تراث وفقـه
 
 


 آليات قراءة النص الديني


لا بد من التمييز بين عدد من المفاهيم لها علاقة بقراءة النص (الديني) وفهمه. فلدينا ما يُطلق عليه النص والظاهر والباطن والتأويل والتفسير وما الى ذلك. وقد اعتاد علماء التفسير والخطاب الديني ان يتعاملوا مع نوعين من قراءة النص، احدهما يعبر عن حمل النص على معناه البيّن او الظاهر ، والاخر يطلقون عليه التأويل، وهو حمل النص على غير ظاهره، كما هو اصطلاح المتأخرين. وبالتالي لا توجد هناك الية أُخرى للقراءة غير هاتين الآليتين، وكذلك لا يوجد غير مستوى واحد من القراءة، وان هذه القراءة بوسعها ان تكون مستقلة ومفصولة مبدئياً عن التحديدات المعرفية القبلية او القبليات بكافة أشكالها. والحال ان العلاقة بين المفاهيم السابقة تختلف عندنا، وان هناك اكثر من آليتين، بل واكثر من مستوى للقراءة، وان هذه القراءة لا يمكن فصلها عن القبليات، وان للنص ظهوراً اخر غير الظهور اللفظي المتعارف عليه، وانه اعتماداً على الموقف من هذين الظهورين تتحدد نوع الآلية التي تستخدم في القراءة..
ولاجل الكشف عن هذه الامور نبدأ بتقسيم مستوى القراءة الى مرحلتين او نوعين من الآليات كالاتي:
آليات المرحلة الاولى (الإشارة)
اذا ما كان للنص ظاهر يفهم معناه فهذا يعني - من وجهة نظرنا - ان هناك ثلاثة عناصر ضمنية بعضها يتقوم ويتأثر بالبعض الاخر، ولها علاقة بصياغة وتحديد هذا الظاهر، ونطلق عليها بكل من الظهور اللفظي والسياق والمجال. كذلك هناك عنصر رابع خارجي يخص المحددات القبلية، او التأسيس القبلي للنظر، وهو ما اطلقنا عليه (القبليات المعرفية) التي لها دورها الفاعل في تحديد معنى ذلك الظاهر.
ولدى البيانيين والأصوليين ان الظهور اللفظي هو عبارة عن حمل اللفظ على الحقيقة وعلامتها التبادر. والمقصود بالتبادر هو انسياب المعنى الى الذهن مباشرة عند قراءة اللفظ او سماعه. ولا شك ان التبادر في حمل اللفظ على الحقيقة له اسباب قد تكون مختلفة بين شخص واخر. فقد تكون أسباب الاختلاف شخصية ذاتية، كما قد تكون عامة، وقد تختلف رقعة هذه الأخيرة ودائرتها بين جماعة وأُخرى؛ تبعاً لما عليه القبليات المعرفية. اضافة الى ان من الاسباب ما له علاقة بالوضع الشرعي. لكن غالباً ما يأتي التبادر بسبب كثرة استعمال اللفظ على المعنى المخصوص، فيتخذ اطاراً عرفياً، كما يرى ذلك البيانيون والأصوليون، وهم بهذا يقسمون الحقيقة اللفظية الى لغوية وعرفية وشرعية.
وهنا لا بد من لحاظ جملة امور كالتالي:
اولاً:
إن ما يقال من أن الظهور اللفظي لا يكون الا عند حمل اللفظ على الحقيقة وعلامتها التبادر؛ هو امر غير صحيح اذا ما أُخذ على اطلاقه. فهو لا يصدق الا على اللفظ المفرد او المنعزل عن النص، اي ذلك الذي ليس له علاقة بسائر الألفاظ والعلاقات القائمة بينها. فلو أُخذ اللفظ ضمن دائرة الألفاظ وسياقها فان كلاً من الظهور وتبادر المعنى سوف لا يتوقفان على ما للفظ من حقيقة. وبعبارة أُخرى انه لا يوجد تلازم بين الحقيقة اللفظية وبين الظهور، وكذا لا يوجد تلازم بينها وبين التبادر، حيث لا مانع من ان يعبر الظهور اللفظي عن المعنى المجازي بالتبادر، اذ قد تتدخل بعض القرائن القبلية المنفصلة بالعمل على صياغة وتحديد المعنى اللفظي تبعاً لمنبهات القرائن اللفظية والسياقية.
فبفعل التنبيه الذي يثيره سياق النص مع ما للألفاظ الأُخرى من دلالات؛ قد ينساق الذهن مباشرة الى حمل اللفظ على المجاز، فيصبح الظهور معبراً عن المعنى المجازي لا الحقيقي. وبالتالي فالحقيقة لا تساوق الظهور، او ان احدهما لا يدل على الاخر، فقد لا تعبر الحقيقة عن الظهور، وكذا الظهور عن الحقيقة، مع اخذ اعتبار ما للقرائن المنفصلة - سواء كانت نقلية او خارجية او عقلية - من دور في تحديد الظهور اللفظي.
فمثلاً في الايتين القرآنيتين: ((واسأل القرية التي كنّا فيها والعِير التي أقبلنا فيها)) يوسف/82، ((وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة)) الانبياء/11، نجد للفظة (القرية) ظهوراً للمجاز كما ينبه عليه مجرى السياق، اذ لو حملناها على الحقيقة لكان من الصعب فهم ما تعنيه الايتان، اذ كيف يمكن ان نسأل القرية وهي ليست من الكائنات الحية والعاقلة؟ لكن بفعل ما يختزنه الذهن من القبليات المعرفية، مثلما يتمثل بالضرورة الحسية، فان ما يتبادر من المعنى مباشرة هو اهل القرية وليس القرية ذاتها.
وعلى هذه الشاكلة يمكن لحاظ نفس الشيء في قوله تعالى: ((فوجدا فيها جداراً يريد ان ينقض فأقامه)) الكهف 77، حيث ظهور الاية لم يأت بحسب حمل جميع الألفاظ على الحقيقة والتي منها لفظة (يريد)، ذلك ان علاقة الألفاظ ببعضها تسمح لان يكون للجدار ارادة، وهو امر لا يعقل كما تدل على ذلك الضرورة الحسية. وعليه فأول ما يتبادر للذهن هو حمل معنى الارادة في هذا السياق على المجاز. او قل ان تبادر الظهور في الاية، كما ينبه عليه السياق، هو حمل اللفظ على المعنى المجازي تبعاً للمخزون الذهني من الضرورة الحسية.
هكذا فسواء في هذه الاية او ما قبلها هناك تبادر للظهور في المعنى المجازي وليس الحقيقي.
وقد يتأثر الظهور اللفظي بالثقافة العصرية، فيكون للفظ معنى متبادر للذهن وقت نزول النص، سواء كان ذلك لاعتبارات المعنى العرفي، او المعنى الشرعي، وقد يستمر هذا التبادر للمعنى مدة من الزمن، لكنه قد يتبدل الى تبادر معنى آخر للفظ. ومن الامثلة على ذلك مفهوم «الحكم» في قوله تعالى: ((ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون...)) المائدة-44، حيث يتبادر الى أذهان الكثير من الناس ان معنى الحكم هو ذلك المتعلق بالسلطة السياسية وما اليها، كالذي تفهمه بعض الحركات الاسلامية اليوم، في حين ليس للمعنى علاقة بهذا الجانب.
ثانياً:
اذا كان للسياق دور منبه في تبادر المعنى والظهور اللفظي، سواء بالنسبة للحقيقة او المجاز، فان له دوراً مماثلاً في تحديد المعنى الذي يخص الحقيقة بتجلياتها المختلفة. فالحقيقة اللفظية كما يمكن الإشارة اليها بنحو حسي مثلاً، فانه يمكن الإشارة اليها - كذلك - بروح المعنى العام الذي يشمل ما هو حسي وغير حسي. فقد يُحمل اللفظ ضمن سياق ما على اعتبارات الجانب الحسي لحقيقة اللفظ، كما قد يُحمل ضمن سياق اخر على جانب معنوي لنفس تلك الحقيقة.
فمثلاً قد يتبادر لنا في الكلام العادي معنى الميزان بانه هذا الميزان المحسوس، لكنّا عندما نقرأ قوله تعالى: ((ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تُظلم نفس شيئاً)) الانبياء/47، او قوله: ((وانزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط)) الحديد/25؛ فانه لا يتبادر لنا هذا الميزان، وانما يتبادر شيء اخر، استناداً الى السياق والألفاظ الأُخرى ، واعتماداً على ما عليه القبليات المعرفية. وبالتالي فليس للفظ حقيقة مشخصة واحدة، فحيث ان له علاقات وارتباطات بسائر الألفاظ؛ فان ذلك يُكسبه المعنى المناسب تبعاً لما تفضي اليه القبليات المعرفية. مما يعني انه بفعل السياق وهذه القبليات يمكن تخصيص الظهور للمعنى المشترك العام من اللفظ. ففي مثالنا السابق لا يختلف الميزان المحسوس عن ذلك الميزان الذي تحدثت عنه الايتان تمام الاختلاف، بل بينهما وحدة معنوية مشتركة تجمع ما بين الطرفين، شبيه بالذي تحدثت عنه (نظرية المشاكلة) العائدة الى بعض العرفاء والاشراقيين من الفلاسفة . وهذا ما يجعلنا نتعامل مع الظهور اللفظي للحقيقة على مستويين. او قل ان ذلك يفرض علينا ان نتعامل مع الحقيقة اللفظية تبعاً لمعنيين: احدهما عام؛ لِما يحمله من روح المعنى بلا خصوص، والاخر خاص؛ لِما يحمله من المعنى المشخص لذلك العموم.
ومن حيث الترتيب المنطقي لا بد ان يستبق المعنى الاول الثاني، وان الثاني يتضمن الاول. اي ان الحقيقة بالمعنى الخاص لا تكون كما هي عليه بهذا الوصف ما لم تكن في الوقت نفسه، بل وقبل ذلك، عبارة عن حقيقة عامة مشتركة. ففي البدء يفترض - بحسب التجوز المنطقي - انها كانت حقيقة مشتركة ثم تشخصت بمعنى محدد. وبالتالي فعند تشخصها تكون قد هيئت المجال باتجاه تفسير النص، خلافاً لما هي عليه قبل التشخيص.
فمثلاً: عندما نريد ان نعرف معنى اليد ضمن احد النصوص المقروءة ونشخصها بهذه اليد الجارحة؛ فذلك يعني اننا من حيث الترتيب المنطقي نفهم بان اليد عبارة عن عضو حي يستخدم في الإمساك والصنع والتكوين، ولا يستخدم في السمع والابصار مثلاً، وفي حدود هذا المعنى الأخير يكون فهمنا لليد هو بمعناها العام المشترك، اي ذلك الذي لا يفيد في حد ذاته المعنى الخاص، كاليد الجارحة.
لكن عندما نخطو خطوة أُخرى فنشخص معناها بهذه الجارحة او بغيرها وفق ذلك المعنى المشترك؛ فاننا في واقع الأمر قد هيئنا الأمر باتجاه تفسير النص الذي احد مضامينه اللفظية هو هذا اللفظ المبين. علماً بأن المعنيين قد يتحدان من الناحية العملية؛ بحيث يتبادر لدينا بصورة المعنى الخاص من غير مرور بالمعنى العام، وذلك عندما يعبر التبادر عن درجة قوية من الوضوح تبعاً للسياق والقبليات المعرفية، كالذي يظهر بكثرة استعمال المعنى.
لكن في احيان أُخرى قد يتضح المعنى العام دون الخاص، وانه للوصول الى هذا الأخير نحتاج الى جهد من الاجتهاد؛ تبعاً لاعتبارات مضافة من القبليات المعرفية، ومن بينها القبليات التي تتصف بالرؤى المنظومية، مثل التحديدات الوجودية للفلاسفة والعرفاء، كما تعرضها (نظرية المشاكلة).
ثالثاً:
يمكن المقارنة بين الألفاظ والسياق من حيث العلاقة بينهما على الصعيدين المعرفي والثبوتي. فمن الناحية الثبوتية ليس للسياق اي ثبوت من غير الألفاظ، والعكس ليس صحيحاً، حيث قد تكون الألفاظ موجودة مستقلة ومنعزلة بلا اي سياق او علاقات، لكنها لا تشكل نصاً، فميزة النص بسياقه، وان السياق هو تلك العلاقة القائمة بين الألفاظ، وبالتالي فان تحديد وضع السياق يعتمد على ما عليه الألفاظ، فاي تغير في هذه الألفاظ يبعث على تغير السياق او العلاقات.
أما من الناحية المعرفية فان المتكلم يضع ألفاظه في سياق خاص ليدل به على ما يريد من مقصد، وبالتالي يمكن بالسياق فهم ما يراد من الألفاظ إن كانت تُحمل على الحقيقة او المجاز او الرمز، وكذا فان به يمكن حمل اللفظ على ما هو مألوف من المعاني الحسية والوجدانية، او على أبعاد أُخرى معنوية مجردة. ولو تغير السياق لافضى ذلك الى تغيير المعنى، كإن يبدل اللفظ من محل الى اخر. فحتى في حالات التغير الطفيف للسياق فان ذلك قد يغير شيئاً ما من المعنى؛ كالذي لاحظه علماء البلاغة، ومن ذلك الفارق بين القولين: (زيد كالاسد) و(كأن زيداً الاسد)، فرغم ان كلا القولين دالان على التشبيه، لكن في القول الثاني هناك زيادة في المعنى على القول الاول؛ وهي انه دال على «فرط شجاعته وقوة قلبه، وانه لا يروعه شيء، بحيث لا يتميز عن الاسد، ولا يقصر عنه، حتى يتوهم انه اسد في صورة ادمي» .
رابعاً:
قلنا ان للسياق دوراً في تحديد المعنى الذي ينبغي اختياره للفظ؛ سواء بحسب المجاز او الحقيقة. واذا جاز لنا التمثيل، يكون دور السياق بمثابة العلة المادية او الشرطية التي تهيء للعلة الفاعلية القيام بوظيفتها في تحديد المعنى وتعيينه. ونقصد بالعلة الأخيرة؛ القبليات المعرفية مثلما تتمثل بالقرائن المنفصلة، اذ بها يتم انتقاء المعنى الذي يناسب السياق ويتسق معه، سواء كان هذا المعنى مأخوذاً بحسب الحقيقة او المجاز. بل ان مجرى السياق والألفاظ الأُخرى قد تبدي من الايحاءات ما هو اكثر من ذلك في بعض الاحيان، فهي قد تفتح باب الإشارة للمعنى الرمزي للفظ، وذلك بحمل (المجال) على المجاز واغفال (المجال) بمعناه الحقيقي، كالذي يمارس في القصص الرمزية، مثل تلك التي يتداولها العرفاء.
لكن ما معنى المجال وما علاقته باللفظ والنص؟
نقصد بالمجال (الظاهر) نوعاً من المحور النصي يدركه كل من اراد فهم النص، سواء استطاع تحديد القراءة ام لم يستطع، وسواء عمل وفق الظهور اللفظي للنص ام لم يعمل، وسواء احتمل نوعاً من القراءة ام انه توقف كلياً دون ادراك ما هو المقصود من النص. فكل ذلك لا يخل بفعل ادراك المجال العام له، وهو المحور الخاص بدلالاته المجملة اللفظية والسياقية. فمثلما يكون للنص دلالته اللفظية المفصلة ضمن علاقاته السياقية؛ فان له كذلك دلالته المجملة المختلفة عن الدلالة اللفظية (المفصلة).
وعلى العموم ان للنص ظهورين: لفظي ومجالي. فقد نتوقف - مثلاً - ازاء ما يعنيه قوله تعالى: ((الرحمن على العرش استوى)) طه/5، فمع إننا قد لا نعرف بالضبط ما يراد بهذا النص القرآني، لكننا مع ذلك ندرك المجال الذي يتحدث عنه النص، فهو لا يتحدث عن الخبز والشعير، ولا عن الانسان والحيوان، ولا عن طبيعة العلم والحياة، ولا عن القضايا المطروحة حالياً كالاصالة والمعاصرة وحقوق المرأة وشؤون السياسة والاوطان وغير ذلك.. انما يتحدث عن نوع من العلاقة التي تربط الله بشيء اطلق عليه العرش، فهل هذه العلاقة هي كعلاقة الملوك بعروشهم؟ وهل ان العرش - هنا - هو نفس ما نتصوره من مفهوم جسمي؟ وكذا هل معنى الاستواء هو ما نفهمه من الظاهر المتبادر في الذهن ام شيء اخر؟ فسواء حددنا نوع القراءة او لم نحدد اي شيء من ذلك، وتوقفنا كتوقف الامام مالك او اشد منه، فان مجال النص والقراءة هو مجال حاضر لا يغيب، ولو لم يكن حاضراً لكنّا قد استعنا بمجالات أُخرى كتلك التي افترضناها وهي ابعد ما تكون عما يعنيها النص، كمجالات الخبز والشعير!
إذاً ان ادراك المجال لا يتوقف على فعل تحديد القراءة. فحتى لو كان هناك نوع من التحفظ في ابداء اي نوع من القراءة والفهم المحتمل، فان ذلك لا يشكل عقبة دون ادراك المجال، طالما امكن معرفة ما تدور عليه الأحداث اللغوية بالاجمال والعنوان العام. مما يعني ان شرط ادراك المجال هو معرفة مثل هذا العنوان، فلو لم يدرك لكان النص معبراً عن الخفاء والغموض التام، مثلما هو الحال مع قراءة الحروف المقطعة في اوائل سور النص القرآني، فهي مبهمة المعنى اجمالاً وتفصيلاً، عنواناً وأحداثاً، وبالتالي فان المجال فيها مبهم غير ظاهر.
من جانب اخر، سبق أن عرفنا بأن تحديد الظهور اللفظي يعتمد على السياق والقبليات المعرفية. لكن ماذا بشأن المجال؟ هل يعتمد هو الاخر على ما ذكرنا ام انه امر اخر مختلف؟
للإجابة على ذلك لا بد ان نعرف أولاً بأنه لما كان المجال يستمد ظهوره مما عليه الألفاظ وسياقها، او انه منتزع من كل ذلك على نحو الاجمال، فلا بد ان يكون هو الاخر مستند الى ما تبديه القبليات المعرفية تبعاً للممارسة اللغوية المألوفة او المتعارف عليها. فالمجال يعبر عن المعنى المجمل للموضوع الذي يتم طرحه على بساط البحث من النص اللغوي. او انه عبارة عن ذلك الظهور في المعنى العام للمحور الذي يتناوله النص؛ والذي يتشكل مما نفهمه من الاجمال الكلي للألفاظ وسياقها، بحيث تتميز لدينا طبيعة المحور الذي يطرحه النص وان لم نتمكن من قراءته قراءة تفسيرية او اشارية، بل يكفينا معرفة العنوان العام الذي تدور حوله الاحداث اللغوية للنص. والأمر شبيه بما يحصل من تبادر للمعنى المجالي عند النظر الى عناوين الكتب والمقالات، حيث تنبؤنا - غالباً - عن طبيعة ما تتضمنه هذه الدراسات وإن لم نقرأها ونطلع عليها بعد.
فضلاً عن ذلك، علينا لحاظ ان الظهور المجالي هو ظهور يعبر عن الادراك المجمل للكل، وهو الادراك الذي يستبق ادراك الاجزاء، فمنه يبدأ تحديد مفاصل الاجزاء المتمثلة بالدلالات اللفظية. وهو بذلك اشبه بالصيغة الجشطالتية التي يتقدم فيها الكل على الاجزاء، ولا يساوي هذا الكل مجموع اجزائه، كما ان قوانينه تختلف عن قوانينها. وكذا الأمر بالنسبة للمجال، فهو لا يعبر عن مجموع الدلالات اللفظية، كما ان الظهور فيه هو ليس من الظهور اللفظي (المفصل)، وادراكه يحصل بالتبادر المباشر، وهو سابق في ظهوره لظهور الدلالات اللفظية، بل ان حضوره شرط في تحديد هذه الدلالات.
لكن للدلالة اللفظية نوعين من التفصيل، احدهما مجمل مقارنة مع الاخر، فتارة تكون الدلالة اللفظية بمستوى الإشارة، وأُخرى بمستوى التفسير، وان الإشارة تعد مجملة مقارنة مع التفسير. اما المجال فهو غير هذين الأمرين. ولنقل ان لدلالة المجال من الظهور هي غير الظهور اللفظي بكلا مستويه الاشاري والتفسيري، وانه يعد مجملاً مقارنة بهما، مثلما أن الإشارة مجملة مقارنة مع التفسير.
خامساً:
من ناحية أُخرى إن للمجال ظهوراً بحسب الحقيقة او المجاز؛ مثلما ان للفظ ظهوراً بحسب الحقيقة او المجاز، وعلامة هذا الظهور هو التبادر في كلا الأمرين. فسواء كان التبادر يشير الى المعنى المجالي الحقيقي كما تبديه ألفاظ النص وسياقها، او كان يشير الى المجال المجازي والرمزية الظاهرة على النص، ففي كلا الحالين نحن امام ما نطلق عليه الظهور المجالي او المجال الظاهر. فمثلاً ان للقصص الرمزية للعرفاء دلالات بادية للفظ والمجال، لكنها ليست مرادة بذاتها، وانما ترمز الى ما ورائها من المعاني الباطنية بحسب القبلية الوجودية، لذلك فهي من هذه الناحية لها ظهور يختلف عن تلك الدلالات البادية، وهو ما نسميه الظهور الرمزي والمجالي، فالرمزي من حيث اعتبار اللفظ رمزاً لمعنى باطن هو غير الدلالة البادية سواء كانت حقيقة او مجازاً، والمجالي من حيث اعتبار المجال ليس ذلك المأخوذ من المعاني البادية للألفاظ، وانما من ذلك المرموز اليه.
ولا شك ان هذا النوع من المجال الظاهر هو على الضد من المجال الاخر الذي نطلق عليه المجال التأويلي او الباطني، حيث انه يقطع الصلة بين الدال والمدلول، ولا يجد ما يدل عليه بحسب القرائن الدلالية للنص وايحاءاتها. وفيه يكون القارئ متوجهاً نحو ربط كل شيء باي شيء، وكل نص باي نحو من الانحاء من غير ظهور ولا ملازمة، فالدلالة النصية في واد، والمعنى الاخر في واد، كالذي لا يفهم من النصوص جميعاً سوى انها ترمز الى الخبز والشعير، فيرى في لفظة الدائرة - مثلاً - بان لها معنى الخبز لكونه دائري الشكل، ويرى في لفظة الرمل بانه يرمز الى الشعير باعتباره مكوناً من الحبيبات المنفصلة... وكل ذلك عبارة عن تحويل المجال واستبداله بمجال اخر باطني. وهو امر شائع استعماله لدى الباطنية والعرفاء عند قراءتهم للنص الديني.
سادساً:
لو عدنا الى النص القرآني: ((واسأل القرية))؛ فعادة ما يحمل القارئ المفردة الاولى - من المفردتين في النص المذكور - على الحقيقة، وهي مفردة (واسأل)، في حين يحمل مفردة (القرية) على المجاز. لكن لماذا لا يكون العكس، او حتى حمل المفردتين معاً على المجاز؟
والجواب هو ان تحديد هذه المعاني بحسب المجاز او الحقيقة والعلاقات الدائرة بين معاني المفردات؛ كلها تتوقف على ما يتم اختياره للمعنى المناسب طبقاً للمرتكز الذهني للقبليات المعرفية، وهو المعنى الذي تتوفر فيه سمات المعقولية وعدم التعقيد وكذا الاتساق الخالي من التناقض والغموض، وذلك ضمن نفس المجال الذي يبديه النص.
فمثلاً لو ان امكانات حمل مفردة (القرية) تتحدد بثلاثة احتمالات، ومثلها مفردة (واسأل)، وان المزاوجة بين الأمرين تتخذ اصنافاً شتى هي تسعة بحسب هذه الامكانات، فمن الممكن ان نجد من بين هذه الاصناف ما هو غير متسق ولا معقول، كما قد نجد منها ما يخرج عن المجال الذي يبديه النص، وقد نجد من المزاوجات الممكنة ما هو معقول ومتسق وداخل ضمن المجال الظاهر العام. ولا شك ان المعنى الأخير هو الذي سيتبادر الى الذهن عادة، اتساقاً مع ما تشهده الضرورة الحسية.
وكمثال اخر على ذلك ما جاء في قوله تعالى: ((وجعلنا من الماء كل شيء حي)) الانبياء/30، اذ لا يمكننا في هذه الحالة حمل ما ورد في الاية على الحقيقة المشخصة، بل اننا سنضطر الى ترجيح احد خيارات ثلاثة معقولة، منها خياران يقبل كل منهما الحمل على المجاز او التأويل، حيث إما ان يكون المجاز والتأويل متعلقاً بالماء، فيكون المعنى ان الماء الذي خلق الله منه كل شيء حي هو عنصر اخر غير هذا الماء الطبيعي، كإن يكون المقصود منه الوجود او مرتبة عليا من المراتب الوجودية، اذ من المستبعد ان يكون الجن وكذا الملائكة مخلوقين من هذا الماء الطبيعي. او يكون المجاز والتأويل متعلقاً بلفظة (كل شيء حي)، حيث تُحمل على كل الأشياء الحية الطبيعية دون غيرها من الكائنات الأُخرى ، كالجن والملائكة وما اليها. كما هناك خيار ثالث، وهو حمل الماء على روح المعنى العام ثم تشخيصه بغير المعنى الحسي، فهو ليس هذا الماء الطبيعي الذي تقوم به حياتنا، بل يمكن ان يُحمل على الماء الصوري الذي يسري في كل شيء سريان الماء او الروح في الاجسام، كالذي ذهب اليه بعض العرفاء . ولا شك ان جميع هذه الخيارات مبررة تبعاً للقبليات المعرفية كما هو واضح.
وفي جميع الاحوال هناك عوامل مختلفة ترجح خيارنا لمعنى النص، كطبيعة السياق ونوع الألفاظ وما عليه القبليات المعرفية؛ ومنها الضرورات الوجدانية والتنمية الاحتمالية. ويجري العمل بكل ذلك وفق المنطق اللاشعوري. فالآلية التي يعمل بها الذهن البشري هي الية تعتمد لا شعوراً على التصفية والانتقاء من الامكانات الكثيرة المتعددة. وهي بهذا الفعل تميل في الغالب الى الخيارات التي تتسم بالمعقولية والاتساق، وذلك طبقاً لضغط القبليات المعرفية وعلى رأسها تلك التي تتصف بالتنمية الاحتمالية.
او لنقل ان الآلية الذهنية تعتمد على النشاط الباطني التلقائي من هذه التنمية، وذلك عندما تجد نفسها امام عدد مختلف من القرائن التي تلف حول معنى محدد دون غيره من المعاني الأُخرى . ولما كان هذا النشاط التوليدي هو نشاط منطقي منظم؛ اطلقنا عليه (نظام التوليد اللاشعوري). وسمة النظام فيه واضحة؛ باعتبار ما يمتاز به من العمل الالي المخطط تبعاً للاصول المقررة. واذا كان الكثير يتصور ان النشاط اللاشعوري تغلب عليه الممارسات غير المنطقية؛ فان واقع الأمر هو العكس تماماً، ذلك ان اغلب نشاطه هو من النوع المنطقي المنظم، واليه يعود الفضل في كون تفكيرنا وسلوكنا يتميزان عادة بطابع الاتساق .
وطبقاً لما سبق، لو تضمنت القبليات المعرفية قرائن عديدة تدل على كون النصوص الموضوعة لا يراد منها ما يراد من الألفاظ المستخدمة في المحاورات العادية، بل تدل على امور أُخرى لا تستكشف بحسب التفاهم العرفي، فان الذهن البشري سيلجأ حينها الى حمل الألفاظ على دلالات أُخرى لها من المجال المجاز ما هو غير المجال الحقيقي، اي ان ما يتبادر الى الذهن بالظهور هو ذلك المجال المجازي، في حين يستبعد المجال الحقيقي عن المعنى الظاهر، فتكون الألفاظ دالة بذلك على الطبيعة الرمزية. وقد لجأ الفلاسفة والعرفاء الى مثل هذا الفعل في قراءتهم للنص الديني، وذلك تبعاً للقرائن التي اعتمدوها ضمن قبلياتهم الوجودية، لكن الفارق - هنا - هو ان القرائن التي اعتمدوها هي قرائن خاصة بهم دون غيرهم، فليس لها ذلك العموم الذي يلجأ اليه كل من اراد فهم النص خارج نطاق الخلفيات والمنظومات الفكرية المحددة.
نعم سيحدث الأمر الأخير فيما لو ان ايحاءات النص تلوّح بقرائن عديدة الى الرمزية والباطنية دون المعاني المألوفة. ففي هذه الحالة سيتبادر الى الذهن المعنى الدال على الظهور الرمزي والمجال المجازي. وكذا لو كانت القرائن المنفصلة المنقولة دالة على حمل الألفاظ على الرمز، والمجال على المجاز، فان ذلك سيؤثر على قراءتنا للنص، اذ يمكن حمله على الرمز والمجال المجاز وفق القياس والتمثيل.
هكذا يختزن الذهن البشري من التجارب السابقة ويستجمع القرائن القبلية مع ما يضاف الى القرائن الحالية والمقامية؛ ليصبها جميعاً في اطار فهم النص، فهذه هي ملكة الذهن التي تستجمع ما امكنها من الآليات المعرفية المناسبة في فهم ما يراد من النص بحسب ألفاظه وسياقه. وعلى هذه الشاكلة يكون تعامل الذهن مع القضايا الكونية.
سابعاً:
نستنتج مما سبق وجود اربعة انماط من الظهور اللفظي مع نوعين من الظهور المجالي، فضلاً عن وجود السياق. والانماط الاربعة للظهور اللفظي هي:
1ـ نمط المعنى المشترك العام للحقيقة اللفظية. ونطلق عليه الظهور الحقيقي العام.
2ـ نمط المعنى الخاص للحقيقة اللفظية. ونطلق عليه الظهور الحقيقي الخاص.
3ـ نمط المجاز الظاهر، او الظهور المجازي.
4ـ نمط الرمز الظاهر، او الظهور الرمزي.
وما عدا هذه الانماط فاللفظ لا يفيد الظهور، بل إما يفيد المجاز البعيد (التأويل)، او الرمز البعيد (الباطن). أما الظهور المجالي فهو عبارة عن كل من النوعين الحقيقي والمجازي، وان ما يخالف هذين النوعين نسميه المجال الباطني.
وبعبارة أُخرى، في النص لفظ وسياق ومجال، وان اللفظ ينقسم في المعنى الى ثلاثة انواع، هي المعنى الظاهري والتأويلي والرمزي. وان للمعنى الظاهري اربعة انماط سبق عرضها. كما ان المجال ينقسم الى ما هو مجال ظاهر ومجال باطن، وان الاول يتشعب الى صنفين هما المجال الحقيقي والمجال المجازي.
فهذه هي آليات المرحلة الاولى من قراءة النص، ونطلق عليها (الإشارة)، فهي تنقسم الى حالات ثلاث، هي: الإشارة الإستظهارية والتأويلية والإستبطانية او الرمزية. وعلى هذه المرحلة تتأسس مرحلة أُخرى نطلق عليها (التفسير). ولتبيان ما عليه هذه المرحلة ومقارنتها بالإشارة علينا ان نتبع ما سيأتي من خطوات..
آليات المرحلة الثانية (التفسير(
قد نتساءل ونقول: ما هي شروط التفسير؟ او متى يكون النص مفسراً؟ فمثلاً هل نحصر التفسير بحدود ظاهر النص؟ أم أن التفسير يختلف عن الظاهر؟ وماذا لو حملنا النص على التأويل او الباطن والرمز؛ فهل ذلك من التفسير ام لا؟
للإجابة على هذه الاسئلة وغيرها علينا متابعة النقاط التالية:
اولاً:
لقد سبق ان عرفنا ان ظاهر النص يتضمن ظهورين، احدهما الظهور اللفظي والاخر الظهور المجالي، وقلنا ان هناك اربعة انماط للظهور اللفظي، احدها يعبر عن روح المعنى العام للحقيقة اللفظية، وثانيها يعبر عن الحقيقة الخاصة، والثالث عبارة عن الظهور المجازي، والرابع عبارة عن الظهور الرمزي. ولا شك ان النمط الاول لا يعطي تفسيراً بالمعنى الذي يوضح الكيفية التي عليها اللفظ وسط علاقاته الخاصة ضمن السياق. فالظهور اللفظي عندما يعبر عن روح المعنى العام فانه يخلو من التوضيح، أو على الاقل يفتقر الى تحديد المعنى المشخص الذي بدونه لا تتوضح الكيفية التي يريد النص تبيانها عبر ما نطلق عليه التفسير، رغم كون المعنى في هذه المرحلة يعبر عن الحقيقة المفهومة تبعاً للسياق، وهي الحقيقة التي تدفع عنها الحمل على المجاز والرمز.
فمثلاً حينما نقول ان لله يداً ونزولاً ومجيئاً وغير ذلك من الصفات والاحوال الظاهرة في النص لكن من غير تحديد لكيفية هذه الصفات المثبتة؛ فان قولنا هذا يشير الى ظاهر النص من دون تفسير، ومثل ذلك ما ورد عن الامام مالك حول استواء العرش، فهو قد حمل ألفاظ النص القرآني على حقيقتها الظاهرة ولكن من غير ايضاح للكيفية او التفسير، اذ قال: «الاستواء معلوم والكيف مجهول والايمان به واجب والسؤال عنه بدعة». ومثله ما قاله احمد ابن حنبل: «استوى كما اخبر لا كما يخطر للبشر».
كذلك عندما يكون الظهور اللفظي معبراً عن احد الانماط الأُخرى ، وهو حمل اللفظ على الحقيقة بمعناها الخاص، او حمله على المجاز الظاهر وكذا الرمز الظاهر، فان ذلك لا يفضي بالضرورة الى ايضاح الكيفية التفسيرية للنص، لكنه بلا شك يُعدّ خطوة اساسية في هذا الاتجاه، وقد تندك فيه شروط التفسير التي تستعلم منها الكيفية الاستبيانية للنص.
فمثلاً لو اننا قمنا باثبات الصفات الالهية المذكورة وحملناها على معانيها الحقيقية الخاصة، كأن نعد لله اليد والعين والوجه وغيرها من الصفات ونحملها على معنى ما لدينا من الاعضاء والجوارح، فاننا قد خطونا بذلك خطوة التفسير للنصوص المتعلقة بهذه الصفات، وكذا لو قلنا ان معانيها مجردة وحددنا هذه المعاني كالذي لجأت اليه نظرية المشاكلة او المعاينة او غيرها، فاننا نكون قد مارسنا آلية التفسير بايضاح الكيفية التي عليها معاني ألفاظ النص.
فالتفسير يختص بايضاح هذه الكيفية من العلاقات اللفظية التي يتضمنها النص، فان لم تكن الكيفية متخيلة لدى الارادة التصورية للذهن فان الأمر يخرج عن حد التفسير وان دل على حمل اللفظ الظاهر على حقيقته او على غيره.
على ان تبيان الكيفية التفسيرية يستند الى حضور نوعين من العلاقة المتخيلة للارتباط اللفظي، نطلق على احدهما العلاقة المفهومية، وعلى الاخر العلاقة المصداقية. فالعلاقة المفهومية هي تلك التي تعبر عن مفاهيم الألفاظ ومعانيها بالشكل الذي تكون فيه واضحة المعالم وبينة المقاصد، بغض النظر عن طبيعة كيفيتها على الصعيد الخارجي، وقد تندك هذه العلاقة في الدلالات اللفظية الظاهرة، كما قد تتمايز عنها باشكال مختلفة؛ إما لكونها تعبر عن حالات من المعاني المجازية او الرمزية، او لكونها لا تعبر عن ذلك وانما تعطي مزيداً من المعنى المضاف الذي يثيره ظاهر النص، كالذي سيمر علينا في بعض الامثلة البلاغية. أما العلاقة المصداقية فهي تعبر عن طبيعة ما تدل عليه المعاني اللفظية من حيث الوجود الخارجي.
وعليه لا غنى للتفسير عن ايضاح هاتين العلاقتين. فالحاجة التفسيرية ما هي الا حاجة لايضاح طبيعة هاتين العلاقتين معاً. بل ان الحاجة الجوهرية في العملية التفسيرية تتمثل في ايضاح العلاقة المصداقية، ذلك لان الغرض من قراءة النص هو الكشف عن الموضوع الخارجي. وما ضرورة العلاقة المفهومية الا لأنها شرط لا غنى عنه في تلك العملية من الكشف، حيث لا تتوضح العلاقة المصداقية ما لم تنكشف قبلها العلاقة الأُخرى. فهذه هي طبيعة التلازم بين العلاقتين في العملية التفسيرية، وهذه هي حاجتها.
ومن الناحية العملية نصادف اشكالاً مختلفة لهذه الحاجة، فتارة تكون الحاجة لكليهما معاً، وتارة أُخرى تكون الحاجة لتفسير العلاقة المفهومية بما تعبر عن منطوق النص، وذلك لوضوح العلاقة الأُخرى، وثالثة العكس، حيث تكون الحاجة لتفسير العلاقة المصداقية دون المفهومية لبيانيتها، ورابعة قد تنتفي هذه الحاجة نظراً لوضوح النص في كشفه عن عناصره تبعاً لكلا العلاقتين، حيث يتحدان ويندمجان في المتخيل الذهني لظاهر النص من غير تمايز، وذلك للوضوح الناتج عما تمدنا به بعض القبليات المعرفية وعلى رأسها الضرورات الحسية والوجدانية. لكن في اغلب الاحيان نجد انفسنا في حاجة لايضاح الكيفية وشرح ما يراد تبيانه من النص؛ سواء على صعيد المفهوم ام المصداق ام كليهما. ويمكن تبيان هذه الانماط الاربعة كما يلي:
الحالة الاولى:
في كثير من الاحيان يتبادر في النفس كيفية العلاقة المفهومية والمصداقية وفق المتخيل الذهني من غير جهد مضاف الى الحاصل الوارد في منطوق النص بعلاقاته اللفظية، نظراً للمخزون الذهني من القبليات المعرفية التي تعمل على تشكيل الصورة المتخيلة لطبيعة العلاقتين الانفتي الذكر، خاصة فيما يتعلق بالقبليات الحسية والوجدانية باعتبارها واضحة غير مجهولة المعالم. وفيها يبدو اتحاد بين العلاقتين المفهومية والمصداقية، او الظاهر والتفسير، كالذي يتبادر لدينا من متخيل للعلاقتين عندما نقرأ قوله تعالى: ((فجاءته احداهما تمشي على استحياء)) القصص/25، او قوله تعالى: ((واذ قال موسى لقومه ان الله يأمركم ان تذبحوا بقرة)) البقرة/67، او قوله تعالى: ((يا ايها الذين امنوا اصبروا وصابروا)) ال عمران/200.. ففي مثل هذه الايات تبدو العلاقتان المفهومية والمصداقية متحدتين عند المتخيل الذهني، خلافاً لما سنرى افتراقهما احياناً، حيث قد تتبادر الى الذهن احداهما دون الأُخرى ، او ان احداهما تفترق عن الأُخرى ولا تتحد معها عند التبادر، الأمر الذي يستدعي الكشف عما تحتاجه اي منهما من الشرح والتفسير.
الحالة الثانية:
في حالات معينة قد يكون ظاهر الدلالات اللفظية للنص منكشفاً لدى ذهن القارئ او السامع، لكن هذا الظاهر لا يفي بحاجة العلاقة المفهومية لدى المتخيل الذهني، بحيث يحصل شعور بان الظاهر من تلك الدلالات يظل ناقصاً ما لم يدرك الغرض الذي تضيفه طبقاً لذلك المتخيل. فيصبح من المعلوم لدى الارادة التصورية للذهن ان ما ترمي اليه الدلالة النصية هو شيء اخر غير الظاهر المحصل، استناداً الى كل من الكناية والاستعارة والتمثيل. فمثلاً جاء في قوله تعالى: ((قال ربِ اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيباً)) مريم/4، فالدلالة الظاهرة للمقطع الأخير من النص تعبر عن كثرة ما اصاب الرأس من الشيب، لكن غرض النص ليس الظاهر المذكور، بل التعبير عن حالة كبر السن والشيخوخة، اذ ان من يصل الى هذه المرحلة من العمر يبْيضّ رأسه شيباً. ويمثل البلاغيون على ذلك بأمثال؛ كقولهم عن الفتاة بأنها (نؤوم الضحى)، فالظاهر منكشف وهو وصف الفتاة بانها تنام في وقت الضحى، لكن ما يريد المتكلم ان يوصله للسامع هو شيء اخر، او ان السامع يفهم منه شيئاً اخر غير هذا الظاهر، وهو كون الفتاة مترفة مخدومة. وكذا قولهم: (هو كثير رماد القدر)، والمعنى انه مضياف او كثير الضيافة، حيث لكثرة الضيافة فانه يقوم بتجهيز الطعام باحراق الحطب ونصب القدور فيكثر الرماد بذلك .
ومعلوم ان التفسير - هنا - هو ليس ظاهر الألفاظ، فلو توقف الأمر على هذا الظاهر من غير ان يكون هناك متخيل ذهني للعلاقة بين مضامين النص على صعيد المفهوم، او ما يريد المتكلم توصيله من معنى وراء ذلك الظاهر، فسوف لا يعد تفسيراً بل مجرد ظاهر وإشارة، بحيث لو قلت هذا هو الظاهر وهذه هي حقيقة اللفظ لما اوفى المعنى شيئاً بخصوص العلاقة المفهومية وتوضيحها كما يريد ان يبلغها المتكلم. ولا شك ان ما يساعد على ايضاح هذه العلاقة هو القبليات المعرفية، خاصة تلك التي تتمثل بقرائن الواقع الحسي. فكأننا من خلال العلاقة المصداقية أمكننا ان نكشف عن العلاقة المفهومية. إذاً فحاجتنا العملية للتفسير هي الكشف عن هذه الأخيرة، فبعد هذا التشخيص تصبح العلاقة الاولى واضحة بفضل الضرورة الحسية، خلافاً لما سنراه في الحالة القادمة.
الحالة الثالثة:
في بعض الاحيان قد يكون النص واضحاً من حيث العلاقة المفهومية تبعاً للظهور اللفظي، فلا تكون هناك حاجة الى الكشف عن تبيان طبيعة العلاقة بين الألفاظ بما هي هي في مرحلتها المفهومية لوضوحها، وان كان المتخيل الذهني للعلاقة المصداقية للنص يحتاج الى الكشف والايضاح. واقرب مثال على ذلك ما يتعلق بقوله تعالى: ((وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى)) الانفال/17، فظاهر النص دال على ان الرمية التي كانت للنبي هي في الوقت ذاته منفية عنه ومنسوبة لله، وهذا هو توضيح ما عليه العلاقة بين الألفاظ من حيث المفهوم الذي ينطق به النص، لكنه لا يكفي بشأن ايضاح الكيفية الخارجية او المصداق، اذ ما معنى ان تكون الرمية المنسوبة الى النبي هي في حقيقتها رمية لله لا للنبي؟ فالمعنى بحسب المصداق ليس واضحاً او مفسراً، الأمر الذي يستدعي ان تكون هناك اضافة تفسيرية تشرح فيه الكيفية التي عليها طبيعة المصداق الخارجي، وبدون ذلك لا يكون النص نصاً مفسراً، انما هو واقع تحت طي الإشارة والفهم الظاهر فحسب. ونحن هنا في تفسيرنا لهذه الإشارة والفهم الظاهر لا غنى لنا من الاستناد الى القبليات المعرفية، ومن تلك القبليات المؤسسة تبعاً للرؤى المنظومية، كتلك التي تتكئ على نظرية وحدة الوجود، مثل الذي قام به ابن عربي في تفسيره لهذا النص، إذ اعتبر الصورة المحمدية هي ذاتها عبارة عن صورة الهية في احدى تعينات الذات القدسية .
ومن الامثلة الأُخرى على هذه الحالة قوله تعالى: ((وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مرّ السحاب)) النمل/88، حيث ان العلاقة المفهومية واضحة تبعاً للظهور اللفظي، لكن العلاقة المصداقية تحتاج الى الايضاح، اذ كيف يمكن تصور حركة الجبال التي شُبهت بمر السحاب؟ فهل نتصور ذلك بحسب القبلية العلمية التي تؤكد على حركة كل شيء طبيعي؟ وهل ان الحركة المقصودة داخلية بحسب الجزيئات والذرات والجسيمات البسيطة؟ او ان حركتها خارجية بحركة الارض في الفضاء؟
يظل هناك عدد كبير من النصوص القرآنية يمكن اعتبارها واضحة المعنى من الناحية المفهومية، لكنها غير واضحة من الناحية المصداقية.
الحالة الرابعة:
في حالات معينة قد لا يكون النص واضحاً من الناحيتين المفهومية والمصداقية، مما يجعل الحاجة الى التفسير رهينة ايضاح هاتين العلاقتين معاً، ومن ذلك ما جاء في قوله تعالى: ((الله نور السماوات والارض)) النور/35، فما معنى وصف الله بالنور وما هي كيفيته المصداقية؟ ومثل ذلك ما وصف الله نفسه بكثير من الصفات؛ كالمكر والغضب والحب والرضا والمجيء والاستواء... الخ. فبعض العلماء لم يفسر العلاقة الأخيرة للنص واكتفى بايضاح العلاقة المفهومية، وذلك بأخذ هذه الصفات على حقيقتها الظاهرة ولكن من غير تكييف، اي من غير ايضاح للعلاقة المصداقية، كالذي عليه ابن تيمية. وبعض اخر زاد على ذلك بتحقيق ما يتطلبه التفسير فاعتبرها مأخوذة على حقيقتها الظاهرة وان لها الكيفية الخاصة، كالكيفية الجسمية مثل الذي ذهب اليه الحشوية، او الكيفية التجريدية (التشاكلية) كالذي ذهب اليه صدر المتألهين، او الكيفية (العينية) كالذي ذهب اليه ابن عربي .
***
هكذا يتحقق التفسير الظاهر بحسب ما له من علاقة بمستويي الظهور اللفظي. وبالتالي فهناك مستويات ثلاثة للظهور بعضها يقوم على البعض الاخر، كالتالي:
الاول: مستوى الظهور اللفظي بمعناه الدال على الحقيقة العامة المشتركة. وهو ليس من التفسير بشيء وإن كان يعبر عن حمل اللفظ على الحقيقة.
الثاني: مستوى الظهور اللفظي بمعناه الدال على المعنى الخاص، وهو مستوى يتجلى بنواح ثلاث: احدها حمل اللفظ على الحقيقة الخاصة المشخصة وذلك كتعبير عن خصوص الحقيقة العامة المشتركة. وثانيها حمل اللفظ على الظهور المجازي. واخيراً حمل اللفظ على الظهور الرمزي. ويظل هذا المستوى هو الاخر لا يعبر عن المرحلة التفسيرية.
الثالث: مستوى تفسير النص، حيث انه يعتمد على المستوى الثاني، وخاصيته انه يعمل على ايضاح العلاقتين المفهومية والمصداقية معاً. ولما كان قائماً على المستوى الثاني وموضحاً له تبعاً لهاتين العلاقتين فانه يعبر بذلك عن فهم الفهم ومعنى المعنى.
ثانياً:
عرفنا ان الاخذ بالظاهر لا يعني بالضرورة تفسيراً، كما ان التفسير لا يقتضي الاخذ بالظاهر، فهناك ظاهر بلا تفسير، وتفسير بلا ظاهر، مما يعني ان العلاقة بينهما ليست لزومية. بل ان هذا الحكم يجري على ما تبقى من انواع الإشارة، حيث لا توجد علاقة لزومية تربط بين التفسير والتأويل، او بينه وبين الباطن او الرمز. اذ يمكن ان تتحقق لدينا الإشارة التأويلية او الباطنية وإن لم يثبت التفسير.
والتفسير بهذا المعنى له انماط مختلفة، فعندما يتأسس على الظاهر نطلق عليه (التفسير الإستظهاري)، لكنه عندما لا يرتبط باي علاقة مع الظاهر فانه لا يخرج عن نمطين من العلاقة، فهو إما ان يكون متأسساً على التأويل فنطلق عليه (التفسير التأويلي)، او يكون متأسساً على الرمز فنسميه (التفسير الإستبطاني او الرمزي).
وعلى العموم لدينا مجموعتان احداهما تترتب على الأُخرى من غير لزوم، حيث نطلق على الاولى (الإشارة)، وعلى ما يترتب عليها (التفسير). وان الفارق بينهما هو ان الإشارة تبحث عن المعنى، لكن التفسير يبحث عن شرح المعنى، او انه عبارة عن معنى المعنى.
ومن حيث الإشارة لدينا كل من إستظهار النص وتأويله وإستبطانه. فإستظهار النص هو ذلك الذي يحافظ على الظهور المجالي وتكون فيه الدلالات اللفظية معلومة بالتبادر. وتأويل النص هو ذلك الذي يبتعد عن هذه الدلالات الظاهرة، وإن التزم بالظهور المجالي. أما إستبطان النص فانه على خلاف كل من الإستظهار والتأويل حيث يتصف بعدم الالتزام بكل من الظهورين اللفظي والمجالي.
ومن حيث التفسير لدينا كل من التفسير الإستظهاري والتأويلي والإستبطاني. وخاصية الاول هو انه يعتمد على الإشارة الظاهرية ليكشف عن الكيفية التي عليها العلاقتين المفهومية والمصداقية، كالذي مر علينا تبيانه. كما ان خاصية التفسير التأويلي هو انه يعتمد على الإشارة التأويلية بالكشف عن طبيعة العلاقتين المفهومية والمصداقية للمعنى. فقد يكون التأويل محض إشارة من غير تفسير، وذلك عندما يكون هناك نفي للظهور اللفظي وحمله على التأويل من غير ان تتوضح فيه كلاً من العلاقتين المفهومية والمصداقية.
فمثلاً ان إبعاد المعنى الظاهر للألفاظ الخاصة بالصفات الالهية وتأويلها ولو من غير تعيين، او بتعيين المعنى ولكن من غير ايضاح لكل من العلاقتين المفهومية والمصداقية، لا يعد من التفسير المكتمل للنص. فنحن هنا نواجه نفس الحال الذي سبق مواجهته مع حالات الحاجة التفسيرية عند الإستظهار. ومن ذلك ان العلماء حينما حملوا اية (استواء الرحمن على العرش) على خلاف الظاهر، وهو قولهم بان ذلك يعني استيلاء الرحمن وغلبته على العرش مثلاً، لم يكشفوا عن كيفية العلاقتين المفهومية والمصداقية لهذا المعنى. فمن حيث العلاقة المفهومية هو ان الله له الغلبة والاستيلاء على كل شيء فما جدوى هذا التخصيص بالعرش؟ وكذا لو قيل ان معنى الاستيلاء جاء ليدل على الملكية، وهو ان العرب يقولون استوى فلان على البلد بمعنى استملكه، فذلك لا يكفي ايضاً للتعبير عن الدلالة المفهومية من حيث تصورنا القبلي عن مالك الوجود الذي يملك كل شيء اولاً واخراً. أما من حيث العلاقة المصداقية فيبقى السؤال وارداً، وهو: ما معنى هذه العملية الاستيلائية او التملكية للعرش؟ وبذلك نعد المفسرين الذين ذهبوا الى هذا المعنى انما حملوا النص على التأويل ولكن من غير تفسير مكتمل .
أما خاصية التفسير الإستبطاني فهو انه يعتمد على الإشارة الرمزية ليوضح من خلالها طبيعة العلاقتين المفهومية والمصداقية للمرموز اليه. فلو توقف الحال على الإشارة الرمزية من دون ايضاح الكيفية التي تخص هاتين العلاقتين؛ فان ذلك لا يعد من التفسير، رغم تأديتها للفعل الإستبطاني، وذلك باستبعاد كل من الظهورين اللفظي والمجالي.
فمثلاً ليس من التفسير بشيء اذا توقف الحال على اعتبار شجرة ادم وقصته يرمزان الى امور ليس لنا العلم بها سوى انها خلاف ظاهر ألفاظ القصة ومجالها. وكذا ليس من التفسير بشيء لو حددنا معنى الشجرة كرمز يشير الى قضية أُخرى اجنبية لكن من غير توضيح للعلاقة المفهومية لهذا المعنى بسائر المعاني الرمزية المستخلصة من القصة، ومثل ذلك فيما لو كشف عن هذه المعاني ولكن من دون ايضاح الكيفية المصداقية لها. ففي كل هذه الاحوال لا يمكن ان نعد ذلك من التفسير المكتمل. اذ يشترط في التفسير الإستبطاني للنص الكشف عن العلاقة المفهومية للمعاني المستخلصة من خلال الرموز اللفظية مع تبيان ما عليه حقيقتها المصداقية.
فمثلاً ان لابن عربي تصوراً رمزياً لقصة يوسف، يعتبر فيها ان المقصود بيوسف من حيث الباطن هو النفس المؤمنة، وأبيه يعقوب هو العقل، واخوته هم النفس الامارة واللوامة، وان امرأة العزيز هي النفس الكلية وهكذا.. فهو تبعاً لهذه الاشارات المفهومية يذكر بأن الله تعالى لما اراد من النفس المؤمنة ان تسافر اليه اشتراها من اخوتها الامارة واللوامة بثمن بخس، وحال بينها وبين ابيها العقل، فبقي هذا العقل حزيناً لا تفتر له دمعة، وذلك بعد ان كان يتنزه في الحضرة الالهية بوجود هذه النفس، فلما حصلت الحيلولة بينهما اصابته الظلمة في بصره من الحزن، وهكذا .. فهذه التصورات الرمزية تدل على ابراز جانب من العلاقة المفهومية، أما العلاقة المصداقية فهي عبارة عن مصاديق الرؤية العرفانية التي تشرح طبيعة العلاقة التراتبية بين العقول والنفوس وتسخير بعضها للبعض الاخر.
ثالثاً:
للتمثيل على المقارنة بين الآليات الست المختلفة للإشارة والتفسير؛ نتبع ما يلي:
لو أخذنا مثال اليد الالهية كما وردت في النص القرآني، وقلنا بأن لله يداً لكنها غير معلومة الكيفية؛ فكلامنا هذا يعبر عن حقيقة اللفظ وظاهر النص وان لم نعين تفسيره بالتحديد إن كانت هذه اليد جارحة كأيدينا مثلاً او غير ذلك. فهو بالتالي مجرد إشارة ظاهرية فحسب.
ولو قلنا بأن هذه اليد معلومة وموضحة؛ كإن ندعي أنها كأيدينا، او هي عين هذه الأيدي، او انها أيدٍ بالمعنى المجرد، فان ذلك يدخل في التفسير ولا يقتصر على مجرد الأخذ بالظاهر، وهو ما نطلق عليه التفسير الإستظهاري.
ولو قلنا بأن يد الله ليست مرادة على ظاهر اللفظ، لكن لا نعلم تفسيرها ضمن سياق النص، او أننا عيّنا معناها ولكن مفهوم النص الذي يتضمنها غير مكتمل المعنى والتوضيح، او لاعتبارات تتعلق بعدم وضوح ما النص عليه من الناحية المصداقية.. فكل ذلك يكون تأويلاً من حيث الإشارة لا التفسير.
ولو قلنا بأننا نعلم المراد كمفهوم ونتخيل المصداق عبر المعنى المأول، كإن يكون المراد عبارة عن القدرة او النعمة او غير ذلك تبعاً لما عليه مجال النص، فان الأمر يصبح تفسيراً بحسب التأويل.
ولو قلنا بأن يد الله ليست مرادة بحسب الظاهر وانها ترمز الى امر اخر غير مرتبط بالمجال الذي وردت فيه الكلمة، وإن كنا لا نعلم تحديد معنى هذه الكلمة ومجالها، او كنا نعلم ذلك لكن من دون ايضاح لكلا العلاقتين المفهومية والمصداقية، فالأمر يكون عبارة عن مجرد إشارة رمزية من غير تفسير.
ولو قلنا بأننا نعلم بتحديد المعنى مفهوماً ومصداقاً، كإن نفسر اليد بمعنى العقل الاول وما شاكل هذا المعنى ونوضح ما يرتبط بذلك من العلاقات، فالأمر يصبح تفسيراً بحسب الباطن.
رابعاً:
تبعاً للتقسيم الانف الذكر بين المجموعتين يتجلى أن لا تلازم بينهما من حيث الرد والقبول، فقد يكون المعنى المحدد بحسب الإشارة متفقاً عليه من حيث القبول، أما التفسير فهو موضع الخلاف، اي ليس كل ما يقبل من حيث الإشارة فان تفسيره يقبل هو الاخر، وكل ذلك يعود الى اختلاف ما عليه القبليات، خصوصاً تلك التي تعود الى الانظمة المعرفية كما سيأتينا بيانه.
فمثلاً قد يتفق العرفاء مع غيرهم في فهمهم للإشارة الإستظهارية، لكنهم مع هذا يفسرون الإشارة تفسيرهم الوجودي المعهود بما يختلفون فيه عن الغير، بل وبما يبتعدون فيه عن اجواء النص وسياقه، وبما قد لا يستسيغه العقل والوجدان، رغم انه يقوم على الإشارة الظاهرية. وفي هذه الحالة نطلق على هذه العملية (الإستظهار الجدلي).
وفي الجملة ان ما يعنيه الإستظهار الجدلي هو ان تكون الإشارة ظاهرية، في حين يكون تفسيرها قائماً على المباطنة والتأويل البعيدين؛ بفعل ما تتحكم به قبليات الانظمة المعرفية. وسيأتينا عدد من الشواهد يبرز هذا النوع من الإستظهار الذي تفترق فيه الإشارة عن التفسير افتراقاً بيناً.
خامساً:
ان مصاديق كل من آليات الإشارة والتفسير الثلاث تتفاوت فيما بينها قوة وضعفاً تبعاً لاعتبارات كل من الظهور اللفظي والحالة التي عليها سيكولوجية القارئ واعتباراته القبلية. فقد تتفاوت حالات الإستظهار من نص الى اخر لدى القارئ، كما قد يتفاوت إستظهار النص الواحد من قارئ الى اخر، بحيث يحصل ما هو اكثر او اقل إستظهاراً مقارنة مع الاخر.
وينطبق الحال نفسه بخصوص الآليتين الاخريتين. فقد يحصل من التأويل وكذا الإستبطان ما هو اكثر تأويلاً وإستبطاناً بالنسبة الى الاخر، سواء كان هذا الاخر عبارة عن النظير من النصوص، او النظير من القراء. بل قد تكون هناك حدود وسطى بين الآليات الثلاث، ومن ذلك ما اطلقنا عليه المجاز الظاهر، فهو لا يخلو من التأويل القريب، لكنه يعبر في الوقت ذاته عن حالة من حالات الظاهر بدلالة ما يحصل من التبادر، وذلك بفعل القرائن المنفصلة المركوزة في الذهن. وبالتالي فنحن - هنا - امام حالة مزدوجة تجمع بين التأويل والإستظهار، حيث يمكن عدها من الإستظهار بفعل القرائن المركوزة في الذهن، كما يمكن عدها من التأويل بفعل ما فيها من المجاز اللفظي.
فمثلاً على ذلك قوله تعالى: ((إنّك ميّت وإنّهم ميّتون)) الزمر/30، اذ لو عزلنا هذا النص عن اي قرينة منفصلة، كالقرينة الخارجية الحسية، لكُنا قد استظهرنا من النص الدلالة على موت النبي والاخرين موتاً حقيقياً وقت نزول الخطاب. فالظاهر دال على انهم ميتون حقيقة، لكن بفعل القرينة والضرورة الحسية يتبين ان الأمر ليس كذلك، حيث يتبادر المعنى طبقاً لموجهات القرائن الخارجية، او القبليات المعرفية، ومنه نعلم ان ظاهر النص دال على معنى كون النبي والاخرون سيموتون لا محالة، لا انهم ميتون فعلاً. وهذا التوجيه او التأويل القريب هو ليس كالتأويل البعيد الذي يبتعد عن سياق النص وحقيقة ألفاظه ابتعاداً كثيراً.
وينطبق هذا الحال - ايضاً - على قوله تعالى: ((واسأل القرية))، حيث يفهم القارئ مباشرة وبحسب ما لديه من المخزون الذهني للقبليات الحسية ان المقصود بذلك هو اهل القرية. وكذا قوله تعالى: ((فوجدا فيها جداراً يريد ان ينقض فأقامه))، حيث يتبادر الى فهم القارئ، تبعاً للقرائن القبلية المتمثلة بالحس، ان المقصود من الارادة في النص هو الميل، وليس تلك الصفة الحيوية التي تُطلق على الانسان وغيره من الاحياء.
وعلى هذه الشاكلة هناك عدد كبير من النصوص تقترب فيها مجازية النص من فعل الظهور العائد الى الحقيقة. لكن هناك ما هو اقل من ذلك ظهوراً وإن لم يبتعد كثيراً عنه. ومن ذلك ما جاء في تأويل قوله تعالى: ((يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي)) الروم/19، اذ قيل فيه ان معناه هو اخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وكذا العالم الفطن من الجاهل البليد، وهذا الجاهل من العالم .
كما هناك ما هو بعيد عن الظهور اللفظي، مثل الكثير من معاني الفهم التي وضعها كل من المعتزلة والاشاعرة ازاء النصوص الدينية، كما يتبين ذلك في الموقف من النصوص القرآنية الخاصة بمسألة القضاء والقدر. اذ قامت المعتزلة ومن على شاكلتها بتأويل ظواهر الايات الدالة على التدخل الالهي في اضلال العباد والختم على قلوبهم . وعلى الضد لجأت الاشاعرة الى تأويل ظواهر الايات الدالة على نسبة الأعمال الى العباد .
واخيراً فهناك ما هو اكثر بعداً وايغالاً في التأويل، بحيث يصل الى درجة التحريف، كما يدل على ذلك الكثير من الممارسات التي قام بها الفلاسفة والعرفاء تبعاً لقبلياتهم الوجودية. فمثلاً على ذلك ما قام به ابن عربي في تأويله للنصوص التي تخص المصير الذي عليه فرعون، حيث اظهره بانه من الناجين من العذاب والنار . وكذا ما قام به صدر المتألهين في تأويله للاية: ((ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا)) التغابن/6، حيث قلب حقيقة الظاهر فيها وعدها تعني بأن الله قد حكم بكفر من اعتبر النبي ذا حقيقة بشرية، بخلاف الظهور اللفظي للاية وسائر الايات . ومثل ذلك ما قام به حيدر الاملي والقيصري من تأويل اية الامانة: ((إنّا عرضنا الامانة على السماوات والارض والجبال فابيْنَ ان يحملنها واشفقْنَ منها وحملها الانسان، انه كان ظلوماً جهولاًً)) الاحزاب/72، فقد اعتبر الاملي بأن ما ورد في الاية من وصف الانسان بالظلم والجهل لا يعد ذماً، بل هو مدح لا يفوقه مدح اخر . وقبله كان القيصري يرى ان معنى الاية هو ان الانسان ظلوم لنفسه مميت اياها بافناء ذاته في ذات الله تعالى، وانه جهول لغيره بحيث انه ينسى كل ما سوى الحق، وينفي ما عداه بقوله: «لا اله الا الله» .
إذاً فهناك تفاوت في الظهور والتأويل، وهناك حالات وسطى للآليتين السابقتين. والأمر سيان بشأن الآلية الرمزية، كما يدل على ذلك ما سبق ايراده بخصوص المجال المجازي.
سادساً:
نخلص مما سبق الى ان تحقيق الآليات الثلاث (الإستظهارية والتأويلية والإستبطانية) يتم عبر عدد من الشروط لها صلة بالموقف من عاملين، هما: الظهور اللفظي والمجال. فمن خلال هذين العاملين تتميز الآليات الثلاث السابقة، اذ تتعين ماهية كل منها وفق شكل العلاقة التي يحددها عامل الظهور اللفظي والمجال، كما يتبين معنا كالتالي:
1ـ الآلية الإستظهارية
يشترط العمل بهذه الآلية تحقيق شرطين اساسيين، الاول: أن لا يخرج الفهم او القراءة عن الظهور المجالي للنص. أي أن لا يتحول الفهم من المجال الظاهر الى مجال اخر مختلف. أما الشرط الثاني: فهو أن يكون الفهم قائماً وفق الظهور اللفظي للنص، وذلك بغض النظر عن ماهية الاسباب والدوافع التي تعمل على تشكيل صورة هذا الظاهر، والتي منها الخزين الذهني للقبليات المعرفية.
إذاً فلهذه الآلية شرطان ينبغي الحفاظ عليهما، وهما المجال والظاهر، وان الاخذ بالظاهر يقتضي الاخذ بالمجال من دون عكس.
2ـ الآلية الإستبطانية
وشرط هذه الآلية التخلي عن كلا الشرطين من القراءة الإستظهارية الانفة الذكر، فهي لا تحتفظ بالمجال كما يطرحه النص، كما انها تبعاً لذلك لا يمكنها المحافظة على ظاهر لفظ النص. فعدم الحفاظ على المجال يفضي الى عدم الحفاظ على الظاهر من دون عكس. وخاصيتها الاساسية العمل ضمن مجال مختلف جديد لا يمت بصلة الى المجال المطروح. او يمكن القول انها تعمل على استبدال المجال الظاهر بمجال اخر، هو ذلك الذي يتحدث عن (الخبز والشعير!)، وان مبرر هذه الممارسة قائم على ما لبعض المنظومات المعرفية من دوافع اسقاطية عند قراءتها للنص الديني، فهي بحسب قبلياتها المعرفية تقرأ النص وفق المجال الذي تفكر فيه، ومنه يتحول الظهور اللفظي الى رمز يشير الى مضامين هذا الفكر. وابلغ من مارس هذا الدور من الآلية الإستبطانية هو النظام الوجودي، سيما منظومته العرفانية وتلك الموصوفة بالباطنية (الاسماعيلية).
3ـ الآلية التأويلية
تتصف هذه الآلية بأنها وسط بين الآلية الإستظهارية والآلية الإستبطانية. فهي تتقوم بشرطين، احدهما تشترط به الآلية الإستظهارية، والاخر تشترط به الآلية الإستبطانية. كما انها في القبال تتخلى عن شرطين لكل منهما. فهي تحافظ في قراءتها على الظهور المجالي دون ان تستبدله بمجال اخر بعيد، وهو ما يجعلها تتفق مع الآلية الإستظهارية دون الإستبطانية. لكنها من ناحية أُخرى لا تعمل بظاهر اللفظ، مما يجعلها تتفق مع الآلية الإستبطانية دون الإستظهارية. فوظيفتها محددة - إذاً - بالقراءة التي تعمل على تأويل الظهور اللفظي ضمن المجال الذي يلوح في أُفق النص، وذلك استناداً الى القبليات المعرفية وعلى رأسها تلك التي تتصف بالطابع المنظومي. ويكفي ان نحدد شرطها بكونها لا تعمل بالظهور اللفظي، حيث يفهم من ذلك انها تحتفظ بالمجال فقط، او نقول بأنها تحتفظ بالمجال فحسب، حيث يفهم من ذلك أنها لا تعمل بالظهور اللفظي.
***
هكذا ننتهي من حيث المقارنة بين هذه الآليات الثلاث؛ الى ان خاصية الآلية الإستظهارية هي الحفاظ على الظهور اللفظي، وذلك لان هذا الفعل يقتضي في الوقت ذاته الحفاظ على المجال من دون عكس. بينما الآلية الإستبطانية هي على الضد من الاولى، حيث خاصيتها الاساسية ترك المجال وابداله بآخر بعيد، مما يقتضي عدم الحفاظ على الظهور اللفظي من دون عكس. في حين ان الخاصية الاساسية للالية التأويلية هي خاصية جهوية او نسبية، حيث يمكن تحديدها بعدم الاخذ بالظهور اللفظي، وفيه ان هذا التحديد لا يقتضي اهمال المجال وتركه. كما يمكن تحديدها بانها تعمل وفق المجال فحسب، وفيه يفهم انها لا تعمل بالظهور اللفظي. فهذه الآلية ليس فيها محل اقتضاء مثلما لاحظنا ذلك في الآليتين السابقتين.
وبعبارة أُخرى، تتصف الآلية الإستظهارية بأنها تعمل على مراعاة سياق النص في اخذها بالظهور اللفظي والمجال. وان الآلية الإستبطانية تعمل على الضد، فلا تأخذ بالمجال مما يقتضي عدم مراعاة السياق بتركها للظهور اللفظي. وان الآلية التأويلية تتخذ الطريق الوسطى، حيث تحتفظ بالمجال لكنها لا تراعي السياق في حمل اللفظ على الظاهر.
ويمكن التعبير عن الفوارق بين الآليات الثلاث بالصيغة الرياضية كما يلي:
الإستظهار = الظاهر + المجال
الإستبطان = - المجال - الظاهر
الـتـأويــل = المجال - الظـاهـر
كما يمكن التعبير عنها بالاشكال الهندسية، فلو رمزنا للظاهر بحرف (ظ)، وبالمجال بحرف (م)، فان الاشكال التي تتخذها تكون كما يلي:

ظ م
م
آليات القراءة
|-------|--------|
استظهار استبطان تـأويل
| | |

أما العلاقة بين الآليات من حيث القراءتين الإشارة والتفسير، فيمكن ايضاحها عبر الرسم البياني الاتي:
إشارة + علاقة = تفسير


نص النص ونص نص النص
اولاً:
في قراءة النص لدينا عناصر ثلاثة متلازمة، هي النص والإشارة والتفسير. ومن حيث التمييز بين هذه العناصر نلاحظ ان للنص بعده الموضوعي المستقل عن معرفتنا به، فهو عندما يدخل في حيز المعرفة يتحول الى ما نطلق عليه الإشارة، ومن بعد ذلك التفسير. ومعلوم ان الإشارة هي كشف عن معنى النص، وان التفسير يزيد عليها بانه يشرح هذا المعنى فيكون عبارة عن معنى المعنى. وهذا يعني ان آليات الإشارة والتفسير هي وإن كانت تقوم على النص، الا انها من هذه الناحية لا تكشف عن النص كشيء في ذاته.
فرغم قيام آليات الإشارة والتفسير الست على النص، مباشرة وغير مباشرة، الا انها ليست عين النص، وهي لا تتطابق معه بالضرورة. فالنص شيء وفهمه المتمثل بالآليات شيء اخر.
فالنص كشيء في ذاته خارج عن حدود المنال الذهني. او لنقل ان الذهن لا يتعامل مع الأشياء في ذاتها ما لم تكن من العلوم الحضورية التي يحضر فيها الشيء بنفسه، بل يتعامل مع القضايا الخارجية وفق العلم الحصولي الذي ترتسم فيه صورة ذلك الشيء، وارتسامها في الذهن هو العلم الحضوري بالصورة، او العلم الظاهر لذاتنا. ولا شك ان حضوره لذاتنا يمنعه من ان يكون عين ذلك الشيء في ذاته، للاختلاف بين الشيئين «في ذاته ولذاتنا»، فالأول هو الموضوع المتعين عالمه في الخارج فحسب، والثاني هو المعنى المحدد عالمه في المجال التصوري للمعرفة، لذا فأحدهما لا يمكنه ان ينقلب الى الاخر لاختلاف العالمين.
والأمر لا يختلف من هذه الجهة بين الموضوع الطبيعي الذي ينتمي الى العالم الكوني، وبين الموضوع النصي الذي ينتمي الى العالم اللغوي. فسواء الشيء الطبيعي او النص، كلاهما يحتفظ بكيان الشيء في ذاته. فالنص كشيء في ذاته يستحيل ان ينقلب الى ما هو معرفي لذاتنا، لكن ما يحصل هو ان هناك صورة تتجلى في ذاتنا للتعبير عن ذلك الشيء، سواء تطابقت معه او لم تتطابق.
والنص كشيء في ذاته اشبه بما يقوله العرفاء عن الماهية والعين الثابتة قبل الايجاد، حيث لا تظهر ما لم تتنور بنور الوجود من الخارج، وكذا النص لا يظهر لذاتنا ما لم يتنور بنور المعرفة، وان الماهية اذا أُخذت من حيث هي هي فانها تظل معدومة لا تشم رائحة الوجود، وكذا النص اذا أُخذ بما هو هو، او هو في ذاته، فانه يظل مجهولاً وشبه معدوم لا يشم رائحة الادراك والمعرفة، ومن هذه الخصوصية نطلق عليه (النص المجهول).
فمثلما لا تظهر الماهية من حيث ذاتها بمظهر الوجود، كذلك لا يظهر النص من حيث ذاته بمظهر المعرفة والفهم من الآليات الاشارية والتفسيرية. فلولا المعرفة والادراك ما كان يمكن ان نطلق عليه ظاهر النص او الإشارة، ومن ثم التفسير. وقلنا ظاهر النص باعتباره اول ما يتبادر من النص عند المعرفة، والا فكل الية عند المعرفة تتصف بالظهور نسبة الى الذات الكاشفة، حيث تتجلى بالحضور كصورة ظاهرة او مشهودة، وهي بهذا المعنى تختلف عما قصدناه من ظاهر النص الذي هو اول تبادر المعنى.
ثانياً:
يمكن عدّ آليات الإشارة نصاً اخر يقوم على ذلك النص المجهول، وان التفسير هو نص ثالث يقوم على نص الإشارة، وكلاهما يعبران عن النص المعلوم. فلدينا نص مجهول مع نصين معلومين، ومن ثم فالنصوص ثلاثة كالتالي:
1ـ نص كشيء في ذاته، وهو الاساس الذي لا يقبل التحديد والتعريف من حيث هو هو، اذ لا علاقة له بالادراك والذات العارفة، وذلك شبيه بما عليه الماهية من حيث هي هي، اذ لا علاقة لها بالوجود.
2ـ ونص ثان يقوم على ذلك النص باعتبارات الادراك والذات العارفة، وهو المعبر عنه بالإشارة على اقسامها الثلاثة: الإستظهار والتأويل والإستبطان. فنص الإشارة بهذا الاعتبار ينشأ عن امرين، هما: النص المجهول وذات القارئ، والإشارة بهذا الاعتبار هي نوع من القراءة والفهم، نطلق عليها القراءة الاولى او الاشارية.
3ـ ونص ثالث يتحدد بقراءته لنص الإشارة، وهو ما نطلق عليه نص التفسير. وهو وبالتالي يعتمد على كل من ذات القارئ والنص المجهول.
هكذا فذات القارئ تتسع لقراءتين او فهمين، احداهما تتعلق بقراءة النص المجهول فنسميها نص الإشارة، وأُخرى تتعلق بقراءة هذا النص الأخير فنسميها نص التفسير. او قل ان لدينا قراءتين احداهما تقوم بقراءة الأُخرى ، او ان لدينا فهمين احدهما يعمل على فهم الاخر. كما ان لدينا ثلاثة نصوص، بعضها ينتج عن البعض الاخر، فهناك النص المجهول، وعليه يقوم نص الإشارة مما نعبر عنه (نص النص)، ومن ثم يقوم على هذا الأخير نص التفسير الذي هو (نص نص النص).
إذاً لدينا نص، ونص النص، ونص نص النص. او قل: لدينا نص، وقراءة النص، وقراءة القراءة. او لدينا نص، ومعنى النص، ومعنى المعنى. او قل: لدينا نص، وفهم النص، وفهم الفهم.
وواضح اننا باستثناء النص المجهول نتعامل مع قراءتين واجتهادين احدهما قائم على الاخر، مما يجعلهما طبقتين تتفاوتان في البساطة والعمق، حيث القراءة التفسيرية هي تعميق للقراءة الاشارية، وانه لا وجود للقراءة التفسيرية من غير الاشارية، وان كان العكس غير صحيح. لكن في كلا القراءتين والفهمين نواجه القابلية على التعددية. فالتعددية قد تكون اشارية، كما قد تكون تفسيرية.
وفي جميع الاحوال لدينا انماط من التعددية على مستوى القراءتين الاشارية والتفسيرية؛ تعود الى ما لدى الانظمة المعرفية من القبليات المختلفة، وقلما يحصل الاتفاق بينها. لذلك قد تكون القراءة الاشارية، وكذا التفسيرية، عبارة عن قراءة وجودية او معيارية او واقعية.. الخ، كما لا يوجد تلازم بين القراءتين التعدديتين، فرغم ان القراءة التفسيرية قائمة على الاشارية الا ان الاتفاق على هذه الأخيرة لا يلزم منه الاتفاق على الاولى. والامثلة على ذلك كثيرة؛ كتلك التي يتفق فيها بعض اقطاب النظام الوجودي مع غيرهم في القراءة على مستوى الإشارة، لكنهم يختلفون معهم في القراءة التفسيرية غاية الاختلاف، ومن ذلك اتفاقهم حول الإشارة الإستظهارية رغم انهم يختلفون حول تفسيرها، فيكون لدينا انماط من التفسير الإستظهاري، ومنه الوجودي الذي يختلف عن غيره من الانماط الإستظهارية للتفسير.
ثالثاً:
قد يقال انه اذا كان النص المجهول لا يخضع للمعرفة وانه عبارة عن ذلك الشيء في ذاته، وان الذي يعرّف به هو كلا النصين الخاصين بالقراءة الاشارية والتفسيرية، وان هذين النصين او القراءتين يتقومان بالقبليات المعرفية، فالسؤال الذي يرد بهذا الصدد هو: هل يمكن التوصل الى تطابق النصين او القراءتين مع الاول، او على الاقل الاقتراب من المعنى الذي يتضمنه؟ وما مبرر ذلك؟
نعترف - ابتداءاً - بأن هذه المسألة معقدة، بل فيها مستويان من التعقيد، فالعلاقة التي تربط نص القراءة التفسيرية بالنص المجهول هي اشد تعقيداً من تلك التي تربط نص القراءة الاشارية به. والأمر واضح من حيث ان القراءة التفسيرية تتضمن الاشارية وتزيد عليها. لكن مع ذلك يمكن القول إنّا نواجه قضية هي ذات القضية التي نواجهها في الكشف عن طبيعة الأشياء الخارجية، فهذه الأشياء هي ايضاً عبارة عن أشياء في ذاتها، وبالتالي يستحيل نقلها كما هي في ذهن الرائي، لذا فكيف نطمئن بان الصورة الذهنية تعبر عن الحقيقة الخارجية وتحاكيها؟ او على النحو الادنى: كيف نبرر اقتراب الحقيقة بين الحالة التصورية للشيء في الذهن وحالته الموضوعية في الخارج؟
هذه هي الإشكالية التي تواجهنا، وسندع الإجابة عنها الى دراسة أخرى مستقلة..