(4) القراءات
المعاصرة ضرورة وجودية
(ضرورة أو حاجة انطولوجية
Ontological need)
قدمنا سابقاً لمفهوم عمى الزمن،
وشددنا على أن الثقافة العربية
بنسختها الكلاسيكية (التقليدية)
غير مؤهلة لإدراك الفروق العبر
زمانية، على نحو دقيق ليست
الثقافة العربية فقط بل الثقافة
الإنسانية كاملة، وحتى تخوم
القرن الثامن عشر، ما كانت
لتدرك حركية المعاني والمفاهيم.
وحتى لا يبدو أننا نتكلم في
طلاسم نقول: لم يتعرف الإنسان
ويدرك الطبيعة الجدلية في الشيء
إلا في القرون الثلاث الأخيرة،
بمعنى أن المفاهيم عامة كانت
حاضرة في الثقافة بصفتها ثوابت
لا تتغير، مثل مفاهيم العقل
والجمال والحق والعدل ومعنى
النص...الخ
لم يكن بإمكان الثقافة الفاعلة
في القرون الوسطى أن تدرك أن
الحسن والقبيح مسائل نسبية،
وكذلك مفهوم النص ودلالات القيم
العامة كالحق والجمال
والعدالة، هذه الظاهرة سميناها
عمى الزمن كما سبق وبينا، نسبة
لمقياس الزمن فهو المؤشر
القياسي لظاهرة تطور المفاهيم
الإنسانية، بمعنى أنه بإمكاننا
أن نؤشر للمفهوم زمنياً ونتابع
تطوره على هذا النحو، وبالتالي
فإن عمى الزمن في إطار توظيفنا
له كمصطلح يعني: عدم القدرة على
إدراك تطور المفاهيم عبر الزمن.
نتيجة ظاهرة عمى الزمن هذه التي
تكتنف ثقافة القرون الوسطى،
وللأسف لازالت تكتنف الثقافة
العربية في المستوى الشائع -نعني
المستوى المقبول والمتبنى على
نطاق جماهيري- مصابة بعمى الزمن
هذا، بالتالي فهي ثقافة لا
تعترف بتطور المفاهيم
والمضامين، ولعل أبسط وأشهر
الأمثلة هنا هو مفهوم العقل؛ لا
بمعنى الآلة Mind بل بمعنى القدرة
على الربط والتحليل وإنتاج
المعرفة Reason ،
فقد تعاملت ثقافة القرون الوسطى
مع العقل هنا كما لو كان معطى
ثابت لا يتغير، وبالتالي فإن
الإنسان الأول يملك نفس القدرات
العقلية التي يملكها الإنسان
الذي يعيش في القرن الثامن أو
القرن الحادي والعشرين، قد
ينطبق هذا على العقل الحسي أعني
العقل بوصفه آلة إدراك -جهاز وعي-
Mind ولكنه بحال لا ينطبق على
العقل بوصفه فكر وإنتاج معرفة
وأدوات ومناهج دراسة وتحليل،
نستفيد هنا كثيراً، من القسمة
اللالاندية –نسبة للفيلسوف
الفرنسي اندريه لالاند Lalande André
- التي وظفها الجابري في مشروعه
النقدي وإن كنا لا نتفق معه في
توظيفه ذاك وليس هذا مقام
التفصيل في ذلك، لكننا نتفق مع
لالاند في تقسيمه لمفهوم العقل
إلى عقل مكوَّن (بتشديد وفتح
الواو) وعقل مكوِّن (بتشديد وكسر
الواو) على أساس وحدة العقل
الإنساني المكوِّن المنصرف
للدلالة على الآلة -ولو أنه حتى
هذا العقل الآلة تشير الدراسات
إلى أنه هو الآخر أيضاً يتطور
وراثياً بتطور وتعقد المجتمعات
والوظائف العقلية- واختلاف
العقل المكوَّن تبعاً لاختلاف
البيئة التاريخية بما تعنيه من
محتوى ثقافي ومعرفي، والمعنى
الذي نريد أن نخلص إليه هنا، هو
أن العقل الإنساني المنتج للفكر
والمعرفة ليس آلة إدراك فحسب بل
هو أيضاً آلة إنتاج فكر ومعرفة
باستخدام حمولته المتراكمة
لديه في ثقافته وبنيته
المعرفية، ينعكس هذا بالضرورة
على المنهجية (Methodology) التي
تستعمل في معرفة الحقيقة
والصواب، وإصدار الأحكام ...الخ.
قد نقع على بعض الآثار الدالة
على إدراك أثر التغير على
المفاهيم، من مثل القول المنسوب
للرسول الأعظم " علموا
أولادكم على غير عاداتكم فإنهم
خلقوا لزمان غير زمانكم" أو
بما في هذا المعنى إلا أن هذا لا
يشكل حركة وعي حقيقية انعكست
على المفاهيم، نعني أن إدراك
ذلك الأثر بقي مقتصراً على
الظرفية وليس المفهوم، من مثل
رفع الحد في عام الرمادة مثلاً.
• ما فائدة هذا
التقديم لمفهوم: عمى الزمن؟
فائدته التعريف بإشكالية كبرى
تواجهها القراءات المعاصرة، من
وجهة نظرنا وعلى نحو محدد،
الميل العام إلى إنكار تطور
المفاهيم، والذي يشكل عبء ضخم
وقيد يحول دون الحركة إلى
الأمام، الواقع أن الخطاب
الإسلاموي المهيمن، يحشد خلفه
الجمهور بقوة في خندق القراءات
الموروثة، مستغلاً ظاهرة عمى
الزمن، ليشرح خلافه مع القراءات
المعاصرة ومع الآخر أيضاً، كما
لو كان خلاف هؤلاء هو في واقع
الأمر خلافاً مع التراث نفسه،
والحقيقة أن هناك فرق جوهري بين
الخلاف مع التراث وعليه وبين
الاختلاف عن التراث، الأول ربما
يصلح توصيفه خلافاً مع من يرفض
هذا التراث رفضاً تنكرياً،
بمعنى أنه يدعو للقطيعة مع
التراث (يختلف مع التراث وعليه)،
أما الثاني فهو يتبنى القطيعة
الابستمولوجية (المنهجية) قطيعة
في مستوى المنهج (يختلف عن
التراث وليس معه).
إن تراثنا أنتج بواسطة مناهج
تنتمي للسوية المعرفية للقرون
الوسطى، وهذا عمل مشروع لمن
أنتج تلك القراءات التراثية،
وليس متوقعاً أصلاً من منتجيها
أن يتجاوزوا حدود سويتهم
المعرفية تلك، بمعنى أنهم
استندوا لمعارف عصرهم وأعملوا
عقولهم لإنتاج قراءاتهم،
المشكلة هنا تكمن فيمن يحاول أن
يقصر القراءة الصحيحة على
المناهج التقليدية في القراءة
والتفكير، لهذا لا يستوي في
نظرنا ابن تيمية مثلاً ومن
يستحضر قراءته اليوم ويتمثلها
باعتبارها القراءة الصحيحة، إن
القراءة بالنتيجة تستمد
مشروعيتها من عصرها هي، وليس
هناك قراءة عبر زمنية على
الإطلاق، ينطبق هذا على الكتاب
السماوية تماماً كما ينطبق على
أي نص بل وبدرجة أكبر أيضاً لما
للكتاب السماوي من بنية خاصة
تجعله ينفتح لا نهائياً على
إنتاج المفاهيم، ذلك أن قدرة
العقلانية على استنطاق النص لا
ترتهن فقط لسويته المعرفية –نعني
سوية القارئ أو المفسر- بل كذلك
إلى بنية النص نفسه، ويتوقف ذلك
النص عن أن يكون منهلاً متجدداً
ثرياً ومعطاء، تماماً عندما
تقطع دلالته المعنوية بما
يتناقض كلياً والحقيقة العلمية
الدامغة، ولكن نص المصحف الذي
بين أيدينا ، والحاوي للخطاب
التنزيلي، لديه بنية خاصة، تجعل
من المستحيل كما نرى أن نتوقف
فيه مع دلالات قطعية تناقض
الحقيقة العلمية، وليس هذا
حكماً إستباقياً لتبرئة
الكتاب، بل هو حكم يتعلق ببنية
الخطاب نفسه، وهذه قضية سنتعرض
لها على نحو أكثر تفصيلاً عندما
نناقش آلية قراءتنا المعاصرة
لكتاب الله.
• اختلاف القراءات
وضياع الإجماع
يذهب العديد من النقاد للقراءات
المعاصرة لكتاب الله، إلى أن
هذه القراءات والتيارات
الفكرية المعاصرة التي تقدم
مفاهيم مختلفة لكتاب الله،
ستؤدي بالضرورة إلى ضياع
الإجماع على مفاهيم عامة كان
لها سمة الثبات التاريخ.
بنظرنا فإن السؤال المشروع هنا
هو هل التوافق حول مفاهيم عامة
ثابتة هدف؟ أو هل في مصلحة
المجموع ومصلحة الدين عامة أن
تكون له قراءة توافقية واحدة
مقبولة قبولاً عاماً؟
عبر تاريخ التجربة التفاعلية مع
المصحف، فيما سمي بالمجتمع أو
المجتمعات المسلمة، كانت هناك
دائماً محاولات حثيثة لخلق
وتثبيت القراءة الواحدة
الوحيدة الممكنة، والحقيقة
بنظرنا أن أحد جذور العطل
العميق في العقلانية العربية ما
سميناه بالتفكير الإجماعي كضد
حاضر ومكثف للتفكير الجماعي،
أما التفكير الإجماعي فهو الذي
تتبناه وتدافع عنه
الإيديولوجيات الشمولية، ذلك
أنها تعتبر أن وجودها ووجود
الآخر معاً أمر مستحيل، فإما هي
وإما ذلك الآخر، أي أن الحوار
الممكن هو في واقع الأمر حوار
الإلغاء، حوار أضداد يحاول كل
منهما إلغاء الآخر، يحاول أن
يهيمن منفرداً، وبالتالي فلا
مكان إلا للإجماع على الرأي
الواحد والفكر الواحد والقراءة
الواحدة، ينسحب هذا ليس فقط على
قراءة الدين وفهم الكتاب بل
أيضاً على النظام السياسي
والمواقف الاجتماعية، حيث يكون
هناك نزوع عام للإجماع على موقف
ورأي وتصور واحد وهنا تستحضر كل
أشكال القوة الممكنة في الصراع
الإلغائي هذا، ولا يكون الإلغاء
ممكناً في هذه الحالة إلا عندما
تستخدم القوة والعنف بشتى
الأشكال والصور لإلغاء هذا
الآخر ومن ثم إقصائه تماماً.
على النقيض نجد التفكير
الجماعي، والذي نعني به اشتراك
الجميع في التفاعل وفي التفكير
وفي صناعة القرار، حالة مختلفة
كلياً، ولا شك أيضاً أن حالة
الصراع قائمة في هذا التفاعل
بين المختلفين أيضاً، إلا أن
الفرق الجوهري بين التفكير
الإجماعي والتفكير الجماعي، هو
أن الأخير يحافظ على وحدة وبقاء
المختلفين داخل بنيته، وهنا لا
بد من اشتراط الحد الأدنى
المطلوب من الحقوق حتى لا ينزلق
المجتمع نحو محاولة الإلغاء
وخلق الإجماع.
فالجدل يبقى قائماً ومستمراً
والتوتر المنتج كذلك في ظل
التفكير الجماعي لأنه يحافظ على
ديمومة الصراع الخلاق، بينما
ينتفي هذا الجدل والتوتر المنتج
في حالة إعدام النقائض وفرض
الإجماع، تماماً نقول مطمئنين
هنا أنه عندما كان الاختلاف
موجوداً بين المسلمين في القرون
الأولى وكان هناك تنوع مذهبي
وفكري وعقائدي كان هناك حالة من
التفكير الجماعي، وفي اللحظة
التي هيمن فيها منطق ضرورة فرض
الإجماع وإلغاء أو إعدام
البدائل وتحول إلى حقيقة واقعة
توقفت العقلانية العربية عن
الإبداع.
ناهيك عن أن الإجماع مجرد
اختراع تبريري للقمع لا أكثر
ولا أقل، والحق أن مراجعة تاريخ
الاعتقاد المؤمن برسالة محمد
يقطع لنا كلياً بما ذهب له ابن
رشد الحفيد من أنه لم يكن هناك
إجماع على الإطلاق في تاريخ
الفقه والاعتقاد عند المسلمين.
ثم أن الإجماع معناه ابتداء أن
لا يكون الرأي محل الإجماع
مختلف عليه ولو من قبل الواحد،
فلا تنفع فيه الكثرة، فلو أن
واحداً كسر الإجماع لانتفى ذلك
الإجماع بالضرورة، فكيف إذن
يصلح الإجماع حجة على من كسره؟!
أما الأخطر فهو أن الإجماع
كمفهوم كرس عبر التراث في قناته
التي هيمنت، في الواقع الأمر هو
أداة لمنع التفكير وحظر موضوعات
الرأي عن أن تكون موضوعات للرأي
كما هي فعلاً، فعندما نقول أن
الجمهور مثلاً أجمع على كذا في
هذه المسألة، فكأنما نقول على
من يتبع أن يأخذ هذا المجمع عليه
كما هو، وليس له أن يفكر فيه
أصلاً ببساطة لأنه مهما فكر
فيه، عليه أن يتذكر دائماً أنه
موضوع فيه رأي مجمع عليه،
وبالتالي فليس من الممكن ولا من
الحق أن يخرج القارئ الجديد هذا
برأي يخالفه فلماذا يفكر فيه
أصلاً؟!
إن القول بالإجماع حجة معناه
النهائي إغلاق دائرة المفكر فيه
والذي فيه رأي، إنه عملية تضييق
للخناق على الآخر، وبالنتيجة
تحويل البنية كلها إلى بنية
مقدسة وأسطورية وغير قابلة
لإعادة الوعي أو الإنتاج أو
القراءة.