تراث وفقـه
 
 


معضلة احراق المصاحف


إذا الصحف أحرقت

قد يستغرب القاريء الكريم عنوان المقال، وربما لا يروق له إمضاء قسط من وقته الثمين في استحضار قضية تاريخية كالتي نحن بصددها!، بيد أني أزعم أن المعاني العظيمة التي تكتنزها هذه الحادثة وآثارها في عموم الخطاب الإسلامي وأصوله وفصوله كفيلة بإرواء عطش القاريء النهم لكل ما هو بحاجة إلى إعادة قراءة وتصحيح رؤية وتصويب مسار في تراثنا وحاضرنا الإسلامي الذي وصل إلى درجة الجمود والتيبس وعدم القدرة على النهوض والعطاء والاستمرارية بسبب ابتعاد الأمة عن المنهج الرباني القائم على التدبر والنقد والفحص والنظر الكلّي البناء القائم على الاتصال بين الجزيئات واعتمادها بدلا عن منهج التفكيك والتجزيء والانفصال.

هذا المقال يتحدث حول قضية تاريخية خطيرة جداً أثّرت مباشرة أو بشكل غير مباشر على مسار الأحداث في تاريخ الأمة الإسلامية، إنها حادثة جمع خليفة المسلمين عثمان بن عفان للمصاحف وإحراقها، والتي كانت من أهم المطاعن الموجهة ضد الخليفة من قبل خصومه السياسيين([i])، وخطورة التهمة تنبع من مركبات التهمة الثلاثة، وهي التهمة والمتهَم والمتهِم، فالتهمة وهي جمع المصاحف المنتشرة في أقاليم الدولة الإسلامية وآفاقها وإحراق تلك المصاحف المنتشرة وإلزام الناس بالنسخة التي بيد الخليفة تنطوي على استتباعات شرعية خطيرة جداً أهمها هدم خاصية النقل المتواتر للقرآن الكريم مما يسمح لفرضيات البتر والتحريف لآيات القرآن وسوره بالظهور والانتشار وهو ما حدث فعلاً كما سنراه في سياق هذا البحث، والمتهَم هو خليفة المسلمين الثالث وهو من أحد كبار الصحابة السابقين الأولين من المهاجرين وهو صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنتين من بناته العفيفات الطاهرات، وفي زمانه قامت رحى الفتنة الكبرى بين المسلمين وبمقتله بدأت الحرب الطاحنة بين الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى يوم الدين!، والمتهِم هم خصوم الخليفة السياسيون المعاصرون له كالثوار الذين أطاحوا به وعلى يدهم كان اغتياله، ومن جاء بعدهم من خصوم الدولة الأموية التي استمدت شرعيتها من مظلومية الخليفة وحادثة اغتياله، فاعتبر خلفاء بنو أمية أنفسهم امتداداً لعثمان بن عفان! .

وقد تعاطت المدارس الإسلامية المختلفة مع هذه القضية وفق معايير مختلفة، فهناك أطراف تنزع إلى ربط القضية بمسألة جمع القرآن الكريم، وبالتالي التشكيك في مصداقية الجمع القائم على الاحتكار والمصادرة والحرق، وهناك أطراف تنزع إلى فصل القضية عن مسألة جمع القرآن مع إقرارها بأن هناك اتصالاً موضوعياً بين الحادثتين باعتبار أن جمع القرآن الكريم تم في عهد أبي بكر وعمر وأن المصاحف التي أحرقها عثمان إنما كتبت بلهجات غير تلك التي تتحدث بها قريش، وهناك طرف آخر نظر للأمور بشكل أكثر عمقاً واتزاناً مبعداً فيه القرآن الكريم عن كونه طرف في صراع سياسي يجعل منه عرضة للاتهام بالتحريف والزيادة والنقص.

تبدأ فصول قصة إحراق المصاحف كما ترويها المصادر الحديثية حين قدم حذيفة بن اليمان على عثمان، "وكان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية وأذربيجان مع أهل العراق. فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك. فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبدالله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة، فأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا. وأمر بكل ما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق"([ii]). .

وهذه الرواية على طولها أهملت ذكر تفاصيل كثيرة ومهمة، فهي لم تذكر طبيعة الاختلاف في القراءة الذي أقلق حذيفة بن اليمان، كما أنها لم تتعرض لموقف كبار الصحابة من هذه الحادثة، كما أن أمر الخليفة للقرشيين الثلاثة بتقديم رأيهم على رأي زيد بن ثابت الأنصاري الذي تجمع المصادر الروائية لأهل الحديث بأنه هو من قام بجمع القرآن بأمر من أبي بكر وعمر([iii])، بل إنها تشير إلى أن المصحف الذي بين يدي حفصة والذي أراد عثمان نسخه وتوزيعه في الآفاق هو نفس المصحف الذي جمعه زيد بن ثابت ([iv]) يثير الكثير من الشكوك حول صحة مزاعم أهل الحديث أن القرآن الكريم إنما جمع في عهد أبي بكر وعمر وأن الذي قام بعملية الجمع تلك هو زيد بن ثابت الأنصاري؟ كل هذه الإشكالات التي تثيرها روايات أهل الحديث حول قضية إحراق الصحف إنما هي امتداد طولي لمسألة خطيرة جداً وهي مسألة الخلاف حول عملية جمع وترتيب القرآن الكريم.

التحريف إنما تتعلق بمعالجة مسألة الخلاف الحاصل بين مدارس الأمة حول من قام بجمع القرآن، حيث ذهب الإباضية إلى أن الذي جمع القرآن الكريم هو النبي صلى الله عليه وسلم ([v])، وذهب أتباع مدارس أهل السنة إلى أن الذي جمع القرآن هما أبو بكر وعمر([vi])، أما الشيعة فقد قالوا أن الذي جمع القرآن هو علي بن أبي طالب([vii])، وقد استدل الإباضية لرأيهم بالكثير من الحجج لخصها ابن بركة (ت 362هـ في الآتي:

1- لا يعقل أن يترك النبي صلى الله عليه وسلم "القرآن الكريم الذي هو حجته على أمته، والذي تقوم به دعوته، والفرائض التي جاء بها من عند الله، وبه يصح الذي بعثه الله داعياً إليه، مفرقاً في قطع الخزف الذي لم يجمعه، ولم يضمه، ولم يحصه، ولم يحكم الأمر في قراءته، وما يجوز من الاختلاف وما لا يجوز، وفي إعرابه، ومقداره، وتأليف سوره، وهذا لا يتوهم على رجل من عامة المسلمين، فكيف برسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم"([viii]).

2- أن القرآن الكريم نزل على رسوله صلى الله عليه وسلم في ثلاث وعشرين سنة، كلما أنزلت آية وسورة قرأها على أصحابه في صلاته وحضور جملة المهاجرين وخيار الأنصار والذين يلونهم في الأقدار، وكانوا أهل عناية وتعظيم له، وحرص عليه، يدرسونه نهارهم، ويصلون به في ليلهم، ويتفقهون فيه ويتفهمون معانيه، ويقريء بعضهم بعضاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غيره من مساجدهم ومشاهدهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك يحثهم على التعليم ويرغبهم فيه، وإذا كان الأمر كما ذكرنا لم يخف على من كان على هذه الصفة وسار على هذه السيرة ناسخ ومنسوخ ومكي ومدني وتقديم وتأخير، وكيف وهم شهود للقصة، حضور للتنزيل"([ix]).

3- جعل النبي صلى الله عليه وسلم كتاباً "يكتبون الوحي لا يدفع ذلك صاحب خبر ولا حامل أثر، وكان منهم ابن أبي سرح وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل ومعاوية ابن أبي سفيان. فإن لم يكن القرآن مجموعاً مكتوباً في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فأي شيء كان يكتب هؤلاء؟"( [x])، يقول أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة: "بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزلت آية قال: اجلعوها في سورة كذا وكذا. وما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا والقرآن مجموع متلو"([xi]).

4- أن "العرب مخصوصون بشدة الحفظ وحسن البيان"([xii])، فهم أصحاب الشعر والمعلقات، وقد حفظ الصحابة "من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه وأحاديثه وأخلاقه وسيره ودلالاته قبل مبعثه أضعاف ما بين دفتي المصحف، يعلم ذلك جميع الفقهاء، ويخبرك به جميع العلماء"([xiii])، ونحن نرى أن أطفال المسلمين اليوم في مشارق الأرض ومغاربها من عرب وعجم يحفظون القرآن كاملاً، فتوهم عدم حفظ الصحابة وأبنائهم للقرآن وهم أرباب الفصاحة البيان وعليهم نزل القرآن لهو مما يزري بهم ويحط من قدرهم.

1- ومن الدلائل التي تدل على حفظهم وعنايتهم بالقرآن أنهم كانوا علماء لنظم السور وتأليف الآي، وأنهم لم يقدموا فيه ولم يأخروا، مع علمهم أن أول ما نزل من القرآن هو قوله تعالى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ}العلق: 1، إلا أنهم لم يقدموها على البقرة ولا سورة براءة التي هي آخر ما نزل من القرآن، ولا يعقل أن يكون هذا الترتيب المحكم لسور القرآن الكريم وآياته إلا بتوجيه من النبي صلى الله عليه وسلم وهداية من الوحي، وصدق الحق تعالى حين قال: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}الحجر: 9.

2- أن الصحابة كانوا يعرفون من جمع القرآن من الأنصار، فقد روي عن أنس بن مالك أنه قال: "ما جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ستة نفر كلهم من الأنصار، أبي ومعاذ وزيد وأبو زيد وأبو أيوب وعثمان"([xiv])، و"من حفظه من المهاجرين، ومن بقيت عليه السورة والسورتان"([xv])، ولو لم يكن القرآن مؤلفاً بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يجمعه هؤلاء الستة وغيرهم([xvi]).

3- روى الربيع بن حبيب عن أبي عبيدة قال: "بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أنزلت عليه آية قال: اجعلوها في سورة كذا. وما توفي رسول الله إلا والقرآن مجموع متلو"([xvii]).

في المقابل فقد روى أهل الحديث أن زيد بن ثابت رفض بداية اقتراح أبي بكر وعمر له بجمع القرآن وقال: "كيف تفعلون شيئاً لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم؟"([xviii]). وقال ابن حجر في شرح ذلك: "كان القرآن كله كتب عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور"([xix])، ورووا أيضاً أن الزبير بن العوام قال: "أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين من آخر سورة براءة، فقال أشهد أني سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم ووعيتها. فقال عمر: وأنا أشهد، لقد سمعتها. ثم قال: لو كانت ثلاث آيات لجعلتها سورة على حدة، فانظروا آخر سورة من القرآن، فألحقوها في آخرها. قال ابن حجر: ظاهر هذا أنهم كانوا يؤلفون آيات السور باجتهادهم"([xx]). أما ترتيب سور القرآن فقد ذهب جمهورهم إلى أنه اجتهاد من الصحابة! حيث يقول السيوطي: "وأما ترتيب السور: فهل هو توقيفي أيضاً، أو هو باجتهاد من الصحابة؟ خلاف. فجمهور العلماء على الثاني"([xxi]). وفي هذا نسبة التقصير إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يحفل بالكتاب الذي هو دستور الأمة، فلم يجمعه، ولم يعهد إلى الصحابة بجمعه، ولم يبين كيفية ترتيب آيات القرآن ولا سوره!، بل إن أهل الحديث قد فتحوا باباً للطعن في القرآن الكريم حين رووا في قصة جمع زيد بن ثابت القرآن قول زيد "فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ}التوبة: 128!!، حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر رضي الله عنه"([xxii]). وفي رواية أخرى أن الآية التي فقدها كانت من سورة الأحزاب([xxiii])!، وفي رواية ثالثة أن الآية المفقودة هي قوله تعالى {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ}الأحزاب: 23([xxiv])..

فالقرآن حسب أهل الحديث جمعه شخص واحد، وأن بعض آياته لم توجد إلا عند رجل واحد، وأن المصحف أودع عند رجل واحد، وورثه عنه رجل واحد، ثم ورثته عنه امرأة!، فانتفى عن القرآن صفة التواتر، وسقطت حجيته، وانتهز أعداء الإسلام الفرصة ليطعنوا في القرآن وآياته ويشككوا في عصمته عن التحريف والتغيير والتبديل. والرأي الذي قال به الشيعة أضعف وأوهن مما حكاه أهل الحديث، حيث زعم الشيعة أن علي بن أبي طالب جمع القرآن وحده ([xxv])، الأمر الذي دفع بغلاة الشيعة إلى القول بتحريف القرآن الكريم([xxvi])!.

إذا تم جمع القرآن بتكليف من النبي صلى الله عليه وسلم، والعملية تمت تحت سمعه وبصره، لكان ما أحرقه عثمان بن عفان لا يمكن أن يكون هو القرآن الذي أنزله الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، وتلقاه الصحابة كتابة وحفظاً، فقد روي عن أم المؤمنين عائشة أنها أمرت أبا يونس مولاها أن يكتب لها مصحفاً، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذني {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}البقرة: 238. فلما بلغها آذنها، فأملت عليه (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانيتين). فقالت: هكذا سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم"([xxvii]).

فهذه الرواية قد تعني أن الصحابة كانوا يضيفون تفسيرهم للقرآن الكريم في نفس المصحف الذي لديهم، خاصة وأن الحروف في ذلك الزمان لم تكن منقطة او مشكلة، وفكرة الأقواس والحواشي وغيرها لم تكن قد ظهرت، وشح الأوراق ووسائل التدوين قد يكون دفع الناس إلى جمع كتابة القرآن وتفسيره في نفس المكان،.

-------------------------------
[i] حسين الشاكري "المصطفى والعترة" ج3ص30.
[ii] البخاري 4987.
[iii] البخاري 4986.
[iv] البخاري 4986.
[v] ابن بركة "الجامع" ج1ص59.
[vi] السيوطي "الإتقان" ج1ص116، وابن حجر العسقلاني "فتح الباري" شرح الحديث 4986، ج10ص15.
[vii] الطبرسي "الإحتجاج" ج1ص97، وص103، وص105.
[viii] ابن بركة "الجامع" ج1ص59.
[ix] ابن بركة "الجامع" ج1ص59-60.
[x] ابن بركة "الجامع" ج1ص61.
[xi] الربيع 15.
[xii] ابن بركة "الجامع" ج1ص61.
[xiii] ابن بركة "الجامع" ج1ص61.
[xiv] الربيع 7، البخاري 3810، واللفظ للربيع.
[xv] ابن بركة "الجامع" ج1ص62.
[xvi] ابن بركة "الجامع" ج1ص64-65.
[xvii] الربيع 15.
[xviii] البخاري 4986.
[xix] ابن حجر العسقلاني "فتح الباري" شرح الحديث 4986، ج10ص15.
[xx] السيوطي "الإتقان" ج1ص123.
[xxi] السيوطي "الإتقان" ج1ص124.
[xxii] البخاري 4986.
[xxiii] البخاري 2807.
[xxiv] البخاري 4988.
[xxv] الطبرسي "الإحتجاج" ج1ص97، وص103، وص105.
[xxvi] انظر مثلاً"الشيعة والقرآن" لإحسان إلهي ظهير.
[xxvii] الربيع 185.