ترجمة
. رفيدة مقدادي
مراجعة
: هاشم صالح
منشورات
الجمل
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أتمّ،
منصور فهمي (1886- 1959) دراسته
الثانويّة سـنة 1906 وفاز ببعـثة
الجامعة المصريّة لدراسة
الفسلفة فى جامعة السوربون
ببارس، حيث أنجز رسالته
للدكتوراه والتى مُنع عـلى
أثرها من التدريس، لكنه أعـيد
إليه بعـد ثورة 1919.
لم
ينشر بالإضافة إلى أطـروحـته
التى صـدرت بالفرنسـيّة فى
باريس عـام 1913 إلا كـتابًا
واحدًا هـو: أبحـاث وخطـرات،
دار المعـارف، القـاهرة 1930.
ولدت
رفـيدة مقـدادى عـام 1937 ببرلين
وتقـيم اليـوم فى القـدس. أتمّت
دراسـاتها الجامعـيّة ببيروت
ومارست العـمل الصحافى
والترجمـة.
هاشم
صالح (1950 ) كاتب ومترجم من سوريا،
مختصّ فى الدراسـات
الإسـلاميّة، مقـيم فى باريس.
منصور
فهمي : أحوال المرأة في الإسلام
حقوق
الطبع محفوظة لمنشورات الجمل،
الطبعة
الأولى، كولونيا - ألمانيا 1997.
هذه
هي الترجمة العربية لكتاب منصور
فهمى:
Mansour
Fahmi: La Condition de la Femme dans la Tradition de
L'Islamisme, Paris, 1913
_________________________
الفهرست
_________________________
-
5 -
تمهيد
وضع
المـرأة فى عـرف وتطـور الفكر
الإسلامى
غاية
البحث هـذا هو وضع المرأة في
الإسلام .
فخاصية
حياة المـرأة المُسلمة أذهـلت
الأ وربيين منذ وقت طـويل. فكُتب
الأدب تصف خَـْبة أمل المطلقات.
وحـياة الحريم. وأمّا علماء
العـِراقة فإنّهم يصوّرون
النساء بالجاهلات. المخـبولات
والمستعـبدات لشهـوات الرجل،
بينما يُصدم المسافر: الأوربي
الذي زار الشـرق المسلم بالوضع
المؤلم للمرأة.
أثناء
غـزوته لمصر خاطب بونابرت
جـنوده قائلاً: في مصر تختلف
معاملة الرجال لنسائهم عـن
معاملتنا لهـن ".
والذي
يذهل فعلاً في وضع المرأة
المسلمة هو العزلة المفـروضة
عـليها. من هـنا، أهـمّيّة
الدراسات المكرّسة لدراسة
العـزلة ومن ناحية أخرى فإنّ
موضوع تحرير المرأة هـو موضوع
الساعة في البلاد الإسلامية
المتقـدّمة. فقـد شعـر المسلمون
بالحاجة لإصلاح السلوك
والأوضاع الإجتماعـية في
حـياتهم. ومن ضمن هـذا الإصلاح
إعـطاء الأولوية لمصير المرأة.
وإضافة
لأهمية موضوع الساعة، فإنّ
عملنا هذا يمثل اهتماما
تاريخيًا: فالبحث الذي قمنا به
يؤكّـد أنّ ظاهـرة عـزل النساء
لم تكن فقط بسبب العامل الديني
بل هي أيضًا نتيجة السلوك
الإجتماعي والفـروقات
الطـبقـية.
أذن
- مع أخذ معطيات تعقّـد الأسباب
التي حددت وضع
_________________________
-
6 -
المرأة
المسلمة – كان عـلينا تفحّص
الأسئلة المختلفة فى الظاهـر
ولكن المرتبطة بصميم موضوعـنا
هـذا. الدين، القوانين،
التقاليد، كل هذه العوامل
متعلقة في بعضها. ولهذا السبب
كان علينا أن نصرّ عـلى ذكـر
عـدّة مواضيع قد تبدو غـريبة أو
لا علاقة لها بموضوع الأطروحة
هـذه. وهكذا تكلّمنا مُطـوّلاً
عـن زوجات محمد لأنّها كانت ذات
صدى في مجال القانون وأثّرت على
سلوك الناس وتقاليدهم:
فـذهـنيّة التقـليد التي
شـجّـعت أوائل المسلمين
المتحمّسين للقرآن، دفعـتهم
أنْ يتّبعـوا حـرفيًا أمثولة
النبي. أي في سـيرته وتصرّفاته
التي أعـتبرت موسـومة بدمغة
إلهـيّة. وكذلك سلوك محمد تجاه
زوجاته أعـتبر أيضًا كمثل
تـقـتدي به الأجيال القادمة.
وهكذا فإنّ فكرة الثبات
المقدّسة المدعّـمة بفكرة
الإلوهـيّة، بسبب الضغط الذي
مارسته عـلى الضمير، قد أبطأت
مسيرة التطور الأخلاقي.
وهـذا
البحث، بالنسبة لنا، هـو مناسبة
للإشارة إلى التأثيرات
الإيجابية التي أثرت عـلى
دراستنا العـلمية: وُلدت
مسلمًا، ونشأت في وسط مسلم
وبعـدها جئت إلى باريس لإتمام
دراستي. وفي باريس، وتحت إشـراف
الأسـتاذ القـدير ليفي – برول.
اكتسبت المناهج الضرورية للبحث
الدقـيق. وبحـثنا هـذا بتوخّى
الحقـيقـة ولاشيء آخـر.
وقد
يعتب البعض من أهلنا - من دون
شـكّ لهـذه الذهـنية النقـدية -
هؤلاء المسلمون الذين يحفظون
احتراما دينيًا للتقاليد. ونحن
أردنا أنْ نكـون صادقين في
عملنا رغم إحساسنا بالتمزّق من
فكـرة جـرح أو أذى الضمير
المقصود لهـؤلاء العـزيزين
عـلينا.
_________________________
-
7 -
ومع
ذلك يكفي أنْ نفكـّر أنْ
الحتميّة غـير موجـودة في
الشخـصيّة الإنسانية وأنّ كل
شيء قابل للتغـير حسب الظروف
المجتمعة. فنحن في الحقيقة لا
نملك الماضي، وإنّما هـو
بالأحرى ملك الأسباب المختلفة
التي ساهمت في خلقه، ولهذا آمـل
من أهـلنا وأصدقائنا
أنْ لا يسـتاءوا منّـا وأنْ
لايثـير عـملـنا هـذا ابتسامات
السـخرية والتعـليقات اللاذعة
بسبب غـرابة دراستنا المطبقة
عـلى بعـض التقاليد والمؤسسات,
فلا مبرّر للتهكّـم أو للغضب
الذي إنْ دلّ عـلى شيء فهـو يدلّ
عـلى عـقـليّة ضيّقة أو مُغـلقة.
فالعالم يتجاهل هـؤلاء لأنّه
يبحث عـن الحقيقة. فهل هـناك من
شعـب يخـلو من تقاليد شاذّة أو
غـريبة، إنّ حكمنا عليها من
وجهة نظر عصرية أو حـديثة؟.
من
خلال دراسة الوثائق التاريخية
استنتجنا الوقائع الضروريّة
لنمسك بخط العلاقات بينها. وقد
أشرنا إلى بعـض الصلات التي
تربط عادة عـزل النساء بنظام
العـبودية، فالأولى تريـد
التمييز بين المرأة الحرّة وبين
الجارية. وفي كل المؤسسات
المختلفه التي تعمقنا في درسها
والتي تشكل القاعدة لعملنا،
ذهـلّنا للصلة النسبية بين هـذه
المؤسسات. وبالتالي فإنّ هـذا
البحث ما هـو إلا " تفاعل
داخلي بين عـدّة عـناصر وأسباب
" كما يقـول العالم. رابو،
وسيكون الحكم عـلينا أفضل إنْ
أخـذنا بعـين الاعـتبار هـذا
المنطلق – تفاعـل مرّكب –
الـذي ينطبق جيدًا في
عـلم الاجتماع والذي تمّ إثباته
في بحـثنا هـذا. فكلّ قسم يحمل
بصمة مجـموع المؤسّسات التي
بنيت على قاعدة واحدة. ومن جهة
أخـرى، كان عـلمنا في المقدمة
أنْ نجمع بعـض المعـطيات
_________________________
-
8-
عن
وضع المرأة العـربية قـبل
الإسلام. فسلوك قدماء العـرب
لعب دورًا في تكـوّن المؤسّسات
الإسلامية.
هـذه
اللمحة الإفـتتاحية تسمح لنا
بأنْ نتعـقـّب، وباهـتمام
كبير، الإنحطاط المـتزايد
للمرأة المسلمة الذي لم يسـتطع
النظام النظري المتضمّن فى
القـرآن من أجل حمايتها أنْ
يمنعـه.
وأنْ
نذكـر سني الدراسة في السوربون وذكرياتنا
الحلوة في الحي اللاتيني
والانتظام المفـيد الذي خلق
مـنا عـقـولاً متفـتّحة فإننا
ننتهـز الفرصـة لنقـدّم خالص
شـكرنا وتقـديرنا للجامعة
المصرية، وإلى سمو الأمير أحمد
فـؤاد الذي شـجّعـنا كـثيرآ،
وأرتن باشا، والبرو فسور
ماسبييرو الذي عـرّفـنا إلى
البروفسور لفي برول الذي أظهر
اهـتمامًا كـبيرًا بعـمـلنا.
ولقد
أشـرنا سـابقًا للتأثير
الإيجابي الذي مارسه ليفي برول
عـلى تطـوّرنا العلمي ولهذا نحن
له شاكرون. و شكرًا أيضًا للسيد Picaet
الذي
اهـّتـمّ في الماضي في عملنا
لنيل الدبلوم.
وأخيرآ
لا ننسى البروفسور Snouck-Hurgronje
المستشرق الهـولندي
اللامع لنصائحه المفـيدة أثناء
إقـامتنا في Leyde
وعـرفاننا بالجميل لمكـتبة
هـذه البلدة.
منصور
فـهمي ( باريس 1913 )
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
:
(
ا ) مراسلات نابليون الجزء
اللأول ص . 2 9 ا - 183
(
2) رابو : التحويل والخبرة ص10
_________________________
-
9-
المقدمة
وضع
المرأة عند العرب قبل الإسلام
إنّ
الرجوع إلى تاريخ العـرب ما
قـبل الإسلام هو للبحث عـن
دلائل متعلّـقة بوضع المرأة
وإسهام للتنوير عن وضعها في
الأزمنة بعـد الإسلام، وبكلمة
أخرى، ربط الماضي بالحاضر بتلك
الاستمرارية غـير المرئيّة
التي توحـّدهما. وأخيرًا إنّ
الرجوع إلى الماضي هـو لتأكيد
وإثبات ما يقـوله لفي برول: "
إنّ العادات المتأصلة في
أفكارنا وعـواطـفـنا، وآلاف
الروابط غـير المحسوسة التي
تربطـنا بماض نعـتقد أنّه
انتهى، هـذه العادات شئنا أمّ
أبيْنا تجعـلنا دائمأ نصب
النبيذ الجـديد في الأقـداح
القـديمة ونضع الأفكار الجديدة
في البراويز القـديمة"(1).
إذا
ما عـدنا في الزمن إلى الوراء
بقـدر ما تسمح لنا الوثـائق
بذلك وجـدنا أنّ الكتب
المقـدّسة، وكـتب الشـعـر،
والأمثلة والأساطير وحصيلة
الدراسات الفـلسـفـية تمكّننا
من تحديد مصير المرأة في
المجتمع العـربي الذي وُلـد
فـيه الدين الإسلامي، حيث شيّد
وتبلور، فـتاريخ ما قبل
الإسـلام هـو تاريخ تمهـيدي،
عـبارة عـن رواق أو مدخل إلى زمن
محمد وخلفائه (2). وإنْ يبدو
الإسـلام ثورة أحـيانًا،
لاغـيًا بعـض العادات أو بانيًا
مؤسّسات جديدة في المجتمع الذي
وُلد فيه فإنّه يؤكّد بجلاء،
أنّ بين الاختلافات والمعارضات
وجود عدد كبير من السمات
المشتركة لتأمين الاستمرارية
بين العادات العـربية
والمؤسّسات الإسلامية.
_________________________
-
10 -
فالعمل
الثوري الذي غـيّر الجزيرة
العربية بمجيء محمد يكشف عن
اتجاهين: الأوّل هـو الرغبة في
تدمير الماضي كلّه والثاني هـو
الرغبة في الحفاظ عـلى الشواهـد.
هذه
النزعة الثنائية تركت دمغة
حتمية عـلى الأعـمال التي تبدو
لأول وهلة، أنّها حدثت فجأة.
ولكن العادات العربية كانت
نفسـها مختلفة ومتباينة حسب
الحقـبة الزمنية من تاريخ
العـرب القديم. أو المناطق التي
سـكنتها القـبائل وحسب الطبقات
الإجتماعية.
يروي
التاريخ لنا تقاليدًا، عـادات
متغـيّرة مُشـوّهة ومغـمورة،
فتظهر لنا متناقضة، ولكن هـذا
لا يُدْهـشـنا أنْ تذكّـرنا أنّ
الجزيرة العـربية الصحراوية
القديمة كانت ملتقى للحضارات
القـديمة. فـإسماعـيل، مثلاً،
الذي تاه في الصحارى العـربية،
والملكة سبأ التي تذكـر
الأساطير علاقاتها مع الملك
سليمان، ومجـوس الفـرس، وجيوش
الحبشة، كل هؤلاء ما كانوا إلا
صـدىً بعيدًا يبرهن عـلى أنّ
الجزيرة العربية لم تكن معـزولة
عـن بقـيّة العالم القـديم.
وفيما
يتعلق بموضوعنا هذا، تستطيع
الأساطير القديمة أنْ تلقي
الضوء عـلى مفهـوم فكـرة
العائلة عـند العـرب القـدماء
أو مفهـوم المؤرّخين لها.
تصف
الأساطير، في تاريخ العرب، وادي
مكة.مهـدًا بدائيًا للسلالة
العـربية، واسماعـيل ابن
إبراهـيم هـو الجـدّ الأوّل
لهذه السلالة ورواية زواج
اسـماعيل وحياته العائليّة
تعـطينا صورة عـن العائلة
العـربية القـديمة، عـلى الأ
قـل في ذهنيّة مؤرّخي الإسلام
(3).
_________________________
-
11 -
ذهب
ابراهيم في زيارة لابنه
اسماعـيل بعـد مرور سـنة عـلى
زواجه. وعـند وصوله باب منزل
ابنه يلتقي بامرأة. " من أنت؟"
سأل إبراهـيم. " إنني امرأة
اسـماعـيل " أجابت المرأة.
سألها " أين اسـماعـيل؟"
قالت " ذهـب إلى الصيد " قال
ابراهيم " إنني ضائع، جائع
هـل لك أنْ تطعـميني؟" أجابت
امرأة اسـماعيل " هـذه بـلد
صحراوية وليس عـندي ما أطعـمك
" لم يكن إبراهـيم جائعًـا
وإنّما راد أنْ يمتحن زوجة ابنه
وقبل أنْ يغادر المكان قال
لزوجة ابنه" " إنني ذاهب،
ولكن أخـبري زوجـك عـند رجـوعه
بزيارتي وصفي له ملامح شخصي
وقولي له أنني اطلب منه أن
يُغـيّر عـتبة باب بيته. فهم
اسـماعـيل مغـزى نصيحة والده
إبراهـيم وطلّـق امرأته وتزوّج
امـرأة ثانية - ابنة المدحذج.
وبعـد زمن قصير يرجع إبراهـيم
البطـريرك إلى منزل ابنه فـرأى
إمرأة جميلة " من أنت؟ " سأل.
فأجابت: " أنا امرأة اسـماعيل"
" أين اسماعـيل؟" سأل
أجابت: " ذهـب إلى الصيد "
أراد إبراهـيم أنْ يمتحنها كما
فعـل مع الزوجة الأولى فطلب
منها أنْ تطعـمه.
جلبت
إمرأة اسـماعـيل الحليب،
اللحمة والتمور، واعـتذرت عـن
عـدم وجـود الخبز. أكل إبراهـيم
وبارك الطعام المقـدّم له
متمنيًا وفـرة الأصناف الثلاثة
في المنطقة. وعـند انتهائه،
دعـته زوجة اسـماعـيل لأن يغـسل
لحيته ورأسه الملئ بالغبار.
غـادر
إبراهيم مسرورًا وقال لزوج ابنه:
" صـفي لزوجك ملامح شخصي
وقـولي له بالنيابة عـني، إنْ
عـتبة باب البيت صالحة وجميلة"
فهم اسـماعيل كلمات أبيه وعاش
حـياة سعـيدة مع زوجته التي
أنجبت كثيرًا من الأطفال
فأداموا ذريته.
هـذه
الأسطورة التي ترجع إلى تاريخ
قـديم جـدًا، تمـثّل في
_________________________
-
12 -
جوهرها
عـنصرين متواجدين في سلوك
وتقاليد العـرب القدماء، فمن
ناحية تُمثّل سلطة ربّ العائلة
عـلى زوجته ومن ناحية ثانية،
وبرغم هـذه السـلطة، فإنّ دور
المرأة الاجتماعي لم يلغْ بسبب
هـذه السلطة فدورها موجود إذ
كانت تستقبل الضيف، تتكلم وتبحث
وتتصرف في غـياب زوجها.
يُشـير
تاريخ الأزمنة القديمة في كل
مكان، أنّ ربّ العائلة هـو
السيّد المطلق الذي أمام سـلطته
يخضع له جميع أفراد العائلة من
النساء والأطفال. ولا شكّ أنّ
سلطة الأب هـذه قـد أنقصت من شأن
المرأة، لأ ن الأب كان هـو الذي
يحسم القـرار في زواج ابنته (4).
فالزوج
هـو الذي يهيمن، وسـلطـته، لأنه
ربّ البيت، لاتعـرف حـدودًا إلا
عـواطفه وحسن معاملته. والأكثر
من ذلك فإنّ المرأة، مبدئيًا،
أزيحت وحل محلها الوارثون
الذكور، وفيما بعـد جاء الإسلام
أعـطاهـا حصتها من الميراث –
قسمـًا منه -.
عـلى
الرغـم من وضعها المتدني،
نظـريًا، فإنّ المرأة كان لها
وجود، كانت تتكلم، وتفكّـر
وتتصرف. يشهد التاريخ بعـدد من
الوقائع التي تذكر تفوق ونشاط
المرأة العربية القديمة. فكانت
تشارك في الغـزوات(5) وتعمل في
التجارة (6) ولها الحـرية بأنْ
تعـتنق الدين الذي يناسبها دون
أنْ تتبع إرادة زوجها سـلبيا(7).
وإنْ قارنا دور المرأة المزدوج في
تاريخ العـرب القديم ودور
المرأة الآن في المجتمع
الإسلامي، يمكننا أنْ نقول مع
رينان بأنّ " المرأة العربية
في زمن محمد لاتشبه مطلقا هذا
الكائن الغـبيّ الذي يسكن قصور
الحريم في عهد العثمانيّين
"(8).
كانت
المرأة العربية القديمة جميلة
لأ ن دورها كان فعالاً،
_________________________
-
13 -
إيجابيًا.
كانت تعـيش.
فيما
بعـد جاء الإسلام (9)، بمؤسساته
المختلفة، وقوانينه
التيوقراطية والعواقب التي
أسفرت عـنها، جاء وغـيّر
المفاهيم والسلوك وهكذا شُلّت
حركة المرأة.
وعـلى
الرغم من أنّ محمدًا أراد
حمايتها إلا أنّ الإسلام ساهم
في انحطاط المرأة. هـذه الحقيقة
التي تبدو متناقضة لها ما
يفسرها. فالمرأة في الأزمنة
القديمة كانت محميّة الرجل،
كانت تعـتبر في نفس الوقت أدنى
منه، ولكن عـندما يكون الرجل
هـو ربّ العائلة أو البطريريك،
فإنّ المرأة التي هي أمّ أولاده
كانت تستطيع أنْ تظهر إنْ صحّ
القول، ملكة البيت العائلي.
يحميها
الرجل ويحترمها(10) في آن واحد،
والأكثر من ذلك لم يكن الرجل
يقصّر في تنظيم وضع شريكته -
المال - حسب عـواطفه نحوها.
ولكن
عندما تحوّل المجتمع العـربي من
نظام أبـوي إلى نظام ملكي، حيث
أعـطى الحاكم نفسه مهمّة نشر
العـدالة حسب قوانين ثابتة
وصارمة أو صادرة ومفروضة من
الله، وجدت المرأة نفسها
مُجْـبرة عـلى بعـض الواجبات
التي لم تسـتطع أنْ تحلم، حتى
مجرد حلم بالتخلص منها.
فقبل
مجيء الإسـلام، كانت المرأة
خاضعة لسلطة الأ ب أو الابن أو
الزوج، وهـذه السلطة، كما قلت
سابقـًا، كانت تُلطفها المحبة
والعاطفة. أمّـا الآن، ومع
الإسلام، فقد وجدت المرأة نفسها
خاضعة لسلطة الله، الله العادل،
الذي حسب عدالته الفائقـة، راح
يصفع المرأة بالدونيّة.
فالمرأة
قبل الإسلام هي غـير المرأة
بعـده. فالأ ول كانت تلعـب
_________________________
-
14 -
دورًا
اجتماعيا، بينما الثانية أصـبح
دورها محـدودًا في بيت العائلة.
وبالغ بعـض المسلمين
الأخلاقيّين في هـذا الدور
بقولهم إنّ البيت يجب أنْ يكون
عمل المرأة الوحيد وأنّ عـليها
أنْ تـنزوي فيه.
المرأة
عـند العرب القدماءء كانت
مرتبطة عاطفيًا بعائلتها أكثر
من عائلة زوجها، وبالنسبة لها
فان مكانة الأخ هي أهـمّ
عاطفيًا من الزوج.
المثل
السائر يفسر هـذه الظاهرة
بوضـوح: "مـوت الأ خ
لايُعَـوّض، فهـو ليس كالزوج
الذي يمكن إيجاده أو الطفل الذي
تمكن ولادته "(11).
ربما
كانت هـذه السمة المميزة هي
إحدى مخلّفات نظام الزواج
اللُحمي، الذي انتقل فيما بعـد
إلى الإسلام. هذه الطبيعة
البطريركية لم تستوعـب أبدًا
تلك العاطفة التي قد تستطيع
اقتلاع امرأة من الحنان المقتصر
عـلى العائلة فقط. نقرأ، في كتاب
الأ غاني، قصة المحارب الوسـيم -
من قبيلة يشكر - الذي
في غـزوة ضد قبيلة تميم، خطف
فتاة شابة نبيلة، وذهب عـمّ
الفتاة يطالب المحارب
باسترجاعها لقاء فـدية. أعـطى
المحارب الخـيار للفتاة
الأسـيرة أما أنْ تبقى معه أو
تلتحق بعائلتها. واختارت الفتاة
المحارب الوسيم الذي سـرق قلبها.
رجع
عمّ الفتاة الأسيرة الجميلة إلى
عـشيرته ساخطًا من ضعـف الجنس
الذي يقبل هذا الاختيار.
وتملّكه الغـضب فأمر بدفن
ابنتيه الصغيريتين وحلف نفس
المصير إنْ جاءته ابنة ثالثة أو
رابعة في المستقبل. فالواقع إنّ
اعـتماد المرأة عـلى عائلتها
عـلى حسـاب - ضرر- علاقاتها
الزوجية كان يضمن لها الحماية
ضد
_________________________
-
15 -