تراث وفقـه
 
 
10/04/2011


 سمل العيون في التاريخ الاسلامي


http://alzakera.eu/
سأتناول ببحث قصير تاريخ واحدة من العذابات في تاريخنا، التي ماتت فأحياها البعثيون والنازيون الجدد، أنها سمَّل العيون.

عرف فقأ أو قلع العين بالسمَّل، وأصل الكلمة العبري يعني الثوب،كذلك يعني في العربية الثوب الخرق أو البالي، أو الماء القليل الباقي في أسفل الإِناء، أي الثمالة. ولعل المعنى الأخير يفسر استخدام السمَّل بمعنى فقأ العين، أي إخراج سمِّلتها. قال الشاعر:
فالعين بعدهم كأن حِداقها
سمَّلت بشوك فهي عور تدمع


لا أجد صحة في استخدام كلمة الكحل بمعنى السمَّل، مثلما أشار إلى ذلك البحاثة مصطفى جواد في حاشية "مختصر التاريخ" لابن الكازروني (ت697هـ)، والمحقق عبود الشالجي في "موسوعة العذاب". فمن معاني الكحل: "أول خضرة النبات"، و"كل ما وضع في العين يشتفى به". ويدعى أطباء العيون بالكحالين، وخلاف ذلك يدعى فاقئيها أو قالعيها بالسمِّالين، يضاف إلى ذلك أن الكحل ضد العمى، والسمَّل العمى بعينه.

عرف السمَّل كعقوبة في لوائح قوانين العراق القديم، ولعل أقدمها كان في شريعة حامورابي، فقد جاء في المادة 196 ما نصه: "إذا خرب إنسان عين إنسان (آخر) على المرء أن يخرب عينه"(قوانين ما بين النهرين، ترجمة مرعي). وفي قوانين العصر الآشوري الوسيط، كانت عقوبة تلف خصية الرجل سمّل عين تالف الخصية، والجريمة المذكورة تسبب العقم، لذا كانت عقوبتها الحرمان من نعمة البصر، وهي الأقرب إلى الإعدام. لكن قبل ذلك، وحسب قوانين مملكة إشنونا في القرون الأولى من الألف الثاني قبل الميلاد، كانت عقوبة خراب العين دفع "مينة واحدة من الفضة".

وورد السمَّل في كتاب "التوراة" في عدة أسفار، منها، ما ورد في شمشون قاضي بني إسرائيل، الذي تزوج فلسطينية وقتل من قومها ما قتل وأحرق مزارعهم (قاموس الكتاب المقدس)، ونتيجة لهذا "قبض عليه الفلسطينيون وفقأوا عينيه، ونزلوا به إلى غزة"(سفر القضاة). وقال ناحش العمِّوني، ملك العمونيين بشرق الأردن وصديق داوود، لبني إسرائيل: "أقطع لكم عهداً على أن أقلع كل عين يمنى لكم، فأجعل ذلك عاراً على كل إسرائيل"(سفر صموئيل الأول).

لربما كان أول المسمِّولين في التاريخ العربي الإسلامي، أوان العهد الأموي، داعية الثورة العباسية عمار بن يزيد خداش، سمَله أسد بن عبد الله القسري(ت120هـ). وسمِّل مروان بن محمد، آخر خلفاء الأمويين، يزيد بن عبد الله القسري أن قلع عينيه بأصابعه، كان السامَّل والمسمَّول شقيقا قاتل الجعد بن درهم خالد بن عبد الله القسري. وسمَّل أبو جعفر المنصور شخصاً شتمه، بدق أوتاد في عينيه (موسوعة العذاب، عن تاريخ الطبري).

(للاسف من الضروري الاشارة الى ان الكاتب قد تجاوز عن ماجاء في البخاري بشان السمل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حيث نجد "ذكر المصنف حديث أنس في قصة العرنيين , أورده من طريق الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة مصرحا فيه بالتحديث في جميعه فأمن فيه من التدليس والتسوية , وقد تقدم شرحه في " باب أبوال الإبل " من كتاب الطهارة . ووقع في هذا الموضع " ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل " .

صحيح البخاري 6304
الحدود - المحاربين من أهل الكفر والردة
) انتهى المقطع المضاف، مع الاعتذار من الكاتب

فى صحيح البخاري .. كتاب الحدود .. باب المحاربين من أهل الكفر و الردة..

‏حدثنا ‏ ‏علي بن عبد الله ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الوليد بن مسلم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏الأوزاعي ‏ ‏حدثني ‏ ‏يحيى بن أبي كثير ‏ ‏قال حدثني ‏ ‏أبو قلابة الجرمي ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏ ‏رضي الله عنه ‏ ‏قال ‏قدم على النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏نفر من ‏ ‏عكل ‏ ‏فأسلموا ‏ ‏فاجتووا ‏ ‏المدينة ‏ ‏فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل فبعث في آثارهم فأتي بهم ‏ ‏فقطع أيديهم وأرجلهم ‏ ‏وسمل ‏ ‏أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا.

كما أن هناك حديث صحيح آخر يصف نفس الأمر على أنه إقتصاص لقتل راعى إبل وليس إرتداداً.. فستجد فى صحيح البخاري .. كتاب الطب .. باب الدواء بألبان الإبل:

‏حدثنا ‏ ‏مسلم بن إبراهيم ‏ ‏حدثنا ‏ ‏سلام بن مسكين ‏ ‏حدثنا ‏ ‏ثابت ‏ ‏عن ‏ ‏أنس ‏‏أن ناسا كان بهم سقم قالوا يا رسول الله آونا وأطعمنا فلما صحوا قالوا إن ‏ ‏المدينة ‏ ‏وخمة ‏ ‏فأنزلهم ‏ ‏الحرة ‏ ‏في ‏ ‏ذود ‏ ‏له فقال ‏ ‏اشربوا ألبانها فلما صحوا قتلوا ‏ ‏راعي ‏ ‏النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏واستاقوا ذوده فبعث في آثارهم فقطع أيديهم وأرجلهم ‏ ‏وسمر ‏‏أعينهم فرأيت الرجل منهم ‏ ‏يكدم ‏ ‏الأرض بلسانه حتى يموت .

من حوادث السمَّل الجماعي أن سمِّل ملك الروم (توفيل)، السنة223هـ، أهل زبطرة، وقطع آذانهم وآنافهم. وسمّل أبو تغلب الحمداني، السنة 363هـ، جماعة كثيرة مالت إلى عز الدولة البويهي (ت367هـ) بالموصل. وسُملِّت بأمر الأمير جاولي سقاوو، السنة 500هـ، أعين جماعات من أهل الموصل مع قطع الأيدي وجدع الأنوف، وغير هذا كثير.
أما السمَّل بقصد تعطيل الأهْلِّية للحكم، لأن حاسة البصر شر ضروري من شروط الإمامة، فأبشع مَنْ مارسها شاه شجاع (ت787هـ) وأخوته ضد والدهم، حاكم العراق وإيران، محمد بن مظفر بن منصور، الذي حاول أن يجد لسلطانه وجهاً شرعياً، بعد إنهيار الخلافة العباسية على يد المغول التتار السنة 656هـ، فوجد أميراً عباسياً وقلده الخلافة، ولقبه بالمعتضد بالله. وكان شجاع ولياً لعهد والده، فانقلب عليه وأودعه السجن بقلعة سرمق، فأتفق ولي العهد وأخوته على سمِّل عيني والدهم، ليتولوا الحكم مكانه (موسوعة العذاب عن التاريخ الغياثي).

قبل ذلك عطلت أهْلِّية القاهر بالله، محمد بن أحمد المعتضد، بسمَّل عينيه من قبل ابن أخيه الراضي بن المقتدر بالله، الذي لم يغفر له ما فعله مع والده وجدته السيدة شغب، التي علقها منكسة حتى نزل بولها على وجهها، لتقر له بمكان خزائنها، وكانت أغنى من دولة ولدها المقتدر بالله.
وصل القاهر بالله إلى الحكم السنة 317هـ، لكن حكمه لم يدم غير ثلاثة أيام، وبعد إزاحته أكرمه المقتدر، واعتنت به شغب، ثم نجح إنقلابه الثاني السنة 320هـ على أخيه، ليحكم حتى 322هـ.
كان أول همه بعد نجاح انقلابه هو مصادرة أموال أسرة أخيه، خاصة أم أخيه والتي هي زوجة أبيه، فلقد ضربها وعذبها بشدة حتى أجبرها على التنازل عن أملاكها له، ثم أخذ في تتبع كبار رجال دولة أخيه فقتلهم الواحد تلو الآخر، فقتل قائد الجيوش البطل «مؤنس الخادم»، وبليق الحاجب وولده عليًا، وقتل خصومه الذين كانوا يزايدون عليه قبل تولي الخلافة، وقد أمر ببيع كل الجواري المغنيات في بغداد على أنهن سواذج، ثم دس في الأسواق من اشتراهن بأبخس الأثمان، ومنع بيع الخمر وعاقب عليه بشدة، وكان لا يكاد يفيق من السكر، وانقلب على كل من ساعده، وفتك بأصدقائه قبل خصومه، ولكن بقي رجل واحد أفلت منه فلم يقدر عليه هو الوزير ابن مقلة، وكان شديد الدهاء والحيطة والحذر، قام ابن مقلة بتأليب الناس عليه، واجتمع مع قادة الجند والكبراء والأعيان وملأ صدورهم ضد القاهر بالله، حتى أجمعوا رأيهم على خلعه وسمل عينيه حتى لا يطلب الخلافة بعدها، وبالفعل في يوم 5 جمادى الأولى 322هـ، هجموا على داره وهو مخمور لا يدري ما يجري حوله، فأخذوه وأجبروه على خلع نفسه ثم سملوا عينيه حتى سالتا جميعاً، فعمي وارتكب منه أمر عظيم"(الخطيب، تاريخ بغداد). وقد سمَّل "بمسمار محميّ دفعتين". عاش القاهر أعمى سبعة عشر عاماً، بين سجين وطليق، وقد شوهد يتسول بسوق الثلاثاء وسط بغداد، "وخرج يوماً ووقف بجامع المنصور يطلب الصدقة من الناس، وقصد بذلك التشنيع على المستكفي (ابن أخيه)، فرآه بعض الهاشميين فمنعه من ذلك، وأعطاه مائة درهم"(الفخري في الآداب السلطانية).

سُمَّل، بعد القاهر بالله، ابن أخيه المتقي لله إبراهيم بن المقتدر. وكان الأمير الديلمي توزون صاحب الأمر والنهي، وبسبب المعارك الداخلية، ونهب دار الخلافة، ترك المتقي بغداد إلى الموصل، فأقنعه توزون بالعودة، ويوم وصوله بغداد استقبله بحفاوة وقبل الأرض بين يديه، لكن سرعان ما أحاطه جماعة الأمير، وأدخلوه خيمة سُمِّلت فيها عينيه ليخلع ويبايع لابن عمه عبد الله المستكفي. ظل المتقي لله يعيش أعمى مدة سبعة عشر سنة أيضاً. قادت الانقلاب ضده القهرمانة حُسْن الشيرازية المعروفة بعلَم، التي انتهت مسمَّولة العينين أيضاً، ومقطوعة اللسان. قال المتقي (مختصر التاريخ) يرثي عينيه بما ليس شعراً لركته:
العين للمرء سراج له
تؤنسه من وحشة الدنيا
فمن له عمر بلا ناظر
معه بلي من أعظم البلوى
ما هي إلا خمس سنوات وتسمِّل عينا المستكفي (ت338هـ) نفسه، الذي استلم الخلافة العام 333هـ. فبعد عام من استيلاء البويهيين على بغداد دخل معز الدولة إلى حضرة الخلافة، وكالعادة سلم قبل الأرض بين يدي الخليفة، وتقدم بعده رجلان من الديلم فأخذا يد الخليفة، فظن أنهما يهمان بتفبيلها، لكنهما سحباه من على سرير الخلافة، ووضعا عمامته بعنقه، وحمل إلى دار معز الدولة، فسُمَّلت هناك عيناه، وظل سجيناً فيها حتى وفاته (الفخري في الآداب السلطانية). أما خليفة المستكفي ابن عمه المطيع لله الفضل بن المقتدر (ت364هـ) فقد حماه مرض الفالج وثقل اللسان من السمَّل. فهي حجة قوية في عدم الأهْلِّية للأمر، فسرعان ما خضع لطلب سبكتين حاجب معز الدولة، وخلع نفسه لولده الطائع لأمر الله.

أَخبر طبيب صدام حسين نقلاً عن شقيق وزير الصحة المقتول رياض إبراهيم أنه دفن شقيقه بلا عينين، أي كان مِحْجَراه فارغين، صاحبَ هذه الفظاعة كسر يدٍ ورجلٍ له. ونقل أن شحمتي عيني سلام عادل، أمين عام الحزب الشيوعي العراقي، سمَّلتا، في شباط 1963، بإدخال سيخين حديد مجمرتين في مِحْجَريه، فسالا كسمن مذاب، ولا أعتقد أن عيني السيد محمد باقر الصدر قد ظلتا في مِحْجَريهما، فمعذبه كان بعثياً وسمَّل العيون أحد أخلاق البعث وطباعه.
كم فظيع أن تُفقأ العين بآلة حادة، أو بسيخٍ مجمر، أو يُسكب فيهما دواء حارق مثل التيزاب، أو تقلعا بمخلب بشري متوحش، ليسيل شحمهما على الخدين وتنطفئا إلى الأبد. يا لها من فظاعة كيف حياة مَنْ أُفرغ سائل عينيه؟ سجل البعثيون رقماً قياسياً في العذاب، وسمَّل العيون واحد منها. فما بالكم بدفن سيارة زيل كاملة مع ركابها، وقد شهدت العكازات أن معوقين كانوا ضمن المدفونين أحياء. ما بالكم بتقطيب الضحية في كَونية مع قطط سمان، وقطع التابوت بمنشار وفي داخله إنسان حي، ما بالكم بالغرف الممغنطة، التي ما أن يدفع في داخلها الإنسان حتى تتلقفه الحيطان ككرة طائرة، ما بالكم بثرامة لحوم البشر

بعد هذه الأخبار المهُولة، أليس السمَّل غلواء في الوحشية تصل إلى حد إذابة شحمتي العينين، وفيهما الرؤيا والبكاء والضحك، والتعبير عن المشاعر، وتتحول بدونهما الأشياء إلى لّون واحد لا معنى لها. أترى غير الدكنة وتراقص خيوط الظلام عندما تغمض عينيك إغماضة محكمة، أو تحصرهما أبصعك حصراً شديداً؟
جعلت البلدان المتمدنة أدوات عذابها خلفها فقطعت شوطاً في تحقيق حقوق الآدميين، جعلتها، ومنها شفرات سمَّل العيون، في متاحف تاريخية، لأجل تغذية الأجيال بكراهية الظلم والتعسف، كراهية سمَّالي العيون وثرامي لحوم البشر من بعثيي شعوبها. إلا نحن ينسينا العذاب أي طارئ يطرأ، فما أن تنقطع الكهرباء ببغداد، لهول تفجيرات الزرقاوي وأبو قتادة حتى خرجت قنوات الإرهاب تنعي كهرباء النظام السابق، وإن كان يأخذ منا البصر ويحنطنا بالبارود والنفط الأسود، وإن كان عدي يغذي نموره بلحوم المجانين والمصابين بالمنغوليا.
عود على بدء، أنني شاهدت عيني الطبيب رياض إبراهيم، قبل سمَّلهما طبعاً، يوم زرته في مستشفاه بساحة الأندلس، جنوب بغداد، كانتا شهلاوتين حادتين، لا تشبه عيون البعثيين العقائديين السمَّالين. كانت النعمة بائنة عليه، رشيق القوام كث الشاربين ذو ثياب متوازنة الألوان، يخجلك بالتوديع والترحيب، وإن كنت طالب ثانوية. حسنناً نطق طبيب صدام بعد سكوت طويل، فعيني رياض إبراهيم ستضافا إلى جبل الشواهد الدامغة في قاعدة محكمة عادلة، لكن للأسف ليس من عقوباتها سمَّل العيون.

بداية محاكم التفتيش في تاريخ المسلمين
الاحتلال العربي لمصر
تشريع التعذيب
ضرب الاعناق في الاسلام
التقية والكذب في الاسلام
جذور الارهاب في الخطاب الاسلامي المزدوج
من تاريخ اضطهاد المسيحيين
كيف تضرب المدام شرعيا
ضرب المرأة ونضج الرسالة
الكذب والتقية في الاسلام
تشريع التعذيب في الاسلام
تشريع الترهيب والتعذيب
تاريخ التعذيب في الخلافات الاسلامية
لمحات من تاريخ احتلال العرب لمصر
من موسوعة العذاب في العصر الاسلامي
تاريخ القمع في العصر الاسلامي
الاحتلال العربي لمصر حسب المصادر الاسلامية
سمل العيون
تاريخ التعذيب في الاسلام
ضحايا حروب الفتح
المستعصم مات رفسا
تاريخ المماليك
من تاريخ احتلال آل سعود للحجاز
الفرهود في العراق