رمضان
بين سطور التاريخ
الجزء الثالث
1 ـ كانت الإصلاحات المعمارية
وإقامة الجسور والكباري لا تنقطع
فى شهر رمضان فى العصر المملوكي ..
ونأخذ على ذلك بعض الأمثلة ..
فى 27رمضان 722 يذكر المؤرخ ابن كثير
أنه اكتملت عمارة الحمام الذي بناه
بهاء الدين ابن عليم بزقاق الماحية
من جبل قاسيون بدمشق بالقرب من
مسكنه ، وقد أنتفع به أهل الناحية
ومن جاورهم .
وفى يوم الاثنين 11 رمضان 811 شرع
الأمير شيخ فى تعمير عدة مواضع
داخل مدينة دمشق وكانت قد خربتها
حروب تيمورلنك ، وألزم الأمير شيخ
بعض السكان بتعمير بيوتهم المهدمة
وشجعهم على بدء حركة تعمير في دمشق.
وقام بعضهم فى رمضان 835 ببعض
إصلاحات فى مكة المكرمة ،" إذ
أجرى العين حتى دخلت مكة بعد ما
ملأت البرك داخل باب المعلاة ومرت
على سوق الليل إلى الصفا وأنتهت
إلى باب إبراهيم ، وساحت من هناك
فعم النفع بها وكثر الخير لشدة
احتياج الناس بمكة وقتها إلى الماء
وقلته أحيانا وغلاء سعره ، والسبب
هو عدم صيانة البئر والعناية بها ،
وأنتهى ذلك بتلك الإصلاحات التي
أقامها بمكة تاجر محب للخير
والإنفاق فى سبيل الله تعالى وهو
سراج الدين عمر بن شمس الدين محمد
بن المزلق الدمشقي".. وبذلك خلد
اسمه فى التاريخ ..
2 ـ ونحن لا نتصور أن مثل هذا التاجر
المحسن قد أرغم الناس على العمل
لديه سخرة فى ذلك العمل الخيري ،
ولكن تسخير الناس فى الأعمال
الخيرية وعمليات الإصلاح كان
سياسة مملوكية ، إذا كان المماليك
لا يستريحون لفكرة دفع أجور للعمال
والعوام أو" الحرافيش " فى لغة
العصر ،والأسهل لديهم أن يأكلوا
أموال الرعية وحقوق العمال ، حتى
لو كان ذلك فى شهر الخير والثواب ..
شهر رمضان .
ففي رمضان 738: أنشأ الناصر محمد بن
قلاوون جسرا على النيل فيما بين
بولاق والزمالك حاليا وربما يكون
موضعه الآن هو موضع كوبري أبو
العلا ،وكان ذلك المكان الذي أقيم
فيه جسر الناصر محمد يسمى حكر ابن
الأثير ، وقد سماه المؤرخ أبو
المحاسن فيما بعد جسر ابن الأثير ..
والسبب فى بناء هذا الجسر أن فيضان
النيل وأمواجه كانت تفيض على شاطىء
بولاق وتحدث أضرارا فى بيوت بولاق
المطلة على النيل ، إلى درجة أنها
هدمت جامع الخطيري فاحتيج إلى
تجديده ، بل وأمر السلطان الناصر
سكان بولاق الذين يطلون على النيل
بعمل الزرابي ، والزرابي هي حوائط
ومصدات للماء يقيمها أصحاب البيوت
القريبة من النيل، ومنها سلالم تصل
ساكني تلك البيوت بالنيل ، وأقام
السكان تلك الزرابي تجاه بيوتهم
ولكن ذلك لم يفد شيئا . وفي النهاية
أمر السلطان بإحضار المهندسين من
الصعيد والوجه البحري وركب
السلطان معهم النيل فى تلك المنطقة
، وتشاوروا فى الحل ، ثم أتفقوا على
حفر خليج فى الجزيرة المقابلة
لبولاق – حيث توجد الزمالك الآن –
ويمتلىء ذلك الخليج بماء النيل ثم
يقام جسر فى وسط النيل يكون سدا
يتصل بالجزيرة ، فإذا زاد النيل
جرى ماؤه فى الخليج وصده السد
وجعله يتراجع إلى الشط الآخر ناحية
إمبابة المقابلة لبولاق .
وأقتنع السلطان بالفكرة ولم يبق
إلا التنفيذ . فأرسل السلطان من
الغد إلى (المشد) فى كل منطقة يجمع
الرجال المسخرين بلا أجرة للعمل ،
وجمعهم المشدون فقطعوا الحجارة من
الجبل ، وقام آخرون بالسخرة أيضا
فيحملون تلك الحجارة ويملأون
المراكب ، وتأتي المراكب المحملة
بالحجارة فيغرقونها بحمولتها فى
المنطقة المراد ردمها حيث الجسر.
وعمل الجميع فى ذلك الجسر سخرة تحت
يد الأميرين أقبغا عبد الواحد
وبرسبغا الحاجب. وأمر السلطان والى
القاهرة بتسخير عوام القاهرة أيضا
فى العمل فكان المماليك يقبضون على
الناس من الشوارع والأسواق
والمساجد والجوامع ويأخذونهم
للعمل تحت لهيب الأسواط وفى نهار
رمضان ، وهرب من أستطاع وأختفى من
أستطاع ..
يقول المقريزي يصف تلك السخرة "
ووقع الإجتهاد فى العمل ،وأشتد
الاستحثاث فيه حتى أن الرجل كان
يخر إلى الأرض وهو يعمل لعجزه عن
الحركة فتردم عليه رفقته الرمال
فيموت من ساعته ، وأتفق حدوث هذا
لخلائق كثيرة جدا ، وأقبغا راكب فى
الحراقة- وهى سفينة حربية – يستعجل
المراكب المشحونة بالحجارة ،
والسلطان ينزل إليهم ويباشرهم
ويغلظ على أقبغا ويحمله على السرعة
واستنهاض العمل حتى أكمل فى مدة
شهرين ".
وأورد المقريزي عدد المراكب التي
أغرقت بحمولتها فى النيل لبناء ذلك
الجسر ، وأورد حمولتها من الحجارة
، ولكن لم يكن لديه حصر بأعداد
الرجال الذين ماتوا فى تلك السخرة
، ولم يكن لديه عدد لأولئك الذين
خرجوا أحياء بعد هذه السخرة ..!!
ورمضان كريم ..!!
3 ـ وبالمناسبة كانت للماليك حيل
عجيبة فى القبض على الناس
واستخدامهم فى التسخير والعمل بلا
أجرة ..
ففي شهر ربيع الأول سنة 877 وفي
سلطنة قايتباي كان المماليك
يقومون ببناء جسر على النيل عند
الجيزة وكانوا كالعادة يريدون
الانتهاء منه بسرعة ، وأعوزتهم
اليد العاملة فلجأوا إلى حيلة
خبيثة لتوفير اليد العاملة بأسهل
طريق ؛كانت القاهرة المملوكية
وقتها تعج بآلاف الفلاحين
الهاربين من السخرة وظلم الولاة
والكشّاف فى بلادهم، فأضيفت
أعدادهم الى آلاف العاطلين من
القاهريين . ولكي يحشدهم المماليك
جميعا ليسخروهم في الحفر فإنهم
جاءوا بشخص بريء وصلبوه على خشبه
ودقوا المسامير فى أطرافه الأربعة
وطافوا به فى شوارع القاهرة ينادون
عليه : هذا جزاء من يقتل النفس التي
حرمها الله ، فأجتمع الناس للتفرج
عليه وساروا خلفه بالآلاف إلى أن
انتهت المظاهرة عند موضع الحفر حيث
تكامل العدد المطلوب للحفر، فقبض
المماليك على الجمهور وسخروهم في
العمل ..
4 ـ وقبل النهاية نذكر بكل أسى إن
عصر المماليك الذى شهد أقسى أنواع
الظلم هو نفس العهد الذى عاش تطبيق
الشريعة ، ليس الشريعة الاسلامية
ولكن شريعة الدين السنى.
ونذكر أيضا ـ وبأسى أعظم ـ أن
السخرة ظلت تسود مصر فى تنفيذ
المشروعات الكبرى، وأحيانا بناء
المساجد والقصور للأمراء المماليك
فى الدولة المملوكية والعصر
العثمانى وعصر محمد على . ثم أراد
الخديوى سعيد باشا ان يطبقها فى
حفر قناة السويس ولكن المهندس
الفرنسى ديليسبس المشرف على
المشروع اشترط فى العقد دفع أجور
للعمال المصريين ، ولم نعرف هل تم
تنفيذ ذلك أم ظل حروفا على الورق.
ونذكر بكل ما فى العالم من أسى أن
السخرة عادت بطرق ملتوية تعتصر
حيوية العمال المصريين ، فى الداخل
؛ مثل تسخير جنود المراسلة والمن
المركزى فى خدمة الضباط ، والاجحاف
بحقوق العمال فى المصانع المصرية ،
وتدنى أجور العاملين فى القطاع
العام والحكومة ، وخصوصا فى أشرف
مهنة ، وهى التعليم والتدريس..
وبالتالى لا يحق لنا أن نتعجب
كثيرا من استعباد المصريين فى دول
الخليج تحت مسمى ( الكفيل ) .
5 ـ وفى النهاية نتذكر قوله جل وعلا
(وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ
غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ
الظَّالِمُونَ إِنَّمَا
يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ
فِيهِ الأَبْصَارُ مُهْطِعِينَ
مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ
يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ
وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء
وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ
يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ
فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ
رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ
قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ
وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ
تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن
قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ
وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ
الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ
وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ
فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا
لَكُمُ الأَمْثَالَ) ( ابراهيم 42 ـ )
---------------------------------------------
قبل أن نتعرض
لصيام حواء فى العصر المملوكي
نتوقف قليلا مع قوام حواء
المملوكية . هل ينتمي إلى فصيلة
غصن البان ، أم فصيلة الجميز ؟إن
الصور المرسومة للعصر المملوكي
على قلتها ـ تظهر فيها بعض
الفتيات النحيفات ، ولكن ذلك ليس
مقياسا ، المقياس فى نوعية الأكل
، وهذا ما نعرفه مما أورده
الفقيه ابن الحاج فى كتابه "
المدخل " الذي ينتقد فيه مظاهر
الحياة الاجتماعية فى العصر
المملوكي من وجهة نظره كفقيه
ناقم يحاول اصلاح عصره من وجهة
نظر فقهية صوفية ..
ونأخذ من كتابه إشارة هامة ، إنه
ينتقد الجزارين ويقول : إن بعضهم
كان يغش اللحم ، فإذا كانت
الذبيحة قليلة الشحم فإنه يجعل
معها شحم غيرها لكي يرغب الناس
فى شراء اللحم لكثرة الدهن فيه،
أى أن المفهوم عند الناس فى
العصر المملوكي كان رفض اللحم
الأحمر ( البروتين ) ويفضل عليه
الدهون واللحم الأبيض السمين ..
وكان ذلك عاما فى الرجال والنساء
. وبالتالي فإن القوام الأنثوي
كان يميل للسمنة .. وذلك مجرد
استنتاج .
أما الدليل الحاسم فهو ما أورده
ابن الحاج من معلومات غريبة عن
حواء المملوكية تحت عنوان عجيب
يقول " فصل فيما يتعاطاه بعض
النسوة من أسباب السمن ".
يقول إن بعضهن " اتخذن عادة
مذمومة ، وهى أنها قبل النوم
وبعد طعام العشاء تأخذن لباب
الخبز وتجعله ثريدا تضيف إليه
أشياء أخرى ، ولأنها لا تستطيع
ابتلاعه بعد شبعها فترغم نفسها
على ابتلاعه بالماء .. وربما تعود
إلى تجرع نفس الوصفة بعد النوم
وقبل الفجر .."
ويحكى ابن الحاج أن بعضهن كن
يتعاطين وصفة بلدية تجعلهن أكثر
سمنة ، وهى أكل الطين والطفلة
الطينية مع بعض أدوية من العطار
.. حتى يقل شبعها ويكثر التهامها
الطعام ويزيد وزنها وتصبح أجمل
الجميلات وفق مقياس العصر
المملوكي ..
وقد أدى هذا الشحم الزائد إلى
ظهور نماذج فريدة من المرأة
المملوكية كان بعضهن لا تستطيع
أن تتوضأ أو تغتسل لأن ذراعيها
أقصر من أن تصل إلى مواضع
الطهارة ،وكانت إحداهن لا
تستطيع الصلاة وهى قائمة فتضطر
للصلاة جالسة ..
وبالتالي كان صوم رمضان فريضة
ثقيلة عليهن لذلك استنكر ابن
الحاج أن بعضهن ـ وبعضهم ـ كان
يفطر فى نهار رمضان جهارا.. لأن
البدانة فى العصر المملوكي كانت
عادة سيئة للرجل والمرأة ..
وأصبح من العادات المذمومة ـ
فيما يحكيه ابن الحاج ـ أن
النساء البدينات يفطرن فى شهر
رمضان حتى لا يفقدن بعض سمنهن ،
وامتد ذلك إلى الفتيات الأبكار ،
إذ كان أهلهن يرغموهن على
الإفطار فى نهار رمضان " خيفة
على تغير أجسامهن عن الحسن
والسمنة " بتعبير ابن الحاج
الذي يربط الحسن بالبدانة
والسمن .
وبعض النساء كن يحافظن على صيام
رمضان ، ومع ذلك فلم يسلمن من
انتقاد ابن الحاج .. فبعضهن كانت
إذا أتتها العادة الشهرية فى
رمضان فإنها تصوم ولا تفطر ، ثم
لا تقضى تلك الأيام التى كانت
فيها حائض ، ويعللن ذلك بأنهن
يصعب عليهن الصوم أو قضاء الصوم
فى أيام الإفطار حين يأكل الناس
وهن يصمن .
وبعضهن فى أيام الدورة يفطرن
ثلاثة أيام فقط ، ويصمن المدة
الباقية حتى مع استمرار الدورة ،
بل إن ابن الحاج ينتقد النساء
اللائي يصمن مدة الحيض ويقضين
المدة صياما أيضا . ويراهن آثمات
ومنهن من يفطرن فى تلك الأيام
ولكن يكتفين فى الإفطار بتمرة أو
أقل القليل من الطعام ، أى كأنها
صائمة ، وذلك تجويع وتعذيب لا
مبرر له .
ومن المفيد أن نذكر أن الفقه
التراثي جرى على اعتبار الحيض من
الأسباب التى توجب الإفطار فى
رمضان ، ويتعين قضاؤه .. إلا أن
القرآن يحصر الأعذار التى تبيح
الفطر فى رمضان فى شيئين فقط
وهما السفر والمرض " فمن كان
منكم مريضا أو على سفر فعدة من
أيام أخر " وللمريض والمسافر
أن يصوم إذا استطاع لأنها مجرد
رخصة ، والله تعالى يقول " فمن
تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا
خير لكم " .. " البقرة 184 " .
إن الوضوء شرط فى الصلاة ، لذلك
فإن الحيض يقطع الوضوء فقط ، ولا
بد من الاغتسال والتطهر .. أما
الصيام وباقي فرائض الإسلام من
حج وزكاة وقراءة القرآن فليست
الطهارة شرطا فيها ، وعليه فإن
على الحائض ـ وفقا لتشريع القرآن
ـ أن تصوم .وقد نتعرض لهذا
بالتفصيل فى باب التأصيل .
ونعود إلى ابن الحاج وانتقاده
لصيام حواء فى العصر المملوكي ..
وهو يستنكر قيام بعضهن بالصوم فى
رمضان ولكنهن يتركن الصلوات
الخمس بدون عذر شرعي ، ويقول : إن
بعضهن اعتدن ترك الصلاة ويعتقدن
أن الصلاة لا تجب إلا على النساء
المتقدمات فى السن ، فإذا نصحتهن
أحد بالصلاة تقول : أعجوزا
رأيتني !! يقول ابن الحاج "
فكأن الصلاة ليست بواجبة على
الشابة .."
ولقد كان صوم رمضان فى العصر
المملوكي ـ ولا يزال ـ عادة
اجتماعية مرتبطة بالسهر
والمواسم الدينية وإحياء
الليالي فى الأضرحة ولدى
الأولياء مع الأطعمة المشهرة
والسحور ومدفع الإفطار ورؤية
الهلال ..
لذلك فإن من اعتاد إهمال الصلاة
نراه متمسكا بعادة الصوم فى
رمضان .. وذلك ما استنكره الفقيه
ابن الحاج على من يصوم ولا يصلى .
ولا يزال بعضنا يصوم ـ كعادة
اجتماعية ـ بدليل أنه لا يصلى .
هل نحتاج للفقيه ابن الحاج فى
عصرنا؟
----------------------------------------------------------
8 ) تجارة العملة فى رمضان
المملوكي
*لم تختلف النقود المملوكية عن
غيرها من حيث التقسيم المعهود :
الدنانير الذهب ، والدراهم
الفضة والفلوس النحاس . إلا أن
النقود المملوكية تختلف عن
غيرها فى أنها شهدت متغيرات شتى
فى العيار والوزن والحجم خصوصا
في الدينار الذهبي الذي هو قاعدة
النقد ، بالإضافة إلى تعويم
الدينار وخضوعه للعرض والطلب ،
والأخطر من ذلك هو فوضى النقد
التي أحدثها جشع المماليك
ورغبتهم في الربح على حساب ثبات
سعر العملة ثم دخول المزيفين أو
الزغلية إلى ميدان سك النقود ،
ومع أن السلطات المملوكية كانت
تقف بالمرصاد لأولئك الزغلية
وتقطع أيديهم أحيانا – إلا أن
بعض المماليك كان يشارك في عملية
التزييف ابتغاء الربح .
ولم يلحق التغيير فى الوزن
والعيار والحجم الدينار الذهبي
المملوكي وحده وإنما تعدى ذلك
إلى الدرهم الفضى الذي لم يعد
يدل على النقود الفضية الخالصة
وإنما وصل به التغيير إلى أنه
أصبح مدلولا هلاميا بين الفضة
والنحاس ، ولحقته شتى الأسماء
حسب اسم الذي يصدره أو حسب مكان
السك أو حسب طبيعة الدرهم وحالته
وقيمته . وأصبح ذلك التغير سمة
أساسية فى الدراهم التى ظهرت فى
الدولة المملوكية البرجية ، حيث
التضخم والغلاء وجشع المماليك
والاضطرابات الاقتصادية
والمجاعات والأوبئة . وقد ضرب
السلطان برقوق " الذى أسس دولة
المماليك البرجية" الدراهم
الظاهرية سنة 789 كما ضرب الأمير
نوروز دراهم نوروزيه في دمشق سنة
815 وضرب السلطان شيخ الدراهم
المؤيدية سنة 818 وضرب منها أجزاء
أهمها النصف المؤيدي ، ثم ما لبث
أن أصبح الدرهم المؤيدي نصف
مؤيدي سنة 825 ، وكانت قيمة الدرهم
المؤيدى 18 درهما من الفلوس ،
وأصبح النصف المؤيدى يساوى تسعة
من الدراهم الفلوس ، إذ أصبح
هناك خلط بين الدرهم الفضة
والدرهم الفلوس ، وتتغير قيمة
أحدهما بالنسبة للآخر تبعا
لاضطراب العملة واضطراب الحياة
الاقتصادية فى ذلك الوقت . لذا
أصبح من الضروري على كل من يبيع
شيئا أن يحمل ميزانا لوزن النقود
عند بيع العملات ، وأصبح من
الألفاظ المعهودة أن يقال أن (
فلانا وزن كذا ) أى دفع كذا .. أي
لجأوا للميزان حيث انعدمت الثقة
فى العملة ..
والمؤسف أن تجارة العملة فى
الدراهم الفضية شهدت نوعا من
التناقص بسبب غلبة الدراهم
النحاسية عليها حتى أصبحت
الدراهم الفضة في معرض
المزايدات بينما امتلأت الأسواق
بالدنانير والفلوس النحاسية أو
الدراهم النحاسية .
وفي الوقت الذي عانى فيه الدينار
المملوكي من التغير فى الوزن
والعيار والحجم مع عدم الدقة فى
الصنع فان الدينار الأفرنتي كان
أفضل منه فى جميع الحالات وكان
سيد العملات الأجنبية فى
الأسواق المملوكية ، والدينار
الأفرنتي هو تلك العملة الذهبية
التى قرر مجلس شيوخ البندقية
إصدارها فى 31 أكتوبر سنة 1284 أي فى
عهد السلطان قلاوون ، وانتشرت فى
أوروبا باسم الدوكات (Ducat) بينما
عرفت فى الدولة المملوكية
بأسماء شتى منها : البندقي ،
الدنانير المشخصة لما عليها من
صور ، والأفرنتى وهو أشهر
أسمائها . ويشير المقريزي فى
تاريخه السلوك إلى انه منذ سنه 800
هـ كثر تداول الدينار الأفرنتى
وأصبح هو الدينار المطلوب فى
التعامل ، مما ترتب عليه أن
تسربت كميات من الذهب من الدولة
المملوكية إلى البندقية لتسك
منها تلك العملة الأفرنتية .
وكان من الطبيعى أن تفوز
الدنانير البندقية فى الأسواق
المملوكية بما فيها من دقة الصنع
والوزن الثابت (3.45 جراما )
والعيار المرتفع ، وذلك فى مقابل
دينار مملوكى هزيل ليس له عيار
ثابت أو قطر محدد ، ثم هو دائم
التغير فى الوزن ، لذا كان من
السهل على التجار فى سوق العملة
استلام الدينار الأفرنتى بالعدد
دون حاجة إلى وزن ، أما الدنانير
المملوكية فكان لابد من وزنها ثم
قد يضطر أحدهم إلى إضافة قطع
ذهبية أخرى لعلاج النقص فيها .
وكان من المعتاد أن تسك النقود
النحاسية ( الفلوس ) لتقوم مقام (
الفكة) الصغيرة فى نفقات البيوت
وشراء الخضروات وغير ذلك ، وكان
الدرهم يساوى 24 فلسا فى بداية
الدولة المملوكية . ثم ضرب
السلطان كتبغا فلوسا خفيفة
الوزن ، وزنة الفلس الواحد يساوى
وزن الدرهم الفضى ، والرطل من
هذه الفلوس يساوى قيمة الدرهمين
من الفضة ، وبدأت بذلك حكاية
الوزن فى العملات . ولم يتقبل
الباعة فكرة الوزن مما جعل
الدولة تضرب بعضهم لترغمهم على
قبول تلك الفكرة ، ثم ضرب
السلطان الناصر محمد فلوسا
جديدة وقد حلت محل الفلوس
الخفيفة التي أصدرها كتبغا التي
تم جمعها من السوق .
ولما جاءت الدولة البرجية أنتشر
الفساد فى سك الفلوس النحاسية
أسوة بمنظومة الفساد الذى
استشرى فى كل شىء ، وعهد السلطان
برقوق أول سلطان برجى إلى محمود
الأستادار ضرب الفلوس فخلط
النحاس بالحديد والرصاص ليحصل
على المزيد من الربح ، وتكاثرت
تلك الفلوس وسيطرت على الأسواق
وطردت العملات الجيدة ، وكانت
الدولة تستورد النحاس من أوروبا
لتسكة عملات فلوسا ، بل وكانت
ترغم الناس على بيع ما بأيديهم
من العملات النحاسية السابقة
والتى تحتوى على النسبة الأكبر
من النحاس ، وتشتريها منهم بسعر
رخيص ، ثم تدخلها دار السك فتخرج
عملة جديدة أقل قيمة ولكن أعلى
سعرا ويستفيد السلطان
والأستادار من ذلك الفرق بينما
يخسر الناس
كان ذلك هو حال العملة المملوكية
..
فهل كان لرمضان تأثيرة الإيجابى
على مسئولى الدولة بحيث يجعلهم
يرجعون للحق والعدل ؟ والجواب
بالنفى . فالمماليك كانت لهم
فلسفتهم الخاصة فى أستمرار
الظلم مع بناء المؤسسات الدينية
التي لا تزال شامخة حتى الآن وهم
يرون أن ذلك يكفر عنهم مظالمهم ..
ومن هنا فقد أستمرت سياستهم
النقدية فى رمضان أسوة بغيرة من
الأشهر . ونأخذ على ذلك بعض
الأمثلة ..
يذكر المقريزي أنه في يوم
الأربعاء 6 رمضان 811 صدر النداء
بالقاهرة ألا يتعامل أحد بالذهب
وهددوا من يبيع بالذهب ، وأستدعى
الأمير جمال الدين جميع التجار
وكتب عليهم تعهدات بذلك فنزل
بالناس ضرر عظيم – على حد قول
المقريزي –لأن النقد الرابح هو
الذهب وبه كان يتعامل جميع الناس
، وصدر النداء أيضا بمنع
المصنوعات الذهبية والمصوغات
فأستمر الحال على ذلك أياما ، ثم
نودى فى 21 رمضان بأن يتعامل
الناس على أن يكون كل مثقال
بمائة وعشرين درهما وأن يكون
الدينار المشخص ( البندقى ) بمأئة
درهم ، وترتب على ذلك أن أحتفظ
الناس بالذهب فأرتفعت الأسعار
إرتفاعا كبيرا
فالدولة المملوكية كانت تعانى
من نقص فى الذهب بسبب إحتكار
السلاطين لتجارة التوابل
لأنفسهم ، وتلك قصة أخرى – مما
أدى إلى ظهور نظام المقايضة فى
التجارة بين المماليك والبندقية
، ولتعويض هذا النقص فى الذهب –
فى الداخل كانت تلك المحاولة
التى حكاها المقريزي . وقد تكرر
ذلك يوم الخميس 15 رمضان 829 فى عصر
السلطان برسباي أثناء زيادة
الصراع الحربى مع القراصنة
الفرنجة ، إذ نودي بمنع الناس من
التعامل بالدنانير الافرنتية
ولا بد من إحضارها إلى دار الضرب
حتى يعاد سبكها وتهدد من يخالف
ذلك ، يقول المقريزي إن الناس لم
يأبهوا لهذا النداء لقلة ثبات
الولاة على قرارتهم ، وكثرة
القرارات .
ونتعرف على أسعار العملات في
رمضان المملوكي في سنوات مختلفة
: ففي رمضان سنة 803 ( فى بداية
الدولة البرجية ) يحكى المقريزي
أن أحوال الناس توقفت بسبب الذهب
حيث بلغ سعر الدينار البندقى
الأفرنتى 39 درهما من الفلوس فى
السعر الرسمى عند الصيارفة
بينما هو عند الناس 38 درهما
فتناقص حتى وصل 35 درهما ، أى أن
الدولة كانت تجمع دنانير
البندقية بأعلى سعر .
وإذا وصلنا إلى رمضان 806 وجدنا
سعر الدينار الأفرنتى قد وصل إلى
70 درهما ، ثم إذا قفزنا إلى 9
رمضان سنة 819 فى سلطنة المؤيد شيخ
وجدنا الدينار الأفرنتى قد وصل
إلى 230 درهما ، وصدر النداء بعدم
الزيادة فى سعره بعد أن أكتسح
الدينار البندقى إمامه الدرهم
المؤيدي الذي أصدره السلطان ،
وهدد السلطان من يعصى هذا النداء
، ويقول المقريزى انه كثر الغبن
من انحطاط النقود وتغيرها مع
ثبات السعر ، أى التضخم ،
فالعملة الأجنبية يزداد سعرها
كل يوم والأسعار تتضاعف
والعملات المحلية تتناقص قيمتها
..
وكان الحال فى الفلوس النحاسية
أسوأ وهى العملة السائدة فى ذلك
العصر ، ففى رمضان 807 تنازع
المماليك فى دمشق فكثرت بها
مصادرة الأموال وغلت الأسعار
بسبب كثرة التغيير فى النقود
النحاسية التى كثرت وصغر حجمها ،
وتأخذ الدولة الفلوس القديمة
بأرخص الأسعار ويعاد ضربها
مزيفة بأغلى الأسعار ، وفى ذلك
الوقت بلغ سعر الدينار البندقى 70
درهما .
وفى رمضان 811 كان الأمير شيخ
واليا على الشام فأصدر فلوسا كل 6
منها بثمن درهم وترتب عليها كما
يقول المقريزى أن شمل الضرر أهل
مصر والشام ...
وفى 28 رمضان 826 جمع السلطان
برسباى التجار والصيارفة بسبب
الفلوس النحاس فقد صدر سعر جديد
للفلوس النحاسية كان منخفضا عن
قيمة النحاس الموجود بها فجمعها
التجار من أيدي الناس وصهروها
وصنعوا منها الأوانى النحاسية
وفصلوا منها بقية المعادن كل
منها على حدة وأستعملوها فيما
تصلح له ، وبعضهم صدرها إلى
الحجاز واليمن والمغرب .. وبلغ
سعر القنطار من تلك الفلوس 800
درهما ، وربحوا منها كثيرا ،
لذلك عزف الناس عن التعامل بها
وفضلوا بيعها للتجار الذين
يجمعونها بأعلى من سعرها الرسمى
الذى حددته الدولة . وترتب على
ذلك أن توقفت أحوال الناس ، فلما
أجتمع السلطان بالتجار
والصيارفة أستقر الرأي على أن
تكون الفلوس المنقاة بتسعة
دراهم الرطل بدلا من سبعة . وصدر
النداء بعدم التعامل بغير ذلك ،
ومن صدر شيئا منها للخارج عوقب
...!!!
وأخيرا ..
هل تغير الحال فى مصر المعاصرة
عن مصر المملوكية؟
-----------------------------------------
مجاعة فى رمضان
سنة 595هـ في مصر الأيوبية!!
هذه مقالة تبعث على التألم
لأنها تصف تاريخاً وقع، ولكن في
التألم عبرة وعظة . ولذا نكتب
التاريخ .
في هذه السنة يئس الناس من زيادة
النيل فارتفعت الأسعار وانتشر
القحط فهرب الفلاحون للمدن ،
وهرب كثيرون إلى الشام والمغرب
والحجاز واليمن وتفرقوا في
البلاد ، ودخل القاهرة كثيرون
اشتد بهم الجوع حتى إذا جاء
رمضان سنة 595هـ كانت المجاعة على
أشدها والمآسي التي تحدث بسببها
لايصدقها عقل،ولولا أن فيلسوفاً
حكيماً كان في القاهرة في ذ&aacutute;ك
الوقت وقص ما شاهده وهو معروف
بصدقه واتزانه ــ لولا ذلك ــ ما
صدق القارئ ما كان يحدث في رمضان
595هـ وما بعده ..
*تصادف أن كان في القاهرة
الفيلسوف الطبيب / عبد اللطيف
البغدادي وشهد تلك المجاعة
،فكتب عنها وعن مشاهداته في مصر
كتابه القيم "الإفادة
والإعتبار في الأمور المشاهدة
والحوادث المعاينة بأرض مصر"
وكما يدل العنوان فقد استقى
الحوادث مما رأى ومما سمع فكان
كتابه وثيقة حية تنبض بالصدق
المر والواقعية المفجعة..
*يقول " واشتد بالفقراء الجوع
حتى أكلوا الميتات والجيف
والكلاب والبعر والأرواث ،ثم
تعدوا ذلك إلى أن أكلوا صغار بني
آدم فكثيرا ما يعثر عليهم ومعهم
صغار مشويون أو مطبوخون فيأمر
صاحب الشرطة بإحراق الفاعل لذلك
والآكل ، ورأيت صغيراً مشوياً في
قفة وقد أحضر إلى دار الوالي
ومعه رجل وإمرأة زعم الناس أنهما
أبواه فأمر بإحراقهما .."
*ثم يأخذ عبد اللطيف البغدادي في
وصف مشاهداته المروعة فيقول "
ووجد في رمضان وبمصر رجل وقد
جردت عظامه عن اللحم فأكل وبقى
قفصاً كما يفعل الطباخون بالغنم..
ولقد رأيت إمراة يسحبها الرعاع
في السوق ظفروا معها بصغير مشوي
تأكل منه ،وأهل السوق ذاهلون
عنها ومقبلون على شئونهم وليس
فيهم من يعجب لذلك أو ينكره ،
فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلا
لكثرة تكرره على إحساسهم حتى صار
في حكم المألوف الذي لا يستحق أن
يتعجب منه، ورأيت قبل ذلك بيومين
صبياً نحو الرهاق مشوياً وقد أخذ
به شابان أقرَا بقتله وشيِّه
وأكل ْ بعضه .." .
*ويحكي عبد اللطيف البغدادي
أقاصيص مزعجة في هذا السياق
وكلها تدور حول فقراء جوعى من
رجال ونساء وقد انتشروا في شوارع
القاهرة يخطفون الصغار
ويأكلونهم ، وقد أصابهم الجوع
بالسعاروالجنون، وأنه إذا عوقب
أحدهم بالحرق ما لبث أن يأكله
الآخرون..!! .
ويقول تلك العبارة المؤلمة "
ثم فشا فيهم أكل بعضهم بعضاً حتى
تفانى أكثرهم ، ودخل في ذلك
جماعة من المياسير والمساتير،
منهم من يفعله احتياجاً ومنه من
يفعله استطابة".
ثم يحكي عن الحيل التي كان
يخترعها بعضهم للإيقاع بالناس
وأكلهم .. ويقول أن الوالي حكي له
أن إمراة دعيت إلى وليمة فوجدت
لحماً كثيراً فاسترابت في الأمر
وسألت بنتاً صغيرة من المنزل
سراً عن ذلك اللحم فقالت:إنها
فلانة السمينة دخلت لتزورنا
فذبحها أبي وها هي معلقة.. فهربت
السيدة إلى الوالي فهجم على
المنزل ولكن هرب صاحب البيت .
ويروي من الغرائب أن إحدى النسوة
الأثرياء كانت حاملاً وكان
جيرانها من الصعاليك فكانت تشم
عندهم رائحة طبيخ فاشتهت منه كما
هي عادة الحبالى فأكلت منه
وأحبته وعرفت منهم أنه لحم آدمي
فأدمنته وصاروا يتصيدون لها
وغلبها السعار ، واكتشف أمرها في
النهاية فحبست وأرجئ قتلها
احتراماً لزوجها الغائب حتى تضع
حملها..
*ويقول عبد اللطيف البغدادي أنه
يحكي ما يشاهده دون قصد، وأن ما
رآه أكثر مما يحكيه وأنه كثيراً
ما كان يفر مما يرى من بشاعته.
ويقول إن المضبوطات في بيت
الوالي كانت تشتمل على كوارع
ورءوس آدمية وأطراف مطبوخة في
القمح وغيره، ويقول وكثيراً ما
يدعي بعضهم أنه يأكل ولده او
زوجه أو حفيده ولئن يأكله هو خير
من أن يأكله غيره !! .
ويقول ومما شاع أيضا نبش القبور
وأكل الموتى وبيع لحمهم، وهذه
البلية وجدت في جميع بلاد مصر من
أسوان وقوص والفيوم والمحلة
والاسكندرية ودمياط وسائر
النواحي .
وتحدث عن قطع الطريق وقتل
المسافرين وعن موت الفقراء في
الطرقات والجثث العائمة في
النيل ، وخلو القرى والمدن من
السكان ، وتحدث عن بيع الأولاد
والبنات بدراهم معدودة ،حتى
تباع الفتاة الحسناء بدراهم ،
ويقول أنهم عرضوا عليه فتاتين
مراهقتين بدينار واحد ، وأنه رأى
فتاتين إحداهما بكر يُنادى
عليهما باحدى عشر درهماً ، وقد
سألته إمرأة ان يشتري إبنتها
وكانت جميلة دون البلوغ بخمسة
دراهم فقال لهم إن ذلك حرام
فقالت له: خذها هدية .!! ويقول إن
كثيراً من النساء والولدان
أصحاب الجمال كانوا يترامون على
الميسورين ليشتروهم أو يبيعوهم
.. ووصل بعضهم إلى إيران..
وفي هذه المحنة برز بعض الفجرة
الأغنياء اشتروا الأحرار الجوعى
واسترقوا النساء الحرائر بأقل
الأثمان ويحكي البغدادي أن
بعضهم كان يفتخر بأنه اشترى
خمسين بكراً أو سبعين..
*ومن الطبيعي أن القارئ قد يغضب
إذا قرأ هذا التاريخ الذي وقع
بأرض مصر ، ولكن لابد من معرفته
لنتأكد إلى أي حد كنا في حاجة
للتحكم في الفيضان حتى لا يأتى
الجفاف وتحدث المجاعات التي
كانت تتكرر في دورات متتابعة في
تاريخ مصر القديم والوسيط..!! .
ولكن ـ وآه من لكن هذه ـ فبعد
بناء السد العالى واختفاء دورة
المجاعات والأوبئة التى كانت
تحدث بسبب جفاف او طغيان الفيضان
، فان العسكر الذى استبد بمصر
طيلة اكثر من نصف قرن قد وصل بها
الان فى رمضان 1429 الى حافة
المجاعة ، فالأخبار تاتى
بالاقتتال حول رغيف الخبز
وشهداء الكفاح من أجل الحصول على
رغيف من الخبز لا يخلو من
المسامير و الحشرات الميتة .. هذا
فى الوقت الذى يلعب فيه أبناء
المترفين بالملايين ينفقونها فى
المخدرات والمجون ..
نحن هنا أمام كارثة يصنعها عن
عمد واصرار حكام خانوا الأمانة ،
ونسوا قوله جل وعلا (وَلاَ
تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً
عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ
إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ
لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ
الأَبْصَارُ ) ( ابراهيم 42 ).
الجزء الرابع