التطير
والفال
مقدمة
(التطير ) هو التفاؤل والتشاؤم
فى مصطلحات القرآن واللغة
العربية فى عصر خاتم الأنبياء
عليهم السلام. وقد اشتق العرب فى
الجاهلية معناه من عادتهم فى
محاولة التنبؤ بالغيب بامساك
الطائر ثم اطلاقه ليطير فان طار
يمينا تفاءلوا وان طار شمالا
تشاءموا ، ثم أصبح التطير يطلق
على التفاؤل والتشاؤم معا، ثم
اصبح ألصق بالتشاؤم بالذات .
وذلك نظير ما يقال حتى الان فى
بيئاتنا الشعبية عن (الفال )
بمعنى (الفأل ) ويقصدون به غالبا
ليس التفاؤل ولكن التشاؤم. وهو
نفس ما شاع فى مصر المملوكية
خصوصا فى القرنين التاسع و
العاشر الهجريين.
وليس فى الاسلام مجال للخرافة ،
ولذا فان تصديق التفاؤل
والتشاؤم بمعنى الاعتقاد يعتبر
ثقافة مناقضة للثقافة
الاسلامية العقلية التى تحصر
الغيب فى ذات الله تعالى وما
تحدث عنه القرآن الكريم ، وليس
لأحد أن يتكلم فى هذا الغيب ،
وإلا صار كلامه خرافة. هذا ما
يخص عالم الغيب الذى لا ندركه
بحواسنا، أما عالم الشهادة فهو
مجال للبحث العلمى المعملى
التجريبى المادى الذى نتوصل
اليه بأيدينا وحواسنا وأجهزتنا
العلمية.
وبهذا التحديد فان الاعتقاد فى
التفاؤل و التشاؤم والاغراق فيه
الى درجة تفسير الأشياء من
خلالها يعتبر ثقافة شركية ـ
نسبة الى الاشراك بالله جل وعلا.
ومن هنا كان الاعتقاد فى
التفاؤل و التشاؤم من ملامح
المشركين فى القصص القرآنى ،
كما كان ولا يزال من ملامح
الأديان الأرضية التى اختلقها
المسلمون بعد موت النبى محمد
عليه السلام بقرون.
يقول تعالى عن قوم ثمود : (وَلَقَدْ
أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ
أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ
اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا
هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ
قَالَ يَا قَوْمِ لِمَ
تَسْتَعْجِلُونَ
بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ
الْحَسَنَةِ لَوْلَا
تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ
قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ
وَبِمَن مَّعَكَ قَالَ
طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ
بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ
تُفْتَنُونَ ) (النمل 35 : 47 ).
أى أن النبى صالحا عليه السلام
دعا قومه ثمود الى عبادة الله جل
وعلا وحده فانتهى بهم المر الى
أن تشاءموا منه وقالوا (اطَّيَّرْنَا
بِكَ وَبِمَن مَّعَكَ ) ورد
عليهم بأنه لا مجال للتفاؤل و
التشاؤم لأن مرجع الأمر لله
تعالى (قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ
اللَّهِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ
تُفْتَنُونَ ).
وباد أى انتهى أمر قوم ثمود وهم
من العرب البائدة التى تعرضت
الى اهلاك الاهى. ولكن عقيدة
التفاؤل و التشاؤم لم تنته
لارتباطها بالعقليات الشركية
المهزوزة .
وننتقل مع القصص القرآنى الى
مصر الفرعونية ، حيث كذّب
الفرعون بدعوة موسى ، فتعرض
فرعون وقومه لبعض العقوبات أو
العذاب الدنيوى أملا فى أن يرجع
مصداقا لقوله تعالى عن العذاب
الدنيوى :( وَلَنُذِيقَنَّهُمْ
مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى
دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ
لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ )(
السجدة 21 ) .
تعرض فرعون وقومه لبعض العذاب
الدنيوى ، ثم كانت تأتيهم راحة
منه ليتعظوا ، ولكن كان يحدث
العكس : يقول تعالى (وَلَقَدْ
أَخَذْنَا آلَ فِرْعَونَ
بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّن
الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ
يَذَّكَّرُونَ فَإِذَا
جَاءتْهُمُ الْحَسَنَةُ
قَالُواْ لَنَا هَـذِهِ وَإِن
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن
مَّعَهُ أَلا إِنَّمَا
طَائِرُهُمْ عِندَ اللّهُ
وَلَـكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ
يَعْلَمُونَ) (الأعراف 130 ـ 131 ) .
أى إذا يفرحون بالحسنة والنعمة
فاذا جاءتهم مصيبة أتهموا موسى
ومن معه بانهم(نحس وشؤم )أو
بالتعبير القرآنى (وَإِن
تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ
يَطَّيَّرُواْ بِمُوسَى وَمَن
مَّعَهُ) ويرد عليهم رب العزة (أَلا
إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ
اللّهُ وَلَـكِنَّ
أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ).
ونصل الى قرية ـ لم يذكر القرآن
الكريم اسمها مع أنها تميزت بأن
الله تعالى أرسل لها ثلاثة من
الرسل ، فكذبوهم جميعا : (وَاضْرِبْ
لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ
الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا
الْمُرْسَلُونَ إِذْ
أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ
اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا
فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ
فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم
مُّرْسَلُونَ قَالُوا مَا
أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ
مِّثْلُنَا وَمَا أَنزَلَ
الرَّحْمن مِن شَيْءٍ إِنْ
أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ )
وينتهى النقاش بقول أهل القرية
للرسل (قَالُوا إِنَّا
تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن
لَّمْ تَنتَهُوا
لَنَرْجُمَنَّكُمْ
وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا
عَذَابٌ أَلِيمٌ ) يعنى انهم
تشاءموا من الرسل ، وهددوا
الرسل بالرجم و التعذيب الأليم .ويرد
عليهم الرسل نفس الاجابة التى
تنفى الاعتقاد فى التفاؤل و
التشاؤم (قَالُوا طَائِرُكُمْ
مَعَكُمْ أَئِن ذُكِّرْتُم
بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ
مُّسْرِفُونَ ) (يس 13 : 19 ).
بتصنيع أديان المسلمين الأرضية
كان للتفاؤل و التشاؤم منها ركن
هام . فدين السنة عمم التشاؤم
الى درجة ان جعل الشؤم فى المرأة
و فى الفرس وفى الدار كما جاء فى
حديث البخارى. أى لا بد ان تعايش
الشؤم ولا تستطيع منه فرارا ،
فاينما توجهت سترى امرأة ،
واينما سافرت أو مشيت لا بد ان
تأوى الى دار تنام فيه ، هذا إذا
لم يتيسر لك رؤية الحصان أو
الفرس أو المهر.
أما دين التصوف فقد تفوق على
السنة . والتفصيل فى هذا المقال
..
أمثلة تاريخية للتفاؤل
والتشاؤم فى العصر المملوكي
* في المجتمعات الراقية حضارياً
ودينيا لا تكون ظاهرة التفاؤل
والتشاؤم عادة اجتماعية أو
شعيرة في السلوك اليومي.
والواقع التاريخي يؤكد ذلك, فقد
ارتبطت ظاهرة التفاؤل والتشاؤم
بعصور سيطرت فيها الخرافات
الدينية وتجمدت فيها الحركة
العقلية كما حدث في العصور
الوسطي ابتدءا من القرن التاسع
الهجري. في ذلك الوقت كان دين
التصوف هو المسيطر على العقائد
وكان التقليد العلمي هو السائد
على المستوى العقلي, وكان القلق
والخوف من المجهول وعدم الأمن
على المستقبل هو العملة السائدة
في العصر المملوكي حيث الاضطراب
السياسي وقسوة العسكر المملوكي
في التعامل مع المجتمع.وحيث كان
المواطن يتوقع الشر والمكروه
بمناسبة وبغير مناسبة ويسري ذلك
على السلطان المملوكي نفسه الذي
لا يأمن على نفسه من مؤامرات
الأمراء , كما يسري على كبار
الأمراء الذين يتوقعون الشر من
السلطان , وبالتالي فالرعية في
حالة خوف دائم وترقب مستمر
لمصائب قادمة, إذا هدأت الأحوال
نسبياً استكثروها على أنفسهم
واعتبروا أن دوام الحال من
المحال ,وسرعان ما يتحقق "فألهم"
فتثور الفتن ويسقط ضحايا لها من
بين أفراد الشعب الذين لا حول
لهم ولا قوة .
المؤرخون والتفاؤل والتشاؤم
* ولم تكن ظاهرة التفاؤل
والتشاؤم بهذا الوضوح في بداية
العصر المملوكي ثم ازدادت
باستمرار مع ازدياد سيطرة دين
التصوف على الحياة المملوكية مع
تردى الأحوال السياسية
والاقتصادية في العصر المملوكي
البرجي, الذي بدأ بسلطنة قلاوون
وانتهى سياسياً باحتلال
العثمانيين لمصر سنة 921 هـ.
* والقراءة في مصادر التاريخ
المملوكية يظهر فيها ذلك بوضوح..
فمن خلال تعليقات المؤرخ على
الأحداث ومن خلا ل نقله لمشاعر
الناس في عصره نتعرف على
العقلية السائدة لتلك الفترة
التي يؤرخ لها من واقع المشاهدة
والمعاصرة.
وإذا طبقنا ذلك على مؤرخ شهير
مثل شهاب الدين أحمد النويري
المتوفى سنة 733 هـ نجد أن ظاهرة
التشاؤم والتفاؤل عنده ليست
بهذا القدر من الوضوح مع أنه
عاصر السلطان الناصر محمد بن
قلاوون الذي عزله الأمراء
المماليك مرتين وتولى السلطنة
ثلاث مرات ، والذي بدأ في عهده
نفوذ التصوف في التسيد رسميا
حين أسس السلطان الناصر محمد
للصوفية خانقاه سريا قوس ؛ وهى
أعظم خانقاه فى العصر المملوكى .
والخانقاه تعبير فارسى كان يطلق
على المؤسسة الصوفية الكبرى وهى
التى تقام فيها الصلاة و دروس
العلم و يعيش فيها الصوفية من
الطلبة و العلماء و المدرسين
يتمتعون بكل شىء على نفقة منشىء
الخانقاة ، ومن خلال الوقف
المرصود عليها.
وقد شهد المؤرخ النويري هذه
الأحداث وعايشها إلا أن أثرها
على ازدياد ظاهرة التفاؤل
والتشاؤم لم يتضح إلا فيما بعد
حين علا نفوذ التصوف , وسرى بين
الحاكم والمحكوم منذ القرن
التاسع وحين تدهورت الأحوال
السياسية بتحكم الأمراء
المماليك في ذرية السلطان
الناصر بن محمد القلاووني إلى
أن أقاموا دولتهم البرجية
وتحكموا في رقاب الناس بصورة
أسوأ من أسلافهم المماليك
البحرية.
والمقريزي هو عمدة المؤرخين
المصريين في العصور الوسطي وقد
عاش في القرن التاسع ونقل في
مؤلفاته الكثيرة نبض هذا العصر
وبدأت في كتاباته أولى أعراض
التفاؤل والتشاؤم تأثراً بما
ساد في عصره .
ونقتصر على مثال واحد, فقد حدث
سنة 842 هـ أن هجمت الفئران على
المحاصيل الزراعية والتهمتها,
وكان ذلك يحدث كثيراً في دورات
متتابعة قبل عصر المقريزي, ولكن
المقريزي حين نقل هذا الحدث قال
معلقاً عليه في كتابه "السلوك"
":( وعندي أن هذا منذر بحادث
ينتظر)" أي أنه تشاءم من وباء
الفئران, بينما لم يتشاءم من
سبقه من المؤرخين الذين نقلوا
نفس الحدث حين وقع فذكروه دون
تعليق.
بل إن المقريزي نفسه حين كان
ينقل نفس الحدث في العصور
الماضية نقلاً عن المؤرخين
السابقين فإنه لم يذكر نفس
التوقعات المتشائمة التى كتبها
أولئك المؤرخون الذين ينقل عنهم..!!
.
* ثم إذا جئنا إلى المؤرخ ابن
إياس في القرن العاشر وجدنا
ملامح التفاؤل والتشاؤم تطل
علينا من كل صفحة في تاريخه "
بدائع الزهور" بل ربما في كل
فقرة, حيث كان يتم التفاؤل
والتشاؤم من كل شئ. إلى درجة
أنهم في ذلك القرن العاشر
تشاءموا من لفظ التشاؤم نفسه
فعبروا عنه بالنقيض , فبدلاً من
أن يقولوا "تشاءم من كذا" ,
قالوا "تفاءل من كذا" أى
أصبح لفظ" التفاؤل" يعبر عن
المعنيين المتناقضين في نفس
الوقت. وكان ابن إياس ينقل
مشاعره ومشاعر الناس في وقته
بالتفاؤل من كل شئ حتى ما كان
منه عاديا يحدث كل وقت او
بالسليقة ، فمثلا إذا سقط رداء
الخطيب إلى الأرض "تفاءلوا"
بالشر, وإذا ذهب القاضي لمقياس
النيل وزغردت له النساء "تفاءل"
الناس له بالخير. وفي ذلك الوقت
تمت للتصوف السيادة المطلقة على
الحياة المملوكية دينياً
وسياسيا وعقليا واجتماعيا
وزادت سطوة المماليك وفسادهم
وعتوهم فازدادت بالتالي ظاهرة
"التفاؤل" بالشر وبالخير
وإن كان الشر أقرب إلى توقعات
الناس.
مظاهر التفاؤل والتشاؤم الخاصة
بالسلطان
* وأبرز مظاهر التفاؤل والتشاؤم
كانت تدور حول السلطة المملوكية
وتقلباتها السياسية, فإذا أصدر
السلطان عملة معدنية وجعل اسمه
داخل دائرة في تلك العملة قالوا
عنه أنه ستدور عليه الدوائر, أي
" تفاءلوا" له بالشر ,
والمقريزي ينقل ما حدث في شهر
المحرم سنة 789 هـ حين سك السلطان
فلوساً وجعل اسمه في دائرة ,
يقول المقريزي : "فتطير الناس
بذلك وقالوا هذا يؤذِن بأن
السلطان تدور عليه الدوائر
ويحبس , فبطل ذلك ولم يتم" أي
أبطلوا تلك العملة حين تشاءم
الناس منها . وجاء ابن إياس في
القرن العاشر يكتب تاريخ مصر
وينقل أحداثها السابقة على عصره
وينقل تلك الواقعة نفسها في
تاريخه إلا أنه يعلق عليها من
واقع عقليته وتشاؤمه واعتقاده
البالغ في التفاؤل والتشاؤم.
* وإذا خسف القمر " تفاءل"
الناس بزوال السلطان خصوصا إذا
كان مريضاً, وإذا سقط جزء من
بناء أقامه السلطان اعتقد الناس
أن دولته ستزول, وذلك ما حدث حين
سقطت منارة جامع السلطان حسن,
يقول المقريزي في الخطط "
ولما سقطت المنارة المذكورة
لهجت عامة مصر والقاهرة بان ذلك
منذر بزوال الدولة" مما دعا
الشيخ بهاء الدين السبكي إلى
نظم قصيدة للسلطان يبدد فيها
مخاوفه ويعلل سقوط المنارة
بأنها سمعت القرآن فهبطت من
خشية الله. وقد أورد المقريزي
هذه القصيدة ولكنه قال بعدها
"فاتفق قتل السلطان بعد سقوط
المنارة بثلاثة وثلاثين يوما
" أي أنه يصدق ما لهجت به
الناس, مع أن سلاطين كثيرين كان
مصيرهم القتل, وكان ذلك شيئاً
شائعاً خصوصاً في ذرية المنصور
قلاوون, ولكن يبدو أن المقريزي
كان ينقل مشاعر عصره..
وقد أدرك المقريزي وهو طفلً
حادثاً مشابها ذكره في تاريخ
السلوك سنة 778هـ في أواخر سلطنة
الأشرف شعبان حين تدهور نفوذه,
إذ حدث ليلة الاثنين 15 رمضان أن
سقطت نار احترق بها حاصل مدرسة
السلطان شعبان, يقول المقريزي:
"وتفاءل الناس بذلك على
السلطان, وكان كذلك وقتل كما
سيأتي ذكره إن شاء الله تعالى"!!
.
* ويبدو أن الناس كانت تتشاءم
بأي شئ يحدث للسلطان في أواخر
أيامه أو حين ينهار نفوذه
فتتوالى "إرهاصات "
التفاؤل على" السلطان,
والأشرف شعبان سالف الذكر حدث
أن وقع من على فرسه في نهاية
أيامه فأصدر الناس فتوى تشاؤمية
جديدة قالوا فيها عنه أنه "لا
يقيم إلا قليلاً".وصارت تلك
الفتوى حجة سارية المفعول في
القرن التاسع حتى لو كان
السلطان في أوج قوته..
والمؤرخ ابن الصيرفي عاصر قوة
السلطان قايتباي وكتب تاريخه"أنباء
الهصر" يؤرخ فيه باليوم لعصر
قايتباي أكثر العصور المملوكية
البرجية استقرارا واستمرارا,
ولكن عقيدة التفاؤل والتشاؤم
كانت قد ثبتت جذورها ومن ذلك أن
السلطان قايتباي كان يتشاءم إذا
حدث ووقع من على فرسه لأن ذلك
يعد "فألاً" سيئاً. ويذكر
ابن الصيرفي أنه حدث يوم الأحد 29
شوال 875هـ أن السلطان قايتباي
لعب بالكرة هو والأمير جانبك
حبيب "فوقعت عمامة السلطان من
رأسه إلى الأرض فاحتد وتسودن
" ( تسودن أى غضب وانقلب مزاجه
وصار سوداويا ) فوقوع العمامة
فأل سيء يعادل سقوط السلطان من
على الفرس ويؤذن بسقوط السلطان
من على العرش.. لذلك احتد
السلطان و "تسودن".
وفي يوم الثلاثاء 2 ذو القعدة 875
هـ " لعب السلطان الكرة على
عادته" هكذا يقول المؤرخ ابن
الصيرفي " فتقنطر ووقع على
ظهره وسقط شاشه عن رأسه " أي
سقطت عمامته، والنتيجة أنه
أيضاً "أحتد وتسودن"..
وحتى إذا اكتمل سعد السلطان
وانتصر على أعدائه كان ذلك
مؤذناً بانتهاء سعده واقتراب
أيامه. وتكرر ذلك كثيرا خصوصا في
تاريخ ابن إياس.
على أن أشهر مظهر للتشاؤم
بالنسبة للسلطان هو إقامة
خطبتين للعيد والجمعة في يوم
واحد حين يأتي يوم العيد في يوم
جمعة.إذ كان يوحي ذلك بانتهاء
السلطان الحالي ومجيء سلطان
جديد, نظراً لأنه كان من شعائر
خطبة الجمعة أو خطبة العيد
الدعاء للسلطان.ولذلك كانت
العادة أن يتقرب القضاة للسلطان
بمنع شهادة من يرى الهلال إذا
كان ذلك يعني مجيء العيد يوم
جمعة, وقد ذكر المؤرخون أحداثا
من هذا النوع, ذكرها ابن حجر في
أحداث سنة480 هـ وذكرها أبو
المحاسن في تاريخه " حوادث
الدهور" وذكرها السخاوي في
تاريخه "التبر المسبوك".
ونكتفي بمثال واحد ذكره المؤرخ
ابن الصيرفي في تاريخه "
إنباء الهصر" عن ليلة
الثلاثين من شهر رمضان سنة 875 هـ
" توجه القضاة إلى المدرسة
المنصورية قلاوون لرؤية هلال
شهر شوال وتحديد أول يوم لعيد
الفطر واتفقوا على أنهم لم يروا
الهلال حتى لا تكون خطبتان يوم
الجمعة " ويقول ابن الصيرفي
يعلق على ذلك "ولم ير الهلال
وهو المقصود الأعظم لئلا تكون
خطبتان في يوم فيكون ذلك بزعمهم
على السلطان غير مشكور. فلا قوة
إلا بالله"!!
ومع ذلك فلم يكن السلطان
قايتباي يحترم أولئك القضاة!! .
التفاؤل والتشاؤم في
الحروب
* وأثناء الحروب والفتن
المملوكية كان سقوط السلطان أو
الأمير من على الفرس أو كشف رأسه
من الفأل السيء, وكان منها أيضاً
حرق الأمتعة الخاصة بالسلطان أو
القائد الثائر عليه. وحين زحف
الأمير منطاش لقتال السلطان
برقوق وقع منطاش من على الفرس
يقول ابن إياس "فتفاءل الناس
له بعدم النصرة ".
وثار الأمير قرقماس على السلطان
جقمق, وفي المعركة كشف قرقماس
رأسه متحمسا يهتف بنصرة الحق
ولكن تفاءل الناس له بالهزيمة,
خصوصا وقد سقطت درقته من على
رأسه ، والطريف أن عوام مصر
جعلوها أغنية يتندرون بها على
ذلك الأمير التعس الذي ضاعت
حياته في نظرهم بسبب الفأل
السيئ, يقول ابن إياس عن تلك
الأغنية " وصنف العوام عنوة:
يا قرقماس أفو عليك عملتها يا
قرقماس وجت عليك, وهو كلام ملحن".
هذا مع أنه في بداية العصر
المملوكي كشف السلطان قطز رأسه
في حرب المغول وصاح واسلاماه
فانتصر.. وما تشاءم أحد من كشفه
لرأسه..
* وحين تأهب السلطان الغوري
لقتال العثمانيين تفاءلوا له
بالهزيمة لأن هلال عمامته انكسر
نصفين على حد قول ابن إياس, وحين
وصل الغوري بحملته تلك إلى
الشام توقف في دمشق وذهب
للترحيب به أعيانها ومن بينهم
المؤرخ ابن طولون الذي يقول في
تاريخه عن الوفد القادم للترحيب
بالغوري : " فلما وصلوا إلى
قربه وجلس الأضراء ـ أي العميان
ـ يقرأون القرآن له فأمر
مماليكه فضربوهم بالعصي وقالوا
لهم:أعندنا ميت حتى تجيئوا
تقرأون عليه " !! والذي لم
يفهمه المؤرخ ابن طولون أن
الغوري ومماليكه تشاءموا من
قراءة العميان القرآن بين يديه
وفهموها دليلاً على أنه سيموت
في هذه المعركة.. ويدل ذلك على أن
المصريين كانوا أكثر إحساسا من
السوريين بالتفاؤل والتشاؤم
لأنهم كانوا في قلب الفتن
والمآسي المملوكية.
وفي الحياة اليومية !!
* وفي الحياة اليومية كان
للتفاؤل والتشاؤم مظاهر جمة فقد
شاعت فتوى اجتماعية تقول (إن
البلاء موكل بالمنطق ) أي أن
الإنسان ينطق في حديثه بكلمة أو
شعر فيتحقق ذلك, وعرف الناس أيام
السعد وأيام النحس فيوم 24 من
الأيام السبعة المكروهة, وفي
كتاب " الحياة اليومية في عصر
الرعامسة " تأليف بيير منتيه
نراه يتحدث عن أيام السعد وأيام
النحس في مصر الفرعونية بما
يقترب من حديث المؤرخ أبي
المحاسن عنها في القرن التاسع
الهجري وبما يشبه حديث كلوت بك
عنها في كتابه " لمحة عامة إلى
مصر" الذي يصف المجتمع المصري
في عصر محمد على. أي أن العادات
الاجتماعية في هذا الشأن
متوارثة ويقوي ظهورها إذا
تشابهت الأوضاع السياسية
والدينية.
* ويذكر الفقيه المغربي ابن
الحاج أن المصريين في القرن
الثامن كانوا يتركون تنظيف
البيت وكنسه إذا سافر أحدهم
لأنهم يتشاءمون من ذلك خوفاً
على المسافر. إلا أن أبرز ما كان
يتشاءم به الشارع المصري
المملوكي هو خروج الميت يوم
السبت أو دخوله من أحد أبواب
القاهرة, يقول المؤرخ أبو
المحاسن:" وقد عهدت الناس
يتشاءمون بدخول ميت من أحد
أبواب القاهرة" ويذكر نفس
المؤرخ أن العوام في القاهرة
تشاءموا من دخول نعش محمد بن
جقمق من باب زويلة .
* أما عن التشاؤم من خروج الميت
يوم السبت فقد شاع أن ذلك يعني
أن كبيراً سيموت من نفس البيت
الذي خرج منه الميت يوم السبت,
وقد أدى هذا الاعتقاد التشاؤمي
إلى عزل قاضي القضاة ابن الديري
عن وظيفة كاتب السر للسلطان
خشقدم, فقد حدث أن ماتت سيدة
وأخرجوها من الحريم السلطاني
بالقلعة وجلس الأمراء والقضاة
وكبار الموظفين ينتظرون خروج
الميٍتة للسير في جنازتها, وكان
ذلك يوم السبت, وتكلم القاضي
إبراهيم الديري مع الداودار
الكبير في وقت الانتظار وأفضى
إليه بتلك الحكمة الغالية وقال:
" إن العادة إذا خرجت ست يوم
السبت من مكان أو دار فإنه
يتبعها في الموت كبير ذلك
المكان " فقال الداودار
للقاضي: إذن فالسلطان يتبعها
ويموت بعدها, فقال له القاضي نعم
، فلما انقضت الجنازة صعد
الداودار للسلطان خشقدم وأخبره
بتلك المقالة, فاستفتى السلطان
بعض الأشياخ فأفتوه بأن هذا
كلام لا يعبأ به, فعزل السلطان
ذلك القاضي بعد إن أشبعه
توبيخاً.
* وحملت الأمثال الشعبية الكثير
من التأثر بالتفاؤل والتشاؤم
والملامح الخاصة بهما, فكانوا
يقولون " صباح الفوال ولا
صباح العطار".
وفى مصر لا تزال للتفاؤل
والتشاؤم مكانته عند وقت الصباح
بالذات, ويظهر ذلك حتى الآن في
تشاجر العوام القولي عند الصباح
إذا تتردد فيه كلمة "كذا على
الصبح "
1 ـ لا وجود للاستخارة فى الاسلام
.
ليس فى الاسلام استخارة ولكن فى
الاسلام توكل على الله تعالى و
الاعتماد عليه .
يوجد فى الاسلام : التشاور وبحث
الأمر ، ثم بعد الاطمئنان الى
توفر كل وسائل نجاحة نعتمد على
الله جل وعلا ونقوم بالتنفيذ ،
وهذا ماكان يفعله خاتم النبيين
عليه وعليهم السلام ، والله
تعالى يقول له ( وَشَاوِرْهُمْ
فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ
اللّهَ يُحِبُّ
الْمُتَوَكِّلِينَ )( آل عمران 159
). المشورة تعنى تقليب الأمر من
جميع جوانبه بحثا وتمحيصا
واستماعا لكل الآراء ، ثم بعدها
اتخاذ الرأى الصائب وتنفيذه
متوكلا على ربك جل وعلا.
التوكل على الله تعالى يعنى أن
تستعد بكل ما لديك من طاقة عقلية
وعضلية لتادية العمل المطلوب ،
من استشارة ودراسة جدوى ، و أخذ
بكل الأسباب واضعا نصب عينيك أنك
متوكل على الله جل وعلا معتمد
عليه ، وبعد أن تؤدى العمل على
أكمل وجه لا تقلق على النتيجة ـ
فلك أجرك سواء فى الدنيا أو
الآخرة أو هما معا ، هذا لأن
الرزق أحدى الحتميات الأربع
المقدرة سلفا ، وهى ( الميلاد و
الموت و الرزق و المصائب ). ولذلك
يقول تعالى ( وَمَن يَتَّقِ
اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ
مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ
حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن
يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ
فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ
بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ
اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا
) (الطلاق 2 ، 3 ) ، ويقول عن
المصائب وهى من الحتميات
المقدرة سلفا :( مَا أَصَابَ مِن
مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا
فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي
كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن
نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ
عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ
لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا
فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا
بِمَا آتَاكُمْ) ( الحديد 22 : 23).
ومن يتوكل على الله تعالى حق
التوكل مؤمنا به جل وعلا و
باليوم الآخر حق الايمان يلتزم
بأن يحسن كل عمل يقوم به ، ثم
يحمد الله جل وعلا على أى نتيجة ،
ويرضى بها باعتبارها قدرا مقدرا
سلفا ، ويبتسم منتظرا أجره إن لم
يكن فى الدنيا فهو ينتظره فى
الآخرة.
هذا فى الاسلام .
ولكن الوضع اختلف بالمسلمين حين
سيطرت عليهم الأديان الأرضية ،
خصوصا التصوف السنى فى العصر
المملوكى ( 648 ـ 921 )( 1250 ـ 1517 ).
2 ـ فالاستخارة من إفرازات
الديانات الأرضية التى تقام
بالافتراء على الله تعالى و
رسوله ، باسنادها الى وحى مزعوم
منسوب للنبى (الحديث النبوى ) أو
الى الله تعالى ( الحديث القدسى )
، أو الى مدعى الولاية كالصوفية
الذين يزعمون أن العلم اللدنى
يأتيهم من الله تعالى مباشرة الى
القلب بعد زوال الحجاب ، أوأنهم
يخاطبون الله تعالى مباشرة أو
يرونه فى المنام ،أو يخاطبون
النبى محمدا عليه السلام أو
يرونه فى المنام أو اليقظة .
وتتعدد لدى الصوفية مزاعم الوحى
بالمنام و الهاتف و الفيض الالهى
و الإشراق .. الى آخر تلك
الخرافات.
هذه الأديان الأرضية أنتجت فى
البيئة الشعبية امكانية التخاطب
مع الله أو الاتصال به فى الأمور
المهمة ، وذلك فيما يعرف
بالاستخارة. وهذا ما راج فى
العصر المملوكى بتاثير التصوف
السنى .
فى هذا العصر الذى سيطر عليه
الاستبداد والتدين الفاسد كان
طبيعيا أن يجد القلق من المستقبل
متنفسا وراحة له فى وسائل دينية
كالاستخارة والتنجيم لمحاولة
كشف المستقبل الذى يحمل فى
الأغلب أنباء سيئة للناس.
فى العصر المملوكى كان
الاستبداد العسكرى المملوكى على
أشده ، ونزاعات المماليك و فتنهم
العسكرية لا تنقطع ، وكان القتل
بالتوسيط ( أى قطع الضحية نصفين )
شائعا وكانت العقوبات البدنية
قاسية ومصادرات الأموال على قدم
وساق ، وسوط السلطة فظيع وطويل
يصل الى الجميع ويلهب ظهر الجميع
من الشيوخ الى أمراء المماليك
أنفسهم إذا غضب على أحدهم
السلطان.
لذا كان اللجوء الى الاستخارة
امرا شائعا فى حالات المحن و
المنح على السواء ، فى النعمة و
النقمة ، حيث كانت النفوس
المرتعشة تتوقع السىء غالبا.
3 ـ ونعطى بعض الأمثلة من بين
سطور التاريخ المملوكى عن
الاستخارة بفتح المصحف.
*فالإمام " ابن تيمية " كان
معتقلاً في القاهرة أثناء محنته
, وتقرر نفيه إلى الإسكندرية ,
فقام بعمل الاستخارة المعروفة
وقتها, وهى فتح المصحف , وقراءة
أول آية يقع عليها بصره, فكانت
أول آية قرأها قوله تعالى : (وَاصْبِرْ
وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ
وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ
وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا
يَمْكُرُونَ ) ثم فتح المصحف
ثانياً واستخار فقرأ قوله تعالى
: (وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا
يَشْعُرُونَ فَانظُرْ كَيْفَ
كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ
أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ
وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ) ثم
استخار ثالث مرة فقرأ في المصحف
:( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ
وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء
عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء
بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا
سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا
مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا
سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم
مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ..)
فاطمئن قلبه, ورضي بالنفي
للإسكندرية ، كما لو كان فى يده
الاختيار أو الاعتراض ..
هذه الرواية ذكرها ابن برهان
الدين " أحد رفاق "ابن تيمية"
فى محنته ، والذي كتب تاريخا "
لابن تيمية " لا يزال مخطوطا
تحت عنوان " تكسير الأحجار
التي افتتن بها أهل الجهل
والاغترار". وهو هنا يحكى
تاريخا كان شاهدا عليه .
والواضح أن " ابن تيمية" كان
يلجأ للاستخارة في محاولة للكشف
عما سيحدث له في المستقبل, وطبقا
لما يقوله رفيقه " ابن برهان
الدين" كان يستخير بفتح
المصحف, وتقع عيناه على ما يطمئن
اليه قلبه من الآيات , ويفسر
المعنى حسب ما يريد , وهذا ما كان
سائدا في العصر المملوكي , وتأثر
به ابن تيمية نفسه ، وهو الذى ثار
على الصوفية فى عصره فطورد وتعرض
للمحاكمة والسجن، إلا أنه كان
مؤمنا بالتصوف السنى ، ولذلك قصر
هجومه على متطرفى الصوفية دون ان
يهاجم التصوف نفسه ، أو الصوفية
السنيين المعتدلين . ومن هنا كان
تأثر ابن تمية بالتصوف السنى و
اقتناعه بجدوى الاستخارة بطرقة
فنح المصحف ، وهى طريقة مهذبة
للتوسل الى الوصول للوحى الالهى
بطرق غير مباشر ، أى كأن الله
تعالى يخاطبه بطريقة ضمنية. ومن
هنا فلم تكن الاستخارة إلا مجرد
خطوة مهذبة في طريق الشعوذة
الدينية والدجل الدينى حين
يحترفها الشيوخ من مدعى العلم
اللدنى و الكرامات و علم الغيب ـ
أو (الكشف ) بالمصطلح الصوفى.
* وإذا تركنا عصر "ابن تيمية"
الذي توفى (سنة 728هجرية) وانتقلنا
إلى عصر الإمام "ابن حجر
العسقلاني" المتوفى" ( سنة
852 هجرية) نجده يحكي واقعة طريفة
عن الاستخارة في كتابين له ، هما
(إنباء الغمر فى أبناء العمر ) و (الدرر
الكامنة فى أعيان المائة
الثامنة )، وتقول الواقعة
التاريخية إن الشيخ "
الأبناسي" المشهور بالعلم
والصلاح رشحه السلطان المملوكي
"برسباي" لمنصب القضاء الذي
يتنافس عليه كل الشيوخ , وكان من
عادة الشيخ "الأبناسي" أن
يستخير بطرقة فتح المصحف ,
فاستخار, وفتح المصحف, فقرأ قوله
تعالى : (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا
يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ) , فأرتعب
وأطبق المصحف وهرب من بيته وظل
مختفيا عن الأنظار حتى عينوا
شيخا بدلا منه , فعاد إلى بيته
وكان ذلك (سنة 782 هـ) وتوفى "
الأنباسي" ( سنة 802 هـ).!! وهنا
نجد الامام ابن حجر يحكى واقعة
تاريخية كان معاصرا لها.
والمهم أن الشيخ الأبناسى هنا
ليس فقيها حنبليا متشددا مثل ابن
تيمية ، ولكنه فقيه عادى صوفى
سنى ، ووقع مثل ابن تيمية فى فخ
الاعتقاد فى الاستخارة .
* ويذكر المؤرخ ابن الصيرفي فى
تاريخه (إنباء الهصر فى أبناء
العصر ) واقعة مماثلة تقريباً
للشيخ " ابن نصر الله" فقد
جاءه منصب سياسي هائل , هو أن
يكون " استادار" السلطان (أي
مشرفا على شئونه في القلعة) ,
ولكن الشيخ تمهل في قبول المنصب
إلى أن يستخير .. وفتح المصحف,
ورأى ما يشجعه على قبول المنصب
فتولاّه , وكان ذلك سنة 835هـ .
والمؤرخ القاضى ابن الصيرفى ذكر
فى تاريخه السابق أحداث عصره
بنفس الطريقة التى كتب فيها ابن
حجر أحداث عصره ، لذا سار ابن
الصيرفى على نهج استاذه فى عنوان
الكتاب ، فأسمى تاريخه (إنباء
الهصر فى أبناء العصر ) على منوال
تاريخ ابن حجر (إنباء الغمر فى
أبناء العمر )
4 ـ والطريقة المشهورة للاستخارة
منذ العصر العباسي, تم تقعيدها ـ
كالعادة ـ في صناعة أحاديث
منسوبة للنبي صلى الله عليه وسلم
وبطرق مختلفة من الأدعية
والصلوات, فى إطار الدين السنى ،
فلما حلّ دين التصوف السنى فى
العصر المملوكى أصبحت الاستخارة
أشهر الطرق فى معرفة المستقبل و
محاولة استكشاف الرأى الصحيح ،
ومحاولة الكشف عن الغيب, وتلاشت
بهذا الفوارق بينها وبين
التنجيم وطرق النصب الأخرى, مثل
فتح المندل وورق الكوتشينة .
والطريف أن العصر المملوكي شهد
نماذج لكل أنواع الشعوذة ,
الخفيف منها والثقيل . ونقتطف
منها حادثة تعبر عن التحول من
الاستخارة العادية إلى مرحلة
أخطر وهي إدعاء علم الغيب
بالتنجيم.
فالأمير المملوكي "قرقماس "
كان حاكم الشام نائبا فى دمشق عن
السلطان المملوكي " المؤيد
شيخ" حيث كانت الدولة
المملوكية تسيطر على مصر و الشام
والحجاز وأجزاء من العراق وآسيا
الصغرى. كان قرقماس نائب السلطان
فى الشام يحظى برضا السلطان عنه,
ثم حدث فى القاهرة تنازع على
السلطة بين السلطان " المؤيد
شيخ" ومنافسه الأمير "
نوروز" وتحاربا ، وكان لابد
للأمير "قرقماش" أن يحدد
موقفه وهو نائب الدولة
المملوكية في حكم الشام, هل يبقى
على ولائه للسلطان الشرعي
المؤيد شيخ, أم ينضم للأمير
الثائر القوي نوروز ؟!
ولجأ الأمير الحائر إلى
الاستخارة, وكانت لديه طريقة
عجيبة, إذ حصل على "لوح"
خشبي من الشيخ الصوفى "نصر
الجلالي" المشهور بالولاية
الصوفية ، وهذا "اللوح" (المبارك)
مشهور عنه أن من أراد الاستخارة
فليس عليه إلا أن يعلق ذلك اللوح
في قبلة المسجد ثم يصلي ووجهه
إلى ذلك اللوح الخشبي , وبعد أن
يتم صلاة الاستخارة ودعاء
الاستخارة ينظر إلى اللوح
والهواء يحركه, فإذا تحرك إلى
جهة ما كانت هي جهة الخير. ونفذ
الأمير قرقماس التعاليم الخاصة
باستعمال (اللوح المقدس ) واتبع
الأمير "قرقماس"مشورة "اللوح"
.. وكانت نهايته الهزيمة و القتل
..!
هنا في هذه الحادثة تحولت
الاستخارة إلى استجداء علم
الغيب من لوح خشبي, وأكثر من هذا,
تنصيب ذلك اللوح صنماً يتوجه
إليه طالب الاستخارة بالصلاة,
وأهمية هذا اللوح أنه مستعار من
شيخ مشهور بالعلم والصلاح, إذن
هو تدهور خطير في العقيدة وفي
العقلية أيضا يتناقض مع عقيدة
الاسلام ، ولكنها من معالم دين
التصوف السنى .
وإذا رجعنا للقرآن الكريم وجدنا
في آياته الكريمة حساسية مرهفة
في الابتعاد عن كل تقديس لغير
الله, سواء كان ذلك المقصود
بالتقديس بشرا أم حجرا,وهذه
الدعوة لإخلاص الدين والعبادة
والتقديس لله تعالى وحده تحصر
علم الغيب في الله تعالى وحده,
كما تجعل له وحده التصريف في
العالم بالخوارق والنواميس
الطبيعية . وإذا كان القرآن
الكريم قد أنهى عصر المعجزات
وأكد أن خاتم النبيين عليه
الصلاة والسلام لا يعلم الغيب,
فإنه بذلك قد وسع مجال التحرك
أمام العقل البشري بأن يفكر
ويبحث ويخترع, وما على الإنسان
في سعيه على هذا الكوكب إلا أن
يبذل أقصى جهده في التدبر والعمل,
ثم إذا أحسن العمل فإن الله
تعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً
, أي يكون مطمئناً مستريح البال,
طالما " اشتغل بضمير" ولن
يكون محتاجا إلى استخارة أو
تنجيم أو شعوذة.
5 ـ كما أن وصول الاستخارة إلى
درجة استجداء علم الغيب من لوح
خشبي أزال الفوارق بينها وبين
التنجيم الذي كان في جهالة
العصور الوسطى يعني استجداء علم
الغيب من النجوم ، وهو نوع من
عبادة قديمة للنجوم ،إندثر
معظمها ولكن بقى بعض ملامحها فى (التنجيم
).
وكان التنجيم من هذه المعتقدات
الشعبية الرائجة المسموح بها
دينيا فى ظل دين التصوف السنى ،
حتى لقد كأن ظهور نجم في السماء
مثيراً للتنبؤات, وذلك يتناقض
تماما مع تأكيدات القرآن بأنه لا
يعلم الغيب إلا الله, ولكن سار
العصر المملوكي فى تطبيق دين
التصوف السنى الى نهايته فأصبح
التنبؤ بالنجوم ـ أو تقديسها
ضمنيا ـ من المعتقدات الشعبية
التى عكستها سطور التاريخ
المملوكى ، وهى تسجل أحداث عصرها
يوما بيوم .
ويتضح من الحوليات التاريخية
المملوكية ـ أى الموسوعات التى
كانت تسجل أحداث عصرها سنويا أو
كل حول ـ أن تتكاثر التنبؤات
عندما يظهر نجم لامع في السماء.
وبسبب فرط الاعتقاد فى جدوى
التنبؤ بالنجوم فإن القول
بتصديقها كان يتم بأثر رجعى يقول
به المؤرخ يعكس اعتقاد عصره فى
جدوى التنجيم او علم النجوم
للغيب الالهى . أى أن المؤرخ كان
يفسر الأحداث التاريخية السابقة
التى ينقلها عن مؤرخين سابقين
بأن النجم الذى ظهر وقتها كان
ينبىء مقدما بما حدث فيما بعد ،
ولأن ذلك المؤرخ قد عاش وراى تلك
الأحداث التى حدثت فيما بعد فانه
يفسر الحدث القديم وفق اعتقاده
فى النجوم .
وعلى سبيل المثال فقد ظهر نجم
هائل سنة (783هـ) ـ وربما كان مذنب
"هالي"ـ وأشيع أن ذلك يدل
على مولد سلطان عظيم , يطول زمن
سلطانه , ولم تنطبق النبوءة على
من قيلت من أجله وهو الشاب
السلطان "الأشرف خليل بن
قلاوون ", ولم يكن أحد يتوقع
أنه سيلقى حتفه غيلة بعد أن اجتث
الوجود الصليبي في " عكا" .
وبعدها بقرن من الزمان تقريبا (عام
: 877هـ) كتب المؤرخ ابن بهادر
تاريخه (فتوح النصر ) الذى لا
يزال مخطوطا ـ ونقل عن المؤرخين
السابقين واقعة ظهر النجم عام(783هـ)
ـ ولكن قدم تفسيرا مخالفا إذ قال
إن النبوءة تحققت فى حياة أخ
السلطان الأشرف خليل بن قلاوون ،
وهو الناصر محمد بن قلاوون . كان
هذا ـ طبعا ـ بعد أن عرف المؤرخ
ابن بهادر أن السلطان الناصر
محمد بن قلاوون قد طالت مدته . أى
إن المؤرخ ابن بهادر هو الذى
أعطى التفسير من عنده وادعى أن
ظهور هذا النجم كان يبشر بمولد
سلطانا يدوم ملكه، وأن هذا
السلطان المقصود هو محمد بن
قلاوون و ليس خليل بن قلاوون..
هى نفس العقلية لدى شيوخ وأتباع
الديانات الأرضية المخلصين لها
، والذين يحلو لهم اختراع وتداول
وتصديق خرافات الكرامات و
المعجزات التى تؤله البشر و
الحجر ، ويستمتعون بتسجيلها
والدفاع عنها ، و يكرهون
مناقشتها خشية التشكيك فى
صدقيتها .
ونعود الى تفسير المؤرخين
لأحداث النجوم وفق اعتقادهم فى
علم النجوم للغيب ، ونعطى مثلا
آخر للمؤرخ المشهور "ابن إياس"
الذي أدرك العصرين المملوكي
والعثماني, وسجل أحداث العصر
المملوكي السابقة التى لم
يشهدها ـ نقلا عن المؤرخين
السابقين ، ثم قام بتسجيل أحداث
عصره باليوم والشهر و العام كما
هى العادة فى الحوليات
التاريخية.
وكالعادة أيضا قام بتلوين بعض
الأحداث السابقة التى ذكرها
المؤرخون السابقون المعاصرون
لها بدون تعليق ، فما كان من ابن
اياس وهو يعيد نقلها فى تاريخه
أن قام بالتعليق عليها متأثرا
باعتقاده فى النجوم ، وهو فى
تعليقه يفسر ظهور النجم بأحداث
تاريخية وقعت فيما بعد ،ولم
يدركها المؤرخون السابقون ،
ولكن أدركها ابن إياس فقام
بالتفسير حسب اعتقاده على
اعتبار أن ذلك تأكيد للنجم الذى
ظهر من قبل . .
فقد ظهر نجم آخر سنة 783هـ , ولم
يهتم أحد بتفسير مغزاه, وجاء ابن
اياس بعدها بقرنين ينقل هذا
الحدث ضمن الأحداث الأخرى
السابقة عن المؤرخين السابقين
فى تاريخه "بدائع الزهور"،
ثم ادعى أن ظهور هذا النجم كان
يعني سقوط الدولة المملوكية
البحرية وتأسيس الدولة
المملوكية البرجية .
6 ـ وليس لنا أن نلوم ابن اياس
صاحب الثقافة الدينية المتواضعة
، فالواقع التاريخي يؤكد أن كبار
العلماء والشيوخ والمؤرخين
كانوا أئمة قي الاعتقاد في تلك
الخرافات .
فالمؤرخ " أبو المحاسن "
صاحب تاريخ " حوادث الدهور"
يقول عن نجم ظهر (سنة860هـ) "ونسأل
الله أن يكفينا شره ".
ولهذا لا نلوم النساء إذا أضعن
أموالهن وأموال أزواجهن في
استفتاء المنجمين ومدعي علم
الغيب , وقد ذكر الإمام " ابن
كثير" في تاريخه أن السلطان
أمر باعتقال المنجمين وضربهم
سنة (733هـ) لإفسادهم حال النساء
(!!)
وأيضاً لا نلوم فنانات عصرنا حين
تقع إحداهن ضحية للدجالين ،لأن
للقضية جذورا قديمة، ولأن من
السهولة أن تخدع الناس بالدين.
نقصد الدين الأرضى القائم أساسا
على الخرافة واستخدام الدين
للوصول للثروة و السلطة .
ولهذا لا نعجب من ظهور نجوم جدد
من المحتالين المشعوذين دعاة
الدين الأرضى فى اجهزة الاعلام
من الصحف الى الراديو
والتليفزيون ..فقد سيطرت الأديان
الأرضية على العقول ، وأدخلتها
فى نفق يصعب الخروج منه الا
بالنور القرآنى ..
7 ـ عن النور القرآنى يقول ربى جل
وعلا عن القرآن العزيز : (قَدْ
جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ
وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي
بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ
رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ
وَيُخْرِجُهُم مِّنِ
الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ
بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ
إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) (
المائدة 15 : 16 )
وعن من يتمسك بالنور القرآن يقول
تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا
فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا
لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي
النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي
الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ
مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ
لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ
يَعْمَلُونَ ) ( الأنعام 122 ).
هذا هو الفارق بين أتباع القرآن
و أتباع الشيطان ..