الحديث بين هريرة وكعب الاحبار - صحابة رسول الله - صلي الله عليه وسلم - درجات وطبقات، وقد قُسِّم الصحابة من حيث فضلهم إلي اثنتي عشرة درجة وهي: 1- قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة. 2- أصحاب دار الندوة. 3- مهاجرو الحبشة. 4- أصحاب العقبة الأولي. 5- أصحاب العقبة الثانية. 6- أول المهاجرين الذين وصلوا إلي النبي بقباء قبل أن يدخل المدينة. 7- أهل بدر. 8- المهاجرون بين بدر والحديبية. 9- أهل بيعة الرضوان. 10- مَنْ هاجر بين الحديبية وفتح مكة. 11- مسلمو الفتح. 12- صبيان وأطفال رأوا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يوم الفتح وفي حجة الوداع! هذه هي طبقات ودرجات الصحابة، وقد وصل عددهم في تصنيف ابن الأثير وموسوعته الرائعة (أُسْدُ الغابة في معرفة الصحابة) حوالي سبعة آلاف صحابي، كان هؤلاء هم المحيط الآمن للرسالة النبوية والكتلة الصلبة لانطلاق الدعوة الإسلامية. ولاتساع الرقعة ولطول المسافة فإن قدرتهم علي الاستماع للنبي - صلي الله عليه وسلم - والحفظ منه وتلقي القرآن أو التفسير أو الأحاديث علي يديه كانت متباينة ومختلفة، لكن الثابت أنهم جميعاً كانوا يخشون فعلاً ويرهبون جدًا ويحجمون حقًا عن رواية أي كلمة عن النبي - صلي الله عليه وسلم - سوي آيات القرآن الكريم. نعرف طبعًا أن أبا بكر أول الرجال إسلامًا وكان نسابة العرب، ومع ذلك روي عن النبي- صلي الله عليه وسلم- 142 حديثًا وله في البخاري 22 حديثًا فقط؛ الفاروق عمر وهو من هو في منزلته ومكانته لم يرو عن النبي - صلي الله عليه وسلم - علي أقصي تقدير 50حديثًا، أما علي بن أبي طالب أول من أسلم وتربي في حجر النبي وعاش في كنفه من بعثته حتي غسل جسده الشريف عند وفاته ولم يفارقه لا في سفر ولا حضر وهو ابن عمه وزوج ابنته وشهد جميع الغزوات والمعارك والمشاهد (سوي تبوك) وهو إمام العلم، فلم يحدث أن روي عن النبي - صلي الله عليه وآله وسلم - سوي 58 حديثًا ولم يصح في البخاري سوي نحو عشرين منها، كما أن الخليفة الراشد عثمان بن عفان روي عن النبي - صلي الله عليه وسلم - تسعة أحاديث فقط، ونفس العدد للزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف، وروي خمسة أحاديث فقط وربما أقل طلحة وزيد بن ثابت وسلمان الفارسي وغيرهم، الصحابة كلهم رووا - كما يرجح البعض - سبعًا وعشرين في المائة بالنسبة لما رواه أبوهريرة - رضي الله عنه عن النبي- صلي الله عليه وسلم-، وكان أبوهريرة قد روي أكثر من خمسة آلاف حديث ولم يصح منها عند البخاري إلا حوالي 400. والواقعة الأكثر ثبوتًا في التاريخ أن الفاروق عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة بالدرة (ما يشبه العصا أو الكرباج أو ما شابه) وطرده من المسجد وهدده بالنفي من المدينة المنورة وقال له أمام شهود المسجد: أكثرت يا أبا هريرة من الرواية ولتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس (موطنه في اليمن). والثابت أن أبا هريرة نفسه قال إني أحدثكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر لضربني ولشج رأسي. وقال أبو هريرة كذلك «ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتي قُبض عمر(يقصد إلا بعد موت عمر). ما الذي نريد أن نصل إليه هنا؟ نريد أن نصل للإسرائيليات المنسوبة والمدسوسة علي أحاديث النبي صلي الله عليه وآله وسلم، وفي هذا الحقل لا أحد أهم من كعب الأحبار، فهو الاسم اللامع والشهاب الجامع في هذا المجال. هو كعب بن ماتع الحميري وشهرته كعب الأحبار وكان من كبار أحبار اليهود ولكنه لم يسلم في أول عهد الإسلام ولا في عصر النبي - صلي الله عليه وآله وسلم - أو في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بل تأخر إسلامه حتي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو ما يلقي بالأسئلة من اللحظة الأولي عن سر هذا التأخر في الإسلام، ولماذا جري التحول؟! هل يا تري بعدما رأي انتشار الدين وقوته أو فشل اليهود من خارج الإسلام في ضربه وطعنه فقرر الصهيوني الأول - كما يطلق عليه بعض المفكرين - أن يسلم ليكون الجاسوس الأكبر علي الإسلام في نظر الكثيرين، وقد أوحي كعب للمسلمين بأن سبب إسلامه أن والده ترك له كتابًا من التوراة وختم عليه وطلب منه ألا يفض الختم أبدا لكن الابن خالف أخيرًا تعليمات والده وفتح الكتاب فإذا صفة محمد وأمته «فجئت مسلما»! كأن إسلام كعب الأحبار يحتاج معجزة من والده الحاخام اليهودي وليس اقتناع وقناعة بما جاء به الإسلام وليس بغلبة الإسلام! وقد صدق سيدنا عمر الفاروق أن كعب قد أسلم، خصوصا أن الإسلام لا يفتش في القلوب ولا يفتح الضمائر (وهو الأمر نفسه الذي يجعل كثيرا من الباحثين يتحرجون من اتهام كعب وهو المسلم الذي ليس لنا إلا إسلامه، بما يتهمه به آخرون) وبدأ كعب يحكي ويروي، مستندًا إلي أن المسلمين الأوائل لم يكونوا من المتصلين بالحضارات والكتب والديانات الأخري بل كان معظمهم من الأميين الذين ، كعادة العرب، يأخذون روايات بدء الخليقة و نشأة الكون و أسرار التاريخ البعيد من روايات اصحاب الكتاب، وبالتالي فقد تعودوا الاستماع إلي اليهود ومنهم كعب الأحبار وآخرين في رواياتهم وتفسيراتهم، من هنا يصبح مفهوما سر الأساطير والخرافات في الدين وتفسيراته ومن بينها قصص الخلق وسنة سيد الخلق ؛ صحيح أن الفاروق عمر انتبه لأفعال كعب الأحبار ومنعه من القصص والرواية وهدده بالنفي وبالعقوبة إلا أن عمر مات ورحل (روايات عديدة تعتبر قتل عمر علي يد أبي لؤلؤة المجوسي مؤامرة كان كعب الأحبار مشتركا فيها وضليعا بها وروايات أخري تستخف بهذا الزعم تماما!) لكن اللمعان الكبير والنتاج الضخم لكعب الأحبار كان في عهد معاوية، وبدأت في الظهور أحاديث من نوع ما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما أن رسول الله قال: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج! ثم تكتمل الصورة حين ندرك أن البعض اشتد علي أبي هريرة فاتهمه بأنه كان من أصدقاء ورفقاء وتلاميذ كعب الأحبار، ويرد في بعض الروايات أن كعبًا قال في أبي هريرة: ما رأيت أحدًا لم يقرأ التوارة أعلم بما فيها من أبي هريرة! وقد ذكر علماء الحديث أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس قد رووا عن كعب الأحبار اليهودي. لكن المدافعين عن أبي هريرة- رضي الله عنه- وبينما لا يمانعون في الغمز واللمز في كعب الأحبار فإنهم يرفضون تماماً تهمة أبي هريرة بالانسياق وراء كعب الأحبار فليس في تحديث أبي هريرة عن كعب أي حرج أو مانع، وقد سمح رسول الله- صلي الله عليه وسلم- بذلك فقال: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ( لاحظ أن هذا الحديث عكس حديث آخر نصه : «إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». ويضيف محامو أبي هريرة أنه ليس لأحد أن يزعم أن أبا هريرة كان ينسب ما يحدِّث به عن كعب إلي الرسول - صلي الله عليه وسلم- وربما يكون البعض قد خلط بين ما يرويه عن النبي وما يرويه من القصص عن كعب، ويثبت ذلك ما قاله بشير بن سعيد ( اتقوا الله وتحفظوا من الحديث فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدِّث عن رسول الله- صلي الله عليه وسلم- ويحدِّثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب ويجعل حديث كعب عن رسول الله ) لكن هذا الاثر يستخدمه المتحاملين علي الصحابي أبي هريرة خصوصاً أن دوره البارز في دعم الخليفة الاموي جعله يكسب عداء أعدائها، لكن المتأمل في الأحاديث المروية عن أبي هريرة في البخاري وكما قلنا فهي تحوم حول رقم الخمسمائة أو أكثر قليلاً أو أقل كثيراً، فمعظمها أحاديث لا تشكل أضلاع الدين ولا أركانه، بل تدور حول فروع وفروع الفروع وحول قصص ومرويات تاريخية أكثر منها نصوصا في صلب العقيدة وأركان الإسلام، مما يجعل أي نقد لكثرة الأحاديث المروية عن أبي هريرة بمثابة مبالغة لكن يبدو هذا الوجود المهم لكعب الأحبار الذي لم يعاصر النبي ولم يصحبه مسلما أو يهوديا بل كان في اليمن هو الأمر الأكثر إثارة للدهشة والأكثر تحفيزاً علي العناية بمتابعة منجزات الحبر اليهودي السابق في رواية القصص الاحاديث علي المسلم، فها هو الرجل يدلي بغزير رأيه وتفسير عقله وروايات تاريخية فينقلها عنه بعض الصحابة، ولعل صداقة أبي هريرة به هي التي جلبت علي الأخير نكداً في كتب التاريخ، فقد روي مرة أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم- قال «من أصبح جنباً فلا صوم له»، فأنكرت عائشة -رضي الله عنها - ذلك وقالت : كان رسول الله يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم ؛ فلما ذكر ذلك لأبي هريرة قال : إنها أعلم مني وأنا لم أسمعه عن النبي - صلي الله عليه وآله وسلم- وسمعته من الفضل بن عباس، وربما دفع هذا أحياناً أصحاب المذهب الحنفي إلي أن يتركوا حديثاً لأبي هريرة إذا عارض القياس ( أو الرأي العقلي المستند إلي القرآن والتفسير )، إذ ليس كل حديث حدثه ابي هريرة وصل الى اسماع عائشة لتقول رأيها فيه، فيتذكر ابي هريرة انه لم يسمعه عن الرسول. وقد تسللت الإسرائيليات في أحاديث منسوبة أو روايات مباشرة عن كعب أو تفسيرات لآيات في كتب التفسير نقلها عنهما الناقلون وتورط فيها الشارحون ؛ لهذا واجهت السنة النبوية هذه الحرب الضروس من الدس والكذب، ولهذا يجب أن ينشغل العلماء والفقهاء بتنقية السنة من غبار المعارك وسموم الخصوم! http://www.alhadag.com/articles1.php?id=1898
- صحابة رسول الله - صلي الله عليه وسلم - درجات وطبقات، وقد قُسِّم الصحابة من حيث فضلهم إلي اثنتي عشرة درجة وهي: 1- قدماء السابقين الذين أسلموا بمكة. 2- أصحاب دار الندوة. 3- مهاجرو الحبشة. 4- أصحاب العقبة الأولي. 5- أصحاب العقبة الثانية. 6- أول المهاجرين الذين وصلوا إلي النبي بقباء قبل أن يدخل المدينة. 7- أهل بدر. 8- المهاجرون بين بدر والحديبية. 9- أهل بيعة الرضوان. 10- مَنْ هاجر بين الحديبية وفتح مكة. 11- مسلمو الفتح. 12- صبيان وأطفال رأوا رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يوم الفتح وفي حجة الوداع! هذه هي طبقات ودرجات الصحابة، وقد وصل عددهم في تصنيف ابن الأثير وموسوعته الرائعة (أُسْدُ الغابة في معرفة الصحابة) حوالي سبعة آلاف صحابي، كان هؤلاء هم المحيط الآمن للرسالة النبوية والكتلة الصلبة لانطلاق الدعوة الإسلامية. ولاتساع الرقعة ولطول المسافة فإن قدرتهم علي الاستماع للنبي - صلي الله عليه وسلم - والحفظ منه وتلقي القرآن أو التفسير أو الأحاديث علي يديه كانت متباينة ومختلفة، لكن الثابت أنهم جميعاً كانوا يخشون فعلاً ويرهبون جدًا ويحجمون حقًا عن رواية أي كلمة عن النبي - صلي الله عليه وسلم - سوي آيات القرآن الكريم. نعرف طبعًا أن أبا بكر أول الرجال إسلامًا وكان نسابة العرب، ومع ذلك روي عن النبي- صلي الله عليه وسلم- 142 حديثًا وله في البخاري 22 حديثًا فقط؛ الفاروق عمر وهو من هو في منزلته ومكانته لم يرو عن النبي - صلي الله عليه وسلم - علي أقصي تقدير 50حديثًا، أما علي بن أبي طالب أول من أسلم وتربي في حجر النبي وعاش في كنفه من بعثته حتي غسل جسده الشريف عند وفاته ولم يفارقه لا في سفر ولا حضر وهو ابن عمه وزوج ابنته وشهد جميع الغزوات والمعارك والمشاهد (سوي تبوك) وهو إمام العلم، فلم يحدث أن روي عن النبي - صلي الله عليه وآله وسلم - سوي 58 حديثًا ولم يصح في البخاري سوي نحو عشرين منها، كما أن الخليفة الراشد عثمان بن عفان روي عن النبي - صلي الله عليه وسلم - تسعة أحاديث فقط، ونفس العدد للزبير بن العوام وعبدالرحمن بن عوف، وروي خمسة أحاديث فقط وربما أقل طلحة وزيد بن ثابت وسلمان الفارسي وغيرهم، الصحابة كلهم رووا - كما يرجح البعض - سبعًا وعشرين في المائة بالنسبة لما رواه أبوهريرة - رضي الله عنه عن النبي- صلي الله عليه وسلم-، وكان أبوهريرة قد روي أكثر من خمسة آلاف حديث ولم يصح منها عند البخاري إلا حوالي 400. والواقعة الأكثر ثبوتًا في التاريخ أن الفاروق عمر بن الخطاب ضرب أبا هريرة بالدرة (ما يشبه العصا أو الكرباج أو ما شابه) وطرده من المسجد وهدده بالنفي من المدينة المنورة وقال له أمام شهود المسجد: أكثرت يا أبا هريرة من الرواية ولتتركن الحديث عن رسول الله أو لألحقنك بأرض دوس (موطنه في اليمن). والثابت أن أبا هريرة نفسه قال إني أحدثكم بأحاديث لو حدثت بها زمن عمر لضربني ولشج رأسي. وقال أبو هريرة كذلك «ما كنا نستطيع أن نقول قال رسول الله حتي قُبض عمر(يقصد إلا بعد موت عمر). ما الذي نريد أن نصل إليه هنا؟ نريد أن نصل للإسرائيليات المنسوبة والمدسوسة علي أحاديث النبي صلي الله عليه وآله وسلم، وفي هذا الحقل لا أحد أهم من كعب الأحبار، فهو الاسم اللامع والشهاب الجامع في هذا المجال. هو كعب بن ماتع الحميري وشهرته كعب الأحبار وكان من كبار أحبار اليهود ولكنه لم يسلم في أول عهد الإسلام ولا في عصر النبي - صلي الله عليه وآله وسلم - أو في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه بل تأخر إسلامه حتي خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو ما يلقي بالأسئلة من اللحظة الأولي عن سر هذا التأخر في الإسلام، ولماذا جري التحول؟! هل يا تري بعدما رأي انتشار الدين وقوته أو فشل اليهود من خارج الإسلام في ضربه وطعنه فقرر الصهيوني الأول - كما يطلق عليه بعض المفكرين - أن يسلم ليكون الجاسوس الأكبر علي الإسلام في نظر الكثيرين، وقد أوحي كعب للمسلمين بأن سبب إسلامه أن والده ترك له كتابًا من التوراة وختم عليه وطلب منه ألا يفض الختم أبدا لكن الابن خالف أخيرًا تعليمات والده وفتح الكتاب فإذا صفة محمد وأمته «فجئت مسلما»! كأن إسلام كعب الأحبار يحتاج معجزة من والده الحاخام اليهودي وليس اقتناع وقناعة بما جاء به الإسلام وليس بغلبة الإسلام! وقد صدق سيدنا عمر الفاروق أن كعب قد أسلم، خصوصا أن الإسلام لا يفتش في القلوب ولا يفتح الضمائر (وهو الأمر نفسه الذي يجعل كثيرا من الباحثين يتحرجون من اتهام كعب وهو المسلم الذي ليس لنا إلا إسلامه، بما يتهمه به آخرون) وبدأ كعب يحكي ويروي، مستندًا إلي أن المسلمين الأوائل لم يكونوا من المتصلين بالحضارات والكتب والديانات الأخري بل كان معظمهم من الأميين الذين ، كعادة العرب، يأخذون روايات بدء الخليقة و نشأة الكون و أسرار التاريخ البعيد من روايات اصحاب الكتاب، وبالتالي فقد تعودوا الاستماع إلي اليهود ومنهم كعب الأحبار وآخرين في رواياتهم وتفسيراتهم، من هنا يصبح مفهوما سر الأساطير والخرافات في الدين وتفسيراته ومن بينها قصص الخلق وسنة سيد الخلق ؛ صحيح أن الفاروق عمر انتبه لأفعال كعب الأحبار ومنعه من القصص والرواية وهدده بالنفي وبالعقوبة إلا أن عمر مات ورحل (روايات عديدة تعتبر قتل عمر علي يد أبي لؤلؤة المجوسي مؤامرة كان كعب الأحبار مشتركا فيها وضليعا بها وروايات أخري تستخف بهذا الزعم تماما!) لكن اللمعان الكبير والنتاج الضخم لكعب الأحبار كان في عهد معاوية، وبدأت في الظهور أحاديث من نوع ما رواه أبو هريرة وعبد الله بن عمرو وغيرهما أن رسول الله قال: حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج! ثم تكتمل الصورة حين ندرك أن البعض اشتد علي أبي هريرة فاتهمه بأنه كان من أصدقاء ورفقاء وتلاميذ كعب الأحبار، ويرد في بعض الروايات أن كعبًا قال في أبي هريرة: ما رأيت أحدًا لم يقرأ التوارة أعلم بما فيها من أبي هريرة! وقد ذكر علماء الحديث أن أبا هريرة والعبادلة ومعاوية وأنس قد رووا عن كعب الأحبار اليهودي. لكن المدافعين عن أبي هريرة- رضي الله عنه- وبينما لا يمانعون في الغمز واللمز في كعب الأحبار فإنهم يرفضون تماماً تهمة أبي هريرة بالانسياق وراء كعب الأحبار فليس في تحديث أبي هريرة عن كعب أي حرج أو مانع، وقد سمح رسول الله- صلي الله عليه وسلم- بذلك فقال: «حدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» ( لاحظ أن هذا الحديث عكس حديث آخر نصه : «إذا حدَّثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم». ويضيف محامو أبي هريرة أنه ليس لأحد أن يزعم أن أبا هريرة كان ينسب ما يحدِّث به عن كعب إلي الرسول - صلي الله عليه وسلم- وربما يكون البعض قد خلط بين ما يرويه عن النبي وما يرويه من القصص عن كعب، ويثبت ذلك ما قاله بشير بن سعيد ( اتقوا الله وتحفظوا من الحديث فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدِّث عن رسول الله- صلي الله عليه وسلم- ويحدِّثنا عن كعب الأحبار ثم يقوم فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله عن كعب ويجعل حديث كعب عن رسول الله ) لكن هذا الاثر يستخدمه المتحاملين علي الصحابي أبي هريرة خصوصاً أن دوره البارز في دعم الخليفة الاموي جعله يكسب عداء أعدائها، لكن المتأمل في الأحاديث المروية عن أبي هريرة في البخاري وكما قلنا فهي تحوم حول رقم الخمسمائة أو أكثر قليلاً أو أقل كثيراً، فمعظمها أحاديث لا تشكل أضلاع الدين ولا أركانه، بل تدور حول فروع وفروع الفروع وحول قصص ومرويات تاريخية أكثر منها نصوصا في صلب العقيدة وأركان الإسلام، مما يجعل أي نقد لكثرة الأحاديث المروية عن أبي هريرة بمثابة مبالغة لكن يبدو هذا الوجود المهم لكعب الأحبار الذي لم يعاصر النبي ولم يصحبه مسلما أو يهوديا بل كان في اليمن هو الأمر الأكثر إثارة للدهشة والأكثر تحفيزاً علي العناية بمتابعة منجزات الحبر اليهودي السابق في رواية القصص الاحاديث علي المسلم، فها هو الرجل يدلي بغزير رأيه وتفسير عقله وروايات تاريخية فينقلها عنه بعض الصحابة، ولعل صداقة أبي هريرة به هي التي جلبت علي الأخير نكداً في كتب التاريخ، فقد روي مرة أن رسول الله - صلي الله عليه وسلم- قال «من أصبح جنباً فلا صوم له»، فأنكرت عائشة -رضي الله عنها - ذلك وقالت : كان رسول الله يدركه الفجر في رمضان وهو جنب من غير احتلام فيغتسل ويصوم ؛ فلما ذكر ذلك لأبي هريرة قال : إنها أعلم مني وأنا لم أسمعه عن النبي - صلي الله عليه وآله وسلم- وسمعته من الفضل بن عباس، وربما دفع هذا أحياناً أصحاب المذهب الحنفي إلي أن يتركوا حديثاً لأبي هريرة إذا عارض القياس ( أو الرأي العقلي المستند إلي القرآن والتفسير )، إذ ليس كل حديث حدثه ابي هريرة وصل الى اسماع عائشة لتقول رأيها فيه، فيتذكر ابي هريرة انه لم يسمعه عن الرسول. وقد تسللت الإسرائيليات في أحاديث منسوبة أو روايات مباشرة عن كعب أو تفسيرات لآيات في كتب التفسير نقلها عنهما الناقلون وتورط فيها الشارحون ؛ لهذا واجهت السنة النبوية هذه الحرب الضروس من الدس والكذب، ولهذا يجب أن ينشغل العلماء والفقهاء بتنقية السنة من غبار المعارك وسموم الخصوم! http://www.alhadag.com/articles1.php?id=1898