تراث وفقـه
 
 


 دار الاسلام ودار الكفر


  النزعة المركزية الإسلامية-رؤية الإسلام للآخر-الإصدار الثانى- أغسطس 2008 (2) 
2008 / 8 / 23 

* دار الإسلام ودار الكفر:  
مثلما يقسم الإسلام البشر إلى مؤمنين و“كفار” وإلى حزب اللـه وحزب الشيطان، يقسم الأرض إلى “دار الإسلام” و”دار الكفر. فكل أرض لا يسودها المسلمون ولا تعد جزءا من الدولة الإسلامية يعدها دار كفر.  
 
لا يوجد فى النصوص المقدسة تعريف محدد لدار الإسلام ودار الكفر. كذلك لم يحدد الفقه بشكل قاطع ومتفق عليه بين الفقهاء معنى كل منهما.. وقد تعددت التقسيمات واختلفت التعريفات. وبعيدا عن الاختلافات المعتادة يهمنا هنا أن نشير إلى أنه من الثابت فى الفقه الإسلامى والراسخ فى الثقافة الإسلامية منذ قرون أن العالم ينقسم إلى أرض إسلام وأرض "كفر"، والمعنى الظاهر لهذا التقسيم هو أن انقسام البشر دينيا هو التميز الرئيسى فى الفكر الإسلامى (مقابل التقسيم الطبقى مثلا فى الفكر الماركسي) . وبالتالى فالدين هو المحدد الأول لهوية الناس ولانتمائهم. ورغم انقسام "دار الإسلام" نفسها منذ قيام الدولة العباسية إلى دول عديدة ووجود قوميات شتى بين المسلمين منذ عهد مبكر، ظل الاعتقاد بأن الدين هو الهوية الأساسية سائدا. وحتى رغم الحروب التى نشأت بين المسلمين دولا وجماعات وظهور معسكرات دولية يضم كل منها مسلمين أفرادا ودولا، لم يتغير هذا الاعتقاد. على هذا الأساس يجب – من وجهة النظر الإسلامية – أن يجاهد المسلمون فى دار الحرب بجانب المسلمين فى دار الإسلام ولو ضد البلد الذى يقيمون فيه. والمعنى أنهم طابور خامس فى بلدهم لصالح دار الإسلام.. مما لا يُعتبر وفقا للفكر الإسلامى السائد خيانة وطنية بل تعد عملا جهاديا حيث الجنسية الأهم فى الإسلام هى “الجنسية” الإسلامية. ويصر الإسلاميون المتشددون، وبعض “المعتدلين”أيضا خصوصا من غير العرب، على معاداة الفكرة القومية؛ العربية وغيرها ويعتبرها أغلبهم من ضمن المؤامرة الغربية على الإسلام.  
 
أعرض تعريف لدار الإسلام بأنها كل بقعة تكون فيها أحكام الإسلام ظاهرة أو كل أرض تظهر فيها أحكام الإسلام. وبالرغم من أن الأمر يبدو نسبيا، حيث أن التكفير كان دوما من أسهل ما يمكن واسُتخدم من قبل مسلمين ضد بعضهم وضد دولهم أيضا، إلا أن هذا التعريف هو ما اتفق عليه مجمل فقهاء الإسلام التقليديين. وأكثرهم تساهلا بوجه عام هم الأحناف الذين قالوا أن دار الإسلام تنتهى عند سيطرة التشريع الغير الإسلامى، مثل عدم معاقبة ما يعتبره الإسلام من الجرائم كالزنا والربا وشرب الخمر، وكذلك تواجد بلد غير إسلامى حائل بين بلدين إسلاميين، أو إذا منع المسلمون من الإقامة أو رفض الأمان لهم.  
 
كما يعتبر أقلهم البلد دار إسلام إذا استطاع فيه المسلمون إقامة شعائرهم وتطبيق شريعتهم وإن لم ُيحكم ككل بشرع الإسلام. إلا أن بعض الفقهاء اشترط أن يكون الحاكم مسلماً، وآخرون اشترطوا أن يكون القاضى مسلما أو انتخبه المسلمون[1]. والنادر جدا من الإسلاميين الأكثر تفتحا يكتفى لاعتبار الدار دار إسلام أن يستطيع المسلمون فيها ممارسة عباداتهم والدعوة للإسلام دون إعاقة وبناء على ذلك اعتبروا البلاد الغربية حاليا من ديار الإسلام.  
 
ودار الإسلام وفقا لهذه التعريفات جميعا ليست ثابتة بالضرورة، بل تشمل كل أرض تنطبق عليها الشروط بما فيها الأراضى المفتوحة، وبذا تتحدد دار الإسلام بآخر نقطة يطبق فيها الإسلام[2].  
 
ويعتبر الجهاديون والمتشددون الإسلاميون عموما دار الإسلام “هى تلك التى تقوم فيها الدولة المسلمة، فتهيمن عليها شريعة اللـه، وتقام فيها حدوده، ويتولى المسلمون فيها بعضهم بعضا، وما عداها فهو دار حرب، علاقة المسلم بها إما القتال، وإما المهادنة على عهد أمان، ولكنها ليست دار إسلام”[3].  
 
أما التعريف الأوسع قبولا لدار الكفر فهى كل بقعة تكون فيها أحكام "الكفر" ظاهرة حتى لو بها مسلمين كثير أو قليل. ونظرا لتباين التحديدات لمفهوم دار الإسلام تكون دار الكفر هى كل مالا يعد دار إسلام[4].  
 
ويضيف الفقهاء ما يُسمونه بدار البغى وهى أصلا من ديار المسلمين الذين تمرد أهلها على الإمام. كما ذُكر ما سُمى بدار الردة وهى دار إسلام فى الأصل ارتد أهلها[5].  
 
وتنقسم دار الكفر بدورها إلى أقسام متعددة، وحسب ابن القيم: (وهذا مقبول من جمهور الفقهاء): "الكفار" إما أهل حرب وإما أهل عهد وأهل العهد ثلاثة أصناف: 1- أهل ذمة 2- أهل هدنة 3- أهل أمان.  
 
وقد عقد الفقهاء لكل صنف بابا فقالوا باب الهدنة باب الأمان باب عقد الذمة. ولفظ الذمة والعهد يتناول هؤلاء كلهم فى الأصل. وكذلك لفظ الصلح فإن الذمة من جنس لفظ العهد والعقد. وقولهم هذا فى ذمة فلان أصله من هذا أى فى عهده وعقده أى فألزمه بالعقد والميثاق ثم صار يستعمل فى كل ما يمكن أخذ الحق من جهته سواء وجب بعقده أو بغير عقده كبدل المتلف فإنه يقال هو فى ذمته وسواء وجب بفعله أو بفعل وليه أو وكيله كولى الصبى والمجنون وولى بيت المال والوقف فإن بيت المال والوقف يثبت له حق وعليه حق كما يثبت للصبى والمجنون ويطالب وليه الذى له أن يقبض له ويقبض ما عليه[6].  
 
ويمكن تلخيص أصناف "الكفار" بوضوح أكثر كالتالى:  
 
القسم الأول: أهل الحرب: 
 
وهم "الكفار" الذين لم يدخلوا فى عقد الذمة، ولا يتمتعون بأمان المسلمين، ولا عهدهم، وهذا القسم حلال الدم والمال، فيجوز ويشرع للمسلم قتل "الكافر" المحارب وأخذ ماله، وقد دلت السنة النبوية على هذا الحكم، وقد مارس هذا محمد فى غزواته مع المشركين. ولفظ المحارب هنا لا يعنى الذى يقاتل بالفعل بل القادر على القتال من أهل دار الحرب حتى لو لم يبدأوا مهاجمة المسلمين. ف"الكفار" غير المعاهدين للمسلمين أهل حرب حتى لو أرادوا العيش فى سلام.  
 
القسم الثانى: أهل عهد 
 
1- أهل الذمة 
 
وهم "الكفار" الذين أُقروا فى دار الإسلام على كفرهم، بالتزام الجزية ونفوذ أحكام الإسلام فيهم، وهذا القسم معصوم الدم والمال، فلا يجوز لأحد من المسلمين الاعتداء عليهم، لأنهم فى ذمة المسلمين وحمايتهم.  
 
2- “كفار” هدنة:  
 
وهم "الكفار" الذين صالحهم المسلمون على إنهاء الحرب مدة محددة لمصلحة يراها الإمام، ولا يجوز أن يكون الصلح إلى الأبد، لأن فى هذا تعطيلاً لأصل الجهاد، وإنما يعاهدهم المسلمون فى حالة الاستضعاف. وهذا القسم معصوم الدم والمال فى وقت العهد والصلح، فما دام الصلح قائماً فإنه يحرم على المسلمين الاعتداء عليهم؛ لأن فى ذلك نقضاً للعهد والمواثيق، وذلك محرم: يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود (المائدة: 1) ، وإذا انتهى الصلح فإن حكمهم حينئذ يكون حكم المحاربين، فتحل دماؤهم وأموالهم. فالهدنة خدعة من خدع الحرب بتعبير منسوب لأبى حامد الغزالى.  
 
3- أهل الأمان:  
 
وهم "الكفار" الذين يدخلون فى دار الإسلام بأمان كرجال الأعمال والتجار وأصحاب الصناعة والمهن التى يحتاج إليها المسلمون، وكذلك الرسل المبعوثون من الدول الأخرى واللاجئون طالبوا الأمان. وهذا القسم من "الكفار" معصوم الدم والمال ما داموا ملتزمين بالشروط المبرمة بينهم وبين المسلمين. ومع ذلك يمنح الفقه الإسلامى لكل من الدولة الإسلامية وأفرادها حق استجارة "الكفار"، ولكن هذا الحق يستثنى منه "الكفار" من أتباع الدولة الإسلامية؛أهل الذمة ويقصر على المسلمين فقط[7]، مما يعنى انتقاصا من مكانة وحقوق “الكافر” حامل الجنسية الإسلامية وتعنى مباشرة أنه مجرد ضيف فى بلده وليس صاحب البلد، حيث لا يستطيع استضافة “كفار” مثله بينما يملك المسلم هذا الحق.  
 
يمكن إذن أن نميز العلاقة بين دار الإسلام ودور الكفر إلى:  
 
1- - علاقة حرب حيث لا توجد معاهدات ولا اتفاقيات 
 
2- علاقة عهد 
 
3-علاقة مركبة كما ذهب ابن تيمية مثلا، حيث توجد دار بين الاثنين لا هى بدار الحرب ولا بدار الإسلام[8]. وهذه الحالة الأخيرة لجأ إليها بعض المتشددين المعاصرين لوصف البلاد الإسلامية التى لا تلتزم حكوماتها بتطبيق الشريعة بأنها لا دار إسلام ولا دار كفر[9].  
 
 
 
علاقة الحرب:  
 
* الرأى السائد فى الإسلام أن دار الكفر هى بالضرورة دار حرب مالم تكن غير ذلك، أى مالم تكن تربطها بدار الإسلام معاهدة ما. فالأصل بين الإسلام و"الكفر" هو الحرب لنشر دين اللـه وجعل كلمة اللـه هى العليا[10]. فمالم تكن هناك معاهدة سلام تكون دار الكفر دار حرب مستباحة من قبل المسلمين. ف”الحربى الذى لا ذمة له ولا عهد” حسب تعريف الشوكاني[11]. كما أن” دم الكافر لا يتقوم إلا بالأمان”[12]، ففى غياب العهد يحل دمه تلقائيا، والمعنى أن دمه حلال فى الأصل ولا يمنعه إلا وجود عهد مع المسلمين.  
 
وقد ذهب جمهور الفقهاء قديماً وحديثاً مذهب القول‏ بأن الأصل فى العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب هو الحرب ولا يكون السلام إلا مؤقتا وبالتالى استثنائيا.. ويقوم هذا المذهب على قاعدة راسخة فى الفكر الإسلامى هى أن السيادة على العالم حق طبيعى للإسلام وحده وما دام هناك من يكفر بهذا الحق الشرعى، فمن الطبيعى أن يعتبره الإسلام كائناغير شرعى، بل ومعتد على سلطان اللـه فتكون الحرب بينهما حتى يحكم الإسلام الأرض ومن عليها، وهناك من الأحاديث كثير مما يدعم هذه الفكرة.  
 
ومع ذلك هناك من مفكرى الإسلام أقلية ترى العكس، أى أن الأصل فى العلاقة بين دار الإسلام ودار الحرب هو السلم، منهم محمد رشيد رضا[13] وعباس محمود العقاد[14]، والدكتور أحمد صبحى منصور[15] والدكتور وهبة الزحيلى [16]. ويرى الزحيلى أن الجهاد نوع مما يسمى الآن بمقتضيات "الدفاع الوقائي" وأنه وسيلة فى يد ولى الأمر لحماية نشر الدعوة أو للدفاع عن المسلمين (ص 125) . وأن الفتح أجيز بشرط أن تكون الدولة المفتوحة قد اعتدت على الإسلام أو ثبت لدى المسلمين أنها تأخذ الأهبة للاعتداء، فليست المسألة حقاً طبيعياً فى الاتساع والسيادة يمارسه الإسلام كلما مس ظرفاً مؤاتياً، وإنما مسألة دفاع وقائى. ثم يصل إلى القول "يرى فقهاء المذاهب السنية والشيعية فى عصر الاجتهاد الفقهى فى القرن الثانى الهجرى أن الأصل فى علاقة المسلمين بغيرهم هو الحرب جريا على أساس تقسيم الدنيا إلى دارين، وبناء على ما فهموه من آيات القرآن على ظاهرها وإطلاقها دون محاولة الجمع والتوفيق بينها (ص 130) . وهو ما ينفيه معتبرا أن علة القتال فى الإسلام هو الحرابة لا الكفر (ص131-132) ويقرر فى النهاية أن رأى الفقهاء فى أن الأصل هو الحرب ليس حجة على أحد، فهى حكم زمانى. ورغم هذا لم يستطع الزحيلى أن يصل للنهاية مثل صبحى منصور؛فنراه يعتبر أن الدفاع الوقائى يتضمن "حالة الاعتداء على الدعاة... بمصادرة حرية التبليغ الإيجابية أو وقوع الفتنة فى الدين" (ص 93) أى يشترط للسلام حرية المسلمين فى التبشير ولم يناد بحق مماثل "للكفار". كما نراه لا يعترض على الخصال الثلاث؛الإسلام أو الجزية أو السيف (ص 98) مكتفيا بنفى أن السلام يسود حين تتبع شريعة محمد (ص 97) ، وهو هنا يتفق ضمنا مع الفقهاء الذين ينتقدهم فى أن السلام يسود حين يسود الإسلام كمنهاج وليس كدين، أى بخضوع الكفار للمسلمين، خاصة أنه يتحدث عن العهود الدائمة على أنها عقد الذمة وليست العهود الأخرى المؤقتة فى مجمل الفقه الإسلامى. ولم يقل العقاد من قبل خلاف ذلك ولكن باستحياء حيث أشار بسرعة إلى حق الإسلام فى الدعوة كشرط للسلام (ص 23 من المرجع السابق) .  
 
ونحن لا نهتم بما يسمى حقيقة الإسلام كما هو موضوع الحوار بين الطرفين سابقى الذكر وإنما نهتم بكشف (حتى من خلال كلام الزحيلي) أن جل الفقهاء رأوا أن الحرب هى الأصل بين الإسلام و"الكفر".  
 
ويستند القائلون بأن السلم هو الأصل فى العلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر، وهم القلة القليلة من الفقهاء و”العلماء” والدعاة، إلى بعض الآيات والأحاديث التى تدعو إلى السلم مع غير المعتدين من "الكفار" وإلى عدم البدء بشن الحرب إلا إذا بدأ الآخرون أو وقع منهم ما يدل على نيتهم فى شن الحرب. ومع ذلك لم ينكر أحد أن نشر الإسلام هدف ثابت للمسلمين وذهبت الأغلبية إلى أن ذلك لا يكون بالسيف ولكن يجمع جل الإسلاميين من كل اتجاه على أن ضمن أهداف إعداد القوة و”من رباط الخيل” تأمين وصول الدعوة الالهية إلى كل بنى البشر. وإن الصمت الذى يلتزمه بعضهم بعد هذه العبارة لا يحمل فى طياته سوى الرغبة فى طمس القضية إعلاميا. ف”تأمين وصول الدعوة الالهية إلى كل بنى البشر” يتضمن إجبار الدول "الكافرة" على فتح أبوابها لدعاة الإسلام وإلا..، وهو أيضا رأى أكثر الإسلاميين التقليديين بما فيهم أغلب المتشددين. هذا طبعا فى الوقت الذى يأبى فيه الجميع تقريبا أن تُفتح حدود الدول الإسلامية للدعاة من الأديان والملل الأخرى بل يُمنع بالقوة أى نشاط محلى مضاد للإسلام، وفقا لكافة أحكام الشريعة التى يقبلها حتى الرأى العام المسلم ككل فى هذا الصدد. ويعزز معظم الإسلاميين الكلام عن الطابع الدفاعى للحرب فى الإسلام بالزعم بأن الفتوحات لم تكن تهدف إلى تحقيق منافع دنيوية، بل للدعوة إلى الإسلام، وكأن الهجوم لفرض نظام الإسلام وتوصيل دعوته ليس هجوما!.  
 
إلا أن الحجة غير كافية على الإطلاق، فالبدء بالدعوة السلمية لا يكون هو آخر ما لدى الإسلام، بل يلى ذلك الحرب إذا امتنع "الكفار" عن قبول الدعوة أو دفع الجزية. وفى أفضل الحالات يُطالب المسلمون "الكفار" بعدم الوقوف فى طريق الدعوة لا عسكريا ولا سياسيا، بمنع المسلمين من الدعوة لدينهم فى دار الكفر بحرية وممارسة مسلمى دار الكفر لشعائرهم، فإذا أبوا ذلك حل القتال. فالقول بأن السلم هو الأصل هو مجرد ادعاء لا يقوم على أساس، لأن مجرد تخيير "الكفار" بين الإسلام أو الجزية أو السيف يعنى أن عليهم أن يخضعوا سلما (وهو الخيار الأفضل فى الإسلام) أو قتالا وهو القرار المحتم إذا رفضوا الخضوع سلميا. وفى هذا لا يختلف القائلون من الفقهاء أن أصل العلاقة هو الحرب، فالإسلام لا يبدأ بالحرب لدى الأغلبية العظمى من ال”علماء” دون إنذار بقبول الإسلام، بينما ترى القلة أن مجرد إعلان الرسالة على العالم بعد أن انتشر الإسلام يُعد إنذارا للجميع. وهو مالا ينفى أن الحرب هى الأصل، حيث أن التهديد بالخضوع هو عمل من أعمال الحرب. وإذا عدنا إلى رسالتى محمد إلى كسرى وقيصر والتى سبق ذكر نصهما لوجدنا التهديد بالحرب مبطن فيهما مع الدعوة للإسلام دون عرض لحوار أو نقاش عام. وكان من الممكن إذا كان السلم هو الأصل أن يُرسل الدعاة إلى بلاد العالم للدعوة وكانت حرية الانتقال متوفرة فى تلك الأيام، ولكن فضل المسلمون التهديد.  
 
وإذا كان السلم هو الأصل لكان على الإسلام أن يعترف بعقائد "الكفر" كتوجهات مشروعة لأصحابها وأن يمتنع عن التهديد بالجزية أو القتال لمن امتنع عن الإسلام وكان عليه أن يمتنع عن غزو البلاد الأخرى وأن يكتفى برد العدوان. ولكن ما يأخذ به كل عامة وخاصة المسلمين تقريبا أن سيادة الإسلام على العالم هو تكليف إلهى للمسلمين. وقد لخص سيد قطب مفهوم السلام الذى يريده الإسلام فى رأيه بطريقة واضحة: “فالإسلام حين يسعى إلى السلم، لا يقصد تلك السلم الرخيصة، وهى مجرد أن يؤمن الرقعة الخاصة التى يعتنق أهلها العقيدة الإسلامية. إنما هو يريد السلم التى يكون فيها الدين كله للـه. أى تكون عبودية الناس كلهم فيها للـه، والتى لا يتخذ فيها الناس بعضهم بعضا أربابا من دون الله“[17]. وهو رأى لا يخص المتشددين الإسلاميين فحسب بل جل “الأمة” الإسلامية.  
 
وإن الخلاف الدائم بين الفقهاء عن أصل العلاقة بين دار الإسلام ودار الكفر ليعنى وجود توجهات شتى فى قراءة النصوص وفى تحليل السنة النبوية العملية. وغالب الأمر أن جل القائلين بالسلم كأصل للعلاقة يقصدون أن الحرب يسبقها الإنذار والدعوة وأن هذا أفضل من الحرب وهو قول كما أسلفنا لايعتبر التهديد مرحلة من مراحل الحرب. وجدير بالملاحظة أن القائلين بالسلم هم القلة فى المعسكر الإسلامي[18]، أما القائلين بالسلم بشرط عدم اعتداء "الكفار" فقلة القة بالإضافة إلى الإسلاميين العلمانيين القلائل للغاية.  
 
وهناك من يقر أن التقسيم التقليدى إلى دار إسلام ودار كفر أو دار حرب يستحق الإهمال حاليا ليس لأنه لا يتفق مع الإسلام، بل لأن المسلمين حاليا فى حالة من الضعف تتطلب منهم المهادنة، وهو نهج براجماتى صريح. وقد رأى أحد الدعاة على سبيل المثال أن الغرب المعاصر هو “دار دعوة” وليس "دار حرب “، أو “ دارإسلام “، “لأننا إن قلنا إننا فى “ دارحرب “ فلسنا قادرين على ممارسة الحرب، وإن قلنا إننا فى دار إسلام فمعنى ذلك أننا نرضى بكل القوانين التى تحكم هذه البلاد: التى نحن فيها”![19].  
 
إن التراجع على صعيد الدعاية والشعارات لا يعنى تغيير الفكر أو القناعات، بل إعادة ترتيب االأولويات وتفادى الصدام مع "الكفار" الأكثر قوة. ولذا يجب أن نميز بين الثقافة والدعاية الانتخابية أو الخطابة الديماجوجية فى المحافل الدولية، وما يدل على وجود هذه الفجوة أن نفس الإسلاميين أصحاب الدعاية “الإنسانية” يكشفون عن قناعاتهم وما تؤمن به قواعدهم وأنصارهم من وقت لآخر وعلنا.  
 
أما معاهدات السلام فمؤقتة دائما وفقا للفقه الإسلامى، فهى تمثل فترات هدنة من الحرب الدائمة ضد "الكفار". وإن فضائل الغزو فى الإسلام كثيرة كما سبق أن رأينا (من مات ولم يغز، ولم يحدث به نفسه، مات على شعبة من نفاق) . فمن غير المقبول فى الإسلام عموما أن تبقى دار الإسلام ودار الكفر فى حالة سلام أبدى، وللضرورة أحكام ولكن الهدف الثابت للمسلمين يجب أن يكون تحقيق السيادة للإسلام، سلما أو قتالا كما سبق وتحدثنا فى مفهوم جهاد الطلب. أما قبول وجود "الكفار" فى سلام وبلا خضوع للإسلام بشكل أو بآخر كمبدأ، أى إلى أجل غير مسمى فيناقض الإسلام السائد تماما. وقد حدد الماوردى 10 مهمات لخليفة الإسلام، منها “جهاد من عائد الإسلام بعد الدعوة حتى ويدخل فى الذمة ليقام بحق اللـه تعالى فى إظهاره على الدين كله “[20]. وإن موادعة "الكفار" وحتى التحالف مع بعضهم ضد الآخر أحيانا أمر مقبول ولكن على نحو مؤقت وتحت وطأة الظروف غير المواتية. ذلك أن مصلحة الإسلام قد تتطلب بعض المرونة فى أوقات الأزمات وفترات الضعف. والكلام هنا بوضوح عن السلام بالمفهوم العسكرى وليس الفكرى، فالصراع العسكرى بين الإسلام و"الكفر" هو الأصل من وجهة النظر الإسلامية السائدة. أما فى فترات الضعف فيمكن للمسلمين استدعاء أحكام المرحلة المكية، ونقصد بها استدعاء وسائل الدعوة المحمدية حين كان مستضعفا فى مكة، فلجأ إلى الحوار والتسامح واللين فى الدعوة للإسلام. ويمكن أن نضرب مثالا على وجود هذا التوجه فى الفكر الإسلامى:  
 
فالقول بأن الإسلام هو دين السلام يقصد بها فى الفقه الإسلامى أن يقام السلام، لا بين أكفاء، وإنما فى ظل سيادة الإسلام على "الكفار"، فيجب على المسلمين غزو دار الكفر وأن يهزمونها أو يحتلونها أو يفرضوا الجزية على أهلها لتكون الهيمنة للمسلمين.. أو للإسلام لا فرق من الناحية العملية.  
 
ولنقرأ الآية التالية فى سورة محمد (آية: 35): فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون واللـه معكم ولن يتركم أعمالكم. وقد فسرها ابن كثير كالآتى: “أى لا تضعفوا عن الأعداء وتدعوا إلى السلم أى المهادنة والمسالمة ووضع القتال بينكم وبين "الكفار" فى حال قوتكم وكثرة عددكم وعددكم ،.. ولهذا قال: فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون أى فى حال علوكم على عدوكم.. فأما إذا كان "الكفار" فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام فى المهادنة، والمعاهدة مصلحة فله أن يفعل ذلك”[21].  
 
أما القرطبى فتناول أيضا علاقة الآية بالآية المناقضة لها شكلا: “واختلف العلماء فى حكمها؛ فقيل: إنها ناسخة لقوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها (الأنفال: 16) ؛ لأن اللـه تعالى منع من الميل إلى الصلح إذا لم يكن بالمسلمين حاجة إلى الصلح. وقيل: منسوخة بقوله تعالى: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها (الأنفال: 16) . وقيل: هى محكمة. والآيتان نزلتا فى وقتين مختلفى الحال. وقيل: إن قوله: وإن جنحوا للسلم فاجنح لها مخصوص فى قوم بأعيانهم، والأخرى عامة. فلا يجوز مهادنة "الكفار" إلا عند الضرورة؛ وذلك إذا عجزنا عن مقاومتهم لضعف المسلمين. وقد مضى هذا المعنى مستوفى “. وقد ذهب معظم المفسرين نفس المذهب. بينما حدد الشوكانى احتمالات من بينها أن الآية تدعو إلى عدم البدء بالدعوة للسلم ولكنها لا تمنع قبوله إذا دعا إليه "الكفار" وبهذا تكون غير ناسخة ولا منسوخة بالآية 16 من الأنفال سابقة الذكر[22]. والأمر الأكثر قبولا فى الفكر الإسلامى هو القول الأول. وكثير من الإسلاميين يعلن صراحة هذا المنطق؛أى المهادنة فى حالة الضعف والهجوم فى حالة القوة: "ولا يعنى هذا عند من يفهم شيئاً من دين اللـه عز وجل أن المسلمين فى حال ضعفهم مفروض عليهم أن يعلنوا الحرب على الناس جميعاً من أول وهلة، ولكن السياسة الشرعية تقتضيهم أن يعملوا بكل نص حسب ظروفه ومقتضياته وأحواله دون إلغاء لما سواه من النصوص"، [23]، وهذا من ضمن قواعد فقه الأولويات.  
 
وقد نص الحديث بوضوح على “منطق”الحرب الإسلامية ضد "الكفار" كالآتى: اغزوا باسم اللـه، وفى سبيل اللـه. قاتلوا من كفر بالله. اغزوا ولا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليداً. وإذا أنت لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحديٰ ثلاث خلالٍ، أو خصالٍ. فأيتهن أجابوك إليها، فاقبل منهم وكف عنهم. ادعهم إلى الإسلام. فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم. ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين. وأخبرهم، إن فعلوا ذٰلك، أن لهم ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، وإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجرى عليهم حكم اللـه الذى يجرى على المؤمنين. ولا يكون لهم فى الفيء والغنيمة شيء. إلا أن يجاهدوا مع المسلمين. فإن هم أبوا أن يدخلوا فى الإسلام، فسلهم إعطاء الجزية. فإن فعلوا فاقبل منهم وكف عنهم. فإن هم أبوا، فاستعن بالله عليهم وقاتلهم- سنن ابن ماجة (2929) .  
 
فعلى المسلمين دعوة "الكفار" إلى الإسلام فإن رضوا كان بها وإن أبوا أصبح لزاما إما القتال وإما الصلح على شروط منها دفع الجزية مثلا. وإذا كان من نافلة القول أن الدعوة الإسلامية قد صارت شائعة وسمع بها كافة البشر تقريبا، أصبح القتال واجبا دون إنذار. وفى السنة النبوية ما يفيد ذلك، ف”المبالغة فى الإنذار قد تنفع وإن تركوا ذلك فحسن أيضاً لأنهم ربما لا يقوون عليهم إذا قدموا الإنذار والدعاء ولا بأس أن يغيروا عليهم ليلاً أو نهاراً بغير دعوة لما روى أن النبى أغار على بنى المصطلق، وهم غارون غافلون ويعمهم على اولا بأس بأن يحرقوا حصونهم ويغرقوها ويخربوا البنيان ويقطعوا الأشجار”[24].  
 
وحتى لو وجه إنذار بالإسلام فهو إنذار بالقتال مالم يستسلم "الكفار" ويتخلوا عن عقيدتهم أو يدفعوا الزكاة بدلا من الجزية ويخضعوا بالتالى للخليفة المسلم. السلام بهذا المعنى هو الاستسلام بشكل أو بآخر. أما الوصول إلى حلول وسط وشروط غير منصفة للمسلمين فليس مرفوضا فى الفكر الإسلامى وفقا للسنة النبوية (مثال صلح الحديبية المجحف للمسلمين) ، ولكن ليس هذا هو الخيار النهائى، بل يكون اتفاقا مؤقتا، ويصبح من الواجب حين تصبح الظروف مواتية تطبيق سورة التوبة التى ألغت العهود مع "الكفار" ودعت للقتال والقتل.  
 
وإذا كان مبرر الحرب الإسلامية المستهدفة على الصعيد الاستراتيجى ضد "الكفر" هو "الكفر" فى حد ذاته، فقد استخدم التكفير طوال تاريخ الفكر الإسلامى كمبرر للقتال ضد فئات مختلفة منها من يعلنون أنهم مسلمون. واستخدم التكفير كل من الدولة والمعارضة. ومن أمثلة ذلك ما نقل عن محمد ابن موسى الحنفى قاضى دمشق المتوفى سنة 556 ه قوله: "لو كان لى من الأمر شيء لأخذت على الشافعية الجزية". كما ينقل عن أبى حامد الطوسى المتوفى سنة 567 ه قوله: "لو كان لى أمر لوضعت على الحنابلة الجزية "، كما نودى فى دمشق وغيرها: من كان على دين ابن تيميه حل ماله ودمه. وقال حاتم الحنبلى: "من لم يكن حنبلياً فليس بمسلم ". بينما ذهب الشيخ أبو بكر المقرى الواعظ فى جوامع بغداد إلى تكفير الحنابلة. وابن القشيرى الشافعى عندما ورد بغداد سنة 469 ه أخذ يذم الحنابلة وهجم أصحابه على زعيم الحنابلة عبد الخالق ابن عيسى، ووقع قتال بين الطرفين. واستفك الخليفة الواثق من الروم أربعة آلاف من الأسرى، ولكنه اشترط أن من قال القرآن مخلوق يخلى من الأسر، ويعطى دينارين ومن امتنع عن ذلك فيترك فى الأسر ولا يفك، بمعنى انه رتب آثار "الكفر" على من لم يقل بخلق القرآن، كما قتل نفس الخليفة أحمد ابن نصر لقوله بعدم خلق القرآن[25].  
 
وقد استخدم النص المقدس فى هذه المعارك، من ذلك – كمثال- حديث: والذى نفس محمد بيده لتفترقن أمتى على ثلاث وسبعين فرقة. واحدة فى الجنة وثنتان وسبعون فى النار- قيل: يا رسول اللـه من هم؟ قال: «الجماعة» (سنن ابن ماجة -4078) .  
 
وهناك من المثقفين الإسلاميين – فى العصر الحالي- من يزعم فى الإعلام أن كل معارك الإسلام كانت للدفاع عن النفس ويستشهد بالآيات التى تدعو لنبذ العدوان.. مما سبق سورة التوبة التى نسخت ما قبلها أو التى نقضت العهود مع "الكفار"، فالنتيجة واحدة. وهؤلاء يتناسون أولا أن الإسلام لا يعترف بالأديان الأخرى إلا باعتبارها تزويرا للإسلام الذى جاء فى كتب "سماوية" سابقة، وبالتالى هى أديان "الكفار" وثانيا ينفى سعى الإسلام إلى السيادة على العالم. كما أن نفى سعى المسلمين على مدى التاريخ إلى غزو الآخرين تنفيه وقائع التاريخ المدونة. ويكفينا أن الشعوب الإسلامية تفخر بتوسع الدولة الإسلامية قديما وتتحسر على انحسارالإسلام وضعف دوله وتحلم بإعادة الأيام الخوالى. كما لم يقدم سوى القليلين اعتذارا على “الفتوحات “ الإسلامية فى الماضى شاملة “الفتوحات” العثمانية التى لم تخل من البشاعة والقسوة والتى لا توجد أية شبهة فى تحقيقها بالعدوان على الدول والشعوب الأخرى بما فيها شعوب مسلمة. وإن إنكار “جهاد الطلب” من قبل بعض الإسلاميين “المعتدلين”.. هو لمجرد إرضاء الغرب.. ونحن لا نقصد هنا إذا ما كان هذا الإنكار هو إنكار للشريعة، بل إنكار لوجود هذه الفكرة فى الفقه الإسلامى منذ قرون طويلة ورسوخها فى الثقافة الإسلامية بقوة. أما إذا أراد البعض إعادة تفسير النص المقدس بحيث لا يتضمن فكرة العدوان على الآخرين وعدم ضرورة سيادة الإسلام فهذا شيء آخر؛ محاولة جيدة لتطوير الثقافة الإسلامية بتخليصها من النزعة التوسعية والعدوانية والرغبة المحمومة فى السيطرة على العالم.. وبالتالى مناهضة نزعتها المركزية[26]، وهو أمر يحاول القيام به بعض المفكرين الإسلاميين ذوى التوجه الإسلامي- العلماني[27]، الذين أدانهم وأهانهم المتشددون مثل سيد قطب: “أما محاولة إيجاد مبررات دفاعية للجهاد الإسلامى بالمعنى الضيق للمفهوم العصرى للحرب الدفاعية؛ ومحاولة البحث عن أسانيد لإثبات أن وقائع الجهاد الإسلامى كانت لمجرد صد العدوان من القوى المجاورة على “الوطن الإسلامى ! “ وهو فى عرف بعضهم جزيرة العرب - فهى محاولة تنم عن قلة إدراك لطبيعة هذا الدين، ولطبيعة الدور الذى جاء ليقوم به فى الأرض. كما أنها تشى بالهزيمة أمام ضغط الواقع الحاضر؛ وأمام الهجوم الاستشراقى الماكر على الجهاد الإسلامى !”[28].  
 
 
 
* طرد "الكفار" من جزيرة العرب:  
 
قبل الإسلام فى البداية وجود “كفار” من أهل الكتاب فى جزيرة العرب وأخذ محمد الجزية منهم وتبعه فى ذلك أبو بكر وعمر، ثم قرر الأخير تطهير الجزيرة العربية منهم مستندا لأقوال منسوبة لمحمد فى هذا الشأن والتى لم ينكرها أحد يذكر من كبار الفقهاء ويتقبلها الرأى العام المسلم إلى حد كبير. وقد تم طرد يهود فدك[29] وخيبر سنة 20 هجرية[30] ثم أجلى نصارى نجران إلى النجرانية [31].  
 
ومن هذه الأحاديث ما ذكر فى صحيح البخاري- 2986: هجر رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم. قال: دعونى، فالذى أنا فيه خير مما تدعونى إليه. وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة.  
 
وفى صحيح مسلم: 4548: لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا مسلماً.  
 
أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب، أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب (صحيح الجامع الصغير للألباني-232، 233 [32])  
 
وكاستثناء سمح قبل بعض الفقهاء بدخول "الكفار" إلى الحجاز للتجارة، منهم ابن حنبل[33]، لأيام معدودة. والوحيد الذى قبل دخول الذميين الحرم هو أبو حنيفة.  
 
وما تزال الفكرة حية رغم تغير الظروف، فلا تسمح السعودية بدخول "الكفار" أماكن بعينها، بينما تتساهل فى دخولهم ليس للحياة الدائمة بل للعمل (ويُعتبرون من أهل الأمان) دون السماح لهم بإقامة أماكن للعبادة أو ممارسة عباداتهم علنا.، وضمن شعارات تنظيم “القاعدة” طرد الجيوش "الكافرة" من الأراضى المقدسة.  
 
 
 
*** 
 
* قواعد الحرب فى الإسلام:  
 
- الدعوة للإسلام قبل الغزو: كما سبق وأوضحنا ونؤكد مرة أخرى أن هذه القاعدة قد اتبعت فى الغزوات المبكرة للدولة الإسلامية ولكن لم تتمسك بها الدولة إلا لفترة محدودة ثم راحت تشن الغارات وأعمال الغزو دون إنذار أو عرض إحدى الثلاثة خيارات، ومثال ذلك عملية احتلال الأندلس التى اُعد لها بعناية لمدة سنوات[34]. وكما أشرنا من قبل أقر الفقه إمكانية القيام بالغزو دون إنذار على أساس أن الدعوة الإسلامية صارت شائعة ولم يعد من الضرورى توجيه الإنذار بالإسلام أو الجزية.  
 
- العهود:  
 
أمر القرآن المسلمين بالوفاء بالعقود وبالعهود فى أكثر من آية: يا أيها الذين آمنوا اوفوا بالعقود (المائدة: 1) ، وأوفوا بعهد اللـه إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها (النحل: 91) ، وكان عهد اللـه مسؤولاً (الاحزاب: 15) ، وأوفوا بالعهد ان العهد كان مسؤولاً (الاسراء: 34) وفى آيات أخرى. ولكنه فى سورة براءة أخذ منحى آخر؛ براءة من اللـه ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين (1) فسيحوا فى الأرض أربعة أشهر واعلموا أنكم غير معجزى اللـه وأن اللـه مخزى الكافرين (2) . إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن اللـه يحب المتقين (4) . حيث أحل فسخ العهود غير المحددة المدة بعد 4 شهور واستكمال العهود المؤقتة. وبذلك لم يأمر بفسخ العهود غدرا بل أعطى إنذارا لمدة أربعة أشهر لأصحاب العهود غير المحددة المدة. وأحد أسماء السورة (براءة) إنما يدل على براءة محمد من العهود مع "الكفار". ومن المفيد أن نشير إلى أن لجنة مفسرين بالأزهر ذهبت إلى أن القرآن فى هذه الآية يقصد فسخ عهود "الكفار" الخائنين الذين لم يلتزموا بعهودهم[35]، وهو رأى غير منتشر وليس من السهل تبريره حيث أن الخيانة تستلزم الفسخ الفورى للعهد وليس منح الخائنين أربعة أشهر وهو ما يتسق مع آراء جل المفسرين. ومع ذلك نعتقد أنها محاولة رائعة من الأزهريين لتخفيف حدة الفكر الإسلامى تجاه "الكفار".  
 
أما الحديث فكان أكثر “مرونة”. ففى سنن أبى داود 2613 جاء: إذا نزلتم بأهل حصنٍ أو مدينةٍ أرادوا أن تنزلوهم على حكم اللـه تعالى فلا تفعلوا، فإنكم لا تدرون أتوافقون حكم اللـه تعاليٰ فيهم أم لا، ولكن أنزلوهم على حكمكم، ثم اقضوا فيهم ما شئتم، فإذا سألوكم أن تعطوهم ذمة اللـه عز وجل وذمة رسوله فلا تعطوهم ذمة اللـه ولا ذمة رسوله ولكن أعطوهم ذمتكم، فإن تخفروا ذمتكم أهون من أن تخفروا ذمة اللـه وذمة رسوله. ومعنى “تخفروا” هو تنقضوا العهد. وقد شرح السرخسى (من الأحناف) بالتفصيل هذا الأمر، مقرا إمكانية نقض العهد إذا رأى أمراء الجيوش مصلحة فى ذلك[36]. وعلى ذلك يلتزم المسلمون بالعهود فى الحرب إذا تمت باسم اللـه أو رسوله، أما غير ذلك فيمكن لهم نقضها حسب المصلحة وفقا للأحناف كما رأينا. فالحرب خدعة حسب السنة (صحيح مسلم4494-) وذكر فى مواضع أخرى عديدة.  
 
أما فى السنة العملية فقد نقض الإسلام عهدا كان ساريا فى جزيرة العرب وهو عدم القتال فى الأشهر الحرام: ففى رجب التالى لغزوة بدر الأولى أرسل محمد عبد اللـه ابن جحش مع ثمانية من المهاجرين، وكتب له كتاباً وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين، ثم ينظر فيه. فلما فتح الكتاب وجد فيه: “ اذا نظرت فى كتابى فامض حتى تنزل نخلةً بين مكة والطائف فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم”. ولم يأمرهم بقتال، وساروا حتى نزلوا نخلة، فمرت عير لقريش وتشاور أصحاب محمد فقالوا: ”والله لئن تركتموهم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن به منكم، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم فى الشهر الحرام، فاجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم واخذ ما معهم، فحلقوا رأس احدهم ليطمئن القرشيون أصحاب العير أنهم من عمار بيت اللـه الحرام”.  
 
وعندما اطمأن القرشيون ووضعوا سلاحهم قتل المسلمون بعضهم وأسروا اثنين. وقد رفض محمد والصحابة ما فعله عبد اللـه ابن جحش من انتهاك لحرمة الأشهر الحرام، كما شنعت قريش على المسلمين لغدرهم.. ولكن اللـه أيد ابن جحش ضد النبى والصحابة بالآية: يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه، قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل اللـه وكفر به، والمسجد الحرام، وإخراج أهله منه أكبر عند اللـه (البقرة: 217) [37].  
 
كما نقض محمد العهد مع القبيلة اليهودية “بنى قينقاع” متعللا بنشوب اشتباك بين بعض أفرادها وبين أحد المسلمين فحاصرهم وأسرهم وقرر قتلهم إلا أنه اضطر للاكتفاء بطردهم بعد ضغط من عبد اللـه ابن أبى سلول. وتدعى المصادر الإسلامية أنهم هم الذين نقضوا العهد ولكن القصة كما رواها ابن هشام تدحض زعمه بأن بنى قينقاع أول من نقض عهد محمد، وقد رواها كالآتى: “ كان من أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها، فباعته بسوق بنى قينقاع، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها، فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت ‏‏. ‏‏ فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع “[38].  
 
ثم شرح تفاصيل حصارهم وقرار قتل رجالهم لولا تدخل عنيف من حليفهم فى الماضى عبد اللـه ابن أبى سلول فتم الاكتفاء بطردهم من المدينة بما تحمله الإبل ومصادرة بقية ممتلكاتهم، فكان عقابا جماعيا على تصرف أفراد قليلين من القبيلة، ونقض لعهد قبيلة بأكملها ردا على طيش أفراد منها ضد فرد مسلم واحد لا ضد عموم المسلمين.  
 
كما نقض محمد عهد الحديبية الشهير بآية من القرآن: يا أيها الذين آمنوا إذا جآءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن اللـه أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن (الممتحنة: 10) حيث نصت المعاهدة ضمن نصوصها على أن يعيد المسلمون من يأتى لهم من المكيين إلى قومه وقد التزموا بهذا فيما يخص الرجال ولكن حين حضرت لهم امرأة أمر القرآن بما يفيد نقض العهد. وهذا ما ذكره المفسرون بصريح العبارة أحيانا، مثل ابن كثير الذى قال حرفيا: “تقدم فى سورة الفتح فى ذكر صلح الحديبية الذى وقع بين رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم وبين كفار قريش فكان فيه: على أن لا يأتيك منا رجل وإن كان على دينك إلا رددته إلينا، وفى رواية: على أنه لا يأتيك منا أحد وإن كان على دينك إلا رددته إلينا... فعلى هذه الرواية تكون هذه الآية مخصصة للسنة، وهذا من أحسن أمثلة ذلك وعلى طريقة بعض السلف ناسخة، فإن اللـه عز وجل أمر عباده المؤمنين إذا جاءهم النساء مهاجرات أن يمتحنوهن، فإن علموهن مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن... هاجرت أم كلثوم بنت عقبة ابن أبى معيط فى الهجرة فخرج أخواها عمارة والوليد حتى قدما على رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، فكلماه فيها أن يردها إليهما فنقض اللـه العهد بينه وبين المشركين فى النساء خاصة، فمنعهم أن يردوهن إلى المشركين وأنزل اللـه آيات الامتحان”(التشديد من عندنا) ، وأقر القرطبى أن الآية نسخت ما ورد فى المعاهدة من رد النساء[39]. أما الطبرى فذكر أن الامتحان المقصود فى الآية لتبين ما إذا كان الغضب أتى بها فترد، وإن كان الإسلام أتى بها فلا ترد وأن الآية نسخت رد النساء وفق للمعاهدة[40]. ومع الإطالة فى التقديم –ربما شعورا بالورطة- أقر سيد قطب نفس الشيء دون أن ينسى وصف هذا التصرف بتضمنه أعدل قاعدة تتحرى العدل فى ذاته[41]!. ونلاحظ أن نقض العهد فى هذه الواقعة قد ميز بين المسلمات و” الكافرات"، فلا تعاد المسلمة إلى “كفار” مكة ولكن يلتزم بالعهد مع “الكافرات" فتُعاد. فلا التزام بالعهد ولا مساواة بين النساء بل تمييز دينى صريح.  
 
 
 
- اغتصاب نساء أهل الحرب:  
 
درج العرب وقبائل أخرى مثل العبرانيين وشعوب سامية أخرى منذ قديم الزمان على سبى نساء وأطفال العدو فى الحرب. وحين جاء الإسلام لم يوقف هذه السنة بل مارسها نبى الإسلام ومن تبعه من الخلفاء من العرب وغير العرب (العثمانيون وغيرهم) . ويمنح الإسلام مثلما الحال قبله مقاتليه حق وطأ، أى مضاجعة السبى من النساء. وبطبيعة الحال لا يتم ذلك بالرضا والقبول بل تحت ذل الأسر وقوة السلاح، فهو بالتأكيد اغتصاب ولاسبيل للجدل فى ذلك... ومن الوقائع شائعة الصيت أن المسلمين فى غزوة بنى المصطلق سبوا نساء كثيرات وأرادوا مضاجعتهن بدون أن يحملن فيما يعرف بالعزل coitus interuptus ولكن محمد منحهم حق مضاجعتهن بالطريقة العادية. ذكرت هذا كتب السيرة والأهم منها البخارى ومسلم. فذكر البخارى (4049) ... خرجنا مع رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فى غزوة بنى المصطلق، فأصبنا سبياً من سبى العرب، فاشتهينا النساء واشتدت علينا العزبة وأحببنا العزل، فأردنا أن نعزل، وقلنا نعزل ورسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم بين أظهرنا قبل أن نسأله؟ فسألناه عن ذلك فقال: ما عليكم أن لاتفعلوا، ما من نسمةٍ كائنةٍ إلى يوم القيامة إلا وهى كائنة. وتكرر المعنى نفسه فى صحيح مسلم-3499:... غزونا مع رسول اللـه غزوة بالمصطلق، فسبينا كرائم العرب، فطالت علينا العزبة ورغبنا فى الفداء، فأردنا أن نستمتع ونعزل. فقلنا: نفعل ورسول اللـه بين أظهرنا لا نسأله فسألنا رسول اللـه فقال: «لا عليكم أن لا تفعلوا، ما كتب اللـه خلق نسمةٍ هى كائنة إلى يوم القيامة، إلا ستكون.  
 
إذن السنة النبوية أقرت اغتصاب نساء أهل الحرب. وأقر ذلك كبار الفقهاء، مثل الشافعى: وإذا قسم الإمامُ الفىء فى دار الحرب ودفع إلى رجل فى سهمه جاريةً، فاستبرأها، فلا بأس أن يطأها[42]. كما ذكر ابن القيم الجوزية أن النبى كان يسترق سبايا عبدة الأوثان ويجِّوز لساداتهن وطأهن بعد انقضاء عدتهن كما فى حديث أبى سعيد الخدري[43] وقد درج المسلمون فى الحرب أيام عز الإسلام على قتل الرجال المقاتلين واسترقاق النساء والأطفال كفيء لهم؛ كأموال، يمكن بيعهم ووطأ النساء أو بالتعبير العصرى اغتصابهن. حدث هذا فى عصر محمد (بنو قريظة مثال) وبعده كثيرا. وقد كانت جزيرة العرب مكتظة بنساء وأطفال مصر والشام وغيرهما فى عهود الخلفاء ومنهم “الراشدين” وتحفل كتب التراث الإسلامى بهذه الأخبار متناولة إياها فى غرور وفخر.  
 
وقد ُطبق ذلك على نطاق واسع فى الفتوحات الإسلامية فى الأراضى التى فتحت عنوة فى معظم مناطق مصر والشام وآسيا الوسطى. بل ومارس المسلمون نفس الجريمة تجاه بعضهم أحيانا؛مثال ذلك اجتياح جيش يزيد ابن معاوية المدينة فقتل الرجال واغتصب النساء[44].  
 
وتكمن حكمة الإسلام فى إباحة اغتصاب نساء الحربيين فى أن النص المقدس يبيح وطأ ملك اليمين؛الجوارى: وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (النساء: 3) حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم … (النساء: 23) والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم (النساء: 24) . ولم يشذ أى مفسر فى تفسير معنى ما ملكت أيمانكم، فهن الجوارى السرارى بتعبير ابن كثير فى تفسيره للآية. ولم يستخدمها أحد بمعنى آخر وإن بألفاظ مختلفة. وقد أنجب محمد ولده إبراهيم من جاريته مارية القبطية[45]، وكانت عنده جارية أخرى هى ريحانة ابنة عمرو ابن حذافة لم ينجب منها[46].  
 
فإذا كان الإسلام يبيح امتلاك ووطأ الجوارى كما أباح سبى واسترقاق نساء المحاربين، أى جاعلا منهن جوارى، يكون من المنطقى أن يسمح بوطأ أو اغتصاب نساء "الكفار" المحاربين وهو ما حدث على طول التاريخ فى معارك المسلمين ضد "الكفار" حين كانوا يستطيعون تحقيق الانتصارات. وقد اتفق الفقهاء وفقا للسنة النبوية على جواز تقسيم الغنائم إما بعد العودة إلى دار الإسلام أو فى دار الحرب، وبناء على ذلك يمكن اغتصاب نساء "الكفار" بعد تقسيمهن باعتبارهن أموالا فى دار الحرب، لأنهن سلع قابلة للتبادل فى السوق يتم تقسيمهن مثل أية أموال. ومن الممكن للمسلم كذلك أن يحسن معاملة السبية بما فى ذلك أن يعتقها أو يتزوجها أو الإثنين معا، كما يجب عليه حسن معاملتها عموما مثل أى عبيد يمتلكهم. وفى مسألة الاغتصاب نضيف ملاحظة أنه مهما كانت حسن المعاملة اليومية يتضمن وطأ الجارية عنصر الإكراه، فهى ليست بأفضل من الزوجة التى أقر الإسلام أنها لا تستطيع رفض مواقعة زوجها وفقا للسنة:... إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه، فأبت أن تجيء، لعنتها الملائكة حتى تصبح (صحيح البخاري- 5072) . وهذا الحديث الذى تكرر كثيرا فى كتب الحديث يعرفه أغلب النساء والرجال فى عموم دور الإسلام. والاغتصاب فى هذه الحالة يبدو كمفهوم معاصر وقد كان الأمر مقبولا فى عصر سيادة الإسلام فيما يبدو، ولكن هذا لا يغير شيئا، فالإسلام لم يغير هذه العادة فى الحروب، وإذا كان القاصى والدانى فى عموم دور الإسلام يظن أنه صالح لكل زمان ومكان كما يصر رجال الدين يكون اغتصاب النساء فى الحرب حقا أقره الدين. ونرى أنه من الواجب أن نشير إلى أن هناك إشارات قليلة فى كتب التراث إلى أن محمدا فى مرحلة متأخرة؛فى غزوة خيبر عام 7 من الهجرة، قد اشترط لوطأ السبى أن تبرأ أولا:... من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبى حتى يستبرئها بحيضة‏‏، كذلك روى أبو سعيد أن النبى -صلى اللـه عليه وسلم- ‏‏نهى عام أوطاس أن توطأ حامل حتى تضع‏، ‏ ولا غير حامل حتى تحيض‏) ‏ رواه أحمد فى المسند [47]. ولكن هناك من القرائن ما يفيد عدم تقيد المسلمين بهذه القاعدة دوما حتى مع سبايا المسلمين فى حروبهم الأهلية.  
 
وإذا كان من حق المسلم أن يطأ نساء أهل الحرب فإذا كانت المرأة متزوجة وزوجها فى دار الحرب انفصم عقد زواجها، فلا يعتبر وطأها من قبل المسلم بمثابة الزنا. أما إذا سبيت وأُسر زوجها معها فقد اختلف فيه الفقهاء[48].  
 
* تحرم بعض النصوص المقدسة وغيرها قتل النساء والشيوخ والأطفال فى الحرب سواء من المسلمين أو "الكفار"، بالإضافة إلى الرهبان المعزولين والذين لا يساعدون بقية "الكفار" ضد المسلمين، والعميان والمعوقين عموما إذا كانوا لا يقاتلون. وهناك كثير من الأحاديث التى تنص على ذلك يعرفها عامة المسلمين. ولكن هذا المنع ليس مطلقا، فمصلحة الدولة تقف فوق كل اعتبار. لذلك نجد أحاديثا مضادة: فجاء فى صحيح البخارى 2945 بخصوص قتل النساء والأطفال:: حدثنا... قال: مر بى النبى صلى اللـه عليه وسلم بالأبواء أو بودان فسئل عن أهل الدار يبيتون من المشركين فيصاب من نسائهم وذراريهم، قال: هم منهم. وسمعته يقول: لا حمى إلا للـه ولرسوله صلى اللـه عليه وسلم. وفى شرح المسألة بالتفصيل ذهب السرخسى إلى أن عدم قتل النساء والأطفال إنما يعلل بانعدام علة القتل وليس لوجود ما يعصمهم من القتل، أى ليس لحرمة قتلهم: “من قتل أحداً من هؤلاء قبل وجود القتال منه فلا كفارة عليه ولا دية لأن وجوبهما باعتبار العصمة والتقوم فى المحل وذلك بالدين أو بالدار ولم يوجد واحد منهما وإنما حرم قتلهم لتوفير المنفعة على المسلمين أو لانعدام العلة الموجبة للقتل وهى المحاربة لا لوجود عاصم أو مقوم فى نفسه فلهذا لا يجب على القاتل الكفارة والدية وإلى هذا أشار رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فى حديث بقوله‏: ‏ هم منهم يعنى أن ذرارى المشركين منهم فى أنه لا عصمة لهم ولا قيمة لذمتهم‏”. ‏ ووفقا له ذكر محمد: لا تقتلن ذرية ولا عسيفاً ولأن "الكفر" وإن كان من أعظم الجنايات فهو بين العبد وبين ربه جل وعلا وجزاء مثل هذه الجناية يؤخر إلى دار الجزاء فأما ما عجل فى الدنيا فهو مشروع لمنفعة تعود إلى العباد وذلك دفع فتنة القتال وينعدم ذلك فى حق من لا يقاتل بل منفعة المسلمين فى إبقائهم ليكونوا أرقاء للمسلمين[49]. هذا بينما ذهب البعض مذهبا أكثر اتساقا مع بقية أحكام الفقه الأكثر انتشارا، فيعلل عدم قتل النساء والأطفال بأنهم أموال للمسلمين[50]، فهم سبايا تقدر قيمتهم بالمال ويمكن بيعهم كعبيد، وبالتالى ليس من المعقول أن يدمر المرء أمواله بنفسه. واختلف الفقهاء فى أهل الصوامع والعميان والشيوخ الذين لا يقاتلون والمعتوه والحراث (المزارعين) والعسيف (أى الأجير أو العبد) ، ” فقال مالك‏: ‏ لا يقتل الأعمى ولا المعتوه ولا أصحاب الصوامع، ويترك لهم من أموالهم بقدر ما يعيشون به وتُغنم بقية الأموال، وكذلك لا يقتل الشيخ الفانى عنده، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه‏. ‏ وقال الثورى والأوزاعى: ‏ لا تقتل الشيوخ فقط‏. ‏ وقال الأوزاعى: ‏ لا تقتل الحراث‏. ‏ وقال الشافعى فى الأصح عنه تقتل جميع هذه الأصناف”[51]‏. ‏ ورأى ابن تيمية أنه يجوز ضرب العدو بالمنجنيق وإن أدى ذلك لقتل النساء والأطفال[52]. وهذه الآراء استند لها الجهاديون فى تأييدهم لعملية 11 سبتمبر[53] وغيرها.  
 
والمتفق عليه أنه لا يجوز قتل رسل الأعداء.  
 
*أما حرق الأشجار وتدمير اقتصاد العدو فمن السنة النبوية فى الحرب ضد "الكفار"، فإذا كانت فيه مصلحة المسلمين لكسب الحرب جاز. وقد أمر محمد بقطع نخيل بنى النضير فقطعت، فنادوه‏: ‏ “ يا أبا القاسم قد كنت تنهى عن الفساد وتعيبه على من صنعه فما بال قطع النخل وتحريقها أى وفى رواية ما هذا الفساد وفى لفظ قالوا يا محمد زعمت أنك تريد الصلاح أفمن الصلاح قطع النخل وهل وجدت فيما زعمت أنه أنزل عليك بالفساد فى الأرض وقالوا للمؤمنين إنكم تكرهون الفساد وأنتم تفسدون وحينئذ وقع فى نفوس بعض المسلمين من ذلك شيء”[54]، “وفى رواية‏ أخرى: ‏ نادى اليهود من فوق الحصون‏: ‏ تزعمون أنكم مسلمون لا تفسدون وأنتم تعقرون النخل واللـه ما أمر بهذا فاتركوها لمن يغلب من الفريقين فقال بعض المسلمين‏: ‏ صدقوا وقال بعضهم‏: ‏ بل نعقرها كبتاً وغيظاً لهم. وجاء القرآن مؤيدا لكلا الفريقين المسلمين‏ ‏ما قطعتم من لينةٍ أو تركتموها قائمةً على أصولها فبإذن اللـه وليخزى الفاسقين‏‏ ‏ (‏الحشر‏: ‏ 5‏) ‏‏. ‏ وفى تفسير القرطبى للآية: ”يا محمد، ألست تزعم أنك نبى تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع النخل وحرق الشجر؟ وهل وجدت فيما أنزل اللـه عليك إباحة الفساد فى الأرض ٰ؟ فشق ذلك على النبى صلى اللـه عليه وسلم. ووجد المؤمنون فى أنفسهم حتى اختلفوا؛ فقال بعضهم: لا تقطعوا مما أفاء اللـه علينا. وقال بعضهم: اقطعوا لنغيظهم بذلك. فنزلت الآية بتصديق من نهى عن القطع وتحليل من قطع من الإثم، وأخبر أن قطعه وتركه بإذن الله” ‏. ‏وقد ذكر صحيح البخاري2954 واقعة حرق نخل بنى النضير: حرق النبى صلى اللـه عليه وسلم نخل بنى النضير، كما ذكرها أيضا صحيح مسلم 4508.  
 
وأمر بحرق زرع قرية “أبني”: قال عروة..: «بعثنى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم إلى قرية يقال لها أبنى، فقال ائت أبنى صباحاً ثم حرق».. أغر: (أمر من الإغارة) على أبنى صباحاً أى حال غفلتهم، وفجاءة نبهتهم، وعدم أهبتهم وحرق... زروعهم وأشجارهم وديارهم”[55].  
 
وفى الطائف أمر أن يحرق قصر مالك ابن عوف النصرى ثم أمر بكرومهم أن تقطع. كما أمر بقطع نخيل خيبر حتى مر عمر ابن الخطاب بالذين يقطعون فهم أن يمنعهم فقالوا أمر به رسول اللـه عليه السلام فأتاه عمر فقال‏: ‏ أنت أمرت بقطع النخيل قال‏: ‏ نعم قال‏: ‏ أليس وعدك اللـه خيبر قال‏: ‏ بلى فقال عمر‏: ‏ إذا تقطع نخيلك ونخيل أصحابك فإمر منادياً ينادى فيهم بالنهى عن قطع النخيل ‏[56]. ‏ وإذا كان أبو بكر فيما ذكر أمر الجيش المتجه لفتح الشام بعدم قطع النخيل فإنما كان ذلك- حسب ما ذكر السرخسي- لحكمة وليس لحرمته. ذلك أنه كان يعتقد أن الشام سيكون ملكا للمسلمين فلم يحب أن يخرب ما سيكون ملكه[57]، بالضبط مثلما حدث فى خيبر كما أشرنا من قبل. ‏ ‏وقد اتفق “العلماء” على جواز قطع الشجر، وتخريب العامر عند الحاجة إليه‏ وقد علل ذلك ابن تيمية بأنه “ليس ذلك بأولى من قتل النفوس”[58]‏.  
 
‏  
 
- طرق القتل:  
 
يمتنع على المسلمين التمثيل بالقتلى لقول محمد: لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا (مسند أحمد-22648) ، كذلك منع التشويه البدنى والتمثيل: إذا ضرب أحدكم فليتجنب الوجه (مسند أحمد-7392) ، ويقول أيضاً: إن اللـه كتب الإحسان فى كل شى فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة (مسند أحمد- 16812) . وقيل إن القتل بالتحريق محرم وفقا للحديث ولكن المعروف جيدا فى كتب التاريخ الإسلامى أن أبو بكر أمر بحرق "المرتدين" ومانعى الزكاة وكذلك أمر على ابن أبى طالب بحرق الزنادقة[59]. وأقر البعض فكرة تحريق "الكفار" بالنار ورميهم بها وهو قول عمر‏‏ ويروى عن مالك، وسفيان الثورى، وقال بعضهم‏: ‏ إن ابتدأ العدو بذلك جاز وإلا فلا[60]‏. أما قتل الجرحى فأجازه معظم الفقهاء فى حروب البغاة[61]. وفى وقعة بدر أجهز المسلمون على الجريح عتبة ابن ربيعة فى المبارزة التى قامت بين ثلاثة منهم وثلاثة من "الكفار" كما قُتل أبو الحكم ابن هشام وهو جريح لا يقدر على الحراك[62]، وقتل المسلمون الجرحى فى الحروب التالية حتى فى حروبهم الأهلية[63].  
 
 
-الإسراف فى القتل: حسب النص القرآنى: فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب، حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء (محمد: 4) . فالحرب تبدأ بضرب الرقاب -أى بالقتل المسرف الذى يراد به إثخان العدو أوإضعافه حتى إذا ظهر ضعف العدو يبدأ الأسر (شد الوثاق) فلا أسر إذن قبل الإثخان وفقا لسورة الأنفال وما كان لنبى أن يكون له أسرى حتى يثخن فى الأرض تريدون عرض الدنيا واللـه يريد الآخرة واللـه عزيز حكيم (الأنفال: 67) . والإثخان هو الإسراف فى القتل لإضعاف العدو[64]. وقد عاتب القرآن محمدا بعد وقعة بدر لأنه وافق على فداء الأسرى بالآية سابقة الذكر من سورة الأنفال. وهى دعوة واضحة للقتل المسرف.  
 
- يميز الإسلام بين قتلى المسلمين وقتلى "الكفار"رغم أنهم قد يتساووا من حيث دفاعهم عن بلادهم أو أموالهم أو "عرضهم".. فقتلى المسلمين شهداء فى الجنة أما قتلى "الكفار" فأدنى مرتبة بغض النظر عن موقفهم فى الحرب. المقتول الأفضل هو المسلم رغم أنه قد يكون الغازى، أى المعتدى.  
 
حكم الأسرى:  
 
حدد القرآن (آية 4 من سورة محمد سابقة الذكر) مصير الأسرى إما بالمن أى الإفراج عنهم مجانا، أو الفداء، أى الإفراج عنهم لقاء الدية أو أسير مسلم أو تابع للمسلمين. وهناك كذلك آية سورة التوبة: 5: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وقد اختلف الفقهاء على أيهما نسخت الأخرى أو أنهما محكمتان.  
 
ونقلا عن ابن كثير (تفسير سورة الأنفال آية 67) استقر الحكم فى الأسرى عند جمهور “العلماء”، أن الإمام مخير فيهم إن شاء قتل كما فعل ببنى قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسرى بدر، أو بمن أسرى من المسلمين، كما فعل فى امرأة وابنتها، اللتين كانتا فى سبى سلمة ابن الأكوع، حيث ردهما وأخذ فى مقابلهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعى وطائفة من "العلماء"، وفى المسألة خلاف آخر بين الأئمة. فذهب أكثرهم إلى أن للإمام أن يقتلهم إن شاء إن لم يسلموا، أو يسترقهم؛ إذا تطلبت مصلحة الإسلام، أو يتركهم أحرارا فى ذمة المسلمين، أو أن يفديهم بأسرى مسلمين كما ذهبت الغالبية العظمى من الفقهاء، أو بالمال إذا كانت للمسلمين إليه حاجة. أو يمن عليهم فى مذهب الشافعى بينما رفض ذلك بقية كبار الفقهاء بحجة نسخ ذلك بآية سورة التوبة: اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم. وذكر الشافعى أيضا أنه يجوز قتل “كل مشركٍ بالغٍ إذا أبى الإسلام أو الجزية، وإذا دعا الإمام الأسير إلى الإسلام، فحسن، وإن لم يدعه، وقتله، فلا بأس”[65]. ولدى الحنابلة يكون الإمام مخيراً فى واحد من أربعة أشياء: أن يقتلهم صبراً، الثانى: أن يسترقهم، ويجرى عليهم أحكام الرق: من بيع، أو عتق. الثالث: أن يفادى بهم بمال أو أسرى. الرابع: أن يمن عليهم بالعفو عنهم[66].  
 
أما الأسرى من الأطفال فلهم أحكام خاصة منها أنه لو أسر الطفل مع أبويه ترك على دينه لأنهم تبع أبويه ويمكن مبادلته، أما لو أسر وحده وأخرج إلى دار الإسلام فإنه “لا يجوز المفاداة به بعد ذلك لأنه صار محكوماً له بالإسلام تبعاً لداره‏”[67]، والمعنى واضح من النص من أن تتم أسلمته. ‏ أما إذا قسم المسلمون الغنائم فى دار الحرب وهو أمر مشروع ومن ضمنها الأسرى من الأطفال فقد اختلف الفقهاء فذكر البعض أنه تجوز المفاداة به إذا كان بالغا ورأى آخرون أنه لا يجوز ذلك لأن حكم صيرورته من أهل دارالإسلام قد استقر بالقسمة والبيع [68]. وإذا كان السابى له مسلما حكم بإسلام الطفل، وإذا كان السابى له "كافراً" وفى جيش المسلمين، أو لم تقم حجة بأحدهما، لم يحكم بإسلامه، وأولاده تبع له فى كلا الوجهين‏[69]. ‏  
 
وفى السنة النبوية يمكن كل شيء: فقد أوصى محمد بحسن معاملة الأسرى: استوصوا بالأسارى خيرا[70]، كما قتل بعضهم: عقبة ابن أبى معيط، وطعيمة ابن عدى، والنضر ابن الحارث[71]، وقتل أعمى من بنى قريظة بعد الإسار. والمشهور فى التاريخ الإسلامى المدون والأمر المقبول من عامة المسلمين أن محمدا قد قتل كل أسرى بنى قريظة ذبحا ممن أنبت سواء كانوا مقاتلين أم لا ولم يكتف مثلا بالقادة ومدبرى خيانة عهده وحاملى السلاح، كما تم أيضا سبى النساء والأطفال[72]، وهذا يدل فيما قال الشافعية على قتل من لا يقاتل من الرجال البالغين إذا أبى الإسلام أو الجزية[73].  
 
وحين فتح مكة عنوة حسب الرأى الغالب بين الفقهاء عدا الشافعية أساسا، أمر بالعفو عن كل سكانها حسب رواية يوقن بها عامة المسلمين دون خاصة خاصتهم وهى رواية: يا معشر قريش ما ترون أنى فاعل بكم؟ قالوا خيراً، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء. ماعدا تسعة أمر بقتلهم “وإن وجدوا تحت أستار الكعبة”، وهم عبد اللـه ابن سعد ابن أبى سرح- وعكرمة ابن أبى جهل- وعبد العزى ابن خطل- والحارث ابن نفيل ابن وهب- ومقيس ابن صبابة- وهبار ابن الأسود- وجاريتان لابن خطل- كانتا تغنيان بهجاء محمد - وسارة مولاة لبعض بنى عبد المطلب [74]. إذن يجوز قتل الأسرى بإجماع الصحابة، ليس مجرمى الحرب فقط كما ذهب القرضاوى (فى لقاء تلفزيوني) للتبرير، بل أيضا من سب الرسول أو حسب مصلحة الدولة الإسلامية فى هذا الوقت أو ذاك، وقد سلك “الصحابة”مسلك قتل بعض الأسرى من "الكفار"، فقد قتل خالد ابن الوليد الأسرى مرارا فى كافة حروبه، منها مذبحة فى وقعة عين التَّمر‏، "فقد أخذ أسرى من جيش النصارى منهم قائده وتحصن باقى المقاتلين فى حصن واحتموا به، فجاء خالد ابن الوليد وحاصرهم، ولما سألوه الصُّلح أبى إلا أن ينزلوا على حكمه، فُربطهم فى السَّلاسل، وتسلَّم الحصن، ثمَّ أمر بقتلهم جميعا بمن فيهم قائدهم الأسير من قبل ومن كان أسر معه والذين نزلوا على حكمه أيضاً، ووجد فى الكنيسة التى به أربعين غلاماً يتعلمون الإنجيل وعليهم باب مغلق، فكسره وفرَّقهم"[75]‏.‏. كما قتل آلاف الأسرى من الفرس وأنصارهم من النصارى فى موقعة أليس فأمر بذبحهم ومنهم 18 ألفا، ذبحوا فى النهروبلغ مجموع قتلاهم 70 ألفا[76]، وفى واقعة تمرد كبرى فى خراسان سنة 150 هجرية ُقتل 14 ألف أسير، قتلهم جيش المنصور الخليفة العباسى الثاني[77].  
 
وسلك محمد مسالكا أخرى شتى مع الأسرى، منها الإفراج عنهم بلا مقابل أو مقابل أسرى مسلمين أو مال أو تعليم بعض المسلمين القراءة والكتابة.. كما أمر بتعذيب أحد يهود خيبر لانتزاع اعترافه بمكان كنز كان له، وهى سنة استند إليها بعض الفقهاء فى تحليل تعذيب غير المسلم لإجباره على الاعتراف أو لعقابه على مخالفة العهد. مصالح الدولة هى إذن التى تحكم وليس مبدأ معينا.  
 
الخلاصة أن مصير أسرى الحرب من "الكفار" يحدده الإمام حسب المصلحة ويشمل واحدا مما يأتى:  
 
- قتلهم؛ جائز لدى جمهور الفقهاء وواجب لدى معظم الأحناف.  
 
- قبول الدية فيهم، وهو ما يقبله كل الفقهاء عدا الأحناف.  
 
- الإفراج عنهم مقابل أسرى مسلمين وهو ما يرفضه أغلب الحنفاء.  
 
- الإفراج عنهم مقابل عمل يؤدونه.  
 
- الإفراج عنهم بلا مقابل.  
 
- الاسترقاق وبيع أسرى من النساء والأطفال ولكن لم يحب معظم الفقهاء بيع أسرى الرجال بينما رأى الشافعى جواز ذلك[78].  
 
- إطلاقهم كذمة للمسلمين[79].  
 
ومن المعاصرين من يرفض قتل الأسرى متمسكا بنص القرآن الخاص بالمن أو الفداء[80].  
 
أما الأسرى المسلمين لدى المسلمين فيختلف حكمهم حسب الفقه الإسلامى. فلا يجوز قتلهم ولا استرقاقهم ولا يجوز سبى النساء والأطفال ولا اغتصاب النساء، حتى المشركين إذا أسلموا لايجوز استرقاقهم ولا بيع أحد منهم ولا يجوز اغتصاب النساء إذا أسلمن. ولكن هذا حدث مرارا فى التاريخ الإسلامى، فى عهد أبى بكر، إذ تم سبى نساء المسلمين المعارضين لخلافته[81]. ومن جانب الأمويين، إذ تم سبى نساء أهل البيت النبوى بعد مقتل الحسين، وسبى واغتصاب نساء المدينة بعد موقعة الحرة[82].  
 
وهناك حكم خاص بمشركى العرب. فالرأى السائد هو ما قال به جل الفقهاء وملخصه حسب الأحناف ألا يقبل من مشركى العرب الصلح والذمة، ولكن يدعون إلى الإسلام، فإن أسلموا وإلا قوتلوا، وتسترق نساؤهم وذراريهم، ولا يجبرون على الإسلام، وهم فى ذلك بمنزلة المرتدين، إلا فى حكم الإجبار على الإسلام فإن نساء المرتدين وذراريهم كانوا مسلمين فى الأصل، فيجبرون على العود، وأما النساء والأطفال من مشركى العرب فلا يجبرون على الإسلام، ولكنهم يسترقون؛ لأن النبى سبى النساء والذرارى بأوطاس، وقسمهم، وقد سبى أبو بكر النساء والذرارى من بنى حنيفة، فإذا جاز ذلك فى المرتدين ففى مشركى العرب أولى، وأما الرجال منهم لا يسترقون [83]، وقد شذ الشافعى فى مذهبه الجديد فقال بجواز استرقاق العرب[84].  
 
وقد دعا القرآن المسلمين إلى فك الرقبة، أى تحرير عبد ككفارة عن ذنوب معينة منها القتل الخطأ، ولكنه قصر عملية التحرير هذه على الرقبة المؤمنة، أى العبد المسلم دون "الكافر" طبعا، فى بعض الآيات دون بعضها: ومن قتل مؤمناً خطئاً فتحرير رقبةٍ مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكُم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة (النساء: 92) ودعا لتحرير رقبة دون أن يحدد دينها فى سورة المائدة آية 89 والمجادلة آية 3، والبلد آية 13. وقد اختلف المفسرون فى المقصود بالرقبة هنا فرأى بعضهم (مثل ابن العربى فى أحكام القرآن) أن المقصود الرقبة المؤمنة استنادا للحديث: من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق اللـه بكل عضو منها عضوا منه من النار (صحيح ابن حبان 4226) .  
 
- فى الغنائم يختلف حكم ما غنم المسلمون من "الكفار" وما غنمه "الكفار" من المسلمين، فالأول يصير تملكا لا يجوز رده إلا بطيب نفس الغانمين أنفسهم، أما الثانى فلا يصير كذلك، فإذا أسلم "الكفار" عليهم أن يردوا الغنائم إلى أصحابها، وإذا وقعت تلك الغنائم فى يد المسلمين كغنيمة يحق لأصحابها استردادها كعين قبل القسمة، وهناك خلاف فى أحقيتهم فى استردادها كقيمة إذا كانت قد قسمت.. ولاتهمنا التفاصيل المذكورة فى كتب الفقه والأهم هو جوهر المسألة؛أن هناك تفرقة حقوقية من جانب أغلب الفقهاء بين غنائم "الكفار" وغنائم المسلمين، لصالح المسلمين بالطبع، شذ فيها إلى حد ما الأحناف.  
 
- اغتيال الخصوم:  
 
يجوز حسب السنة النبوية العملية اغتيال خصوم الفكر من "الكفار"، الذين ينتقدون الرسول ورسالته، أى بلغة عصرنا المفكرين والمثقفين أصحاب الرأى والفكر والمحرضين ضده من "الكفار". وقد قام المسلمون – حسب ما يوقن عامة المسلمين وغالبية خاصتهم- بأمر مباشر من محمد باغتيال الكثيرين ممن انتقدوا دعوته وممن هاجموه حتى فى الأشعار أو كانوا من المحرضين ضده، منهم من لا يستطيع حمل السلاح. والأمثلة كثيرة: كعب ابن الأشرف – العصماء – أم قرفة... وبعضهم قتل بطريقة بشعة. وقد أشرنا من قبل إلى أهمية الشعر والبلاغة عموما عند العرب وهذا ما يفسر لماذا اهتم المسلمون باغتيال شعراء الخصوم فى صدر الإسلام، مثلما يفسر مدى تأثر العرب بالقرآن الذى كان له تأثير الشعر عليهم.  
 
وسوف نلقى بعض الضوء على هذه السنة فى الإسلام نظرا لما لاغتيال الخصوم من المفكرين ورجال الإعلام من أهمية لدى “الجهاديين” طوال العصر الإسلامى، وأيامنا الحالية خصوصا وسننقل مقاطع كاملة من كتب التراث الإسلامى:  
 
1- أم قرفة 
 
أم قرفة وكانت عجوزا طاعنة فى السن حسب ما ذكره على ابن برهان الدين الحلبى فى كتاب السيرة الحلبية (وتكررت الرواية فى كتب تراثية أخري): ” وكانت أم قرفة فى شرف من قومها وكان يعلق فى بيتها خمسون سيفا كلهم لها محرم وكان لها اثنا عشر ولدا ومن ثم كانت العرب تضرب بها المثل فى العزة فتقول لو كنت أعز من أم قرفة فأمر زيد ابن حارثة أن تقتل أم قرفة أى لأنها كانت تسب النبى صلى اللـه عليه وسلم وجاء أنها جهزت ثلاثين راكبا من ولدها وولد ولدها وقالت لهم اغزوا المدينة واقتلوا محمدا لكن قال بعضهم إنه خبر منكر فربط برجليها حبلين ثم ربطا الى بعيرين وزجرهما أى وقيل إلى فرسين فركضا فشقاها نصفين” [85].  
 
وأضاف ابن سيد الناس: ثم قدموا على رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم بابنة أم قرفة وبعبد اللـه ابن مسعدة فكانت بنت أمر قرفة لسلمة ابن الأكوع كان هو الذى أصابها وكانت فى بيت شرف من قومها‏[86]. ‏  
 
2- مقتل كعب ابن الأشرف  
 
تناولت مختلف كتب السيرة والتاريخ الإسلامى قصة قتل كعب بالتفصيل وسوف نكتفى هنا بالاستناد إلى الرواية كما ُشرحت فى سيرة ابن هشام مع الاختصار: وكان رجلاً من طييء.. وحين بلغه خبرنتيجة موقعة بدر قال: “‏ أحق هذا ‏‏؟‏‏ أترون محمدا قتل هؤلاء... فهؤلاء أشراف العرب وملوك الناس، واللـه لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم، لبطن الأرض خير من ظهرها ‏‏. ‏‏‏ ثم توجه إلى مكة، فنزل على المطلب ابن أبى وداعة... وجعل يحرض على محمد، وينشد الأشعار، ويبكى قتلى قريش ثم رجع إلى المدينة فشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم ‏‏. ‏‏ فقال محمد من لى بابن الأشرف ‏‏؟‏‏ فقال له محمد ابن مسلمة، أنا لك به يا رسول اللـه، أنا أقتله؛ قال ‏‏: ‏‏ فافعل إن قدرت على ذلك ‏‏. ‏‏  
 
‏‏ فاجتمع فى قتله محمد ابن مسلمة، وسلكان ابن سلامة ابن وقش، وهو أبو نائلة أحد بنى عبدالأشهل، وكان أخا كعب ابن الأشرف من الرضاعة، وعباد ابن بشر ابن وقش، أحد بنى عبدالأشهل، والحارث ابن أوس ابن معاذ، أحد بنى عبد الأشهل، وأبو عبس ابن جبر، أحد بنى حارثة ‏‏. ‏‏ ثم قدموا إلى كعب، فقابله فى البداية أبو نائلة فتحدث معه، وتناشدوا شعرا، وكان أبو نائلة يقول الشعر، ثم قال ‏‏: ‏‏ ويحك يابن الأشرف ‏‏!‏‏ إنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك، فاكتم عنى؛ قال ‏‏: ‏‏ افعل، قال ‏‏: ‏‏ كان قدوم هذا الرجل (يقصد محمد) علينا بلاء من البلاء، عادتنا به العرب، ورمتنا عن قوس واحدة، وقلعت عنا السبل حتى ضاع العيال، وجهدت الأنفس، وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا؛ قال كعب ‏‏: ‏‏ أنا ابن الأشرف، أما واللـه لقد كنت أخبرك يابن سلامة، إن الأمر سيصير إلى ما أقول، فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم أن يأخذوا السلاح، ثم ينطلقوا فيجتمعوا إليه، فاجتمعوا عند النبى...  
 
مشى معهم محمد إلى بقيع الغرقد، ثم وجههم، فقال ‏‏: ‏‏ انطلقوا على اسم الله؛ اللهم أعنهم، ثم رجع إلى بيته. وأقبلوا حتى انتهوا إلى حصنه، فهتف به أبو نائلة، وكان قد تزوج حديثا، فوثب فى ملحفته، فأخذته امراته بناحيتها، وقالت ‏‏: ‏‏ إنك امرؤ محارب، وإن أصحاب الحرب لا ينزلون فى هذه الساعة، قال ‏‏: ‏‏ إنه أبو نائلة، لو وجدنى نائما لما أيقظنى، فقالت ‏‏: ‏‏ واللـه إنى لأعرف فى صوته الشر فقال ‏‏لها كعب ‏‏: ‏‏ لو يدعى الفتى لطعنة لأجاب ‏‏. ‏‏  
 
فنزل فتحادثوا معا، ثم قال ‏‏:‏‏ هل لك يا ابن الأشرف أن تتماشى إلى الشعب العجور، فنتحدث به بقية ليلتنا هذه ‏‏؟‏‏ قال ‏‏: ‏‏ إن شئتم ‏‏. ‏‏ فخرجوا يتماشون، فمشوا ساعة، ثم إن أبا نائلة شام يده فى فود رأسه، ثم شم يده فقال ‏‏: ‏‏ ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها حتى اطمأن، ثم مشى ساعة، ثم عاد لمثلها، فأخذ بفود رأسه، ثم قال ‏‏: ‏‏ اضربوا عدو اللـه، فضربوه فاختلف عليه أسيافهم، فلم تغن شيئا ‏‏. ‏‏  
 
قال محمد ابن مسلمة ‏‏: ‏‏ فذكرت مغولا فى سيفى، حين رأيت أسيافنا لا تغنى شيئا، فأخذته، وقد صاح عدو اللـه صيحة لم يبق حولنا حصن إلا وقد أوقدت عليه نار، قال ‏‏: ‏‏ فوضعته فى ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، فوقع عدو اللـه.. فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية ابن زيد، ثم على بنى قريظة، ثم على بعاث.. ‏‏. ‏‏ فأصبحنا وقد خافت يهود لوقعتنا بعدو اللـه، فليس بها يهودى إلا وهو يخاف على نفسه [87]‏‏. ‏‏  
 
3 - مقتل اليسير ابن رزام  
 
هذه قصة قتله غدرا، باختصار كما رواها ابن هشام:  
 
كان بخيبر يجمع غطفان لغزو المسلمين، فبعث إليه محمد عبدالله ابن رواحة فى نفر من أصحابه، فلما قدموا عليه كلموه، وقالوا له ‏: ‏ إنك إن قدمت على رسول اللـه استعملك وأكرمك، فلم يزالوا به حتى خرج معهم فى نفر من يهود، فحمله عبدالله ابن أنيس على بعيره ‏. ‏ حتى إذا كان على ستة أميال من خيبر ندم اليسير ابن رزام على مسيره، ففطن به عبدالله ابن أنيس وهو يريد السيف، فاقتحم به، ثم ضربه بالسيف، فقطع رجله، وضربه اليسير بمخرش فى يده[88] ‏. ‏  
 
4- قتل عصماء بنت مروان:  
 
كانت يهودية وكانت تنتقد الإسلام والنبى فى شعر لها وتحرض عليه. بعث إليها عمير ابن عدى الخطمى لقتلها فجاءها ليلا فدخل عليها بيتها وحولها بعض أولادها نيام وعلى صدرها طفل ترضعه فمسها بيده ونحى الرضيع عن صدرها وضغط بسيفه على صدرها حتى أنفذه من ظهرها[89].  
 
5 - مقتل سلام ابن أبى الحقيق  
 
حسب ابن هشام كان يهوديا من خيبر وكان يحرض على محمد والإسلام. وقد ُقتل كعب ابن الأشرف على أيدى مسلمين من الأوس فأراد الخزرج أن يتساووا بهم فى الشرف وقالوا” واللـه لا تذهبون بها فضلا علينا أبدا” واستأذنوا محمدا فى قتل كفء له فى العداوة للإسلام فذكروا ابن أبى الحقيق، وهو بخيبر؛ فاستأذنوا محمد قتله، فأذن لهم 
 
‏ “فخرج إليه من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر.. وأمر عليهم رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم عبدالله ابن عتيك، ونهاهم عن أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر، أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا، فلم يدعوا بيتا فى الدار إلا أغلقوه على أهله... حتى قاموا على بابه، فاستأذنوا عليه، فخرجت إليهم امرأته، فقالت ‏: ‏ من أنتم ‏؟‏ قالوا ‏: ‏ ناس من العرب نلتمس الميرة ‏. ‏ قالت ‏: ‏ ذاكم صاحبكم، فادخلوا عليه؛ قال ‏: ‏ فلما دخلنا عليه، أغلقنا علينا وعليها الحجرة، تخوفا أن تكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه، قالت ‏: ‏ فصاحت امرأته، فنوهت بنا وابتدرناه، وهو على فراشه بأسيافنا، فوالله ما يدلنا عليه فى سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة ‏. ‏ قال ‏: ‏ ولما صاحت بنا امرأته، جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم ذكر نهى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. ‏  
 
قال‏: ‏ فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبدالله ابن أنيس بسيفه فى بطنه حتى أنفذه، وهو يقول ‏: ‏ قطنى قطنى ‏: ‏ أى حسبى حسبى ‏. ‏ قال‏: ‏ وخرجنا، وكان عبدالله ابن عتيك رجلا سيئ البصر، قال ‏: ‏ فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا - ويقال: ‏ رجله، فيما قال ابن هشام - وحملناه حتى نأتى به منهرا من عيونهم، فندخل فيه ‏. ‏  
 
قال‏: فأوقدوا النيران، واشتدوا فى كل وجه يطلبوننا، قال‏: حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم، فاكتنفوه وهو يقضى بينهم ‏. ‏  
 
قال‏: ‏ ثم جاءنا الخبر فاحتملنا صاحبنا فقدمنا على رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم فأخبرناه بقتل عدو اللـه، واختلفنا عنده فى قتله، كلنا يدعيه. قال ‏: فقال رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم‏: ‏ هاتوا أسيافكم؛ قال‏: ‏ فجئناه بها، فنظر إليها فقال لسيف عبد اللـه ابن أنيس‏: ‏ هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام”[90] ‏. ‏  
 
6 - أبو عفك اليهودى:  
 
كان مسنا بلغ مائة وعشرين سنة وكان يحرض الناس على محمد ويلقى الشعر ضده فطالب الأخير بقتله فتطوع سالم ابن عمير. فأخذه على غرة، فكمن له فى ليلة صيف حارة وهو نائم بفناء بيته “فأقبل نحوه فوضع السيف على كبده ثم تحامل حتى خش السيف فى فراشه”[91].  
 
7- مقتل خالد ابن سفيان الهذلى:  
 
فى السنة الرابعة من الهجرة سمع محمد أن خالد ابن سفيان الهذلى يقيم بعرنة وأنه يجمع الجموع لحرب المسلمين فأمر عبد اللـه ابن أنيس بقتله. ” قال: دعانى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، فقال: إنه بلغنى أن خالد ابن سفيان ابن نبيح الهذلى يجمع لى الناس ليغزونى - وهو بنخلة أو بعرنة - فأته فاقتله، قال: قلت: يا رسول الله؛ انعته لى حتى أعرفه، قال: إذا رأيته أذكرك الشيطان ! إنه آية ما بينك وبينه أنك إذا رأيته وجدت له قشعريرة. قال: فخرجت متوشحاً سيفى حتى دفعت إليه وهو فى ظعن يرتاد لهن منزلاً حيث كان وقت العصر؛ فلما رأيته وجدت ما وصف لى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم من القشعريرة، فأقبلت نحوه، وخشيت أن تكون بينى وبينه مجاولة تشغلنى عن الصلاة، فصليت وأنا أمشى نحوه، أومى برأسى إيماء؛ فلما انتهيت إليه قال: من الرجل ? قلت: رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل؛ فجاءك لذلك، قال: أجل، أنا فى ذلك؛ فمشيت معه شيئاً حتى إذا أمكننى حملت عليه بالسيف حتى قتلته؛ ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه. فلما قدمت على رسول اللـه وسلمت عليه ورآنى، قال: أفلح الوجه ! قال: قلت: قد قتلته. قال: صدقت”[92].  
 
- ومن الشعراء الذين هجوا محمد والإسلام هبيرة ابن أبي وهب المخزومي. من فرسان قريش وشعرائها، وكان ممن ينتقون الإسلام، فأهدر محمد دمه، فهرب إلي "نجران" حتى مات بها[93] . 
 
- تختلف قواعد الحرب بين مسلمين ومسلمين عنها بين المسلمين و"الكفار"، وقد أورد الماوردي[94] ثمانية فروق بينهما:  
 
1- أن يقصد بالقتال ردعهم وليس قتلهم بينما يجوز أن يعتمد قتل المشركين والمرتدين.  
 
2 - أن يقاتهلم مقبلين، ويكف عنهم مدبرين بينما يجوز قتال أهل الردة والحرب مقبلين مدبرين.  
 
3- لا يُقتل جريحهم وإن جاز الإجهاز على جرحى المشركين والمرتدين.  
 
4- لا يقتل أسراهم وإن قتل أسرى المشركين والمرتدين ويُطلق سراح من أمنت رجعته إلى القتال من أسراهم ومن لم تؤمن منه الرجعة حبس حتى نهاية الحرب ثم يطلق بعدها.  
 
5- لا تُغنم أموالهم ولا يسبى ذراريهم وقد استشهد الماوردى بالحديث: منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها.  
 
6- لا يستعان لقتالهم ب"كافر" ويجوز ذلك فى محاربة "الكفار" 
 
7- لا يهادنوا إلى مدة ولا يوادعوا على مال.  
 
8- ينصب عليهم العرادات، ولا يحرق عليهم المساكن ولا يقطع نخيلهم واشجارهم.  
 
*** 
 
 
 
علاقة العهد:  
 
عهد الأمان:  
 
هو عهد مؤقت يعقد بين المسلمين و"الكفار" الحربيين أو بعضهم، ويسمى هؤلاء بعد حصولهم على الأمان باسم المستأمنين، وإذا انتهت مدة العهد الممنوح لهم عادوا حربيين. وقد شرح شروطه الشرعية تفصيلا كثير من الفقهاء، منهم النووى الدمشقى كالآتى نقدمها ببعض الاختصار:  
 
“فى عقد الذمة ويقال لها: الموادعة، والمعاهدة، وهى جائزة بنصوص الكتاب والسنة والإجماع، فيه طرفان:  
 
الأول: فى شروطها وهى أربعة:  
 
الأول: أن يتولاه الإمام أو نائبه فيه، هذا فى مهادنة "الكفار" مطلقاً، أو أهل إقليم، كالهند والروم، ويجوز لوالى الإقليم المهادنة مع أهل قرية أو بلدة فى إقليمه للمصلحة، وكأنه مأذون فيه بتفويض مصلحة الإقليم إليه. ولو عقد الهدنة واحد من الرعية، فدخل قوم ممن هادنهم دار الإسلام، لم يقروا، لكن يلحقون بمأمنهم، لأنهم دخلوا على اعتقاد أمانه.  
 
الثانى: أن يكون للمسلمين إليه حاجة وفيه مصلحة، بأن يكون فى المسلمين ضعف لقلة عدد أو مال، أو بعد العدو، أو يطمع فى إسلامهم لمخالطتهم المسلمين، أو فى قبولهم الجزية، أو فى أن يعينوه على قتال غيرهم، وإذا طلب "الكفار" الهدنة، فإن كان فيها ضرر على المسلمين فلا يخفى أنهم لا يجابون، وإلا فوجهان، أحدهما: تجب إجابتهم، والصحيح: لا تجب، بل يجتهد الإمام ويفعل الأصلح.  
 
الثالث: أن يخلو عن الشروط الفاسدة، فإن عقدها على أن لا ينتزع أسرى المسلمين منهم، أو يرد إليهم المسلم الذى أسروه، وأفلت منهم، أو شرط ترك مال مسلم فى أيديهم، فهذه شروط فاسدة، وكذا لو شرط أن يعقد لهم الذمة على أقل من دينار، أو على أن يقيموا بالحجاز، أو يدخلوا الحرم، أو يظهروا الخمور فى دارنا، أو شرط أن يرد عليهم إذا جئن مسلمات، وكذا ولو عقد بشرط التزام مال، فإن دعت ضرورة إلى بذل مال، بأن كانوا يعذبون الأسرى فى أيديهم ففديناهم، أو أحاطوا بنا وخفنا الاصطدام، فيجوز بذل المال، ودفع أعظم الضررين بأخفهما.  
 
الرابع: أن يقتصر على المدة المشروعة، ثم لا يخلو إما لا يكون بالمسلمين ضعف، أو يكون، فإن لم يكن ورأى الإمام المصلحة فى الهدنة، هادن أربعة أشهر فأقل، ولا يجوز أكثر من سنة قطعاً، ولا سنة على المذهب ولا ما بينهما وبين أربعة الحاجة، ولا تجوز زيادة على العشر، لكن إن انقضت المدة والحاجة باقية، استؤنف العقد[95].  
 
ويعد الأمان أحد أبواب الجهاد.وسنده القرآنى هو: وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ابلغه مأمنه ذلك بأنهم لا يعلمون (التوبة: 6) . إذن الغرض منه أن يسمع "الكافر" كلام اللـه وليس لتحقيق أمانه وليس رغبة إنسانية فى تأمين شخص يطلب الأمان. أما شرط الأمان فهى: أن يكون المسلمون ضعافاً والأعداء أقوياء وذلك لكون قتال الأعداء فرضاً. بينما يحوى الأمان على تحريم القتال. مما يفسر سبب معالجة هذا البحث عادة فى كتاب الجهاد أو السير عند الفقهاء.  
 
يرفع الأمان إما لدى انقضاء مهلته أو مغادرة دار الإسلام. وللإمام أو خليفته أن ينهى الأمان فى أى وقت إذا تبين من نوايا سيئة عند المستأمن أو إذا رأى أن إقامته فى دار الإسلام تشكل خطراً على مصالح المسلمين. أما انقضاء مهلة الأمان فتأتى من ورائه نتائج فقهية. فإذا غادر المستأمن دار الإسلام تاركاً فيها أموالاً أو عقاراً فلا يحق لورثته الانتفاع بها. لأن التركة تصادرها الدولة الإسلامية. وحق التوارث يبقى قائماً إذا مات المستأمن فى دار الإسلام، مما يعنى إضفاء الضمان على أمواله أيضاً.  
 
أما الذى يدخل دار الإسلام بدون أمان فلا يتمتع بحماية القانون أبداً. للمسلم أن يقتله أو يستعبده أو يغتصب أمواله، فهو كما يقول الفقهاء مباح، ولا يمكن أن تزول إباحته إلا بالأمان الذى يجعل نفسه وأمواله حراماً على المسلمين. بينما يجوز قتل "الكافر" المسافر بدون أمان أو استعباده، وملكه فيء. وإن دخل "الكافر" دار الإسلام سهواً أو ضرورة مثل غرق سفينة أو سقوط طائرة فللحاكم الإسلامى أن يقرر بحقه ما يشاء. إن أراد يطلق سراحه أو يستعبده أو يقتله.  
 
وقد يقوم مسلم بقتل “كافر” ممن هم على عهد أمان مع المسلمين. فى هذه الحالة يدفع المسلمون ديته لدى أغلب الفقهاء.  
 
لكن المرتد فيقتل حتما ولا يمنح عقد أمان[96].  
 
عهد الصلح:  
 
معاهدة تتم بين دار الإسلام من جهة وبين دار الحرب من جهة ثانية. والصلح يكون عبارة عن معاهدة سلام مؤقتة ذات مدة يتفق عليها بين الطرفين، بعدها تعود دار الصلح دارا للحرب. ويجوز لدى بعض الفقهاء أن تكون بلا مدة محددة؛ مطلقة، ولكن ليس إلى الأبد، والمقصود أن تكون المدة غير محددة ويمكن فسخ المعاهدة فى أى وقت حسب المصلحة[97]. وفى القرآن سابقة على إمكانية فسخ العهود مع منح "الكفار" مهلة محددة كما رأينا فى سورة التوبة.  
 
عهد الذمة:  
 
هو نوع من العهود كان يتم عقده بين قادة جيوش المسلمين وبين سكان البلاد المعرضة لغزوهم، الذين اختاروا البقاء على ديانتهم الأصلية مع دفع الجزية. وبمجرد توقيع هذا العهد، تطبق على المعاهدين الذميين قواعد القانون الإسلامى، الذى يسميه الإسلاميون بالشريعة، ويصبحون فى ذمة المسلمين الذين يحكمون هذه البلاد والتى تصبح ضمن دار الإسلام، وهو عقد دائم؛ إلى أجل غير مسمى.  
 
 
علاقة المسلمين ب"الكفار" فى دار الإسلام – عقد الذمة:  
 
نرى أنه من المفيد أن نعرض هنا ما تعرف ب”الشروط العمرية” وهى الشروط التى أشارت المصادر الإسلامية على أنها الشروط التى صالح عليها عمر ابن الخطاب أهل القدس وبعضهم قال أهل الشام ككل، وقد أوردها الكثير من المراجع الإسلامية الأساسية بصيغ ومحتويات مختلفة حسب العصر الذى طبقت فيه، وتعامل ببعض أو كل محتوياتها المتغيرة معظم الخلفاء فيما بعد مع أهل الذمة فى مختلف البلاد المفتوحة، حتى الخلفاء العثمانيون[98]:  
 
يقول ابن القيم الجوزية: ” ذكر الشروط العمرية وأحكامها وموجباتها:  
 
“... قالوا كتب أهل الجزيرة إلى عبدالرحمن ابن غنم إنا حين قدمت بلادنا طلبنا إليك الأمان لأنفسنا وأهل ملتنا على أنا شرطنا لك على أنفسنا ألا نحدث فى مدينتنا كنيسة ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا نجدد ما خرب من كنائسنا ولا ما كان منها فى خطط المسلمين وألا نمنع كنائسنا من المسلمين أن ينزلوها فى الليل والنهار وأن نوسع أبوابها للمارة وابن السبيل ولا نؤوى فيها ولا فى منازلنا جاسوسا وألا نكتم غشا للمسلمين وألا نضرب بنواقيسنا إلا ضربا خفيا فى جوف كنائسنا ولا نظهر عليها صليبا ولا ترفع أصواتنا فى الصلاة ولا القراءة فى كنائسنا فيما يحضره المسلمون وألا نخرج صليبا ولا كتابا فى سوق المسلمين وألا نخرج باعوثا قال والباعوث يجتمعون كما يخرج المسلمون يوم الأضحى والفطر ولا شعانين ولا نرفع أصواتنا مع موتانا ولا نظهر النيران معهم فى أسواق المسلمين وألا نجاورهم بالخنازير ولا ببيع الخمور ولا نظهر شركا ولا نرغب فى ديننا ولا ندعو إليه أحدا ولا نتخذ شيئا من الرقيق الذى جرت عليه سهام المسلمين وألا نمنع أحدا من أقربائنا أرادوا الدخول فى الإسلام وأن نلزم زينا حيثما كنا وألا نتشبه بالمسلمين فى لبس قلنسوة ولا عمامة ولا نعلين ولا فرق شعر ولا فى مراكبهم ولا نتكلم بكلامهم ولا نكتنى بكناهم وأن نجز مقادم رؤوسنا ولا نفرق نواصينا ونشد الزنانير على أوساطنا ولا ننقش خواتمنا بالعربية ولا نركب السروج ولا نتخذ شيئا من السلاح ولا نحمله ولا نتقلد السيوف وأن نوقر المسلمين فى مجالسهم ونرشدهم الطريق ونقوم لهم عن المجالس إن أرادوا الجلوس ولا نطلع عليهم فى منازلهم ولا نعلم أولادنا القرآن ولا يشارك أحد منا مسلما فى تجارة إلا أن يكون إلى المسلم أمر التجارة وأن نضيف كل مسلم عابر سبيل ثلاثة أيام ونطعمه من أوسط ما نجد ضمنا لك ذلك على أنفسنا وذرارينا وأزواجنا ومساكيننا وإن نحن غيرنا أو خالفنا عما شرطنا على أنفسنا وقبلنا الأمان عليه فلا ذمة لنا وقد حل لك منا ما يحل لأهل المعاندة والشقاق.  
 
فكتب بذلك عبدالرحمن ابن غنم إلى عمر ابن الخطاب رضى اللـه عنه فكتب إليه عمر أن أمض لهم ما سألوا وألحق فيهم حرفين أشترطهما عليهم مع ما شرطوا على أنفسهم ألا يشتروا من سبايانا شيئا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده. فأنفذ عبدالرحمن ابن غنم ذلك وأقر من أقام من الروم فى مدائن الشام على هذا الشرط. قال الخلال فى كتاب أحكام أهل الملل أخبرنا عبدالله ابن أحمد فذكره. وذكر سفيان الثورى عن مسروق عن عبدالرحمن ابن غنم قال كتبت لعمر ابن الخطاب رضى اللـه عنه حين صالح نصارى الشام وشرط عليهم فيه ألا يحدثوا فى مدينتهم ولا فيما حولها ديرا ولا كنيسة ولا قلاية ولا صومعة راهب ولا يجددوا ما خرب ولا يمنعوا كنائسهم أن ينزلها أحد من المسلمين ثلاث ليال يطعمونهم ولا يؤوا جاسوسا ولا يكتموا غشا للمسلمين ولا يعلموا أولادهم القرآن ولا يظهروا شركا ولا يمنعوا ذوى قراباتهم من الإسلام إن أرادوه وأن يوقروا المسلمين وأن يقوموا لهم من مجالسهم إذا أرادوا الجلوس ولا يتشبهوا بالمسلمين فى شيء من لباسهم ولا يتكنوا بكناهم ولا يركبوا سرجا ولا يتقلدوا سيفاولا يبيعوا الخمور وأن يجزوا مقادم رؤوسهم وأن يلزموا زيهم حيثما كانوا وأن يشدوا الزنانير على أوساطهم ولا يظهروا صليبا ولا شيئا من كتبهم فى شيء من طرق المسلمين ولا يجاوروا المسلمين بموتاهم ولا يضربوا بالناقوس إلا ضربا خفيا ولا يرفعوا أصواتهم بالقراءة فى كنائسهم فى شيء من حضرةالمسلمين ولا يخرجوا شعانين ولا يرفعوا أصواتهم مع موتاهم ولا يظهروا النيران معهم ولا يشتروا من الرقيق ما جرت فيه سهام المسلمين فإن خالفوا شيئا مما شرطوه فلا ذمة لهم وقد حل للمسلمين منهم ما يحل من أهل المعاندة والشقاق.  
 
... عن عبدالرحمن ابن غنم قال كتبت لعمر ابن الخطاب رضى اللـه عنه حين صالح نصارى أهل الشام بسم اللـه الرحمن الرحيم هذا كتاب لعبدالله عمر أمير المؤمنين من نصارى مدينة كذا وكذا إنكم لما قدمتم علينا سألناكم الأمان لأنفسنا وذرارينا وأموالنا وأهل ملتنا وشرطنا لكم على أنفسنا ألا نحدث فى مدائننا ولا فيما حولها ديرا ولا قلاية ولا كنيسة ولا صومعة راهب فذكر نحوه”. [99].  
 
وقد وضع عمر ابن الخطاب بنفسه شرطين حسب ما ذكر ابن القيم (نقلا عن آخرين): “ألا يشتروا من سبايانا شيئا ومن ضرب مسلما عمدا فقد خلع عهده”[100].  
 
ويضيف ابن القيم: ”وقد تضمن كتاب عمر رضى اللـه عنه هذا جملا من العلم تدور على ستة فصول:  
 
الفصل الأول فى أحكام البيع والكنائس والصوامع وما يتعلق بذلك.  
 
الفصل الثانى فى أحكام ضيافتهم للمارة بهم وما يتعلق بها.  
 
الفصل الثالث فيما يتعلق بضرر المسلمين والإسلام.  
 
الفصل الرابع فيما يتعلق بتغيير لباسهم وتمييزهم عن المسلمين فى المركب واللباس وغيره.  
 
الفصل الخامس فيما يتعلق بإظهار المنكر من أفعالهم وأقوالهم مما نهوا عنه.  
 
الفصل السادس فى أمر معاملتهم للمسلمين بالشركة ونحوها” [101].  
 
وتناول ابن القيم الفصول الستة بالتفصيل فى كتابه المذكور. وتمثل تلك الشروط مبدئيا العلاقة بين المسلمين و"الكفار" من أهل الذمة فى دار الإسلام..  
 
ويلفت النظر فى نص ابن القيم أعلاه أن الشروط العمرية هى ما طلبه "أهل الجزيرة"بأنفسهم وهو شيء تأباه العقول فليس من المقبول تصور أن شعبا ما يضع على نفسه شروطا مهينة بدون ضغط شديد من الغازى ولكن المهم هنا هو المحتوى المقبول فى الفكر الإسلامى.  
 
وقد حدد الماوردى الشروط بتفصيل أكثر دقة: ” ويشترط عليهم فى عقد الجزية شرطان: مستحق ومستحب:  
 
- أما المستحق فستة شروط:  
 
أحدها أن لا يذكروا كتاب اللـه تعالى بطعن فيه ولا تحريف له.  
 
والثانى أن لا يذكروا رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم بتكذيب ولا إزدراء.  
 
والثالث أن لا يذكروا دين الإسلام بذم له ولا قدح فيه.  
 
والرابع أن لا يصيبوا مسلمة بزنا ولا باسم نكاح.  
 
والخامس أن لا يفتنوا مسلماً عن دينه ولا يتعرضوا لماله ولا دينه.  
 
والسادس أن لا يعينوا أهل الحرب ولا يودوا أغنيائهم.  
 
فهذه الستة حقوق ملتزمة فتلزمهم بغير شرط، وإنما تشترط إشعاراً لهم وتأكيداً لتغليظ العهد عليهم ويكون ارتكابها بعد الشرط نقضاً لعهدهم.  
 
وأما المستحب فستة أشياء:  
 
- أحدها تغيير هيئاتهم بلبس الغيار وشد الزنار.  
 
- والثانى أن لا يعلوا على المسلمين فى الأبنية ويكونوا إن لم ينقصوا مساوين لهم.  
 
- والثالث أن لا يسمعوهم أصوات نواقيسهم ولا تلاوة كتبهم ولا قولهم فى عزيز والمسيح.  
 
- والرابع أن لا يجاهروهم بشرب خمورهم ولا بإظهار صلبانهم وخنازيرهم.  
 
- والخامس أن يخفوا دفن موتاهم ولا يجاهروا بندب عليهم ولا نياحة.  
 
- والسادس أن يمنعوا من ركوب الخيل عناقاً وهجاناً ولا يمنعوا من ركوب البغال والحمير.  
 
وهذه الستة المستحبة لا تلزم بعقد الذمة حتى تشترط فتصير بالشرط ملتزمة ولا يكون ارتكابها بعد الشرط نقضاً لعهدهم، لكن يؤخذون بها إجباراً ويؤبون عليها زجراً، ولا يؤدبون إن لم يشترط ذلك عليهم”[102].  
 
وأضاف آخرون شروطا أخرى تتعلق بلباس أهل الذمة مثل أن يتخذوا على سروجهم فى موضع القرابيس مثل الرمانة من خشب وبأن يجعلوا شراك نعالهم مثنية[103].  
 
وقد سار على ما نُسب لعمر ابن الخطاب كثير من الخلفاء ومنهم على ابن أبى طالب[104] وعمر ابن عبد العزيز، المعتبرين من المثل العليا لدى جمهور وفقهاء المسلمين على السواء، وغيرهم كثيرون، مثل المنصور والرشيد والمهدى والمأمون والمتوكل والمقتدر[105].  
 
و"الشروط العمرية"المتغيرة مع الوقت حسب إشارات المصادر الإسلامية قد بُدء نشر صيغها المختلفة تباعا بعد موت عمر بأكثر من قرنين ونصف والمهم لنا أن الفقه الإسلامى قد أقر تلك الصيغ القاسية من تلك الشروط ونسبها للخليفة عمر وصارت بالتالى جزءا من ثقافة المسلمين مازال له أثر واضح للآن[106]، من أمثلتها شروط العزبى باشا وكيل وزارة الداخلية لبناء الكنائس الصادرة عام 1934 فى مصر.  
 
ونتناول بعض التفاصيل فيما يلى:  
 
أولا – حرية الاعتقاد 
 
- حكم المرتد عن الإسلام:  
 
من يدخل الإسلام لا يحق له وفقا لهذا الفكر أن يرجع فى قراره ! هذه ليست مسألة قابلة للنقاش سواء بين الفقهاء القدامى أو المحدثين أو المعاصرين ولا بين العامة أيضا. ويمكن بسهولة أن نعتبر الرأى القائل بعدم قتل المرتد رأيا نشازا فى الإسلام، لا يجد صدى يذكروسط الرأى العام المسلم[107]. والحقيقة أن هناك إجماعا بين الفقهاء على عقوبة قتل المرتد ولم يخرج على هذا الإجماع من له حيثية تذكر فى تاريخ الفكر الإسلامى بما فى ذلك المعتدلين من الأحناف والإجماع شبه مطلق فى الشارع الإسلامى على مدى التاريخ. والأدهى أنه قد اتضح فى قضية نصر حامد أبو زيد المتهم بالردة أن كبار كتاب ومحامى مصر فى أواخر القرن العشرين يقرون المبدأ نفسه ضمنا على الأقل؛أى مبدأ قتل المرتد، ذلك أنهم أجمعوا على محاولة إنقاذه بالبرهنة على عدم ارتداده وليس على حقه فى اختيار عقيدته والتعبير عنها!! 
 
يقُسم المرتد إلى مرتد ملى، ومرتد فطرى. الأول هو الذى يولد ويشب غير مسلم ثم أسلم عند البلوغ وارتد بعد إسلامه. والمرتد الفطرى هو الذى يولد من أب مسلم أو من أم مسلمة (أى على الفطرة) ثم يرتد. أما معنى الردة نفسه فليس متفقا عليه بوضوح والتعريف الذى يأخذ به أغلب الإسلاميين خصوصا المعاصرين هو من أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أما ماهو معلوم من الدين بالضرورة ففيه من الخلاف الكثير حسب قناعات الفقيه ولكن حده الأدنى هو إنكار أحد الفرائض أو الشرائع فى الإسلام، والاحتكام إلى غير اللـه.  
 
ولا يطبق عهد الذمة على المرتد لأنه فى عرف الإسلام قد ترك الدين الحق بعد أن عرفه وذلك لفساد فطرته مما يدعو على اليأس من إمكانية هدايته. ذلك أن الذمة تمنح لأهل الكتاب لدى معظم الفقهاء ولكل عموم "الكفار"عدا المرتدين منهم لدى أقلهم لكى يعيشوا فى دار الإسلام ليتعرفوا عليه لعلهم يهتدون.  
 
ولم ينص القرآن على هذه العقوبة بشكل صريح (قليلون فقط فسروا الآية إنما جزاء الذين يحاربون اللـه ورسوله ويسعون فى الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أَو تقطع أَيديهم وأَرجلهم من خلاف أَو ينفوا من الأرض (المائدة: 33) على أنها خاصة بأناس ارتدوا بعد إسلامهم منهم أبو قلابة الجرمي) ، بينما نص عليها الحديث: من بدل دينه فاقتلوه (صحيح ابن حبان- 4389، ذكر أيضا فى سنن النسائى -4043) . وفى مسند الإمام أحمد-4424: لا يحل دم امريء مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك دينه المفارق، أو الفارق الجماعة وفى صحيح البخارى: (6772) ... قال: أقبلت إلى رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم ومعى رجلان من الأشعريين أحدهما عن يمينى والآخر عن يسارى ورسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم يستاك، فكلاهما سأل، فقال: ياأبا موسى أو ياعبد اللـه ابن قيس قال قلت: والذى بعثك بالحق ما أطلعانى على ما فى أنفسهما، وما شعرت أنهما يطلبان العمل. فكأنى أنظر إلى سواكه تحت شفته قلصت، فقال: لن أو لا نستعمل على عملنا من أراده، ولكن اذهب أنت ياأبا موسى أو ياعبد اللـه ابن قيس إلى اليمن. ثم اتبعه معاذ ابن جبل، فلما قدم عليه ألقى له وسادةً قال: انزل، فإذا رجل عنده موثق، قال: ما هذا؟ قال: كان يهودياً فأسلم ثم تهود. قال: اجلس. قال: لا أجلس حتى يقتل، قضاء اللـه ورسوله (ثلاث مرات) ، فأمر به فقتل. ثم تذاكرا قيام الليل، فقال أحدهما: أما أنا فأقوم وأنام، وأرجو فى نومتى ما أرجو فى قومتى.  
 
ولسنا فى معرض الدخول فى تقرير صحة الحديث من عدمه فهذا ليس موضوعنا والأمر الذى يعنينا أن الثقافة الإسلامية تتضمن هذه المسألة وتتبناها بشكل حاسم واعتبار جل المسلمين هذه الأحاديث صحيحة يهمنا أكثر من صحة الأحاديث نفسها لأن هذا هو موضوعنا بالذات.  
 
وتكمن نقطة الخلاف الأهم بين “العلماء” بخصوص قتل المرتد حول ضرورة منحه فرصة التوبة والمدة المناسبة لذلك. وهناك رأى أن يقتل دون استتابة، أو يستتاب فى الحال وإلا قتل كما لدى الشوكاني[108] وقد ذهبت الأغلبية إلى منحه 3 أيام فرصة للرجوع عن كفره وإلا قتل، وذهب الإمام النخعى إلى استتابته مدى الحياة فتُطلب منه التوبة. وهذا- وفقا لابن قدامة- مخالف للسنة والإجماع[109]. والاستتابة تعنى حتما السجن والضغط[110]. وقال آخرون: يستتاب شهراً، أو ثلاثاً، أو مائة مرة،.. وذكر أبو يوسف عن أبى حنيفة أن المرتد يُعرض عليه الإسلام فإن أسلم وإلا قُتل مكانه، إلا أن يطلب أن يُؤجل، فإن طلب ذلك أُجل ثلاثة أيام[111]. ومما أجمع عليه الفقهاء أن يُقتل دون استتابة من أغلظ فى الردة: مثل من سب اللـه ورسوله واستهزء بالدين، والزنادقة ومن تكررت منه الردة.  
 
واختُلف عن كيفية الاستتابة فقيل أن يُسجن حتى يتوب خلال المدة المحددة لدى أغلب الفقهاء بثلاثة أيام[112]. وخلال مدة حبسه تتم استتابته بمناقشته فى كفره وطلب توبته مشفوعة بالتهديد بالقتل.. وهى ما تساوى بالضبط محاكم التفتيش فى أوربا العصور الوسطى التى ينتقدها الإسلاميون !!.  
 
واختلفوا فى المرتدة؛ فوفقا للصنعانى ذهب الجمهور إلى أنها ُتقتل لأن كلمة "من" فى الحديث "من بدل دينه فاقتلوه" تعم الذكر والأنثى ولأنه حسب ابن المنذر عن ابن عباس راوى الحديث أنه قال: "تقتل المرأة المرتدة" [113]. وقال مالك والأُوزاعى والشافعى والليث ابن سعد: تُقتل كما يُقتل المرتد سواء؛ وحجتهم ظاهر الحديث: «من بدل دينه فاقتلوه». ولفظ «من» يصلح للذكر والأُنثى. وقال – خلافا لهذا الرأي - الثورى وأبو حنيفة وأصحابه: لا تقتل المرتدة؛ ولكنها تحبس وتجبر على الإسلام وتضرب فى كل ثلاثة أيام إلى أن تسلم [114]. فروى عن معاذ بن جبل أن محمدا قال له حين بعث إلى اليمن: أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن تاب فاقبل منه، وإن لم يتب فاضرب عنقه، وأيما امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها فإن تابت فاقبل منها، وإن أبت فاستتبها... ووفق لنفس المصدر أخرج الدار قطنى فى صحيحه عن على ابن أبى طالب أنه قال: المرتدة تستتاب ولا تقتل[115].  
 
وقررت قلة أنها تقتل ولو راجعت الإسلام.  
 
وقد مورس قتل المرتد- وفقا لكتب التراث المعترف بها إسلاميا - مرارا سواء فى عهد محمد أو الخلفاء[116]. بما فيه قتل المرأة على يد أبى بكر[117] وحرق بعض الزنادقة على يد على ابن أبى طالب كما أشرنا من قبل. وأشارت المراجع الإسلامية إلى أن محمدا لم يقتل بعضا من المرتدين ويبدو أن هذا حدث فعلا إما فى مرحلة مبكرة من إقامة الدولة الإسلامية أو لاعتبارات سياسية أخرى.. وربما أنه لم ُيقتل مرتدون أصلا إلا من امتنعوا عن دفع الزكاة فى عهد أبى بكر ويُقال إنهم قتلوا لا لردتهم بل لعداوتهم للدولة[118]، ولكنها حجة متهافتة فمعظمهم لم يحارب الدولة إلا دفاعا عن نفسه. وعلى العموم وبغض النظر عن صحة الوقائع المختلف عليها دائما فى تاريخ الإسلام فإن فكرة حد الردة عميقة الجذور فى الفكر الإسلامى القديم والمعاصر.  
 
أما عن كيفية قتل المرتد فقد اخُتلف فيها أيضا وضمن ما قيل “أنه يقتل ضرباً بالسيف. وقال أبو العباس: لا ُيقصد قتله، لكن ُيضرب بالخشب، وُينخس بالسيف حتى يصلى أو يموت”[119]..  
 
ومن الثابت عدم قتل المرأة "الكافرة" لأن قتل "الكفار" إنما يكون لمحارب فقط أما النساء والأطفال فتسبى كغنيمة للمسلمين ويمكن أن توطأ وتباع لكن لا تقتل بسب كفرها. ولكن فى الشريعة تختلف المرأة "الكافرة" عن المرتدة مثلما يختلف الأمر أيضا بين رجل “كافر” غير محارب ومرتد غير محارب فالثانى يقتل والأول لا يقتل على العموم. ووفقا لابن تيمية “فالمرتد يقتل لكفره بعد إيمانه‏: ‏ وإن لم يكن محاربا‏. ‏ فثبت أن الكفر والقتل لترك المأمور به أعظم منه لفعل المنهى عنه‏. ‏ وهذا الوجه قوى على مذهب الثلاثة‏: ‏ مالك، والشافعى، وأحمد وجمهور السلف”[120].  
 
أما إذا قام غير المسلم بتغيير دينه إلى غير الإسلام فقد اختلف الفقهاء؛فرأى مالك وجمهور الفقهاء: لا يُتعرض له؛ لأنه انتقل إلى ما لو كان عليه فى الابتداء لأقر عليه، ورأى الشافعية أنه يقتل ورأى بعض الحنابلة ألا يقر” لأنه انتقل إلى دين باطل قد أقر ببطلانه أشبه المرتد ولم يقبل منه إلا الإسلام أو دينه الأول فإن أباهما هدد وحبس وضرب وقيل للإمام أنقتله قال لا”[121]. ويتناول ابن قدامة الأمر هكذا: ” فى صفة إجباره على ترك ما انتقل إليه وفيه روايتان إحداهما أنه يقتل إن لم يرجع‏، رجلا كان أو امرأة لعموم قوله عليه السلام‏: ‏ ‏‏‏ (من بدل دينه فاقتلوه ‏‏‏) ‏ ولأنه ذمى نقض العهد فأشبه ما لو نقضه بترك التزام الذمة وهل يستتاب‏؟‏ يحتمل وجهين أحدهما يستتاب لأنه يسترجع عن دين باطل انتقل إليه‏، فيستتاب كالمرتد والثانى: ‏ لا يستتاب لأنه “كافر” أصلى أبيح قتله فأشبه الحربى فعلى هذا إن بادر وأسلم‏، أو رجع إلى ما يقر عليه عصم دمه وإلا قتل والرواية الثانية عن أحمد قال‏: ‏ إذا دخل اليهودى فى النصرانية‏، رددته إلى اليهودية ولم أدعه فيما انتقل إليه فقيل له‏: ‏ أتقتله‏؟‏ قال‏: ‏ لا‏، ولكن يضرب ويحبس قال‏: ‏ وإن كان نصرانيا أو يهوديا فدخل فى المجوسية كان أغلظ لأنه لا تؤكل ذبيحته‏، ولا تنكح له امرأة ولا يترك حتى يرد إليها فقيل له‏: ‏ تقتله إذا لم يرجع‏؟‏ قال‏: ‏ إنه لأهل ذلك وهذا نص فى أن الكتابى المنتقل إلى دين آخر من دين أهل الكتاب لا يقتل بل يكره بالضرب والحبس‏”[122].  
 
أما دخول المرء من دين ما إلى الإسلام فلا يعده “العلماء” فتنة بل “هدي” ومعرفة بالحق.. مفترضين- ضمنيا - أن كل البشر متفقون على أن الإسلام هو الحق، بالفطرة طبعا؛بالجينات البشرية!. وبذا يفترض الإسلام أن المرتد عنه هو أدنى من الذى يدخل فيه وحتى تعبير الردة نفسه يتضمن هذا المعنى، فهو تراجع إلى الوراء؛ارتداد. كما يفترض الإسلام مقدما أن الشخص الذى يترك الإسلام هو شرير بالضرورة، فهو مصدر للفتنة وعدو للمجتمع حتما. وهذا التصور لا يمكن أن يقبله أى شخص عاقل ويشهد الواقع أن الكثير من “المرتدين”و”الزنادقة” قدموا للحضارة الكثير من التضحيات والإنجازات، بل قدم الكثير منهم مالا يحصى لدولة الخلافة الإسلامية مما دفع الإسلاميين المعاصرين للافتخار بهم واعتبارهم مسلمين لا "كفارا" فى لحظات الافتخار فقط.  
 
ومن الأمور الفريدة فى الإسلام أنه بينما يحكم بقتل المرتد وفرض الجزية على "الكفار" يعامل”المنافق” فى الدنيا مثل المسلم تماما، تاركا أمره للـه يوم القيامة إذا لم تثبت عليه تهمة النفاق. والمنافق هو من يظهر الإسلام بينما هو لا يؤمن به حقا، وذلك تقية، خوفا من القتل وغيره من العقوبات. ويكون من الممكن معرفته من سياق تصرفاته. فيسمح الإسلام للمنافق بالعيش مع المسلمين والزواج منهم وأن يوارثهم.. إلخ. والعلة فى ذلك أن المنافق يعلن إسلامه وليس من الممكن التأكد مما فى قلبه وإلا سيكون من الممكن تكفير الناس بسهولة من قبل بعضهم البعض. ولم ينص القرآن ولا الأحاديث على فرض أية عقوبة دنيوية للمنافق. وبهذا يميز الإسلام بين "الكافر" الصادق و"الكافر" المنافق لصالح الأخير. والمشكلة أن الناس لا تستطيع أن تعرف المنافق بشكل قاطع ولكنها تستطيع أن تعرف "الكافر" الصريح. هذه المعضلة؛تمييز المنافق الكذاب على "الكافر"الصادق تنتج من عدم سماح الإسلام بحرية المرء فى اختيار دينه بحرية، والاختيار يتضمن بالضرورة إعادة الاختيار كيفما شاء. هكذا يفضل النفاق على الصراحة. وليس هناك غريب فى الأمر، إذ يسمح الإسلام للمسلم نفسه أن يكذب ويكون منافقا لل”كفار” فى ظروف معينة حسب مبدأ التقية الشهير لدى السنة والشيعة.  
 
أما إذا استطاع المسلمون إثبات نفاق شخص ما (وهى طبعا محكمة تفتيش) يسمى زنديقا وهو يُقتل بلا جدال لدى كل مذاهب السنة بل ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه يجب قتله بعد الاطلاع عليه بلا طلب توبة منه، ولا بد من قتله وان تاب، لكن ان تاب قتل حدا، لا كفرا، فيحكم له بالإسلام ويغسل، ويكفن ويصلى عليه ويدفن فى مقابر المسلمين، ويترك أمره الى الله[123].  
 
وبخصوص الفرق بين المرتد والزنديق ذكر ابن قدامة - وهو من الفقهاء المتشددين- عن على ابن أبى طالب “أنه أتى برجل عربى قد تنصر فاستتابه فأبى أن يتوب فقتله وأتى برهط يصلون وهم زنادقة وقد قامت عليه بذلك الشهود العدول فجحدوا وقالوا ليس لنا دين إلا الإسلام فقتلهم ولم يستتبهم ثم قال أتدرون لم استتبت النصراني؟. استتبته لأنه أظهر دينه فأما الزنادقة الذين قامت عليهم البينة‏، فإنما قتلتهم لأنهم جحدوا وقد قامت عليهم البينة ولأنه قد ثبت كفره فلم يحكم بإسلامه بدون الشهادتين‏، كالكافر الأصلى ولأن إنكاره تكذيب للبينة فلم تسمع كسائر الدعاوى فأما إذا أقر بالكفر ثم أنكر‏، فيحتمل أن نقول فيه كمسألتنا وإن سلمنا فالفرق بينهما أن الحد وجب بقوله‏، فقبل رجوعه عنه وما ثبت بالبينة لم يثبت بقوله فلا يقبل رجوعه عنه‏، كالزنى لو ثبت بقوله فرجع كف عنه‏، وإن ثبت ببينة لم يقبل رجوعه"‏[124]. ‏والمفهوم من هذا التعليل أن "الكافر"الذى يثبت كفره وهو منكر يُقتل دون استتابة، والأمر يبدو منطقيا تماما، فعما يُستتاب وهو ينكر "الكفر" أصلا؟ولكنه يُقتل لثبات كفره بالبينة.. والوسيلة بالطبع هى محكمة تفتيش وإلا كيف يتم الكشف عما فى سريرته؟.  
 
ويفرق عموم الفقه الإسلامى بين المسلم و"الكافر" المكره على تغيير دينه، فلأن “الإسلام يعلو ولا يعلى عليه، يحكم بإسلام "الكافر" إذا أكره على الإسلام ولا يحكم بكفر المسلم إذا أكره على إجراء كلمة "الكفر" فأجرى وأخبر أن قلبه كان مطمئناً بالإيمان”[125].  
 
وقد حدث فى التاريخ الإسلامى فى فترات معينة اضطهاد وأقيمت محاكم تفتيش ل”الزنادقة” وهم المتهمون بأنهم يعلنون إسلامهم ويمارسون ضد الإسلام أو يدعون لأشياء مناقضة للإسلام الرسمى (السنى عادة) وُقتل الكثيرون منهم مثل:  
 
- الجعد ابن درهم من المعتزلة الذى قتله خالد ابن عبد اللـه القسرى والى الكوفة بأمر الخليفة الاموى هشام ابن عبد الملك عام 742.  
 
- حسين ابن منصور- الحلاج - من الصوفة الذى قتل صلبا بعد أن تعرض فى ساحة القتل لإهانات بشعة.  
 
- وغيلان الدمشقى من المتكلمين الأوائل القائل بقدرة الإنسان على الفعل، أمر الخليفة هشام ابن عبد الملك بقطع يديه ورجليه وتعليقه على باب دمشق ثم أمر بقطع لسانه بتهمة القول بكلام المعتزلة.  
 
- السهروردى المقتول الذى أقام له فقهاء حلب بموافقة صلاح الدين الأيوبى محكمة تفتيش وحكموا بقتله عام 1191م.  
 
- الجهم ابن صفوان (سميت الجهمية على اسمه وهو يتفق مع المعتزلة فى أشياء جوهرية ويختلف فى مسائل منها اعتقاده بالجبرية) وقد قتله سالم ابن أحوز فى مرو عام 128هجرية.  
 
- ابن المقفع الذى كان ينتقد الإسلام.  
 
- ابن أبى العوجاء.  
 
- الشاعر بشار ابن برد، قتل عام 784 م.  
 
- صالح ابن عبد القدوس ُقتل عام 783 م.  
 
- أبو عيسى محمد ابن هارون الوراق: نفى الى الأهواز ومات بها عام 909 م.  
 
وفى عهد الخليفة المنصور تم تعيين مفتش عام كان يُعرف باسم " صاحب الزنادقة". وقد بلغ القمع أوجه فى الفترة من 661 -671 هجرية فى عصر الخليفة المهدى ووجد من “العلماء“من يسوغ له ذلك شرعيا بنصوص من القرآن والسنة. بل يميل الرأى العام ل”لعلماء”وحتى العامة إلى استساغة هذا النوع من الاضطهاد ل”لزنادقة” فى العصر الحالى.  
 
وهناك عقوبات أخرى للمرتد عن الإسلام، وقد أجمع فقهاء السنة الأربعة على انفساخ عقد الزواج بردة أحد الزوجين‏. ‏ فإن كانت الردة قبل الدخول انفسخ العقد فى الحال، وإن كانت بعد الدخول فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يُفسخ فى الحال، ورأى الشافعى الانتظار إلى انقضاء العدة‏. ‏ أما ابن حنبل فله روايتان كالمذهبين‏ السابقين. ‏وتفقد المرتدة المتزوجة بعض حقوقها.. [126]، ويرث عامة المسلمين أموال المرتد ولا تُسلم لأهله.  
 
ومسألة قتل المرتد تتمتع بقيمة هامة وراسخة فى الثقافة الإسلامية القديمة والمعاصرة حتى اليوم سواء لدى الخاصة أو العامة من المسلمين، ومعارضتها تكفى للحكم ب"الكفر" على الشخص المعترض، لا يختلف المعتدلون مع المتشددين باستثناء قلائل بلا جمهور فى هذا الصدد. ولم نلاحظ أن الإسلام المعاصر قد تراجع تجاه هذه القضية التى تبدو بالغة الأهمية للإسلاميين رغم أن القرآن لم ينص على عقوبة "دنيوية"للمرتد ورغم الشكوك الكثيرة حول تطبيق هذه العقوبة فى السنة النبوبة العملية، ورغم سهولة تبرير الحرية الدينية إسلاميا.  
 
وحين حاول “المعتدل” يوسف القرضاوي[127] أن يخفف من وطأة مسألة قتل المرتد بغرض الدعاية لاعتدال الإسلام أقر بأن هناك بعض “العلماء” ممن لم يقروا القتل، لكنه كما أشرنا هو رأى نشاز فى الإسلام!، وعلل القتل بأنه ليس بسبب الارتداد فى حد ذاته بل بسبب “الفتنة” التى يحدثها.. وهو تبرير يقدمه "المعتدلون" عموما، منهم عبد الصبور شاهين ووهبة الزحيلى، وهو عذر أقبح من ذنب كما هو بين.. فأى فتنة فى تحول المسلم إلى مسيحى مثلا ؟؟ ماذا حدث من “فتنة” حين ألحد الملايين من مسيحيى الغرب؟ وأين حق الإنسان فى أن يفكر ويغير أفكاره بحرية؟؟ ثم ألا يمكننا أن نعتبر الفتنة هى الإكراه فى الدين وقمع المخالفين فى الرأى والاعتداء على حرية الاعتقاد؟. وقد قبل القرضاوى الردة الفكرية ولكنه لم يوافق المرتد على إعلان رأيه على المجتمع!! فلماذا يكون للمسلم فقط هذا الحق؟ هذا تساؤلنا نحن.. أليس هذا تمييز دينى واضح؟ ثم ما هو مفهوم الفتنة؟ أهو الحرب الأهلية أم مجرد تحول الناس عن الإسلام؟ !! ومن الواضح أن هذه الحجة يمكن أن يستعملها أى نظام ديكتاتورى واستخدمتها بالفعل كل الأنظمة الشمولية لقمع المعارضين. بل من الثابت أن فقهاء السنة يستخدمونها حجة لتبرير دعوتهم لعدم الخروج على الحاكم المسلم مهما فعل. والقرضاوى نفسه قد دعا إلى معاقبة العلمانيين حتى غير الملحدين منهم متهما إياهم بالردة معتبرا أن”العلمانى الذى يرفض “مبدأ” تحكيم الشريعة من الأساس، ليس له من الإسلام إلا اسمه، وهو مرتد عن الإسلام بيقين، يجب أن يستتاب، وتزاح عنه الشبهة، وتقام عليه الحجة، وإلا حكم القضاء عليه بالردة، وجرد من انتمائه إلى الإسلام، أو سحبت منه “الجنسية الإسلامية” وفرق بينه وبين زوجه وولده، وجرت عليه أحكام المرتدين المارقين، فى الحياة وبعد الوفاة”[128]. وفى كتاب أصدره عام 1993 أفتى بضرورة التفرقة بين الردة الغليظة والخفيفة، وفى أمر المرتدين بين الداعية وغير الداعية، فما كان من الردة مغلظاً -كردة سلمان رشدى - وكان المرتد داعية إلى بدعته بلسانه أو بقلمه، فالأولى فى التغليظ فى العقوبة، والأخذ بقول جمهور الأمة، وظاهر الأحاديث، استئصالاً للشر، وسداً لباب الفتنة[129].  
 
وتوجد أصوات إسلامية ضعيفة للغاية، مكفر بعضها!، تنكر قتل المرتد عن الإسلام، منهم محمود شلتوت الذى يرفض الأخذ بأحاديث الآحاد، وصبحى منصورالذى يرفض الأحاديث عموما مثل بقية القرآنيين، وجمال البنا.. وغيرهم، وهذه الأصوات لا تجد استجابة تذكر فى الشارع الإسلامى.  
 
ويعكس هذا التشدد فى رأينا خوف الإسلاميين من تفكك القاعدة الشعبية العريضة التى يستمدون منها قوتهم، بتحول المسلمين عن دينهم، ففتح باب "الردة" يجعل من المقبول أن يُناقش الإسلام علنا ويُنتقد ويفتح أمام جمهور المسلمين باب التفكير فى دينهم بلا خوف ويفجر القضايا المكبوتة حول الإسلام ويكسر بالتالى حاجز الرعب من التخلى عن الدين، خصوصا فى هذا العصرالذى تطور فيه العلم. وحتى السلطات تخشى من فقدانها هيمنتها الأيديولوجية على الجماهير، ومن نافلة القول أن رجال الدين يهمهم استمرار وظائفهم ومداخيلهم (بعضهم يحصل مداخيل هائلة، خصوصا الشيعة) ويرون فى إمكانية تقلص قاعدتهم الشعبية خطرا مباشرا على مصالحهم. والواضح أن قضية قتل المرتد ترتبط بقبول "للمنافق" مالم تصدر عنه علامات "الكفر" بقدر يكشف زندقته ويقوده إلى حتفه، وهذا الأمر يعنى بالضبط أن الفكر الإسلامى معنى بسلطته أكثر مما هو معنى بنشر ما يعتبره الحقيقة، ف"المنافق" يُفضل على "الكافر"، لأنه يخضع لسلطة الإسلام الأيديولوجية والاجتماعية أما "المرتد" فيتخلص من هذه السلطة وهو أخشى ما يخشاه الإسلاميون رغم أن ترك "المرتد" يتيح الفرصة للتطهر من وجهة النظر الدينية البحتة. وهذا الموقف يكشف أن الفكر الإسلامى هو فكر سلطوى قبل أى شيء آخر؛آلية للتسلط لا مجرد فكر نظرى يبحث عن الحقيقة كما يزعم أنصاره. 
 
 
 
 
 
- عقوبة منتقد الإسلام والرسول والصحابة:  
 
لا يحق لأى شخص ذمى أو غيره نقد الإسلام ولا رسوله أبدا ولا أى رسول آخر ولا صحابى ولا أحد من آل البيت وزوجات محمد فى بعض المذاهب مثل المالكية[130]. ويتضمن ذلك عدم حقه فى دعوة المسلمين إلى دينه أو لا دينه، لأنه يتضمن بالضرورة نقدا للإسلام أو عدم إقرار علنى بأنه الدين الحق، كما أنه يتطلب إظهار دين "الكفار" أو إظهار إلحادهم. فهذا خروج على الذمة، وبمثابة إهدار لفكرة أن كلمة اللـه هى العليا. وقد أقر القرآن ذلك بوضوح: وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا فى دينكم فقاتلوا أئمة "الكفر" (التوبة: 12) . وفى تفسير الآية اختلف المفسرون ولكن رغم الخلاف اتفق جلهم على مفاهيم معينة هى المعنية هنا: فهذا رأى ابن كثير: ”يقول تعالى وإن نكث المشركون الذين عاهدتموهم على مدة معينة أيمانهم أى عهودهم ومواثيقهم وطعنوا فى دينكم أى عابوه وانتقصوه، ومن ههنا أخذ قتل من سب الرسول صلوات اللـه وسلامه عليه أو من طعن فى دين الإسلام أو ذكره بنقص”. وذكر الزمخشرى (معتزلي): ”وقالوا‏: ‏ إذا طعن الذمى فى دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله لأن العهد معقود معه على أن لا يطعن فإذا طعن فقد نكث عهده وخرج من الذمة”. وقد أقر الجميع عدا القلة (منهم الحسن البصري) على أن معنى نكثوا أيمانهم: لا عهد لهم[131]. واتفق كبار الفقهاء المعتمدين لدى الرأى العام المسلم على قتل من يطعن فى الإسلام سواء بالفعل أو بالقول واستثنى من ذلك أبو حنيفة الذى اشترط استتابته أولا [132] مع إجازة قتل من تكرر منه ذلك[133].  
 
وجوز طائفة من أصحاب الشافعى وأحمد وغيرهما‏‏ قتل الداعية إلى “البدع” المخالفة للكتاب والسنة، وكذلك كثير من أصحاب مالك‏. ‏ وقالوا‏: ‏ إنما جوز مالك وغيره قتل القدرية؛أى المعتزلة، لأجل الفساد فى الأرض، لا لأجل الردة[134]. كذلك ُيقتل من ينكر أحد الفروض الأساسية فى الإسلام مثل الصلاة، بعد أن يستتاب، وقد أفتى البعض بقتل تارك الصلاة بعد استتابته سواء جاحدا لها أم لا[135]. ورأى أحمد ابن حنبل‏ أن‏ ‏تارك الصلاة “كافر” كفراً مخرجاً من الملة، يقتل إذا لم يتب ويصل. بينما اعتبره أبو حنيفة ومالك والشافعى: ‏ ‏”‏فاسق ولا يكفر‏”‏‏. ‏ ثم اختلفوا فقال مالك والشافعى: ‏ ‏”‏يقتل حداً‏. ‏‏. ‏‏”‏‏. ‏ وقال أبو حنيفة‏: ‏ ‏”‏يعزز ولا يقتل‏. ‏‏. ‏‏”[136]. ‏  
 
بل ذهب ابن حنبل إلى قتل من قال ان الخمر حلال[137]. “فالواجب على ولى الأمر – حسب نص ابن تيمية -أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين، فإن كان التاركون طائفة ممتنعة، قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين، وكذلك يقاتلون على ترك الزكاة، والصيام، وغيرهما، وعلى استحلال المحرمات الظاهرة المجمع عليها، كنكاح ذوات المحارم، والفساد فى الأرض، ونحو ذلك‏. ووفقا له “وقد اتفق علماء المسلمين على أن الطائفة الممتنعة إذا امتنعت عن بعض واجبات الإسلام الظاهرة المتواترة فإنه يجب قتالها، إذا تكلموا بالشهادتين وامتنعوا عن الصلاة والزكاة، أو صيام شهر رمضان، أو حج البيت العتيق، أو عن الحكم بينهم بالكتاب والسنة، أو عن تحريم الفواحش، أو الخمر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن استحلال النفوس والأموال بغير حق، أو الربا، أو الميسر، أو الجهاد لل”كفار”، أو عن ضربهم الجزية على أهل الكتاب، ونحو ذلك من شرائع الإسلام، فإنهم يقاتلون عليها حتى يكون الدين كله لله”‏. ‏ ‏ “وإن كان التارك للصلاة واحدا، فقد قيل‏: ‏ إنه يعاقب بالضرب والحبس حتى يصلى، وجمهور العلماء على أنه يجب قتله إذا امتنع من الصلاة بعد أن يستتاب، فإن تاب وصلى، وإلا قتل‏. ‏ وهل يقتل كافرًا أو مسلما فاسقا‏؟‏ فيه قولان‏. ‏ وأكثر السلف على أنه يقتل كافرًا وهذا كله مع الإقرار بوجوبها، أما إذا جحد وجوبها، فهو كافر بإجماع المسلمين، وكذلك من جحد سائر الواجبات المذكورات والمحرمات التى يجب القتال عليها‏”[138].  
 
ومن ذلك الكثير مما هو مدون بكتب الفقه ومورس فى الدول المطبقة للشريعة الإسلامية وينادى الإسلاميون السلفيون بتطبيقه [139]. ففى الإسلام السائد يرتبط السلوك ارتباطا شديدا بالعقيدة نفسها ولذلك لا يكفى أن يؤمن المرء بعقيدة الإسلام بل عليه أيضا أن يسلك بطريقة معينة، ورغم أن القرآن لم يفرض عقوبات “دنيوية” على معظم السلوكيات “الجاهلية” إلا أن الفقه فى كثير من الأحيان ولدى أكثر الفقهاء أقر عقوبات قاسية للغاية لمن يسلك سلوكا لا يعد إسلاميا مثل مرتكب الكبيرة (والصغيرة أحيانا) مع الاختلاف فى تعريف الكبيرة والاختلاف حول كفر أو عدم كفر صاحبها.  
 
إذن فقيام "الكفار" من أهل الذمة بالدعوة لمعتقداتهم المخالفة للإسلام “يعنى فورا خروجهم على عقد الذمة فيحل دمهم. هذا من أولى الأشياء أن ينتقض العهد به فإنه حراب اللـه ورسوله باللسان وقد يكون أعظم من الحراب باليد كما أن الدعوة إلى اللـه ورسوله جهاد بالقلب وباللسان وقد يكون أفضل من الجهاد باليد”[140]. وقد تضمنت الشروط العمرية كما رأينا التزام الذميين بعدم الدعوة إلى دينهم: ”ولا نظهر شركا ولا نرغب فى ديننا ولا ندعو إليه أحدا”[141].  
 
والعكس ليس صحيحا، فالمسلم لا يحق له بل يجب عليه أن يعرض الإسلام على "الكفار" وأن يدعوهم إليه وأن يظهر شعائر دينه مالم تكن الظروف غير مواتية للمسلمين فى دار الكفر.  
 
ومع ذلك يتميز "الكافر" على المسلم فى دار الإسلام فى مسألة سب الرسول[142]. فبالإجماع يقتل من يسب الرسول من المسلمين، بينما اختلف الفقهاء على حكم من يسبه من أهل الذمة أو يعرض أو يستخف بقدره، فرأت الأغلبية أن يقتل، ‏ إلا أبا حنيفة والثورى وأتباعهما من أهل الكوفة فإنهم اكتفوا بضرورة عقابه فحسب؛ قالوا‏: ‏ لا يقتل، ما هو عليه من الشرك أعظم، ولكن يؤدب ويعزر[143].  
 
ولم يتم إعطاء تعريف دقيق وقطعى للسب، والأمر البين أن النقد بأى شكل أو التشكيك فى نياته أو اتهامه بارتكاب أعمال لا أخلاقية يعد سبا. والميزة التى يتمتع بها "الكفار" هنا هى فتوى أبى حنيفة والثورى لا أكثر !. والسنة أن يقتل من ينتقد الرسول ولهذا عفا محمد عام الفتح عن الذين هموا بإخراجه ولم يعف عمن “سبه”.  
 
كذلك نقد الإسلام بوجه عام أو سبه يوجب القتل لدى عديد من الفقهاء: وقد أفتى ابن حزم بكفر من سب الدين أو سخر به، فكل من سب اللـه، أو استهزأ به، أو سب ملكًا من الملائكة أو استهزأ به، أو سب نبيا من الأنبياء، أو استهزأ به، أو سب آيةً من القرآن، أو استهزأ بها، والشرائع كلها، فهو بذلك كافر مرتد[144] ويستحق لذلك القتل.  
 
أما ابن قدامة فقرر أن من سب اللـه أو استهزأ به، أو بآياته، أو برسله، أو كتبه كفر، “سواء كان مازحا أو جادا[145].  
 
بينما أقر الحنفاء أن من سب اللـه يُستتاب ولكن من سب أحد الرسل يقتل دون استتابة لأن حق البشر لا يقبل التوبة بخلاف حق الله[146].  
 
الخلاصة أن الإسلام السائد سواء القديم أو المعاصر لا يقبل أبدا حق الناس فى نقد الإسلام علنا وبالتالى لا يسمح لهم بحرية التفكير المعلن وهو ما يعنى الحوار الصريح فى قضية الدين، فالحوار بطبيعته يتضمن إعلان الأفكار المختلفة وبالتالى المناهضة للفكر الإسلامى. ولكن المقصود بالناس هنا "الكفار"، المتشككون فى الدين، أصحاب الأديان غير الإسلام. أما المسلمون فيتمتعون بحق، بل وعليهم واجب نشر دينهم وبالتالى نقد الأديان الأخرى. ولذلك لا يجد دعاة الإسلام أى حرج من القيام بالعمل بحرية فى بلاد "الكفار" على نشر دينهم بينما يطالبون بالقضاء على المبشرين غير المسلمين ويطالبون بقطع رأس منتقدى الإسلام سواء النص المقدس أو التفسيرات المعتمدة من قبل المؤسسات الدينية السائدة ويتنكرون لحق نقد النص الدينى وحق الإنسان فى تغيير دينه، مدعين فى نفس الوقت أن الإسلام دين تسامح ويقرون بحرية الاعتقاد متناسين مضمونها. والإسلام أقر نظريا حرية الاعتقاد ف”لا إكراه فى الدين”، ولكن ما يتم تناسيه هنا أن حرية الاعتقاد أمر أقرته الطبيعة نفسها، فالانسان يعتقد بما يعتبره صحيحا حتى لو تم إكراهه على إعلان غير ذلك، اللهم إلا إذا راح يقنع نفسه بأفكار مفروضة بسبب الضغوط المفروضة عليه. وفى هذا لم يقرر الإسلام شيئا فريدا. وبالعكس نفى حق الإنسان فى إعلان رأيه وهو ما يقصده الناس بحرية الاعتقاد. وقد رأينا فى مسألة قتل المرتد أن القرضاوى (وذهب مثله "المعتدلون" عموما)لا يقر قتله لمجرد ارتداده بل بسبب الفتنة التى قد يحدثها، بمعنى أن إعلان ارتداده هو المشكلة الحقيقية ولكن أن يغير ما فى ذهنه فلا عقاب عليه، وهو تحصيل حاصل إذ كيف نعرف أنه ارتد دون أن يعلن، أى يقيم”فتنة”؟.  
 
ويختلف رد الفعل الإسلامى تجاه موقف المرء من الدين، فتوجيه أى نقد للإسلام ولو كان يرتكز على معلومات من كتب الفقه والأحاديث أو حتى تصريحات “العلماء” و“المجاهدين” توصف عادة بأنها كلام ملئ بالحقد والغل من الإسلام ويوصف الناقد بأنه يبث السموم ضد الإسلام كرها وحقدا بغير مبرر واضح، بينما إذا امتدح أحد المستشرقين أحد جوانب الإسلام يعامل كبطل إسلامى ويوصف بأنه منصف وعادل وموضوعى لأنه أنصف الحق. وكأن كون الإسلام هو الحق هى حقيقة مطلقة يعلمها أو يدركها كل البشر.  
 
وأقر مجمل الفقهاء بضرورة معاقبة من ينتقد الصحابة. وهناك من يكفر من سب الصحابة وأقرمعاقبته بالقتل، واكتفى آخرون باعتباره فاسقا ضالا ولا يكفره مكتفيا بضرورة معاقبته تعزيزا حتى يرجع عن هذا الفعل الذى يعتبر من كبائر الذنوب وفواحش المحرمات، وإن لم يرجع تكرر عليه العقوبة حتى يظهر التوبة[147]. وترفض معظم حكومات الدول الإسلامية تصوير الأنبياء وكبار الصحابة فى الأعمال الفنية وقد قدم مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة حجة غريبة للغاية؛"أن النبى او الصحابى ينتقل فى تصور الذهن البشرى من المطلق الى المحدود"[148].. إذن صار النبى والصحابة آلهة لا بشر!! 
 
 
 
ثانيا: الجزية:  
 
“هبلتك أمك، أحلب الدر فإذا انقطع فاحلب الدم والنجا” 
 
سليمان ابن عبد الملك لوالى الخراج بمصر 
 
 
 
 
* أمر القرآن المسلمين هكذا: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم اللـه ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (التوبة: 29)  
 
جاء فى تفسير الطبرى لهذه الآية: ”وأما قوله: عن يد فإنه يعنى: من يده إلى يد من يدفعه إليه، وكذلك تقول العرب لكل معط قاهرا له شيئا طائعا له أو كارها: أعطاه عن يده وعن يد وذلك نظير قولهم: كلمته فما لفم ولقيته كفة لكفة، وكذلك أعطيته عن يد ليد. وأما قوله: وهم صاغرون فإن معناه: وهم أذلاء مقهورون، يقال للذليل الحقير: صاغر”. وقد تفنن البعض فى تصوير كيفية إذلال "الكفار" وهم يدفعون الجزية لتحقيق ما جاء فى القرآن، أى وهم صاغرون [149]. ‏ والأكثر قبولا من الفقهاء تفسير الصغار بالتزام أحكام الإسلام عليهم ‏ وهى تشمل كل ما نتناوله هنا من الشروط العمرية وغيرها.  
 
ولم نجد تفسيرا مختلفا للآية [150]. ويؤكد المعنى ابن القيم: “فالجزية صغار وإذلال ولهذا كانت بمنزلة ضرب الرق. قالوا وإذا جاز إقرارهم بالرق على كفرهم جاز إقرارهم عليه بالجزية بالأولى لأن عقوبة الجزية أعظم من عقوبة الرق ولهذا يسترق من لا تجب عليه الجزية من النساء والصبيان وغيرهم. فإن قلتم لا يسترق عين الكتابى كما هى إحدى الروايتين عن أحمد كنتم محجوجين بالسنة واتفاق الصحابة فإن النبى كان يسترق سبايا عبدة الأوثان ويجوز لساداتهن وطأهن بعد انقضاء عدتهن كما فى حديث أبى سعيد الخدرى “[151].  
 
ويؤكد كثير من المفسرين أن هذه الآية قد نسخت آيات سابقة، منها: فاعفوا واصفحوا حتى يأتى اللـه بأمره (البقرة: 109) [152]. والمفهوم من الآية أنها لا تخص كل أهل الكتاب (وهو ما حاول بعض الإسلاميين استخدامه للتخفيف من حدود الجزية فى الإسلام) ولكن من لم يصبح منهم مسلما، أى لا يحرم ما حرم اللـه ورسوله ولا يدين دين الحق كما نصت الآية بصراحة. أي عمليا كل المسيحيين واليهود تقريبا!. هل يمكن أن ُيفهم شيء آخر غير ذلك؟وهو فعلا ما جاء به كل المفسرين والفقهاء واعتبره كل الخلفاء.  
 
وقد أفتى البعض بأن الجزية تؤخذ من أهل الكتاب فقط كما هو ظاهر من الآية وكذلك من المجوس حسب سنة النبي[153].  
 
وقد أخذها عثمان ابن عفان من البربر[154]، وأضاف البعض الصابئة والسامرة[155]. بينما قال أبو حنيفة بل تؤخذ من جميع “كفار” الأعاجم سواء كانوا من أهل الكتاب أو من المشركين ولا تؤخذ من العرب إلا من أهل الكتاب[156]. وقال مالك: يجوز أن تضرب الجزية على جميع "الكفار" من كتابى ومجوسى ووثنى وغير ذلك. وقال ابن الجهم: تقبل الجزية من كل من دان بغير الإسلام؛ إلا ما أجمع عليه من “كفار” قريش. وذكر فى تعليل ذلك أنه إكرام لهم عن الذلة والصغار، لمكانهم من رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم، وهذا هو قول أبى حنيفة أيضا[157]. وقال القرطبى: إنما ذلك لأن جميعهم أسلم يوم فتح مكة[158].  
 
أما من قال بأنها لا تؤخذ من مشركى العرب ومن غير أهل الكتاب فقرر أن البديل هو القتل ما لم يدخل فى الإسلام. ففكرة الجزية علاوة على أنها رمز للخضوع أنها بديل عن القتل.. فداء للنفس. وهى شرط للسماح لل”كفار” بالعيش فى دار الإسلام ولكنها ليست مقابل ذلك. وقد علل ابن القيم هذا الأمر تعليلا دقيقا للغاية بالقول: ” قد تبين بما ذكرنا أن الجزية وضعت صغارا وإذلالا للكفار لا أجرة عن سكنى الدار وذكرنا أنها لو كانت أجرة لوجبت على النساء والصبيان والزمنى والعميان ولو كانت أجرة لما أنفت منها العرب من نصارى بنى تغلب وغيرهم والتزموا ضعف ما يؤخذ من المسلمين من زكاة أموالهم ولو كانت أجرة لكانت مقدرة المدة كسائر الإجارات ولو كانت أجرة لما وجبت بوصف الإذلال والصغار ولو كانت أجرة لكانت مقدرة بحسب المنفعة فإن سكنى الدار قد تساوى فى السنة أضعاف الجزية المقدرة ولو كانت أجرة لما وجبت على الذمى أجرة دار أو أرض يسكنها إذا استأجرها من بيت المال ولو كانت أجرة لكان الواجب فيها ما يتفق عليه المؤجر والمستأجر. وبالجملة ففساد هذا القول يعلم من وجوه كثيرة“[159].  
 
وإذا كان المسلمون يأخذونها للامتناع عن قتل "الكفار" فيصبح من واجبهم حمايتهم من القتل عموما سواء بأيدى المسلمين أو غيرهم، ولكن لم يُتفق على ذلك فى كل الأحوال فلدى فتح قبرص مثلا صالح المسلمون أهلها على سبعة آلاف دينار كل سنة‏ ومثلها للروم "ولا منعة لهم عن المسلمين ممن أرادهم من سواهم وعلى أن يكونوا عيناً للمسلمين على عدوهم ويكون طريق الغزو للمسلمين عليهم"[160]. فالأصل هو الجزية مقابل التحول إلى موالى لدولة المسلمين وبالتالى الحياة الذليلة كموالى فى دار الإسلام وليست مقابل الحماية كما يزعم بعض الإسلاميين. فإذا أعطوا الجزية فإنه يحرم قتالهم وذلك لأن آية الجزية جعلت إعطاء الجزية غاية لقتالهم، فمتى بذلوها لم يجز قتالهم[161]. أما القول بأن الجزية مقابل الحماية فهو مجرد محاولة لتجميل الإسلام، ولو كان الأمر كذلك فالقائلون بهذا الادعاء يتناسون أن عقد الذمة إجبارى يفرضه القوى على الضعيف، وبذلك تشبه الجزية الإتاوة التى يفرضها أى فتوة أو بلطجى على الناس مقابل “حمايتهم” من الفتوات الآخرين وهو ما كان يسمى أحيانا ب”الحمايات”.. أى المال مقابل الحماية، مدفوعا بالإكراه على ممتلكات ثابتة أو منقولة[162]. وقد درجت قبائل عربية بدوية قبل الإسلام على فعل نفس الشيء مع مدن الشام القريبة، فكانت تهاجر لترعى هناك فإن استطاعت فرضت جزية على تلك المدن مقابل “حمايتها”من اعتداء الأعراب الآخرين عليهم[163]. وقد رأينا فى مثال قبرص أن الحماية من الغير لم تكن ملزمة للمسلمين فى كل الحالات. وربما كانت "حمايات" المسلمين أقل مما كان غيرهم يأخذه من بعض الشعوب على الأقل فى بداية الاحتلال الإسلامى ولكن هذا الفرق لا يغير من طبيعة ومفهوم الجزية.  
 
أما حقن دماء الذميين فليس إقراراً من المسلمين لهم على دينهم، “وإنما هو فرصة لهم ليطلعوا على الإسلام ومجتمع الإسلام حيث يرجى بذلك إسلامهم، ولهذا كان قبول الجزية منهم على وجه فيه نوع إذلال وصغار لينبهوا بالصغار فى الدنيا على ما ينتظرهم من ذل وصغار وعقوبة فى الآخرة إذا ما هم ماتوا على كفرهم وضلالتهم”[164].  
 
وإذا التزموا بدفع الجزية وجب على المسلمين الكف عنهم، أى الامتناع عن قتالهم بل وحمايتهم لأنهم يصبحون من رعايا الدولة الإسلامية أو موالى المسلمين. ووفقا لابن قدامة: ” وإذا عقد الذمة فعليه حمايتهم من المسلمين وأهل الحرب وأهل الذمة لأنه التزم بالعهد بحفظهم، ولهذا قال على رضى اللـه عنه: إنما بذلوا الجزية لتكون أموالهم كأموالنا ودماؤهم كدمائنا، وقال عمر رضى اللـه عنه فى وصيته للخليفة بعده: وأوصيه بأهل ذمة المسلمين خيراً أن يوفى لهم بعهدهم ويحاط من ورائهم”[165].  
 
وقد سجل تاريخ الإسلام أن المسلمين قد أعادوا الجزية لأصحابها حين اضطروا للانسحاب من بلادهم تحت ضغط جيوش العدو على أساس أنهم – أى المسلمين- صاروا عاجزين عن حمايتهم. وعلى أساس هذا رأى بعض الإسلاميين المعاصرين أن الجزية مقابل الحماية. والواقع أن إعادة الجزية للعجز عن الحماية كانت تطبيقا لعهد الذمة ككل بما فيه الشروط العمرية المذلة وبقية التزامات الطرفين؛المسلمون و"الكفار"، وكان عدم إعادتها فى ظروف الكر والفر بين العرب والروم سُيعد خطأ استراتيجيا من جانب العرب لأنه سيفقدهم مصداقيتهم أمام الشعوب الأخرى وقد يؤدى إلى تحالفها مع الروم.  
 
* يبذل بعض الإسلاميين جهودا لتصوير الجزية فى الإسلام وكأنها إنجاز حضارى لم يسبق له مثيل فى تاريخ البشرية، وأنها تحقق ميزة رائعة لل”كفار”[166]! فإذا كان الأمر كذلك فلم لم يقر الإسلام بالمساواة، بما يعنى أن يدفع المسلمون لل”كفار” أو العكس مقابل الحماية؟!. وفى الواقع أدى المسلمون الجزية قهرا فى ظروف الانكسار والهزيمة فحسب. بل لقد ذهب القرضاوى إلى الادعاء بأن أهل الذمة كانوا “مسرورين” بها[167] (على حد تعبيره) ، هكذا متجاهلا الثورات العديدة التى قام بها الأهالى بسبب ضخامة الجزية (شاملة الخراج) والضرائب الأخرى العديدة[168]. كما حاول حسن البنا[169] تبرير الجزية بأنها مقابل عدم انضمام "الكفار" لصفوف الجيش الإسلامى لعدم إحراجهم بتوريطهم فى عمل دينى ليس من دينهم لأن هذا الجيش يقوم بمهمة الجهاد وهى مهمة إسلامية مقدسة، بل وقد يحارب الجيش الإسلامى أناس من ملتهم، بل اعتبرها “امتيازا فى صورة ضريبة”. وهو كلام يؤكد على طابع التمييز والقهر الدينى للجزية وليس العكس. وكتب أحدهم[170] أن المسلمين مقابل الجزية يضحون بحياتهم من أجل الذميين، أى إذا ترجمنا كلامه إلى لغة إسلامية نجد أن المسلمين يجاهدون فى سبيل "الكفار"، أى فى سبيل الشيطان لا فى سبيل اللـه، ومن أجل بضعة دنانير عوضا عن الجنة.. أليس هذا استهذاء بعقول الناس؟؟. وقد اجتهد آخر لإيجاد حل لغوى لمشكلة العلاقة بين الذمة والمواطنة [171] وكأن "الكفار" سيسعدون بمجرد القول بأن الصغار والشروط العمرية هى أجمل شيء فى التاريخ!!. رغم مغزاها وكميتها الكبيرة شاملة كل مكوناتها وطريقة أخذها صغارا (ذكر أنه فى أزمنة معينة كانت تختم رقاب أهل الذمة وقت جباية جزية الرؤوس ثم تكسر الخواتيم وتستبدل بشارة تعلق حول الرقبة يقدمها عامل الجزية دلالة على دفع الجزية[172]، هذا بناء على أمر عمر ابن الخطاب بأن “أن تختم فى رقاب أهل الذمة بالرصاص ويظهروا مناطقهم ويجزوا نواصيهم ويركبوا على الأكف عرضا”[173]) .  
 
لم يبتدع الإسلام شيئا فريدا بفرض الجزية على المغلوبين، ولكن الأمر الفريد هو أنه فعل ذلك باسم اللـه وضد مقاتلى "الكفار" بصفتهم الدينية، أى أضفى بعدا دينيا مقدسا على أخذ الجزية صغارا وإذلالا للمخالفين فى العقيدة، معتبرا أنه يفعل شيئا غير معتاد؛ فهو يحقق العدالة الإلهية ويفرض الجزية ويذل الآخرين فى سبيل إعلاء كلمة اللـه.. وقد أتى فعلا بشيء فريد؛ فاعتبر فرض الجزية صغارا قيمة عظيمة حين تكون من طرفه، وتحقيقا للعدالة الإلهية وصارت – كفكرة- تعتبر فى الثقافة الإسلامية قيمة محترمة !. ولا يلتفت دعاة الثقافة الإسلامية إلى أن الاستعمار سواء، ووجود اختلاف فى درجة وشكل الاستغلال لا ينفى عنه صفة الاستعمار. ولم يكن الاستعمار أو”الفتح”الإسلامى أفضل من غيره كثيرا بل وكان أسوا من حالات استعمار عدة بل أسوا من الجميع فى نواحى معينة منها الطابع الاستيطانى له ومسخ هوية الشعوب المستعمرة.  
 
والجزية – حسب ما ذهب معظم الفقهاء- تفرض على كل رجل بالغ عاقل مرة فى العام بالشهور القمرية، وهى مال يؤخذ منهم على وجه الصغار كل عام بدلا عن قتلهم وإقامتهم بدارالإسلام ولا تُفرض على صبى ولا امرأة ومجنون وزمن وأعمى وشيخ فان وخنثى مشكل ولا عبد ولا فقير يعجز عنها[174]. فهى تؤخذ من المقاتلين، أى القادرين على القتال، أو من هم فى سن وحالة تسمح لهم بالقتال، فقط لتأكيد معناها وهو أنها مقابل حقن دم المقاتلة من "الكفار"[175]. ومن الفقهاء من رأى فرضها على اِلْحر منهم والعبد، والذَكرِ، والأنثَى، والفَقيرِ البات، والغَنى الراهب سواء من البالغين خاصةً[176]. ومما أتى به الإسلام جديدا فى مسألة الجزية هو أن بعض الخلفاء وبعض كبار الفقهاء أقر فرضها على الموتى أثناء الحول، من هؤلاء الشافعى وربما ابن حنبل وأمر بذلك فيما ُذكر فى كتب التراث الإسلامى الخليفة “الراشد” عمر ابن عبد العزيز، والذى نُسب إليه كذلك أنه فرضها على الرهبان بواقع ديناران على الرأس[177]. وأضاف الفقهاء ألا تُؤخذ الجزية فى صورة ميتة أو خمر أو خنزير[178] لحرمة ذلك دينيا.  
 
* بخلاف جزية الرأس هناك أيضا جزية الأرض. فالأرض تعامل أيضا على أساس انتماء أصحابها وقت فتحها المسلمون ويفرض عليها خراج يكون قيمة معينة على المساحة مع أخذ مدى خصوبتها فى الاعتبار. وقد وصف ابن القيم الجوزية بأنها خراج الرقاب والخراج بأنه جزية الأرض[179]. وقد اعتمدت دولة الخلافة على الخراج كأهم مصدر لدخل بيت المال. وهنا تُفرض جزية الأرض على الرقبة بغض النظر عن المالك حتى لو كان امرأة أو مسنا.. إلخ، وبذا يتم تجاوز اقتصار الجزية على المقاتلين دون غيرهم، مما يتغنى به الإسلاميون!.  
 
ولم نجد أوضح من شرح الماوردى للفرق بين الجزية والخراج، فهما حسب تعبيره يجتمعان من ثلاثة أوجه، ويفترقان من ثلاثة أوجه، ثم تتفرع أحاكمهما، فيجتمعان فى:  
 
1- أن كل واحد منهما مأخوذ عن مشرك صغاراً له وذمة.  
 
2- أنهما مالا فيء، يصرفان فى أهل الفيء.  
 
3 - أنهما يجبيان كل عام.  
 
ويفترقان فى:  
 
1- أن الجزية نص وأن الخراج اجتهاد[180].  
 
2- أن أقل الجزية مقدر بالشرع وأكثرها مقدر بالاجتهاد، والخراج أقله وأكثره مقدر بالاجتهاد.  
 
3- أن الجزية تؤخذ من "الكفار" وتسقط بإسلامهم، والخراج يؤخذ مع "الكفر" والإسلام.  
 
فأما الجزية فهى موضوعة على الرؤوس واسمها مشتق من الجزاء، إما جزاء على “كفرهم” لأخذها منهم صغاراً، أو جزاء للمسلمين لمنحه الأمان[181].  
 
وتوجد خلافات عديدة بين الفقهاء حول أحكام الخراج مما ليس هنا مجال تناولها. وما يهمنا هنا الكشف عن وجود تمييز واضح بين المسلمين و"الكفار" فيما يخص ضريبة الأرض لصالح المسلمين.  
 
وينقسم الخراج إلى نوعين:  
 
1 – خراج الصلح وهو ما اتفق عليه المسلمون مع "الكفار" بدون قتال. وفى هذه الحالة يسقط الخراج إذا أسلم أصحاب الأرض أو باعوها لمسلمين.  
 
2 – خراج العنوة: فى حالة استيلاء المسلمين على أرض بالقتال تصبح ملكا لعموم المسلمين ويفرض عليها خراج دائم ولا يحق لأصحابها بيعها وحتى إذا أسلموا يدفعون خراجها[182]. هذا مالم توزع الأرض على الفاتحين وهو ماحدث لنصف أرض خيبر[183]. ويضاف للخراج فى حالة إسلام صاحب الأرض العشر أيضا كضريبة تفرض على المسلمين كما هو مذهب الأئمة الثلاثة وجمهور الفقهاء دون أبى حنيفة [184]ولكن تسقط عنه الجزية.  
 
وتختلف بذلك ضريبة أرض "الكفار"من نوع “العنوة” وأرض المسلمين. فالخراج على رقبة الأرض. فأما أرض المسلمين فيدفع عنها 5% أو 10% من الإنتاج بغض النظر عن كميته، حسب نظام الرى، أما أرض الخراج فتفرض عليها إما كم من الضريبة محدد سلفا أو نسبة من الإنتاج تحدد حسب إنتاجية الأرض وإنتاجها المتحقق فعليا أو نوع المحصول بحيث تحصل الدولة الإسلامية على أكبر قدر ممكن من الخراج مع الحفاظ على بقاء العاملين بالأرض عند مستوى يحفظ لهم حياتهم [185]. وقد وصف الأمر بوضوح يزيد ابن أسلم حسب المقريزي:” وكان عمرو ابن العاص لما استوثق له الأمر أقر قبطها على جباية الروم فكانت جبايتهم بالتعديل إذا عمرت القرية وكثر أهلها زيد عليهم وإن قل أهلها وخربت نقصوا فيجتمع عرافوا كل قرية وأمراؤها ورؤساء أهلها فيتناظرون فى العمارة والخراب حتى إذا أقروا من القسم بالزيادة انصرفوا بتلك القسمة إلى الكور ثم اجتمعوا هم ورؤساء القرى فوزعوا ذلك على احتمال القرى وسعة المزارع ثم يجتمع كل قرية بقسمهم فيجمعون قسمهم وخراج كل قرية وما فيها من الأرض العامرة فيبتدئون ويخرجون من الأرض فدادين لكنائسهم وحماياتهم ومعدياتهم من جملة الأرض ثم يخرج منها عدد الضيافة للمسلمين ونزول السلطان فإذا فرغوا نظروا لما فى كل قرية من الصناع والأجراء فقسموا عليهم بقدر احتمالهم فإن كانت فيهم جالية قسموا عليها بقدر احتمالها وقلما كانت تكون إلا لرجل الشاب أو المتزوج ثم ينظرون ما بقى من الخراج فيقسمونه بينهم على عدد الأرض ثم يقسمون ذلك بين من يريد الزرع منهم على قدر طاقتهم فإن عجز أحد منهم وشكا ضعفًا عن زرع أرضه وزعوا ما عجز عنه على ذوى الاحتمال وإن كان منهم من يريد الزيادة أعطى ما عجز عنه أهل الضعف فإن تشاحوا قسموا ذلك على عدتهم وكانت قسمتهم على قراريط الدنانير أربعة وعشرين قيراطًا يقسمون الأرض على ذلك‏”[186].  
 
‏ 
 
يضاف للخراج ضريبة تجارية فرضها عمر ابن الخطاب على مال التجارإذا انتقلوا به من بلد إلى بلد آخر كالآتى:  
 
- على أهل الذمة بمقدار نصف العشر فى مرة فى السنة  
 
- وعلى التجار المسلمين ربع العشر،  
 
- وعلى تجار أهل الحرب العشر. [187]  
 
وقد برر الفقهاء التمييز فى الضريبة بطرق مختلفة، فذهب الأحناف مثلا إلى أن “الجباية بالحماية، وحاجة التاجر الذمى إلى الحماية أكثر من المسلم، لأن طمع اللصوص فى أموال أهل الذمة أوفر”[188]، وهو قول منعدم المنطق كما هو واضح. والرأى الأكثر “منطقية” هو ما نسبه القرضاوى لأبى الأعلى المودودى: فيرى أن معظم المسلمين فى ذلك الزمان كانوا منتظمين بالدفاع عن الوطن الإسلامى، فأصبحت التجارة كلها بأيدى الذميين، فرأى الفقهاء أن ينقصوا من الضريبة على التجار المسلمين، حفزًا لهم على التجارة، وحفظًا لمصالحهم التجارية. [189]أما المبرر الأكثر تجميلا للإسلام فهو ما أورده القرضاوى أيضا وأخذ به، وهو أن مقدار الجزية كان أقل من مقدار الزكاة ولذلك ضوعفت الضريبة التجارية على الذمى لتحقيق المساواة بينه وبين التاجر المسلم[190]... وهو قول بالغ التهافت لأن الجزية لم تكن قدرا ثابتا بل يحددها الخليفة حسب الإمكانية والمصلحة كما ذهب جل الفقهاء وحتى القرضاوى نفسه فى نفس كتابه!. ولكن الشيء الإيجابى هنا أن القرضاوى يقبل مبدأ المساواة فى الأعباء وهو شيء جيد ولكن لم يستكمله برفض اللامساواة التى أقرها الفقهاء القدامى وعمر ابن الخطاب والتراث الإسلامى ككل، وبذلك تظل فكرة التمييز ضد "الكفار" جاهزة للاستدعاء وقت اللزوم تحت مسميات منها المساواة والتسامح والمودة.. الخ.  
 
* قد اختلف الفقهاء فى تحديد مقدار الجزية والرأى الأغلب أنه تحدد بواسطة الإمام، حسب الظروف ومصلحة الدولة على المدى البعيد، ووفقا لهذا أمر عمر ابن الخطاب بالتخفيف عن الفقراء من أهل الجزية فقال: من لم يطق الجزية فخففوا عنه ومن عجز فأعينوه فإنا لا نريدهم لعام أو عامين (التشديد من عندنا) وقد فرض الخراج متفاوتا حسب نوع المحصول[191]، بينما رفض عمرو ابن العاص تحديد سقف للجزية على المصريين: ”قال هشام ابن أبى رقية اللخمى: ‏ قدم صاحب أخنا على عمرو ابن العاص رضى اللـه عنه فقال له‏: ‏ أخبرنا ما على أحدنا من الجزية فنصير لها‏. ‏ فقال عمرو وهو يشير إلى ركن كنيسة‏: ‏ لو أعطيتنى من الأرض إلى السقف ما أخبرتك ما عليك إنما أنتم خزانة لنا إن كثر علينا كثرنا عليكم وإن خفف عنا خففنا عنكم”[192] (التشديد من عندنا) .  
 
واستنادا لسنة عمر ابن الخطاب رأى فقهاء أن تتفاوت الجزية حسب الاحتمال، فروى "عن سفيان ابن عينية عن ابن أبى نجيح قال: سألت مجاهدا لم وضع عمر على أهل الشام من الجزية أكثر مما وضعه على أهل اليمن، فقال: لليسار فدل ذلك على أن يزيد وينقص فى الخراج على قدر الاحتمال"[193].  
 
ولم يكن مقدارها الكلى صغيرا، فقد بلغت جزية الرأس أحيانا 48 درهما أو أربعة دنانير وهذا ليس كثيرا ولكن تُضاف إلى ذلك كمية من الزيت والحبوب، فوفقا للمقريزى عن يزيد ابن أسلم‏ أن عمر ابن الخطاب كتب إلى أمراء الأجناد‏: ‏ أن لا يضربوا الجزية إلا على من جرت عليه الموسى وجزيتهم أربعون درهمًا على أهل الورق وأربعة دنانير على أهل الذهب وعليهم مدان من حنطة وثلاثة أقساط من زيت فى كل شهر لكل إنسان من أهل الشام والجزيرة وودك وعسل (لم يحدد كميته) ومن كان من أهل مصر فأردب فى كل شهر لكل إنسان وعليهم من البز الكسوة التى يكسوها الخليفة للناس ويضيفون من نزل بهم من المسلمين ثلاثة أيام وعلى أهل العراق خمسة عشر صاعًا لكل إنسان بخلاف الودك وكان لا يضرب الجزية على النساء والصبيان وكان يختم فى أعناق رجال أهل الجزية وكانت ويبة عمر فى ولاية عمرو ابن العاص‏: ‏ ستة أمداد[194]‏. ‏أما الخراج فقد يصل إلى ما يعادل أضعاف العشر، إذ بلغ الثلث على بعض المحاصيل، والنصف أحيانا كما حدث مع أهل خيبر فى عهد محمد نفسه[195], [196].  
 
* وقد ذهب قليلون كمحمد ابن جرير الطبرى حسب ذكر ابن تيمية [197] إلى أن "الكفار" لا يقرون فى بلاد المسلمين بالجزية إلا إذا كان المسلمون محتاجين إليهم فإذا استغنوا عنهم أجلوهم كأهل خيبر وإذا أقاموا فعليهم إما أن يسلموا أو يدفعون الجزية وهم صاغرون كما قال القرآن، أو يقتلون.  
 
أما التوقف عن دفع الجزية إذا كان متعمدا وأصر عليه أهل الذمة فيحل المسلمين من عقد الذمة. وقد اختلف الفقهاء فى حكمهم فذهب البعض إلى حق المسلمين فى قتلهم مالم يدخلوا فى الإسلام[198]، وآخرون كأبى حنيفة رفض قتلهم وغنم أموالهم وسبى ذراريهم ما لم يقاتلوا مكتفيا بإلحاقهم بدار الحرب، مع أخذ الجزية منهم جبراً كالديون فإن لم يخرجوا طوعاً أخرجوا كرهاً[199].  
 
* وإذا كان المسلمون يدفعون الزكاة و"الكفار" يدفعون الجزية فالفرق ليس اسميا فقط بل فى المحتوى والمغزى؛ فالزكاة واجب دينى؛ أحد أركان الإسلام وهى نسبة العشر أونصف العشر أو ربع العشر من أصل المال حسب أنواع الأموال وفى وجود حد أدنى معين من الفائض عن الحاجة مر عليه عام على القادرين من المسلمين ولا تفرض على الفقراء منهم. أما الجزية فهى أحد طرفى عقد الذمة حيث يدفعها "الكفار" مقابل السماح لهم بالبقاء أحياء بدار الإسلام بكفرهم، ولذلك يعلن الإسلام أنه حين يعود المسيح سيضع الجزية وسيقتل "الكفار" مالم يسلموا. فبعد غزو المسلمين لبلاد "الكفار" يحولونها إلى دار إسلام ويصبح "الكفار" فى ذمتهم بعد أن كانون أصحاب البلد، ويحكمهم المسلمون مطبقين ما يعتبرونه الشريعة ويأخذون منهم الجزية ليس كمساهمة فى المصروفات العامة وليس لإعانة الفقراء، بل كعلامة على خضوعهم واستسلامهم ولتقوية شوكة المسلمين. كما أن الجزية على الأفراد ليست نسبة من الدخل بل ضريبة رأس، تفرض على القادرين على القتال. إذن هناك اختلاف كبير فى علاقة الدولة الإسلامية بالمسلم و"الكافر" المقيمين فى نفس الدولة. وقد زعم بعض الكتاب – استنادا أحيانا لكلام بعض الكتاب الغربيين – أن الجزية هى مقابل عدم الخدمة العسكرية. وقد حاول مثلا القرضاوى تبريرها بهذا المنطق معتبرا أنه تساوى البدل النقدى الذى يدفع فى بعض البلاد مقابل عدم الخدمة العسكرية[200] !! ويتناسى الشيخ أن:  
 
1- الجزية إجبارية وليس فيها مجال للاختيار لأن البديل هو الإسلام أو القتل، أما الامتناع عن دفعها بعد قبول عقد الذمة فعقابه عند أكثر الفقهاء اعتدالا هو تحصيلها بالقوة مع الطرد من “دار الإسلام”. فليس – مثلا – الأصل هو التجنيد وتدفع الجزية مقابل الإعفاء منه. بل إن الإسلام قد حرم "الكفار" من الدفاع عن بلادهم وعن حمل السلاح لأن المسلمين احتلوها، إلا بشروط معينة، ولم يشذ إلا الأحناف؛إذ أقر أبو حنيفة بشرعية انضمام أهل الذمة للجيش الإسلامى بلا قيد بما فى ذلك اشتراكهم فى قتال المسلمين الخارجين على الدولة. ولكنه وصف ذلك بأنه “الاستعانة عليهم بأهل الشرك كالاستعانة بالكلاب”[201]. وحديثا طالب المرشد العام للإخوان المسلمين فى مصر مصطفى مشهور فى 1997 بطردهم من الجيش المصرى وإخضاعهم للجزية من جديد وهو من مطالب الجهاديين بالطبع، ثم عاد فنفى ما قاله إزاء ما أثاره تصريحه من انتقادات عنيفة من قبل العلمانيين.  
 
الجزية فى الإسلام هى نتاج علاقة بين حاكم مسلم ومحكوم “كافر” ولا يمكن أن تدفع إلا بالقهر ولم نقرأ نصا ولا حدثا فى التاريخ أشار إلى توقيع عقد الذمة اختيارا بين شعبين أو دولتين متكافئتين.  
 
2 – انضمام "الكافر" إلى جيش المسلمين لا يعفيه تلقائيا من دفع الجزية فهو يتقاضى مقابل خدمته العسكرية[202]، وإن حضر بإذن الإمام استحق- كما ذكر- الرضخ، أى القليل من العطاء[203]، لدى عموم الفقهاء أما إذا استأجره فلا يستحق غير الأجرة وإن تطوع من تلقاء نفسه فرأى البعض كالشافعية أنه لا يستحق شيئا [204]، وللمالكية آراء معقدة ويتراوح حكمهم بين أن يأخد كل ما يغنم إذا قاتل مستقلا عن المسلمين وألا يأخذ شيئا إذا قاتل ضمن جيش المسلمين إلا إذا شكل "الكفار" أغلب الجيش أو كافأ المسلمين[205]. ‏بل مما اتفق عليه الفقهاء أنه لا يحق للذميين المشاركة فى تقسيم الغنيمة حتى وإن شاركوا فى القتال فى جيش المسلمين، وهذا مجال آخر للتمييز الدينى، رغم أنه ذُكر أن محمدا قد أشرك من "الكفار" المقاتلين فى صفه فى الغنائم[206]، وبناء عليه رأى الإمام أحمد فى رأى له أنه يستحق المشاركة فى الغنيمة. وعدم مشاركة المسلم فى الجهاد لا تجعله مطالبا بدفع الجزية. ويمكن للحاكم المسلم أن يضع الجزية لأجل محدد وليس من ناحية المبدأ مقابل قيام "الكفار" بالقتال مع المسلمين، حسب الظروف ومصلحة المسلمين، مثلما أنه يمكن أن يدفع المسلمون الجزية فى فترات الضعف ولكن كمبدأ مرفوض بالمطلق فى غير ظروف الضعف ولذلك نجد أن المسلمين قد دفعوا الجزية للبيزنطيين لفترات كما حدث مع معاوية حين دفع لهم جزية قدرها مائة ألف دينار سنوياً أثناء انشغاله بالحرب مع على ابن أبى طالب كما دفعها لهم العباسيون حين ضعفت دولتهم. وقد اتفق المسلمون مع أهل أذربيجان على وضع الجزية لمدة سنة لمن يتم تجنيده لنفس المدة[207]، ولكن لم تكن هذه قاعدة عامة فى عقود الذمة.  
 
3- الجزية تفرض على "الكفار" فقط وليس على كل السكان، وبالتالى تسقط بإسلام "الكافر" [208]. وهى تشمل ضريبة على الرأس بينما الزكاة ضريبة على الدخل يدفعها القادرون فقط.  
 
4- فى التاريخ الإسلامى، قبل التحديث، لم يكن هناك تجنيد إجبارى بل كانت الجندية احتراف أو تطوع مقابل إما عطاء من بيت المال أو نصيب من الغنائم[209].  
 
5- المسلم المقاتل يدفع الزكاة أيضا وليس من حقه أن يعفى من الزكاة مقابل التجنيد.  
 
6- لا تفرض الجزية على "الكفار" المقيمين فى دار الإسلام فقط، فيمكن فرضها على دول ومدن وقبائل مستقلة وهذا ضمن الشروط المحتملة للعلاقة بين دار الإسلام ودار العهد.  
 
أما بخصوص “أهل العهد”، الذين ينتسبون ويقيمون فى دار العهد فلهم إذا دخلوا دار الإسلام الأمان على نفوسهم وأموالهم ولهم أن يقيموا فيها أربعة أشهر بغير جزية، ولا يقيموا سنة إلا بجزية، وفيما بين الزمنين خلاف، والكف عنهم واجب على المسلمين كأهل الذمة، ولكن حمايتهم ليست واجبة[210].  
 
 
 
 
 
 
 
ثالثا: العلاقات الحقوقية (القضائية):  
 
* القصاص: ذهب مالك والشافعى وأحمد ابن حنبل إلى أن الذمى ليس بكفء للمسلم، كما أن المستأمن الذى يقدم من بلاد "الكفار" رسولاً أو تاجرًا ونحو ذلك، ليس بكفء له وفاقًا‏. ‏ ومنهم من قال‏: ‏ بل هو كفء له[211]. إلا أن المسلم إذا قتل ذمياً أو مستأمناً بخدعة يقتل به عند مالك والشافعى. أما إذا قتل مسلم وذمى معاً ذمياً آخر يقتل الذمى فقط عند الشافعى ومالك وابن حنبل. والملاحظ هنا أن التفريق ليس متفقا عليه بين الفقهاء، فهناك من ذهب إلى قتل المسلم ب"الكافر" وهم الأحناف، بينما ذهبت الأغلبية إلى عدم قتل المسلم ب"الكافر"[212].  
 
ووفقا للحديث: حدثنا... أن النبى صلى اللـه عليه وسلم قضى أن لا يقتل مسلم بكافر (مسند الإمام أحمد - 6644) .  
 
أما فى سنن الترمزى (1412) فجاء: حدثنا... أن رسول اللـه قال: لا يقتل مسلم بكافر وبهذا الإسناد عن النبى قال: دية عقل الكافر نصف دية عقل المؤمن. قال أبو عيسى حديث عبد اللـه ابن عمرو فى هذا الباب حديث حسن. واختلف أهل العلم فى دية اليهودى والنصرانى فذهب بعض أهل العلم فى دية اليهودى والنصرانى إلى ما روى عن النبى. وقال عمر ابن عبد العزيز: دية اليهودى والنصرانى نصف دية المسلم. وبهذا يقول أحمد ابن حنبل. وروى عن عمر ابن الخطاب أنه قال: دية اليهودى والنصرانى أربعة آلاف درهم ودية المجوسى ثمانمائة درهم». وبهذا يقول مالك ابن أنس والشافعى وإسحاق. وقال بعض أهل العلم: دية اليهودى والنصرانى مثل دية المسلم. وهو قول سفيان الثورى وأهل الكوفة.  
 
كما روى الإمام أحمد -6993: حدثنا... أن رسول اللـه صلى اللـه عليه وسلم خطب الناس عام الفتح على درجة الكعبة فكان فيما قال: بعد أن أثنى على اللـه أن قال: يا أيها الناس، كل حلف كان فى الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة، ولا حلف فى الإسلام، ولا هجرة بعد الفتح، يد المسلمين واحدة على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، ولا يقتل مؤمن بكافر، ودية الكافر كنصف دية المسلم، ألا ولا شغار فى الإسلام ولا جنب ولا جلب، وتؤخذ صدقاتهم فى ديارهم، يجير على المسلمين أدناهم، ويرد على المسلمين أقصاهم. رواه أيضا أبو داود (2752) .  
 
وعلى هذا الأساس ذهب كثير من الفقهاء إلى أنه “لا يقتل المسلم ولو عبداً بالكافر ولو حراً، ولا الحر ولو ذمياً بالعبد ولو مسلماً ، وإن قتل ذمى حر عبداً مسلماً فعليه قيمته، ويقتل بنقضه العهد”[213].  
 
وقيل لو قتل مسلم "كافرا" فعليه ديته واختلف الفقهاء فى تحديد الدية فقيل نصف دية المسلم وقيل ثلثها وقيل مثلها كما فعل عثمان ابن عفان وأقر ذلك أبو حنيفة، يضاف إليها تحرير رقبة[214].  
 
ويلخص النووى الآراء كالآتى: عند أبى حنيفة: ان ديته مثل دية المسلم وهو قول ابن مسعود، وأبى يوسف، ومحمد ابن الحسن، والشعبى، والنخعى، وسفيان الثورى، وأصحاب الرأى.  
 
وعند مالك: أن ديته نصف دية المسلم. وهو قول عروة ابن الزبير، وعمر ابن عبد العزيز، وابن شبرمة. ودليله: الحديث المتقدم فى أول الفصل.  
 
وعند أحمد ابن حنبل: إذا قتل عمداً فديته مثل دية المسلم، وإذا كان القتل خطأ، فعلى النصف من دية المسلم، فجمع بين أبى حنيفة ومالك.  
 
وعند الشافعى: «أن دية اليهودى والنصرانى ثلث دية المسلم فى العمد والخطأ، وهو مذهب: عمر، وعثمان، وسعيد ابن المسيب، والحسن، وعكرمة، وأبى ثور، وإسحاق ابن راهويه استدلالاً بما رواه الشافعى عن سعيد ابن المسيب: أن عمر رضى اللـه عنه جعل دية اليهودى والنصرانى أربعة آلاف درهم، ودية المجوسى ثمانمائة درهم» وبه قال سليمان ابن يسار ومالك: أن دية المجوسى ثمانمائة درهم أى ثلثا عشر دية المسلم، ودية المجوسية: نصف دية المجوسى، وقيل: مثله.  
 
ودليل الأصحاب: أن دماء الكفار لا تكافيء دماء المسلمين، فالإيمان شرط فى كمال الدية، ولا تكتمل بعدمه. ثم انه من ناحية القياس: لما نقصت المرأة بالأنوثة فى الدية عن دية الرجل، وجب أن تنقص دية الكافر عن دية المرأة المسلمة لنقصه بالكفر، لأن الدية موضوعة على التفاضل[215].  
 
والحقيقة أن الأمر الأكثر قبولا فى الشارع الإسلامى والذى تم تطبيقه حسب ما جاء فى مصادر التاريخ الإسلامى هو أن يقتل المسلم ب"الكافر" ولايقتل ب"الكافر" الحربى (باعتبار أن المقصود فى حديث لا يقتل مسلم بكافر إنما يقصد "الكافر" الحربى رغم أن الحديث لم يقل ذلك وغموضه يفتح الباب أمام التأويلات) . والأمر الذى أردنا إثارته هنا أن الأمر قد اختلف عليه بين الفقهاء وأرادت الأغلبية منهم الكيل بمكيالين ولكن لم يلتزم معظم الخلفاء بذلك كما لم يتقبل عموم المسلمين هذه اللامساواة، ولكن تظل المرجعية الفكرية موجودة وقابلة للاستخدام من جديد مع صعود موجات التطرف الدينى. وهو حادث فعلا، فالمتشددون الإسلاميون المعاصرون يرون ألا يُقتل مسلم ب"كافر"، بل وينتقدون من يقول بعكس ذلك وهذا من المسائل التى عرضت يوسف القرضاوى للنقد العنيف من جانب الحنابلة المعاصرين[216]، وقد ذكر محمد الغزالى واقعة أن بدويا قتل مهندسا أمريكيا فى إحدى دول الخليج، وقال أهل الحديث لا يجوز القصاص! وشعرت الحكومة بالحرج، ولكن تم الخروج من المأزق بقتل المجرم من باب السياسة الشرعية[217].  
 
* الشهادة فى المحاكم: فى الفقه الإسلامى لا تقبل شهادة غير المسلم على المسلم لدى أغلب الفقهاء، بل لقد قال جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة والشيعة الإمامية بعدم جواز شهادة غير المسلم حتى على غيرالمسلم، لأن القرآن اشترط العدل فى الشهادة: واشهدوا ذوى عدل منكم (الطلاق: 2) . كما قال: ممن ترضون من الشهداء (البقرة: 282) ، و"الكافر" يعد في الفكر الإسلامي السائد قديما وحديث ليس بذى عدل. واستثنى الأحناف من ذلك فقالوا إن شهادتهم على المسلمين قد نسخت أما شهادتهم على بعضهم فلم تنسخ. وكذلك الشوكانى الذى علل ذلك بأن المسلمين “مأمورون بتقريرهم على شرعهم ومن التقرير على شرعهم قبول شهادة بعضهم على بعض ولو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لكان ذلك مقتضيا لإهدار كثير من القضايا التى لا توجد فيها شاهد يشهد بينهم من المسلمين لأن المتاخمة والمداخلة إنما هى فيما بينهم والمسلمون متنزهون عنهم مسكنا ومخالطة. أما شهادة المسلمين فمشروعة على كل الملل”[218].  
 
ورأى ابن أبى ليلى أنه إذا اتفقت مللهم تقبل شهادة بعضهم على بعض وإن اختلفت لا تقبل: “لا شهادة لأهل ملةٍ على ملةٍ أخرى إلا المسلمين فشهادتهم مقبولة على أهل الملل كلها”، “ولأن عند اختلاف الملة يعادى بعضهم بعضاً وذلك يمنع من قبول الشهادة كما لا تقبل شهادتهم على المسلمين وعلى هذا كان ينبغى أن لا تقبل شهادة المسلمين عليهم إلا أنا تركنا ذلك لعلو حال الإسلام ،ف«الإسلام يعلو ولا يعلى عليه»“[219]. ولدى السرخسى (من الأحناف) إذا سافر المسلم فحضره الموت وأشهد على وصيته رجلين من أهل الكتاب لم تجز شهادتهما، ولكن قال ابن أبى ليلى (محمد ابن عبد الرحمن ابن أبى ليلى، من الأحناف أيضا) تجوز شهادتهما وهو قول شريح فإنه كان يقول: لا تقبل شهادة أهل الكتاب على المسلمين فى شيء إلا فى الوصية ولا تقبل فى الوصية إلا فى حالة السفر وقد نقل ذلك عن إبراهيم النخعى استنادا إلى قول القرآن: اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم (المائدة: 106) [220].  
 
أما الشافعى فيجيز شهادة أهل الأوثان؛ “لأنهم ليسوا بأهل كتابٍ نبذوه، وبدلوه إنما ضلوا بأنهم وجدوا آباءهم على شيءٍ، فلزموه، ويرفض شهادة أهل الكتاب لأنهم بدلوا كتبهم حسب قول القرآن[221].  
 
وهناك من يرى أن شهادتهم على بعضهم لا ُتقبل بينما قبلها آخرون ثم اختلفوا فمنهم من قبل شهادة اليهودى على المسيحى والمسيحى على اليهودى ومنهم من قال تقبل شهادة كل ملة بعضها على بعض ولا تقبل شهادة يهودى على المسيحى ولا مسيحى على يهودي[222].  
 
ورأى ابن حنبل ألا تقبل شهادة “كافر” بحال، و"الكافر" ليس بعدل، ولا مرضى، ولا هو منا. إلا فى حالة الوصية فى السفر إذا لم يوجد مسلمون[223].  
 
* إجراء أحكام الإسلام عليهم فى المعاملات والعقوبات الجنائية كتحريم الزنا[224] فيلزم الإمام أخذهم بحكم الإسلام فى النفس والمال والعرض وإقامة الحدود عليهم فيما يعتقدون تحريمه دون ما يعتقدون حله[225]، ومثال الأول الزنا[226] ومثال الثانى شرب الخمر، وذلك ما لم يترافعوا فإن ترافعوا إلى القاضى المسلم حكم بحكم الإسلام بغض النظر عن حل الفعل أو حرمته فى دينهم.  
 
* القاعدة العامة ألا يرث المسلم "الكافر" والعكس صحيح. وقد تباينت آراء الفقهاء وأكثرهم اعتدالا هنا أبو حنيفة والشافعى حيث رأيا أن يرث المسلمون بعضهم ويرث "الكفار" بعضهم. ورأى مالك أن كل ملة ترث بعضها، ورأى البعض أن ملل "الكفار" ثلاثة: اليهود والنصارى والآخرون.. ورأى آخرون – ربما أحمد- أن كل ملة من ملل "الكفار"من غير أهل الكتاب ترث بعضها، كالمجوس وعباد الأوثان وعباد الشمس.. الخ[227]. ويستند الفقهاء إلى نصوص الأحاديث ومنها ما جاء فى صحيح مسلم: 4094 حدثنا يحيى ابن يحيىٰ وأبو بكر ابن أبى شيبة وإسحق ابن إبراهيم واللفظُ ليحيى قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن عُيينة عن الزهرى عن على ابن حُسينٍ عن عمرو ابن عُثمان عن أسامة ابن زيدٍ، أن النبى قال: لا يرث المسلم الكافر، ولا يرث الكافر المسلم.  
 
والمرتد لا يرث المسلم بالإجماع. وأما وراثة المسلم للمرتد فاختلفوا فيها: فلا يرثه عند الشافعى ومالك وربيعة وابن أبى ليلى وغيرهم بل يكون ماله فيئاً للمسلمين. وروى عن على وابن مسعود وآخرين أن يرثه ورثته من المسلمين، وذهب أبو حنيفة والكوفيون والأوزاعى وإسحاق هذا المذهب، وقال الثورى وأبو حنيفة: ما كسبه فى ردته فهو للمسلمين، وقال الآخرون: الجميع لورثته من المسلمين[228].  
 
* الشفعة: اختلف الفقهاء فيه فرأى البعض أنه يحق ل"لكافر" الشفعة فى أملاك المسلم ورأى غيرهم أن ليس له الحق. وعزز ابن القيم الرأى الأخيرعلى أساس أن الشرع الإسلامى لم يجعل للذمى حقاً فى الطريق المشترك عند المزاحمة وفقا للحديث القائل إذا لقيتموهم فى طريق فاضطروهم إلى أضيقه، فكيف يجعل له حقاً فى انتزاع الملك المختص به عند التزاحم، وهذه حجة الإمام أحمد نفسه. وأما حديث لا شفعة لنصرانى فاحتج به بعض أصحابه وهو أعلم من أن يحتج به، فإنه من كلام بعض التابعين[229].  
 
* الزواج: يميز الإسلام بكل مدارسه بشكل قاطع فيما يخص علاقة الزواج بين "الكفار" المشركين وأهل الكتاب والمسلمين كالآتى:  
 
1- المسلمون يتزاوجون من بعضهم بغض النظر عن الانتماء الإثنى أو اللغوى.. إلخ، وهذا هو الرأى السائد حاليا ومنذ مئات السنين مقابل رأى قديم أخذ به معظم الفقهاء يرى ألا يتزوج مسلم أعجمى من امرأة عربية بحجة عدم الكفاءة، وهو رأى بعض كبار الفقهاء ومنهم الأحناف[230]. ورغم أنه لا يوجد حديث نبوى يفيد ذلك بل العكس، رُفض – كما قيل فى التاريخ- تزويج بلال وسلمان الفارسى من نسوة عرب وفى حياة النبى لعدم التكافؤ.  
 
2- لا يجوز أن يتزوج المسلمون من "الكفار" من غير أهل الكتاب: لا تنكحوا المشركات حتى يؤمن”... “ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا (البقرة: 221) باعتبار أهل الكتاب “كفار” غير مشركين أو مشركين من نوع خاص.  
 
3- يجوز للرجل المسلم أن يتزوج من المرأة الكتابية. وفى هذه المسألة يقتصر مفهوم الكتابية على المسيحيين واليهود. وقد ذهب جمهور الفقهاء السنة هذا المذهب عملا بما جاء فى القرآن: والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم (المائدة: 5) وفى الحديث: «نتزوج نساء أهل الكتاب ولا يتزوجون نساءنا-المسلم يتزوج النصرانية ولا يتزوج النصرانى المسلمة (عون المعبود- 276) .. وقد شذ على هذه القاعدة عبد اللـه ابن عمر الذى قال حسب ما ذكر البخارى (5164): “إن اللـه حرم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئاً أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى، وهو عبد من عباد الله». كذلك كره مالك ذلك أيضا ولكن لم يحرمه صراحة[231]، واتفق الفقهاء على تحريمه بالنسبة للجوارى. وحرمته الإمامية[232] تمسكاً بقوله: ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولا تمسكوا بعصم الكوافر (البقرة: 221) . كما أضاف الشوكانى لأهل الكتاب المجوس أيضا استنادا لحديث عنهم ذكره ينص على: سنوا بهم سنة اهل الكتاب[233].  
 
وقد أقر جمهور”العلماء” أن القرآن قد ميز بين “ المشركات “ وأهل الكتاب: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين (البينة: 1) ، إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين فى نار جهنم خالدين فيها (البينة: 6) . وبالتالى يقتصر التحريم على الزواج من "الكافرات" من غير أهل الكتاب. وبينما اعتبر المجوس من أهل الكتاب لدى الكلام على فرض الجزية على أهل الكتاب، لم يعتبروا كذلك فى حالة الزواج ولم يشذ أحد من الفقهاء ممن لهم كبير اعتبار فى الإسلام[234] سوى الشوكانى كما رأينا. ولم يميز الإسلام بين المشرك والملحد فى الأحكام، معتبرا الكل كفارا. ومن الأمور التى أخذت جهودا كبيرة من الفقهاء التمييز بين أهل الكتاب والمشركات، حيث تكمن المشكلة فى مدى كون اليهود والنصارى من أهل الكتاب أم من المشركين، حيث القناعة الإسلامية أن “الكتاب” قد تم تزويره وبالتالى فليس هو الكتاب الذى عناه القرآن، والكلام فى هذا المجال لا ينتهي!. وبغض النظر عن الآراء الفقهية العديدة فى تفاصيل وضع أهل الكتاب ذهب جمهور الفقهاء إلى تحليل زواج الرجل المسلم من الكتابيات المحصنات.  
 
ولم يحل الفقهاء زواج المسلم من أية كتابية، بل فقط ممن ليسوا من أهل الحرب. وقد أحل ابن عباس مثلا نساء أهل الكتاب ممن أعطى الجزية وحرم الزواج من غير هؤلاء، بينما كره مالك الزواج من كتابيات عموما ولم يحرم الزواج منهن سواء من أهل الذمة أو الحرب[235]، وكره الشافعى الزواج من أهل الكتاب وحتى من المسلمة المقيمة فى دار الحرب كما كره بدرجة أقل نكاح أهل الكتاب عموما [236].  
 
وقد ذكر الحنفاء أن على ابن أبى طالب كره ذلك وعنه أخذوا جواز أن يتزوج المسلم كتابية فى دار الحرب “ولكنه يكره لأنه إذا تزوجها ثمة ربما يختار المقام فيهم”[237]. ولم يحرم أبو حنيفة ومالك ولا الشافعى الزواج من الحربيات ولكنهم كرهوه.  
 
ورغم هذا أضاف القرضاوى “المعتدل” جدا كثيرا من الشروط الغريبة والتحذيرات المعجونة بازدراء نساء "الكفار" والتشكيك فى أخلاقهن بطريقة مقززة[238]. كما اعتبر أن سماح الإسلام بزواج الرجل المسلم من المرأة الكتابية تسامحا كبيرا من جانبه[239]، وبنفس المنطق يكون الملحدون والعلمانيون عموما أكثر تسامحا حيث يسمحون بالزواج، بغض النظر عن الدين، لكل الناس.  
 
4- ذهب عموم الفقهاء والعامة من المسلمين إلى أنه لا يجوز أن تتزوج مسلمة من غير مسلم بأية حال.، استنادا للقرآن: ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجراتٍ فامتحنوهن اللـه أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن (الممتحنة: 10) . وعلة ذلك فى الإسلام التقليدى أن الولاية للرجل على المرأة ولا يصح أن يتولى “كافر” أمر امرأة مسلمة، فالمسلمون هم الأعلون شأنا[240]، وهو الرأى السائد. وقد تُضاف علل أخرى أقل أهمية، منها أن منع زواجهم من نساء المسلمين اتُخذ براً ورأفة بهم؛ لأن زوج المرأة واجبه أن يأخذها إلى مكان عبادتها.. فبرا به ورأفة ورحمة يُمنع من زواجها.  
 
وقد خرج القليلون على هذا الاتجاه منهم أحمد صبحى منصور[241] وحسن الترابى مؤخرا[242].  
 
وفى حالة زواج "الكفار" فإذا أسلمت الزوجة قبل زوجها أصبح عليها ألا تعاشره وهذا فيه إجماع استنادا للقرآن والسنة. أما ما اختلف فيه الفقهاء فهو كيفية وتوقيت فسخ عقد الزواج إذا لم يسلم زوجها. والرأى السائد ألا ينفسخ العقد بإسلامها ولكن يوقف فإن أسلم زوجها قبل انقضاء عدتها فهى زوجته، وإن انقضت عدتها انفسخ العقد، وإن أحبت انتظرته، فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد عقد الزواج[243].  
 
5- وقد تفننت كتب الفقه فى شرح تفاصيل مملة لشروط زواج وطلاق "الكفار"من أهل الذمة سواء فيما بينهم أو بينهم وبين مسلمين والعلاقات الزوجية فى هذه الحالات مما يتعلق بممارسة العبادة من قبل الزوجة وإظهارها لدينها.. إلخ‘ مما لا نحتاج الإشارة إليه هنا.  
 
ورغم كل هذه التعقيدات يتشدق الإسلاميون بما يسمونه سماحة الإسلام فيما يخص هذه القضية بالذات فيدعى البعض مثلا أن الإسلام أكثر انفتاحا فى مسألة الزواج من غير المسلمات من الأديان الأخري[244] بينما لا يشير أحد إلى “السماحة”الكاملة لللادينيين. وقد أصبح الزواج فى بلاد "الكفار" مدنيا منذ سنوات طويلة لا دور للدين ولا المؤسسة الدينية فيه وهو الأمر الذى حين ينادى به هنا يشمر الفقهاء عن سواعدهم ويسرعون بإهدار دم المنادى بذلك.. تعبيرا عن منتهى السماحة حتى فى مناقشة الموضوع من ناحية حقوق الإنسان.  
 
 
 
حد القذف:  
 
هناك خلافات بين الفقهاء حول عقوبة المسلم والذمى إذا قذف أحدهما الآخروقد ذهب معظم الفقهاء إلى أنه لا حد على المسلم إذا قذف رجلا من أهل الكتاب أو امرأة منهم وقال بعضهم مثل الزهرى وسعيد ابن المسيب وابن أبى ليلى، ‏ عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم‏ وهناك من قال‏ إذا قذف مسلم امرأة مسيحية متزوجة من مسلم ُجلد المسلم، ووفق للقرطبى نقلا عن ابن المنذر‏أن جل “العلماء” قالوا بالأول، واتفق الجميع على أنه إذا قذف النصرانى المسلم الحر فعليه ما على المسلم ثمانون جلدة[245]. ‏وذكر ابن رشد حول قذف المرأة “واختلفوا إن كانت كافرة أو أمة، فقال مالك‏: ‏ سواء كانت حرة أو أمة أو مسلمة أو كافرة يجب الحد‏. ‏ وقال إبراهيم النخعى: ‏ لا حد عليه إذا كانت أم المقذوف أمة أو كتابية، وهو قياس قول الشافعى وأبى حنيفة”[246].  
 
 
 
* ديانة الأطفال:  
 
يتبع الطفل ديانة والديه فإن كانا من ديانتين مختلفتين فلأفضلهما ديانة، بزعم أن الإسلام هو الأفضل والأقرب إليه أفضل من الأبعد[247]، أى للمسلم ثم للمسيحى دون اليهودى دون المشرك. أما إذا أسلم أحد الأبوين فالطفل يعتبر مسلما. باستثناء الأمة لذمى حر اهتدت إلى الإسلام، فيتبع الولد فى هذا الحال دين أبيه، غير أن الزواج يلغى حفظاً لشرف المسلمة.  
 
وإذا اختلف مسلم مع ذمى فى نسب اللقيط فيعود الولد للمسلم.  
 
والصبى إِذا حكم بإِسلامه تبعاً لأبويه، ثم بلغ كافراً، ولم يسمع منه الإِقراربالإسلام بعد البلوغ: فإنه وفقا للسمرقندى (من الأحناف) يجبر على الإِسلام، ولكن لا يقتل أيضاً فأما إِذا سمع منه الإِقرار بعد البلوغ: يقتل إِذا ارتد[248].  
 
والتفاصيل بخصوص ديانة الأطفال لا تنتهى وكلها تعتمد على الفكرة التى جاءت فى القرآن والقائلة بأن الإسلام دين الفطرة كما تناولناها تفصيلا أعلاه، وبالتالى هو الدين الصحيح، وينتظر الفقهاء من "الكفار" الإقرار بهذه الفكرة كحقيقة مطلقة وبناء عليها يتقبلون أحكام الفقه الإسلامى فى تحديد ديانة الأطفال. وكان الحديث أكثر صراحة فى هذه النقطة: إذا أسلم أحدُهما فالولد مع المسلم وكان ابن عباسٍ رضى اللـه عنهما مع أُمه من المستضعفين، ولم يكن مع أبيه على دين قومه وقال: الإسلام يعلو ولا يُعلى (البخارى -78) والحكمة من اعتبار الإسلام هو الأعلى أنه الحق المطلق.  
 
وإذا تم مد الكلام على استقامته كان من الواجب على الفقهاء أن ينادوا بأخذ أبناء "الكفار" من أهل الذمة ليربيهم المسلمون إنقاذا لهم من عملية تكفيرهم من قبل أبويهم ! ولكن ليس من السهل مجرد التفكير فى هذا لاستحالة تنفيذه. ومع ذلك حدثت سابقة فى الإسلام؛ ما اشترطه عمر ابن الخطاب على نصارى بنى تغلب من العرب وهم الذين رفضوا دفع الجزية فوافق على أن يأخذ منهم صدقة تساوى ضعف ما يدفعه المسلمون كما اشترط عليهم عدم تنصير أولادهم![249]. ولكن يبدو أنهم لم يلتزموا فى وقت لاحق فنصروا أولادهم فتعهدهم الخليفة على ابن أبى طالب: ” قال مغيرة فحدثت أن عليا قال لئن تفرغت لبنى تغلب ليكونن لى فيهم رأى لأقتلن مقاتلتهم ولأسبين ذراريهم فقد نقضوا العهد وبرئت منهم الذمة حين نصروا أولادهم”[250].  
 
ويمكن أن نضرب مثالا عمليا لتوضيح قضية ديانة الأطفال: إذا أسلم “كافر” وطلق زوجته "الكافرة" يذهب الأطفال إلى الأب المسلم وإذا أسلمت الزوجة أو المطلقة استحقت حضانة الأطفال، وهو ما حدث فعلا فى مصرمنذ فترة ليست طويلة بحكم المحكمة (فى قضية تم إلغاء وصاية أب قبطى على ولديه عندما أسلمت الأم وجاء فى قول المحكمة: ”يتعين أن يتبع الأولاد الدين الأصلح.. والإسلام هو أصلح الأديان”[251].  
 
رابعا: حرية العبادة:  
 
سبقت الإشارة إلى الشروط العمرية والتى تضمنت ما يخص دور العبادة لل”كفار”. ويمكننا تلخيص ما اتفق عليه مجمل الفقهاء المسلمين فيما يتعلق بهذه المسألة نقلا عن كتاب أحكام أهل الذمة لابن القيم:  
 
1- أيما مصر فتحه المسلمون فليس لأهل الذمة أن يبنوا فيه كنيسة ولا يضربوا فيه ناقوسا.  
 
2- أيما مصر مصرته العجم ففتحه اللـه على العرب فإن للعجم[252] ما فى عهدهم وعلى العرب أن يوفوا بعهدهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم.  
 
وملخص الجواب أن كل كنيسة فى مصر والقاهرة والكوفة والبصرة وواسط وبغداد ونحوها من الأمصار التى مصرها المسلمون بأرض العنوة فإنه يجب إزالتها إما بالهدم أو غيره بحيث لا يبقى لهم معبد فى مصر مصره المسلمون بأرض العنوة وسواء كانت تلك المعابد قديمة قبل الفتح أو محدثة لأن القديم منها يجوز أخذه ويجب عند المفسدة وقد نهى النبى أن تجتمع قبلتان بأرض فلا يجوز للمسلمين أن يمكنوا أن يكون بمدائن الإسلام قبلتان إلا لضرورة كالعهد القديم لا سيما وهذه الكنائس التى بهذه الأمصار محدثة يظهر حدوثها بدلائل متعددة والمحدث يهدم باتفاق الأئمة.  
 
وأما الكنائس التى بالصعيد وبر الشام ونحوها من أرض العنوة فما كان منها محدثا وجب هدمه وإذا اشتبه المحدث بالقديم وجب هدمهما 
 
3- وأما ما كان لهم بصلح قبل الفتح مثل ما فى داخل مدينة دمشق ونحوها فلا يجوز أخذه ما داموا موفين بالعهد إلا بمعاوضة أو طيب أنفسهم. [253] 
 
ويمكن تلخيص المسألة كالآتى:  
 
- لا يجوز بناء معابد للذميين فى المواضع الإسلامية أو المحيط المجاور لها، شاملة الأرض التى فتحها المسلمون عنوة فصارت لهم. الرخصة فى هذا المجال تمنح فقط كحالة استثنائية إذا تأكد الإمام أن بناء الكنائس والمعابد تخدم مصلحة المسلمين.  
 
2- يجوز تعمير وتعديل المعابد المتضررة وإعادة بناء الكنائس والمعابد المتهدمة عند مالك والشافعى وأبى حنيفة غير أنه يشترط أن تتواجد تلك المعابد فى موضع عقد معه عهد الصلح، أى لم ُتؤخذ عنوة.  
 
-3 أما الحنابلة وبعض الشافعية فيذهبون إلى أنه لا يجوز بناء المعابد ولا يجوز ترميم ما انهدم منها فى بلاد المسلمين “فإن أحدثوها هدمت عليهم”[254].  
 
وحين تظلم النصارى من هدم كنائسهم أفتى ابن تيمية مستندا لمجمل “العلماء” كالآتى: ” الرد على دعوى أن المسلمين ظلموهم بإغلاق كنائسهم: الجواب: الحمد للـه رب العالمين، أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم فى إغلاقها فهذا كذب مخالف لأهل العلم. فإن علماء المسلمين من أهل المذاهب الأربعة: مذهب أبى حنيفة، ومالك، والشافعى، وأحمد، وغيرهم من الأئمة، كسفيان الثورى، والأوزاعى، والليث ابن سعد، وغيرهم، ومن قبلهم من الصحابة والتابعين، متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسة بأرض العنوة كأرض مصر والسواد بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدا فى ذلك، ومتبعا فى ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك ظلماً منه، بل تجب طاعته فى ذلك. وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم”[255]. وخلاصة كلامه أن المسلمين لم يظلموهم لأن خاصتهم رأوا هذا الرأي!!. 
 
وقد قام كثير من “العلماء” المحدثين بمحاولات عديدة لتخفيف حدة هذا التمييز الواضح. وما كثرة ما كتبه هؤلاء إلا نتيجة وضوح التمييز فى كتب الفقهاء الكبار. وضمن “العلماء”المشار إليهم يبرز القرضاوى دائما ممثلا نقيا لفكر “الإخوان المسلمين”، فيبذل أقصى جهده للف والدوران حول القضية دون أن يقدم رأيه الخاص بصراحة. ففى كتابه”غير ا

بين الدولة الدينية والدولة الاسلامية