هذا ممكناً بالتقويم القمري بإضافة فرق الأيام بين السنة الشمسية والقمرية فتقع الأشهر في أوقاتها دائماً. وتسمى هذه العملية بالنسئ، والتي حرمها الإسلام فيما بعد، رغم الحاجة الماسة لها زراعياً ورعوياً على السواء، حيث مواسم الأمطار والحصاد والرعي والكلأ تقع في الشهر ذاته من كل سنة. وفي عصرنا، بدأ العالم الإسلامي يلتحق بالتقويم الشمسي الميلادي وإن كان على استحياء. والنسيْ معناه التحميل أي تحميل فرق الأيام لشهر أو لفترة من الأعياد التي لا تحسب على الشهور.
كان التقويم الأول قمرياً لسهولة حساب ظهور القمر وغيابه دورياً، ولكن بالنسئ يمسي التقويم شمسياً. وقد عبدت كل الأقوام السامية القمر تحت مسميات كثيرة مثل سين وسهر وشارو التي أصبحت شهر ويرخا اسم للقمر بالآرامي أيضاً، ومنه أصبح التاريخ أرخ يؤرخ. أما الفصول الأربعة فلها أهمية بالغة في المجتمع الحضري ودورته الزراعية بل وعباداته حيث يحتفل على وقعها بأعياده.
تبدأ المرحلة الأولى بالبذار وانحلاله في الأرض. وتدعى هذه المرحلة بالسورية تشرينا خاريفا، أي الانحلال الحاد وتشرين هو بداية الخريف.
أما شتايا فتعني روى وسقى. ويطلق السوريون حتى الآن على المطر كلمة شتا ومنه الشتاء.
والربيا = النمو، وهو ما أصبح بالعربية ربيع.
وأخيراً الصيف وهو في الآرامية صئيف بمعنى شاخ أو نضج (المحصول).
رمضان بالآرامية مؤلف من كلمتين راما – دان، راما تعنى تعالى أو العالي، ودان تعني فرض أي فرض الرب، وأساسها أن الرب فرض صوم نينوى، وهو الانقطاع التام عن الطعام لثلاثة أيام، وأحل لمن لا يتسطيع ذلك الصوم شهراً 30 يوماً من الفجر حتى الغروب، وأشار الإسلام إلى ذلك (كما فرض على الذين من قبلكم).
في القرآن الكثير من الآيات التي لن تفهم حق الفهم إلاّ إذا اعيدت إلى أصلها الآرامي: (وإذا البحار سُجِّرَت). إن التفسيرات المختلفة لا تشفي غليلاً ولا تصل بنا إلى حل مقبول، وبالعودة إلى فعل سجر الآرامي (جيم مصرية) الذي يعني سيل (الماء) أو صب (الماء) نفهم الآية وإذا البحار صبت أو أسالت ماءها.
وأيضاً: (وإذا المولودة سئلت بأي ذنب قتلت)، يتناقل المسلمون قصة وأد البنات في الجاهلية، ويأتون بابن الخطاب مثلاً على أنه وأد ابنته، ولا نعلم أن أحداَ غيره من أهل مكة قد قام بهذا الفعل الشنيع، إذا صح الخبر. ولذا يبقى فعل الوأد شاذاً في مجتمع لا يمارس هذا الأمر، ثم لماذا وأد ابنة واحدة وترك غيرها، ولو كان هذا الفعل سائداً بين العرب لانقرضوا بعد ثلاثة أجيال. حتى الحيوانات ترعى صغارها فما بالنا بالانسان، كل هذا ينسب للجاهلية ليبرز فضل الإسلام ليس إلاّ، إذ لا يوجد دليل تاريخى على فعل الوأد للبنات بالمفهوم العربي الإسلامي. أما قصة الوأد فقد نقلها العرب عن المسيحيين واليهود ونشروها بشكل خاطئ دون أن يعرفوا ما هو وأد البنات، الذي هو طقس متوارث عند الآراميين والعبرانيين، فالذكور منهم تقطع غرلتهم (طهور) كعهد انتماء إلى الله و يسمى ختان، وهو عادة أخذ بها الإسلام دون إعطائها نفس المعنى فكانت مجرد تقليد. وأما الإناث فلهن أيضاً طقس عهد انتماء لله ويدعى وعد البنات، ووعد بالآرامية تعني غمر – دفن فحسبها العرب دفناً بالتراب، ووعد البنات ما هو إلاّ غمر البنت بالعطور والزهور والأقمشة وغيرها من الهدايا. وحتى الآن يقول السوري: "غمرتونا بخيركم" . وبالعودة لابن الخطاب، الذي طرد المسيحيين من جزيرة العرب، وتنسب الوثيقة العمرية، سيئة الصيت، إليه، والتي وضعت قيوداً مذلة على المسيحيين في كل مكان بسط فيه المسلمون سلطتهم، ولذا ومن غير المعقول أن يلقبه المسيحيون بالعادل أو بأي لقب إيجابي، ولذا لقبوه بالفاروقا وهذا لقب سلبي لأبعد الحدود، وجذره فرقا وتعني الفراق بالمعنى السلبي. وحتى الآن يقول السوريون لغير المرغوب به: "فارقنا بريحة طيبة) أي فارقنا ولا تترك قاذوراتك هنا.
أما الجاهلية فهو عصر أغلق التاريخ العربي الإسلامي على حقيقته تماماً، وعومل بسرية وإبهام غريبين، وجعل مكباً للقمامة، فنسبوا له كل رذيلة. ويفسر البعض أنه العصر الذي لا إيمان فيه، ولكن الواقع يدحض هذا. فقد كان هناك مسيحيون ويهود وما يسمى دين العرب وهو عبادة الله. وما الحج إلى الكعبة إلاّ لتأكيد ذلك. (إن الحروب من أجل عبادة إله واحد أو باسم الإله الواحد هي الأكثر دموية ووحشية في تاريخ الإنسانية).
والجاهلية بالآرامية جوهلت تعني ازدهار، إنه عصر الحكمة والآداب الذي تلا مرسوم ميلانو العام 313 والذي رفع القيود عن المسيحيين وغيرهم وسمح لهم بممارسة عباداتهم وبناء معابدهم، عصر طال جزيرة العرب، عصر التعددية الدينية والثقافية.
نعود إلى القرآن وآياته. جهجه: فعل يقال لدنو الفجر مع أول بشائر الضوء، ومعناها (إنتعاش) وعلى عكسها (عسعس) بمعنى المنهك المتعب، وتقال لليل لم يعد يقوى على الصمود أمام جهجهة ضوء النهار. والعسس نواطير الليل تنتهي مهمتهم مع الجهجهة. (دحا) تعني ملأ، ودحا الكيس، ملأه، دحى جيبه نقوداً.
الصراط المستقيم، والتي حار العلماء في تفسير معناها، في دمشق شارع حتى اليوم يسمى الشارع المستقيم، وفي زمن الرومان كانوا يقولون سترادا أو سرادا المستقيم (الصراطا المستقيم) وسترادا تعني شارع باللاتينية. الأخدود، وردت في القرآن مرتبطة بمقتل مسيحيي اليمن على يد مسروق ذو نواس، وأصلها (الخدوت) أي المغبوطين الفرحين (بالشهادة) وقد رثاهم شعراء وأدباء ورجال دين بهذا الاسم.
(أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه) بدون العودة إلى الآرامية لن تفهم هذه الآية حق الفهم، فلحم تعني خبز، وحيّا تعني خمير، ومعناها تأكلون خبز أخيكم وتغتابونه ولو أراد أكل لحم أخيهم حيّا لقال لحم أخيكم حيّاً بالتنوين. ولكنها أتت كما في الآرامية بألف الإطلاق حيّا. وهي كما نقول اليوم (بيننا خبز وملح)، أي المفروض ألاّ يتعدى أحدنا على الآخر، والخبز لا يدعى خبزاً إلاّ خميراً، وغير الخمير لا يدعى خبزاً بل فطيراً. وقديماً كان الخلاف قائماً في اليمن بين أهل الخمير المسيحيين وأهل الفطير اليهود. وكان النصر لليهود، حيث قضى مسروق (ذو نواس) على الكثير منهم، وهرب آخرون إلى الهلال الخصيب ودعوا باللخميين من لخم أي لحم (خبز) بلهجة بين النهرين ودعوا بالعارقين أي المهجرين، ومن هنا أصبحت العراق ، فالعاروق تعني الهارب، والعراقا تعني مكان الهروب أي المهجر. وكان يطلق على المسيحيين أهل الأحمرين أي الخبز والخمر،(ويقدما في الكنائس رمزاً للمسيح)، وللتفريق بينهم وبين أهل الأبيضين الماء واللبن، أي العرب غير المسيحيين، أو بينهم وبين أهل الفطير وهم اليهود.
ومسيحيو اليمن ونجران جلهم من حِمْيَر التي تختلط أصولها ولغتها بقوة مع الآراميين واسمهم مأخوذ من الخبز والخمر (حِمْيَر أو خِمْيَر).
ولا بأس من ذكر سبأ، كان الكثير منهم يهوداً سبأ، بالآرامية سبيا.
يقال بالعربية ذهبوا أيادي سبأ وأساسها أيداي سبيا، أيداي تعني بسبب وسبيا تعني السبي. أي ذهبوا أو تشتتوا سبياً.
وهلمَّ جرى. والسؤال ماذا جرى؟ لا معنى لغوي أو دلالي لها. أصلها أليم جرا، أليم تعني هم وألم – جرى تعني تتابع – تتالي. إذن وتتابعت الآلام والهموم، وكان اعتقاد عند السوريين ولا يزال أن المصائب تجر بعضها.
إن لغات الشعو ب المنتجة للحضارة تعج بالأسماء والمفاهيم والمصطلحات ودلالات التعبير اللغوي لمنتجاتها الفكرية والعلمية، وذلك على عكس لغات الشعوب المستهلكة للحضارة ولمنتجاتها، فإن قلنا برلمان – ديمقراطية – علمانية، فسنجد أن العربية لا تعرف من هذه إلاّ أسماءها لأنها لم تنتج في العالم العربي فلا تعرف وظائفها، أو أسباب وتاريخية انتاجها. هذا إضافة إلى تقنيات النانو والجينات والالآف غير هذا وذاك. إن حال العربية اليوم كحالها عندما غزا العرب المسلمون المراكز الحضارية في الهلال الخصيب ومصر وفارس، حيث واجهتهم آلاف المنتجات الحضارية الفكرية والتقنية والاجتماعية فوجدوا أنفسهم أميين لغوياً وحضارياً. وحتى عندما أصبح العرب والمسلمون قادرين على فهم السريانية واليونانية بعد عدة قرون، إلاّ أنه لم يكن بإستطاعتهم تحويل أشكال الفكر والتعبير إلى لغتهم، لأن هذا ليس مستمداً من السيطرة البسيطة على اللغات بقدر ما هو مستمد من العلاقة مع المنتج إضافة إلى أساليب التعبير والاصطلاحات التي تحتاج إلى مرونة فكرية ولغوية لازمة للصياغة والمحاكاة العقلية المنطقية الواعية. لذا سنجد أن التراث العربي المكتوب، الأدبي والديني والعلمي وغيره، أقرب إلى الطلاسم منه إلى نصوص مفهومة.
فإبن الخطاب لم ير مكتبةً في حياته ولا يعرف وظيفتها وعندما أخبروه عن خزائن الكتب في الاسكندرية قال: "إن كانت تخالف ما في القرآن فلا حاجة لنا بها، وإن كانت توافق ما جاء في القرآن فلنا به غناً عنها"، وأمر بحرقها. وهذا ما حصل في كتب الفرس. لقد أخذ الغرب من سوريا الابجدية بالإضافة إلى مئات وآلاف الأسماء والمصطلحات مثل عتيقا – أنتيكا أو دصو (رقص) فأصبحت دانس أو دسكو، أطوم (المتناهي الصغر) فأصبح أتوم (Atom) اسطورة أصبحت (History) (تاريخ) عشتار آلهة نجمة الزهراء أصبحت ستار أي نجم القترا- قنديل فأصبحت (Elektro) وهكذا. لا بأس أن تأخذ لغة من لغة ولكن بوعي بدلالة الكلمات والمصطلحات اللغوية، وهذا ما لم يحدث بالعربية التي أشاد بها أصحابها فجعلوها فخر اللغات، وذلك لشهرتهم بالتهويل والمبالغة، رغم خلو ثقافة ولغة العرب من الأساطير، لأن الأسطورة تعني الحرف المسطور المسجل – المدون من الفعل سطر – كتب – زخرف وهي سجل لأخبار الآلهة ولأحداث تاريخية خضعت لخيال شاعري. وهي تنهض بدور تعبدي تعليمي قيمي. أما العرب فهم ضليعون بالخرافة والتي هي حكاية شعبية شفوية عادة يضاف إليها أو ينتقص منها عبر العصور تعبر عن ذوق شعبي وتعكس بعضاً من حياته (لأميتهم). فلو أخذنا الشعر وبحور الشعر والموشحات لوجدنا أنها ألفاظ لم يفلح الباحثون في إيجاد أصول وأرومة لها ولا في تفسير دلالاتها، رغم افتخار العرب بشعرهم. دعا الآراميون الشعر (شيرا) التي أصبحت في العربية شعراً، وشيرا يعني نشيد، والنشيد غير الغناء. وفي العربية نقول أنشد فلان قصيدة أو أنشد شعراً، وهكذا تعود العربية إلى الأصل دون إدراك بهذا الأصل. وأما بحر أو بحور الشعر، ففي سوريا لا يزال يقال بحِّر أي دقق – أفحص – والاسم بحيرا يعني المدقق، الفاحص. ومن مدلولات هذه المعاني نحصل على مدلولات بحور الشعر. أما الموشح فهو مشتق من مشاح أي قاس ووزن واسم المفعول به ممشح والمشح السوري يعني الوزن السوري ويستعمل لوزن الأشعار والموسيقى وما كلمة مسح – مساحة المستعملة في قياس الأراضي إلاّ من هنا. وفي سوريا يخضع كل شيء للمسح، أوزان، مقاييس، معايير، مكاييل، وتمسح الأدوية أي تحدد كميتها ووزنها، والقطعة الموزونة من الشعر تسمى بالآرامية موشحاتا.
ومن الغريب أن يصلنا كل هذا الشعر الجاهلي بلغة قريش رغم تباين لهجات القبائل بل وأحياناً لغاتها ورغم أن هؤلاء الشعراء عاشوا في أزمنة وأمكنة مختلفة. مثل شعر الخنساء والتي لا نعرف من تسمت غيرها بهذا الاسم أو من تسمَّى باسم أخوها المزعوم صخر الندى، لأن الخنساء اسم آرامي ويعني الحنونة الرقيقة، وصخر الندى بالآرامية صخرا نيدا ومعناها جملة الشهدا،ء وهم على الأرجح أهلها الذين بكتهم ولكن بشعر آرامي عرب كيفما كان كالكثير من القصائد المنحولة أو المترجمة عن الآرامية والمنسوبة إلى شعراء الجاهلية. مثل النابغة الذبياني الذي تنقل بين بلاطي ملوك الحيرة وملوك غسان الآراميين والذي من السهل إعطاء اسمه معناً بالآرامية نبغادبيانا – نبغا حفيد دبيانا حكمة - أي حفيد الحكمة مثله مثل امروء القيس حيث يدل اسمه على رتبته الدينية ماراقس أي السيد القس. حتى شعرهم تسهل إعادته لغوياً إلى أصله السوري الآرامي ليعطيك معاني وصور غير تلك التي في العربية.
فاللغة العربية متاهة من المجازات والازدواجية والتناقضات في الجملة الواحدة والتي لا يمكن أن تعني ما تقوله تماما فهي طلاسم كالنحو العربي المعقد لدرجة عدم الفهم. اللغة العربية لا تعبر بوضوح عما تريد قوله تماماً فهي لغة التكلف والتنميق الزائف. ومن المعروف أنه حتى المفسرين قد اختلفوا حول معاني كل كلمة وكل آية في القرآن حتى التناقض، ومن المعروف أيضا أن القرآن لا يترجم . اللغة العربية لغة دينية تفضي كل جملة فيها إلى الله إنها لغة حجب الواقع وليس فهمه.
وأختم بقول لابن خلدون: لغة الأمة الغالبة غالبة، ولغة الأمة المغلوبة مغلوبة. وهذا قانون لا يطال اللغة فقط فدين الأمة الغالبة غالب، ودين الأمة المغلوبة مغلوب. وقوانين وقيم وتشريعات الأمم الغالبة غالبة. فويل لشعوب حضارية غزتها شعوب أمية بدائية همجية، فالانحطاط هو النتيجة لا محالة.


عن الحوار المتمدن