رمضان بين صدور التاريخ
الجزء الثاني
هذه حادثة لا أستطيع تصديقها أو
تكذيبها ، ولم تحدث فى رمضان ،
ولكنها أقرب ما تكون الى رمضان
بما فيها من شفافية وصوم .
الحادثة رواها ابن الجوزى فى
تاريخه ( المنتظم ج 11 : 151 ـ ) فى
احداث عام 230 .
وبطلتها زوجة كانت تعيش فى قرية
فى منطقة خوارزم أواسط آسيا مما
يطلق عليه اليوم افغانستان ، قتل
الأتراك زوجها وعانت من الجوع
فرأت نفسها فى منام حيث قابلت
زوجها وأطعمها فى المنام ،
واستيقظت ، وظلت بعدها تعيش دون
جوع ، ودون أن تأكل ، ودون أن
تضطر للاخراج من بول وغيره .
واشتهر أمرها فى المنطقة
وامتحنوا أمرها فتيقنوا من
صدقها .. ننقل الرواية كما هى ..
ونطلب رأى الصائمين ..
يقول ابن الجوزى : ( ثم دخلت سنة
ثلاثين ومائتين ... ... وظهر في هذه
السنة في بعض قرى خوارزم عجب من
امرأة رأت منامًا فكانت لا تأكل
ولا تشرب ، وقد ذكر قصتها أبو عبد
الله الحاكم في تاريخ نيسابور
.
أخبرنا زاهر بن طاهر قال:
أخبرنا أبو بكر البيهقي أخبرنا
الحاكم أبو عبد الله محمد بن عبد
الله النيسابوري قال: سمعت
أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري
يقول: سمعت أبا العباس عيسى
بن محمد المروزي يقول:
وردت في سنة ثمان وثلاثين مدينة
من مدائن خوارزم تدعى هزارسف
فأخبرت أن بها امرأة من نساء
الشهداء رأت رؤيا: كأنها
أطعمت في منامها شيئًا فهي لا
تأكل ولا تشرب منذ عهد عبد الله
بن طاهر والي خراسان ـ وكان قد
توفي قبل ذلك بثماني سنين ـ
فمررت بها وحدثتني حديثها فلم
أستعص عليها لحداثة سني ، ثم إني
عدت إلى خوارزم في آخر سنة اثنين
وخمسين ومائتين فرأيتها باقية ،
ووجدت حديثها شائعًا مستفيضًا ،
فطلبتها فوجدتها غائبة على عدة
فراسخ ، فمضيت في أثرها ،
فأدركتها بين قريتين تمشي مشية
قوية ، وإذا هي امرأة نصف جيدة
القامة حسنة البنية ظاهرة الدم
متوردة الخدين ، فسايرتني وأنا
راكب وعرضت عليها الركوب فلم
تركب .
وحضر مجلسي أقوام فسألتهم عنها
فأحسنوا القول فيها ، وقالوا:
أمرها عندنا ظاهر فليس فينا من
يختلف فيها . وذكر لي بعضهم أنهم
لم يعثروا منها على كذب ولا حيلة
في التلبيس ، وأنه قد كان من يلي
خوارزم من العمال يحضرونها
ويوكلون بها من يراعيها فلا
يرونها تأكل شيئًا ولا تشرب ولا
يجدون لها أثر غائط ولا بول ،
فيبرونها ويكسونها .
فلما تواطأ أهل الناحية على
تصديقها سألتها عن اسمها فقالت:
رحمة بنت إبراهيم ، وذكرت أنه
كان لها زوج نجار فقير يأتيه
رزقه يومًا بيوم ، وأنها ولدت
منه عدة أولاد ، وأن ملك الترك
عبر على النهر إليهم ، وقتل من
المسلمين خلقًا كثيرًا . قالت:
ووضع زوجي بين يدي قتيلًا
فأدركني الجزع ، وجاء الجيران
يساعدونني على البكاء ، وجاء
الأطفال يطلبون الخبز وليس عندي
شيء، فصليت وتضرعت إلى الله
تعالى أسأله الصبر وأن يجبر بهم
، فذهب بي النوم في سجودي ، فرأيت
في منامي كأني في أرض خشناء ذات
حجارة وشوك وأنا أهيم فيها وألزم
خبري أطلب زوجي ، فناداني رجل:
إلى أين أيتها الحرة ؟ قلت:
أطلب زوجي. قال: خذي ذات
اليمين . فأخذت ذات اليمين ،
فوقفت على أرض سهلة طيبة الثرى
ظاهرة العشب ، فإذا قصور وأبنية
لا أحسن وصفها ، وإذا أنهار تجري
على وجه الأرض من غير أخاديد ،
وانتهيت إلى قوم جلوس حلقًا
حلقًا ، عليهم ثياب خضر ، قد
علاهم النور ، فإذا هم القوم
الذين قتلوا في المعركة ، يأكلون
على موائد بين أيديهم ، فجعلت
أتخللهم وأتصفح وجوههم أبغي
زوجي، لكنه بصرني فناداني: يا
رحمة يا رحمة، فتحققت الصوت ،
فإذا أنا به في مثل حالة من رأيت
من الشهداء ، وجهه مثل القمر
ليلة البدر وهو يأكل مع رفقة له
قتلوا يومئذ معه. فقال لأصحابه:
إن هذه البائسة جائعة منذ اليوم
أفتأذنون لي أن أناولها شيئًا
تأكله؟ فأذنوا له ، فناولني كسرة
خبز ، وأنا أعلم حينئذ أنه خبز
ولكن لا أدري كأي خبز هو! أشد
بياضًا من الثلج واللبن وأحلى من
العسل والسكر وألين من الزبد
والسمن، فأكلته فلما استقر في
معدتي قال: اذهبي فقد كفاك
الله مؤونة الطعام والشراب ما
بقيت في الدنيا .
فانتبهت من نومي وأنا شبعى ريًا
لا أحتاج إلى طعام وشراب ، وما
ذقته منذ ذلك اليوم إلى يومي هذا
، ولا شيئًا مما يأكله الناس .
قال أبو العباس: وكنا نأكل
فتتنحى وتأخذ على أنفها تزعم
أنها تتأذى برائحة الطعام ،
فسألتها: هل تتغذى بشيء غير
الخبز أو تشرب شيئًا غير الماء
فقالت: لا . فسألتها: هل
يخرج منها ريح قالت: لا أو أذى
؟ قالت: لا . قلت: فالحيض ؟
أظنها قالت: انقطع بانقطاع
الطعم .قلت: فهل تحتاجين حاجة
النساء إلى الرجال؟ قالت: لا .
قلت: فتنامين ؟ قالت: نعم
أطيب نوم . قلت: فما ترين في
منامك ؟ قالت: ما ترون . قلت:
فهل يدركك اللغوب والإعياء إذا
مشيت قالت: نعم .
وذكرت لي أن بطنها لاصقة بظهرها
، فأمرت امرأة من نسائنا فنظرت
فإذا بطنها لاصقة بظهرها ، وإذا
هي قد اتخذت كيسًا فضمنته قطنًا
وشدته على بطنها ليستقيم ظهرها
إذا مشيت . فأجرينا ذكرها لأبي
العباس أحمد بن محمد بن طلحة بن
طاهر والي خوارزم فأنكر ،
وأشخصها إليه ، ووكل أمه بها ،
فبقيت عنده نحوًا من شهرين في
بيت فلم يروها تأكل ولا تشرب ولا
رأوا لها أثر من يأكل ويشرب ،
فكثر تعجبه، وقال: لا تنكر
لله قدرة . وبرّها وصرفها ، فلم
يأت عليها إلا القليل حتى ماتت
رحمها الله .
وكانت لا تأكل شيئًا مما يأكله
الناس البتة، وإذا قرب الطعام
تنحت ووضعت يدها على أنفها تزعم
أنها تتأذى برائحته . ) .
---------------------------------------------------------------
دجال يخدع السلطان
*في يوم الخميس 17 رمضان قدم مصر
الشيخ يوسف الكيماوى في سلطنة
الناصر محمد بن قلاوون سنة 730هـ ،
وسبقته شهرته لمصر وللسلطان ..
في ذلك الوقت كانت الكيمياء تعني
المقدرة على تحويل المعادن
الرخيصة إلى ذهب عن طريق
الكرامات أو القوة النفسية ، أي
كانت طريقة للتحايل على الناس ،
ولكنها كانت تتمتع بتصديق الناس
لأنها ارتبطت بالكرامات في عصر
كان يعتقد في الكرامات وأساطير
المعجزات والخوارق التي يدعيها
محترفو المشيخة ، وكان منهم
صاحبنا الشيخ يوسف الكيماوي
الذي اكتسب لقبه من حرفته
الكيمياء.
*يقول المقريزي عن هذا الرجل أنه
كان نصرانياً من الكرك ــ الأردن
ــ فأسلم ، ثم مضى إلى صفد ،
وقابل أميرها بهادر وأظهر له
التقوى ، فاعتقد فيه الأمير
بهادر وصدق دعاويه ، وأنفق عليه
أمواله على أمل أن يقلب له
المعادن ذهبا حقيقيا ، فلما يأس
منه بعد مدة عرف حقيقته فأدخله
السجن وبعدها أطلقه. وخرج يوسف
الكيماوى إلى دمشق وعرض على
أميرها بضاعته ، ولكن الأمير
تنكز نائب السلطان في الشام
وواليه على دمشق كان لديه علم
بذلك الدجال فأمر بشنقه فصاح
يوسف قائلاً " أنا جيت للسلطان
حتى أملأ خزائنه ذهباً وفضة".
وعنئذٍ خاف الأمير تنكز أن يشنقه
فيتهمه أعدائه بأنه أضاع على
السلطان فرصة كان يمكن أن تنجح ،
لذا اضطر إلى إرساله إلى السلطان
في القاهرة مع البريد ومعه بعض
الثقات من أتباعه ورسالة فيها
التحذير للسلطان من ألاعيب ذلك
الرجل ودهائه .
* ولما وصل الشيخ يوسف للسلطان
الناصر محمد استمع إليه وأصغى
إليه ، وفى ذلك الوقت كان الناصر
محمد واقعاً تحت تأثير التصوف
ورجاله بعد أن انقلب على صديقه
السابق الإمام ابن تيمية وسجنه ،
وبعد أن اصطلح مع الصوفية وأنشأ
لهم خانقاه سعيد السعداء ، وأعطى
أذنه لأشياخ الصوفية يلقون فيها
بأساطير الكرامات ، ومن هنا كان
سهلاً أن ينخدع السلطان بأقاويل
الشيخ يوسف الكيماوى ويعرض عن
تحذيرات الأمير تنكز نائبه في
الشام.
وسرعان ما أخذ الشيخ يوسف وضعه
كما يحلو له عند السلطان الناصر
محمد فأنزله السلطان عند الأمير
بكتمر الساقى ، وأجرى عليه
الأموال والرواتب ، وأقام عنده
الخدم يتولون أمره ، وألبسه
التشريفة ، وأحضر له كل ما يريد
لكى يباشر مهمته في تحضير الذهب
من المعادن الرخيصة، وانتظر
السلطان النتيجة .
*وفى الموعد المحدد حضر يوسف بين
يدى السلطان الناصر محمد ، ليعرض
عليه ما توصل إليه ، وكان في
المجلس أعيان الدولة ومنهم ناظر
الجيش وتاج الدين إسحاق وابن
هلال الدولة والأمير بكتمر
الساقى وعدد من الأمراء والشيخ
ابراهيم الصائغ كبير الصاغة
وعدد من الصاغة. فأوقدت النار
على بوتقة قد ملئت بالنحاس
والقصدير والفضة حتى ذاب الجميع
فألقى عليه الشيخ يوسف شيئاً من
صنعته وأوقدوا عليها النار ساعة
، ثم أفرغوا ما فيها فإذا سبيكة
ذهب أجود ما يكون زنتها ألف
مثقال، فأعجب السلطان ذلك
كثيراً وأنعم على الشيخ يوسف
بهذه السبيكة، وألبسه التشريفة
للمرة الثانية وأركبه فرساً
مسرجاً بالحرير وبالغ في إكرامه
وحقق له ما يريد .
*واتصل بيوسف الكيماوى الخدم
وقدموا له أشياء كثيرة فاستخف
عقولهم حتى ملكها وأكل أموالهم ،
ثم سبك يوسف للسلطان سبيكة ثانية
من الذهب فكاد يطير به فرحاً
وصار يستحضره بالليل ويحادثه
فيزداد محبة فيه فأذن له أن يركب
الخيول السلطانية ويمضي حيث شاء
بالقاهرة ، فركب وأقبل على اللهو
، واتى إليه عدة من الناس يعطونه
أموالهم ليعلمهم صناعة الكيمياء
أو تحويل المعادن إلى ذهب ، وعاش
أجمل أيامه، ثم سأل السلطان أن
يأذن له بالعودة إلى موطنه
بالأردن لإحضار نبات هناك
فأركبه السلطان خيل البريد
وأرسل معه الأمير طقطاي مقدم
البريدية وكتب إلى نائب غزة
ونائب الكرك بخدمته وقضاء جميع
حوائجه من ديوان الخاص (أى ديوان
السلطان) فمضى يوسف إلى الأردن
واختفى وانقطع خبره .
بحث السلطان عنه حتى وجدوه وقد
ظهر للسلطان كذبه فأودعه في
السجن..
*وفي رمضان( أيضاً ) في العام
التالي سنة 731هـ هرب يوسف
الكيماوي من السجن ، فنودى عليه
بالقاهرة ومصر ، وصدرت الأوامر
على البريد لولاة الأقاليم
بالقبض عليه.
*وفي شهر ذي الحجة 731هـ قبض عليه
في مدينة أخميم بالصعيد ، وحمل
مقيداً في الحديد إلى قلعة الجبل
، فوصلها في 24 ذي الحجة وسأله
السلطان عن المال فقال إنه ضاع
منه، فسأله السلطان عن الكيمياء
فقال: كل ما كنت أفعله إنما هو
خفة يد ..!!
فعوقب بالضرب الشديد، ثم اعتقل
بخزانة شمائل ومات ليلة الأحد 25
ذي الحجة، وطيف بجثته بالقاهرة
يوم الأحد..!!
وما أغنى عنه ماله وما كسب ...
----------------------------------------------------
لم يكن شيطان الإحتكار ومصادرة
أموال الناس يهدأ فى رمضان فى
العصر المملوكي . والإحتكار
والمصادرة سياسة مستقرة ثابتة
فى عصر العسكر المملوكي ، وكان
المنتظر أن يكون لرمضان أثره فى
تخفيف الظلم فى شهر الصيام ،
ولكن العقلية المملوكية وجدت
حلا يتيح لها أن تستمر فى تيار
الظلم هو أقتران الظلم بعمل
الخيرات على مذهب القائل هذه
نقرة وهذه نقرة ، إذا يصادرون
الأموال ويبيحون شراء المناصب
والرشوة ويحتكرون التجارة ، ثم
تراهم من ذلك السحت يقيمون
المؤسسات الدينية وينفقون على
الطلبة والعلماء ويتصدقون على
الفقراء والمساكين .. وكأنهم لم
يعرفوا أن الله تعالى لا يقبل من
الصدقات إلا ما كان من مال حلال ،
يقول تعالى (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ
مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ
وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم
مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ
تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ
مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم
بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن
تُغْمِضُواْ فِيهِ
وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ
غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) ( 2/ 267") .
فالله تعالى يأمرنا بالتصدق من
الرزق الطيب الحلال ويحذرنا من
الأنفاق من المال الخبيث الآتي
عن طريق الظلم ..
الظلم المملوكي فى مصر والشام :
وأتخذ الظلم المملوكي من سكوت
الناس وخضوعهم عاملا آخر ساعده
على الانتشار ، وكان يحدث أحيانا
أن يثور الناس على الظلم كما حدث
فى رمضان 807 حين كثرت المصادرات
والمظالم فى الشام ودمشق وقت
اندلاع الخلاف بين الأمراء
المماليك ، وفى ذلك الوقت فرض
الأمير حسن نائب القدس على أهلها
مالا فرفضوا دفعه، فتركهم حتى
اجتمعوا بالمسجد الأقصى وأغلق
عليهم الأبواب وألزمهم بدفع
الأموال ، فأبوا ، وحدثت معركة
بينهم وبينه وقتل منهم بضعة عشر
رجلا ، ولكنهم تكاثروا عليه ففر
منهم ، فلما بلغ الخبر الأمير
شيخ نائب الشام عزله وولى غيره.
وأمير الشام وقتها – أو نائب
الشام – الأمير شيخ هو الذي أصبح
سلطانا فيما بعد تحت اسم المؤيد
شيخ ، وكان كثير البر والصدقات
ولكنه كان أيضا على شاكلة
المماليك لا يخلو من الظلم ولا
يرى تعارضا بين هذا وذاك .
وفي رمضان 813 أفتتحه المماليك
بمصادرة الناس في دمشق فأخذوا من
الخانات والحمامات والطواحين
والحوانيت والبساتين أجرتها عن
ثلاثة أشهر سوى ما أخذ قبل ذلك ،
واتهموا بعض الناس بأن لديهم
ودائع أودعها لديهم المماليك
الشيخية من أتباع الأمير شيخ
نائب الشام ، فأخذوا أولئك الناس
وعاقبوهم بالضرب ليعترفوا بما
لديهم من أموال مزعومة ، وفتشوا
بيوتهم ..
وفى نفس الوقت كانت القاهرة تئن
من مظالم الأمير بكتمر جلق الذي
ألزم المحتسب ابن الدميري بأن
يجمع له ألفي دينار من الناس فى
نظير أن يلزم الناس بشراء قمح
بالسعر الذي يحدده ، وأغتصب
أموالا من بعض تجار الشام
بالقاهرة ، وأخذ من الأمير منقلي
الأستادار ألف دينار ..والمفروض
بعدها أن هذا الأمير بكتمر جلق
كان صائما فى رمضان ويفطر على
مظالم الناس ومصادرة أموالهم .!!
السلطان يحتكر الفلفل فى رمضان !!
والسلطان الأشرف برسباي الذي
أقام الخانقاه الأشرفية على
أنها من أعمال البر والذي فتح
قبرص على أنها جهاد فى سبيل الله
هو نفسه الذي عانى الناس في عهده
من الإحتكار وشراهته للأموال .
قال عنه المقريزي الذي عاش عصره (
كان له فى الشح والبخل والطمع من
الجبن والجور وسوء الظن ومقت
الرعية وكثرة التلون وسرعة
التقلب فى الأمور وقلة الثبات
أخبار لم نسمع بمثلها. وشمل بلاد
مصر والشام فى أيامه الخراب وقلة
الأموال ..)
هذا السلطان لم يمنعه شهر رمضان
من مصادرة الفلفل على أمل بيعه
لتجار أوروبا ، وكان الفلفل
الأسود والبهارات من أثمن
الأشياء ، وكانت تستوردها
أوروبا عبر الدولة المملوكية
التى تحتكر استيرادها من الهند
وأسيا . وقد قامت الكشوف
الجغرافية وضمن أهدافها التخلص
من إحتكار المسلمين لتلك
التجارة بالوصول إلى الهند من
طريق بعيد ، وبذلك أكتشفوا
أمريكا ورأس الرجاء الصالح ..
ونعود إلى رمضان 835 وفيه صادر
السلطان الأشرف برسباى فلفل
التجار وأرغمهم على أن يبيعوه له
بخمسين دينارا للحمل . وكان
السلطان قد أرغمهم من قبل على أن
يشتروا منه الفلفل فى أول السنة
بسبعين دينارا للحمل وأمر بأن
تحتكر متاجر السلطان استيراد
الفلفل الوارد من ميناء جده
وغيره، وأن لا يبيعه لتجار
الفرنجة القادمين للإسكندرية
غيره ، وبذلك أستخدم نفوذه فى
أكل أموال التجار ، يقول
المقريزى ( فنزل بالتجار من ذلك
بلاء كبير).
وجدير بالذكر أن رمضان فى العام
بعد التالي 837 شهد ردود فعل غاضبة
على جشع السلطان ، فقد أرسل ملك
الفرنجة الكتيلان خطابا شديد
اللهجة للسلطان برسباي لأنه
ألزم التجار الفرنجة بأن يشتروا
منه الفلفل من خلال المتجر
السلطانى لا من التجار العاديين
مما سبب لهم خسارة وقد غضب
برسباى من تلك الرسالة ومزقها ..
السلطان قايتباى ينصف الإسكافية!!
وفى رمضان 875 كان السلطان فى مصر
هو الأشرف قايتباى المشهور بين
السلاطين بتدينه وكثرة تلاوته
للأوراد وكثرة ظلمه أيضا .. ولكن
يبدو أن رمضان قد أفلح معه فى
تراجعه عن الظلم ، وذلك ما حدث فى
14 رمضان ، يقول المؤرخ ابن
الصيرفى الذى عاش هذه الفترة أن
الضيق وصل بأهل القاهرة مداه
بسبب عدة عوامل ، فأرباب الحرف
من الخياطين وصناع الجوخ وغيرهم
قد جمعهم الأمير الكبير يشبك من
مهدى الذى يعد حملة حربية كبرى
يذهب بها للعراق لتأديب شاه سوار
الثائر على الدولة المملوكية
هناك . وقد أحتاج ذلك الأمير
لأولئك الحرفيين والصناع فى
تجهيز مهمات العسكر من الكساء
والملابس والخيام والآلات ، وهو
ينفق في كل يوم ألف دينار على تلك
التجهيزات ولكن لا يعطى أجورا
للعمال الذين يخشون المطالبة
بحقوقهم خوفا من ذلك الأمير
العاتي المشهور بقسوته وظلمه.
ثم يعانى التجار من ضائقة مالية
بسبب أخر فقد أغلقوا حوانيتهم
منذ أول رمضان 875 حتى 14 رمضان
بسبب انتظارهم لبيع التركة
الضخمة التى خلفها الأمير
الجمقدار والى الشام وكاتبه أبو
بكر ، وتلك التركة الهائلة كانت
متعددة الأصناف ، وكل من التجار
يحرص على شراء ما تيسر منها ،
ولكن البيع متوقف بسبب انشغال
السلطات المملوكية بالتجهيز
لحرب شاه سوار ..
ثم وصل الضيق الى الإسكافية
وصناع الجلود وقد كانوا يتركزون
فى حى الصليبة وبين القصرين
بالقاهرة، وقد احتكر الوزير ابن
غريب تجارة الجلود وألزم
الإسكافية بأن يشتروها منه بثمن
مضاعف عن السنة الماضية وأجبرهم
على الدفع الفورى ، فأطاعه
الإسكافية فى بين الصورين
ودفعوا له ما يريد ، أما أسكافية
الصليبة فقد رفضوا الظلم
وتجمهروا أمام القلعة فطردهم
الحراس ، فصعدوا الى أعلى الجبال
يهتفون ، فسمعهم السلطان
قايتباى وهو بالحوش فسأل عن
خبرهم وعرف شأن الوزير معهم ،
فأمر السلطان قايتباى بإنصافهم
، وكان هذا من نوادر الأحداث فى
شهر رمضان 875.
ونصل الى سؤال الحلقة :
هل اختلف لصوص رمضان هذا
العام عن لصوص رمضان العصر
المملوكى ؟ لا أعتقد
فالعسكر هم العسكر ، سواء كانوا
مماليك أم من أبناء الشعب ،
فالعسكر هم شر الناس حين يحكمون
،إذ يوجهون سلاحهم الى الشعب
الذى من المفترض أن يدافعوا عنه
، ويستخدمون السلاح فى حكم الشعب
وقهره ، ولا بد أن يتحكموا فى
الثروة طالما تحكموا فى السلطة.
ومن قام بثورة يولية 1952 كانوا
ضباطا من الطبقة الوسطى ، وكان
أغلبهم لا يملك سوى مرتبه قبل
الثورة ، فلما نجحت الثورة و
حكموا مصر ما لبث أن تحولت الى
جيوبهم وجيوب خدمهم واتباعهم
ثروة مصر خلال نصف قرن من الزمان
، بدءا من مجوهرات أسرة محمد على
التى كان تملأ عشرات الصناديق
الى ثروة مصر العينية التى
نهبوها تحت اسم التأميم و
التمصير والقطاع العام ، ثم
أعادوا نهبها تحت اسم بيع القطاع
العام والخصخصة . حتى ديون مصر لم
تسلم من النهب. والاحتكار
المملوكى لا يقاس باحتكار
الحديد وغيره مما يفعله اللصوص
الذين يتحكمون الآن فى وزراء مصر
( المحروسة ) .
الجزءاالثالث
الجزء الرابع