السكوت
رحمة، فلماذا تفشى السؤال؟
قال سلمان
الفارسي
عن سلمان الفارسي رضي
الله عنه ، بلفظ : ( سُئِلَ رَسُولُ
اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيهِ
وَسَلَّم عَنِ السَّمنِ وَالجبنِ
والفِراءِ فَقَالَ : الحَلالُ مَا
أَحَلَّ اللهُ فِي كِتَابِهِ ،
وَالحَرَامُ مَا حَرَّمَ اللهُ
فِي كِتَابِه ، وَمَا سَكَتَ
عَنهُ فَهوَ مِمَّا عَفَا عَنهُ )
أخرجه الترمذي (1726) وابن ماجه (3367)
والحاكم في المستدرك (4/129) ومن
طريقه البيهقي في الكبرى (9/320)(10/12)
، وأخرجه الطبراني في الكبير (6/250)
من طريق سيف بن هارون البرجمي عن
سليمان التيمي عن أبي عثمان عن
سلمان به .
وروى
الطبراني من حديث أبي ثعلبة: (إن
الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى
عن أشياء فلا تنتهكوها، وحدّ
حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن
أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا
عنها)، وفي لفظ ( وسكت عن كثير من
غير نسيان فلا تتكلفوها رحمة بكم
فاقبلوها).
بل وحتى ان القرآن حرم على محمد تحريم ماأحله الله، إذا قال" ياأيها النبي لم تحرم ماأحله الله" (التحريم 1).
وعلى الرغم من ان القاعدة الفقهية التي جرى بناءها على مبادئ القرآن تقول ان الاصل الاباحة
مالم يأتي دليل على التحريم،
نجد
ان السلفيين تمكنوا من الالتفاف على ذلك من خلال ابتداع قاعدة فقهية اخرى ومناقضة لها في الاتجاه تقول
"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
استنبط د. سليم العوا عدداً من
مقاصد سكوت الشارع حصرها في 7
مقاصد هى:
1 ـ رحمة الله بعباده :
ففي الحديث : ( إن الله فرض فرائض
فلا تضيعوها وحد حدوداً فلا
تقربوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها
وترك أشياء من غير نسيان رحمة بكم
فلا تسألوا عنها). والرسول صلى
الله عليه وسلم قال : " لولا أن
لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم
من عذاب القبر الذي أسمع" فسكت
عن ذلك وأخفاه عليهم رحمة بهم.
2 ، 3
ـ منع المشقة ورفع الحرج : وأدلة
ذلك أكثر الأحاديث التي تبدأ
بكلمة ( لولا ) مثل : ( لولا أن أشق
على أمتي لأمرتهم بتأخير الصلاة
إلى ثلث الليل الأخير ) فلماذا سكت
ولم يأمر؟ لمنع المشقة. وفي الحديث
: ( لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم
بالسواك عند كل صلاة ) فلماذا سكت
ولم يأمر؟ لمنع المشقة. وفي الحديث
: ( لولا رجال يكرهون أن يتخلفوا
بعدي ولا أجد ما أحملهم عليه ما
تخلفت.. ) فكان صلى الله عليه وسلم
يتمنى أن يخرج في كل غزوة غزتها
جيوش المسلمين لكنه تخلف رفعاً
للحرج.. وقال أيضاً : ( .. ولولا أن
أشق على أمتي لما قعدت خلف سرية.. ) .
4 ـ منع الفتنة : ففي الحديث : (
والله ياعائشة لولا أن قومك حديثو
عهد بكفر ( بشرك ) لهدمت الكعبة ثم
لأعدتها على أساس إبراهيم عليه
السلام. قالت : وما يمنعك ؟ قال :
إني أخشى أن يفتن قومك ولولا ذلك
لنقضتها ثم بنيتها )
5 ـ المحافظة
على الحقوق المكتسبة والأوضاع
المستقرة : فقد دخل النبي صلى الله
عليه وسلم المسجد الحرام فرأى بني
عبد المطلب يدفعون الماء إلى
العباس لسقاية الحجيج فقال : لولا
أن يغلبكم الناس عليه يابني عبد
المطلب لنزلت فنزعت معكم.. فأبى أن
يعطي نفسه هذه المكرمة كي لا يأتي
الناس بعده يغلبوا بني عبد المطلب
وقد غلبوا ولله الأمر من قبل ومن
بعد. وهذا أبو فقه المقاصد أمير
المؤمنين عمر بن الخطاب لما دخل
بيت المقدس أبى أن يصلي في كنيستها
وقت حضور الصلاة وقال : إنما أصلي
خارجاً لكيلا يأتي المسلمون
فيقولون صلى فيها عمر فيتخذونها
مسجداً.
6 ـ التخفيف من التكليف,
بالترغيب في العمل أو الترهيب منه
على وجه الإجمال أو التفصيل :
أمثلة ذلك أحاديث النبي صلى الله
عليه وسلم : ( لو يعلم الناس ما في
النداء والصف الأول ثم لم يجدوا
إلا أن يستهموا عليه لاستهموا )
فهنا سكت عن قول ما يعلم وعن بلاغ
ما عرفه إياه ربه عزوجل بإذنه
سبحانه لأن السكوت هنا أبلغ من
البيان بالنطق.
7 ـ ترك الحرية
للأمة في تنظيم شئون حياتها : من
ذلك أن القرأن الكريم أوجب الشورى
بقوله تعالى : ( وشاورهم في الأمر )
آل عمران : 159., وبقوله تعالى مدحاً
للمؤمنين في سورة مكية : ( وأمرهم
شورى بينهم ) الشورى : 38. ولكن
القرآن لم يخبرنا بما إذا كانت
الشورى ملزمة أم معلمة, ولا بكيفية
اختيار أهلها, ولا بالموضوعات
التي يجب أن تعرض على أهل الشورى,
ولا بما إذا كان يجوز تأقيت مدة
ولايتهم أم لا يجوز, إلى غير ذلك من
عشرات التفصيلات التي سكت الشارع
عنها ولم يبين لنا ـ لا بقرآن ولا
بسنة صحيحة ـ كيف نصنع فيها.
(يا
أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن
أشياء إن تبد لكم تسوءكم وإن
تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد
لكم عفا الله عنها والله غفورٌ
حليم قد سألها قوم من قبلكم ثم
أصبحوا بها كافرين) ولهذا
قال النبي صلى الله عليه وعلى آله
وسلم (إنما أهلك الذين من قبلكم
كثرة مسائلهم واختلافهم على
أنبائهم)
فيها سبع مسائل
:
المسألة الأولى
: في سبب
نزولها : وفي
ذلك أربعة أقوال :
الأول : روي في
الصحيح عن أنس قال
: { خطبنا
رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة
ما سمعنا مثلها . قال : لو تعلمون ما
أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا .
قال : فغطى أصحاب رسول الله صلى
الله عليه وسلم وجوههم ، ولهم حنين
. فقال رجل : من أبي ؟ فقال : أبوك
فلان } ،
فنزلت : { يا
أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن
أشياء إن تبد لكم تسؤكم }
.
الثاني : ثبت في
الصحيح عن ابن
عباس ،
{ كانوا
يسألون رسول الله صلى الله عليه
وسلم استهزاء ، فيقول الرجل : من
أبي ؟ ويقول الرجل : تضل ناقته : أين
ناقتي }
; فأنزل الله سبحانه فيهم هذه
الآية : { يا
أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن
أشياء إن تبد لكم تسؤكم }
.
الثالث : روى الترمذي عن علي قال
: { لما
نزلت : { ولله
على الناس حج البيت من استطاع إليه
سبيلا } قالوا
يا رسول الله أفي كل عام ؟ قال : لا .
ولو قلت : نعم لوجبت }
. فأنزل الله تبارك وتعالى : { يا
أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن
أشياء إن تبد لكم تسؤكم }
. وقد تقدم في سورة آل عمران
بعضه .
[ ص: 214
] الرابع :
أنها نزلت في قوم سألوا رسول الله
صلى الله عليه وسلم عن البحيرة ،
والسائبة ، والوصيلة ، والحام ;
قاله ابن
عباس .
المسألة
الثانية : قوله تعالى : { إن
تبد لكم تسؤكم }
: هذا المساق يعضد من هذه
الأسباب رواية من روى أن سببها
سؤال ذلك الرجل : من أبي ؟ لأنه لو
كشف له عن سر أمه ربما كانت قد بغت
عليه فيلحق العار بهم .
ولذلك روي أن أم
السائل قالت له : يا بني ; أرأيت أمك
لو قارفت بعض ما كان يقارفه أهل
الجاهلية ، أكنت تفضحها ؟ فكان
الستر أفضل .
ويعضده أيضا
رواية من روى عن تفسير فرض الحج ;
فإن تكراره مستثنى لعظيم المشقة
فيه ، وعظيم الاستطاعة عليه . وقد
ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله
عليه وسلم أنه قال : { إن
الله أمركم بأشياء فامتثلوها ،
ونهاكم عن أشياء فاجتنبوها ، وسكت
لكم عن أشياء رحمة منه ، فلا
تسألوا عنها }
.