النفقة،
هل تشمل العلاج؟
الزوجان » فقه النكاح
» القسم الثالث
نفقة الزوجة: هل تشمل أجرة
علاجها إذا مرضت؟
يراد بالنفقة ما يصرفه المرء من
مال على زوجته وذوي رحمه وما
ملكت يمينه· وإن وجوبها بالنسبة
لهؤلاء الأفراد ثبت بالنص·
والفقهاء في تناولهم لمسألة
نفقة الزوجة لم يختلفوا في
حكمها، ولكن اختلفوا في تعيين
مشمولاتها، فحصرها جمهور
الفقهاء في المطعم والملبس
والمسكن· وتوسع فيها الزيدية(1)
فأضافوا إلى هذا الذي ذكره
الجمهور نفقات علاج الزوجة إذا
مرضت، وإلى رأيهم ذهب أغلب
الفقهاء المعاصرين· وهذا تفصيل
قولهم في المسألة:
أولاً: آراء وأدلة الفقهاء في
المسألة
1ـ مذهب جمهور الفقهاء وأدلتهم
في المسألة:
ذهب جمهور الفقهاء وفيهم الأئمة
الأربعة والظاهرية إلى أن ما يجب
على الزوج في النفقة ثلاثة أشياء:
الطعام، والكسوة، والسكن·
فبالنسبة للمذهب الحنفي، جاء في
حاشية ابن عابدين(2) أن النفقة هي
الطعام والكسوة والسكن (3)· فلا
يجب على الزوج غير هذه الأشياء
الثلاثة· وصرح الكاساني بأن
الزوجة لو مرضت في الحضر كانت
المداواة عليها لا على الزوج (4)·
بل جاء في فتح القدير أن شمس
الأمة الحلواني(5) قال: إذا مرضت
مرضاً لا يمكن الانتفاع بها بوجه
من الوجوه تسقط النفقة (6)· وجاء
في حاشية ابن عابدين أيضاً أنه
<لا يلزمه مداواتها (7)·
وبالنسبة للمذهب المالكي فقد نص
الشيخ خليل على أنه يجب لممكنة(8)
مطيقة للوطء على البالغ ـ وليس
أحدهما مسرفاً ـ قوت وإدام،
وكسوة، ومسكن(9)· وقال الخرشي عند
قول المختصر: لا مكحلة ودواء
وحجامة وثياب المخرج: يعني أن
الرجل لا يلزمه المكحلة (···)
وكذلك لا يلزمه الدواء عند مرضها
لا أعياناً ولا أثماناً ومنه
أجرة الطبيب (10)·
وبالنسبة للمذهب الشافعي صرح
إمام المذهب أن الزوج لا يكلف
غير الطعام العام ببلده الذي
يقتاته مثلها، ومن الكسوة
والأدم بقدر ذلك (11)· ونقل عنه
الماوردي قوله: ليس على رجل أن
يضحي لامرأته ولا يؤدي عنها أجر
طبيب ولا حجام (12)· وعلل السيوطي
قول الشافعية بعدم استحقاق
الزوجة الدواء للمرض ولأجرة
الطبيب بأن هذه الأمور لحفظ
الأصل، فكانت عليها كما يكون على
المكري ما يحفظ العين المكراة (13)·
وذكر أنه يلزم الزوج الطعام
والأدم في أيام المرض، ولها صرف
ما تأخذه إلى الدواء ونحوه (14)·
وبالنسبة للمذهب الحنبلي ذكر
ابن قدامة أن الزوج لا يجب عليه
شراء الأدوية ولا أجرة الطبيب،
لأنه يراد لإصلاح الجسم فلا
يلزمه (····) وتجب عليه كسوتها
بإجماع أهل العلم (15)·
وبالنسبة لابن حزم، فإنه صرح بأن
الذي على الزوج كسوة الزوجة ـ مذ
يعقد النكاح ـ ونفقتها وما
تتوطاه وتتغطاه وتفرشه،
وإسكانها كذلك أيضاً صغيرة أو
كبيرة ذات أب أو يتيمة غنية أو
فقيرة (16)·
هذه هي أقوالهم في المسألة،
ظاهرها أن الزوج لا يلزمه لزوجته
غير إطعامها، وإكسائها،
وإسكانها· وقد كان العمل
بمقتضاها في قانون الأحوال
الشخصية المصري قبل تعديله(17)·
وبقي قانون الأسرة في لبنان يعمل
بها وينص على أن النفقة هي تأمين
المأكل، والملبس، والمسكن (18)·
وإلى هذا القول ذهب الشيخ المهدي
الوزاني من فقهاء المغرب(19)،
وكذلك الشيخ محمد أبوزهرة فإنه
حصر النفقة في الإطعام،
والكسوة، والمسكن (20)· وربط
استجابة المرأة لطلب زوجها
بتمكينها من نفسها بتوفير
نفقتها كلها فقال: فوجوب التمكين
يكون بأن يعد لها النفقة
بأنواعها ثلاثة، فيقدم لها
الطعام الذي تحتاج إليه،
والكسوة التي تليق به، ويعد
المسكن الذي تسكنه (21)· ولا يزال
بعض من يتصدون للفتوى في هذا
العصر يفتون بهذا الرأي(22)·
واحتجوا بأدلة من القرآن
والسنَّة النبوية:
ـ فمما احتجوا به من القرآن:
ـ قوله تعالى: (قد علمنا ما فرضنا
عليهم في أزواجهم وما ملكت
أيمانهم) الأحزاب:50·
احتج به الإمام الشافعي على أن
الزوج لا يكلف غير الطعام العام
ببلده الذي يقتاته مثلها، ومن
الكسوة والأدم بقدر ذلك (23)·
ـ وقوله تعالى: (أسكنوهنَّ من حيث
سكنتم من وجدكم) الطلاق:6·
احتجوا به لإيجاب سكنى الزوجة
على قدر طاقة زوجها، فأخذ منه
ابن قدامة أنه: إذا وجبت السكنى
للمطلقة فالتي في صلب النكاح
أولى· قال تعالى: (وعاشروهن
بالمعروف)، ومن المعروف أن
يسكنها في مسكن· ولأنها لا
تستغني عن السكن للاستتار عن
العيون وفي التصرف والاستمتاع
وحفظ المتاع(···)، لأنه واجب لها
لمصلحتها في الدوام، فجرى مجرى
النفقة والكسوة (24)·
ـ ومن السنة قوله صلى الله عليه
وسلم في خطبة الوداع: ولهن عليكم
رزقهن وكسوتهن بالمعروف (25)·
فإنه يفيد وجوب إنفاق الزوج على
زوجته بالمعروف ووردت النفقة
فيه محصورة في الرزق والكسوة
لأنهما تتجددان· وورد تأكيدهما
فيما أجاب به رسول الله صلى الله
عليه وسلم حكيم بن معاوية(26) حين
سأله: ما حق زوجة أحدنا عليه؟
فقال: أن تطعمها إذا طعمت،
وتكسوها إذ اكتسيت (27)، وأيضاً في
قوله صلى الله عليه وسلم: وحقهن
عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن
وطعامهن (28)·
وأما وجوب إسكان الزوجة فيدل
عليه القرآن، ويستفاد من
الأحاديث التي ورد فيها نهي
النساء عن أن يخرجن من بيوتهن
إلا بإذن أزواجهن·
2 ـ مذهب الزيدية:
الذي عليه مذهب الزيدية أن أجرة
الدواء تدخل فيما يجب للزوجة على
زوجها من النفقة(29)· هذا ما نص
عليه الشوكاني فقال: وأما وجوب
الدواء فوجهه أن وجوب النفقة
عليه هي لحفظ صحتها، والدواء من
جملة ما يحفظ به صحتها (30)·
وبهذا القول عملت معظم قوانين
الأحوال الشخصية العربية، فجعلت
نفقات علاج الزوجة ـ إذا مرضت ـ
واجبة على الزوج مثلما يجب عليه
طعامها ولباسها ومسكنها، جاء في
الفقرة الثانية من المادة
الأولى من قانون الأحوال
الشخصية المصري رقم 25 لسنة 1920
المعدل بالقانون 100 لسنة 1985 أنه
تشمل النفقة الغذاء والكسوة
والسكن ومصاريف العلاج· وصرحت
مذكرته الإيضاحية بأن هذه
الفقرة جاءت بما ذهب إليه مذهب
الزيدية(31)· وجاء في المادة
الحادية والسبعين من قانون
الأحوال الشخصية السوري أن
النفقة الزوجية تشمل الطعام
والكسوة والسكنى والتطبيب
بالقدر المعروف وخدمة الزوجة
التي يكون لأمثالها خادم· وجاء
في الفصل الثامن عشر ومئة من
مدونة الأحوال الشخصية المغربية
أن نفقة الزوجة تشمل السكنى،
والطعام، والكسوة، والتمريض
بالقدر المعروف وما يعتبر من
الضرورات في العرف والعادة·
وجاء في المادة الثامنة
والسبعين من قانون الأسرة
الجزائري أن النفقة تشمل
الغذاء، والكسوة، والعلاج،
والسكن أو أجرته، وما يعتبر من
الضرورات في العرف والعادة·
وجاء في المادة الثانية
والعشرين من قانون الأسرة
الليبي رقم 10 لسنة 1984 أنها تشمل
<السكن والطعام والكسوة
والعلاج وكل مقومات الحياة