تراث وفقـه
 
 


 الامين يكذب والصادق يخون


روى الجاحظ في كتاب الأخبار أيضًا ، عن أبي إسحاق إبراهيم بن سيار النظام ، أنه قال ، في الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : كيف يجيز السامع صدق المخبر، إذا كان لا يضطره خبره، ولم يكن معه علم يدل على صدق غيبه، ولا شاهد قياس يصدقه، وكون الكذب غير مستحيل منه مع كثرة العلل التي يكذب الناس لها ودقة حيلهم فيها، ولو كان الصادق عند الناس لا يكذب، والأمين لا يخون، والثقة لا ينسى، والوفي لا يغدر، لطابت المعيشة، ولسلموا من سوء العاقبة.

وكيف نأمن كذب الصادق، وخيانة الأمين، وقد ترى الفقيه يكذب في الحديث، ويدلس في الإسناد، ويدعى لقاء من لم يبلغه، من غريب الخبر ما لم يسمعه، ثم لا يرى أن يرجع عن ذلك في مرضه بل أن تغرغر نفسه وقد أيقن بالموت، وأشفى على حفرته،بعد طول إصراره، والتمتع بالرياسة في حياته، وأكل أموال الناس به؟ولولا أن الفقهاء والمحدثين، والرواة والصلحاء المرضيين، يكذبون في الأخبار، ويغلطون في الآثار، لما تناقضت آثارهم، ولا تدافعت أخبارهم.

قالوا: ولو وجب علينا تصديق المحدث اليوم لظاهر عدالته، لوجب علينا تصديق مثله، وإن روى ضد روايته، وخلاف خبره، وإذا نحن قد وجب علينا تصديق المتناقض، وتصحيح الفاسد، لأن الغلط في الأخبار، والكذب في الآثار، لم تجده خاصاً في بعض دون بعض!!

وكيف لا يغلطون، ولا يكذبون، ولا يجهلون، ولا يتناقضون؛ والذين رووا منهم:
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا عدوى ولا طيرة، وأنه قال: فمن أعدى الأول؟
هم الذين رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فر من المجذوم فرارك من الأسد
وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الأسلام، فأرسل إليه من بايعة مخافة أعدائه؛
وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين توجه إلى بدر أراد أن ينزل الصفرا، وهي بين جبلين، فسأل عن اسميهما، وعن الحيين النازلين بهما، فقيل: ينزلهما بنو النار، وبنو حراق، بطنان من بني عفار، فتطيّر منهما، وتعداهما إلى غيرهما، واسم الجبلين الضيقين.
وأنه قال: الشؤم في المرأة والدار والدابة.
قال: والذين يروون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: خير أمتي القرن الذي بعثت فيه هم الذين رووا
أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره .
قال: والذين رووا منهم أن الصعب بن جثامة قال: يا رسول الله ذرارى المشركين تطأهم خيلنا في ظلم الليل عند الغارة؛ قال: اقتلوهم فإنهم مع آبائهم؛ وأنه حين أغزى أسامة بن زيد إلى ناحية الشام، أمر أن يحرق المشركين بالنار وذراريهم؛
هم الذين يروون أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعث سرية فقتلوا النساء والصبيان، فأنكر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك إنكاراً شديداً؛ فقالوا: يا رسول الله، إنهم ذراري المشركين؛ وإن خالد بن الوليد لما قتل بالغمصا الأطفال، رفع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يديه، حتى رأى المسلمون بياض أبطيه، وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم بعث عليا عليه السلام فودّاهم.



قال: والذين يروون أن خديجة قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم:
يا رسول الله أرأيت أطفالي منك أين هم؟ قال: هم في الجنة، قالت: أفرأيت أطفالي من غيرك أين هم؟ قال: في النار، فأعادت عليه الكلام، فقال مثل ذلك، فلما أعادت عليه، قال: سكت وإلا أسمعتك ضغاءهم في النار.
وإن عقبة بن أبي معيط لما أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقتله قال: من للصبية ؟ قال: النار.
هم الذين رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: المؤودة في الجنةوالشهيد في الجنة وإن أولاد المشركين خدم أهل الجنة.

قال: والذين رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الله جل ذكره أوحى إلي إني خلقت عبادي كلهم حنفاء فأتتهم الشياطين فاغتالتهم عن دينهم، وانه قال: كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه الذين يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه.
هم الذين رووا أن النبي صلى الله عليه قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له، أما من كان من أهل السعادة فهو يعمل للسعادة، وإن كان من أهل الشقاء فهو يعمل للشقاء؛ وأن الله عز وجل مسح ظهر آدم فقبض قبضتين، فأما الذين في قبضته اليمنى فقال: إلى الجنة برحمتي، وقال للذين في اليسرى:
إلى النار ولا أبالي، والسعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقى في بطن أمه، وإذا وقعت النطفة في الرحم أوحى الله إلى ملك الأرحام: اكتب فيقول: يا رب ما أكتب؟ قال: اكتب شقياً أو سعيداً.

والذين رووا أن القدرية مجوس هذه الأمة، وأنهم قد لعنوا على لسان سبعين نبياً؛ هم الذين رووا أن ميكائيل كان قدرياً حتى خصمه جبريل،وأن موسى كان قدرياً حتى خصمه عمر.
قال: وتلوا علينا قول الله عز وجل: (وإبراهيم الذي وفىّ ألا تزر وازرةٌ وزر أخرى).ثم رووا أن ولد الزنا شر الثلاثة، وأن المعول عليه يعذب بعويل أهله، وأيما صبي مات ولم يعق عنه أبواه فهو محتبس عن الجنة حتى يعقا عنه.

قال: وتلوا علينا: (الله أعلم حيث يجعل رسالاته) وقوله: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين)، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ما كفر نبيٌ قط)، ثم رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم على دين قومه أربعين سنة، وأنه قال: ما ذبحت للعزى إلا كبشاً واحداً.
وأنه زوج ابنتيه: عتبة بن أبي لهب وأبا العاص بن الربيعوأنه قال - قبل الوحي - لزيد بن عمرو ابن نفيل: يا زيد، إنك فارقت دين قومك وشتمت ألهتهم، فقال له زيد:
يا أيها الإنسان إياك والردى فإنك لن تخفى من الله خافياًوالذين رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا يفضلني أحدٌ على يونس بن متى، فقد كان يرفع له في اليوم الواحد مثل عمل جميع أهل الأرض؛
هم الذين رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأنا أول من يدخل الجنة ولا فخر،وإن كل نبي يقول في القيامة: نفسي نفسي!! وأنا أقول: أمتي أمتي، ومعي لواء الحمد).
وهم الذين رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: لا تفضلوا بعض الأنبياء على بعض، فإنهم بنو علات أمهاتهم واحدة، والذين رووا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن روح الشهداء تكون في حواصل طير خضر تأوي الليل إلى قناديل في الجنة، وإن الأرواح في الهواء جنود مجندة، تتشام كما تتشام الخيل، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكرمنها اختلف.
وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقف على قليب بدر فقال: يا عتبة بنربيعة، يا شبيبة بن ربيعة، يا أبا جهل، يا أمية بن خلف: هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟فقيل له في ذلك، فقال:
والذي نفسي بيده إنهم ليسمعون كما تسمعون، وإن منكراً ونكيراًليأتيان الرجل في قبره فيسألانه: من ربك وما دينك؟ وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلمقال: والذي نفسي بيده إنهم ليسمعون خفق نعالكم.
هم الذين تلوا علينا: (وما أنت بمسمع من في القبور) وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: اللهم رب الرواح الفانية والأجساد البالية
وأن عبد الله بن عباس سئل عن الأرواح أين تكون إذا فارقت الأجساد ؟ وأين تذهب الأجساد إذا بليت ؟
قال أين يذهب السراج إذا طفئ ، وأين يذهب البصر إذا عمي ؟ وأين يذهب لحم الصحيح إذا مرض ؟
فقال السائل لا أين !!
قال كذلك الأرواح ، إذا فارقت الأجساد .
قال والذين رووا [....................] وإنما ذكر الجاحظ والنظام : أن دين الناس بالتقليد ، لا بالنظر والبحث والاستدلال ، وقد ذمّ الله تعالى في كتابه المقلدين ، فقال : " إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" ...."


انتهى النقل بتمامه عن نشوان الحميري (ت 573 هـ ) في كتابه الحور العين [ ص ص 230 - 236 ] طبع الخانجي ، وطبعة اليمن [ ص ص 284 - 290 ] .
ويُراجع بحث بسّام الجمل عن مطاعن النظّام في الأخبار