تراث وفقـه
 
 


 المؤتمر التاسيسي للاحناف قبل الاسلام


  تمهيد

قد يبدو اصطلاح ( المؤتمر التأسيسيّ ) مقحماً في قراءة حدثٍ تأريخي تمّ في مكة فترة ما قبل الإسلام، لكنّني أحاول التركيز- من خلاله- على القصدية التي كانت سبباً دافعاً وراء جريان الحدث أصلا، أحاول – عبر الشذرات المتبقّية هنا وهناك في بطون كتب السيرة والاخبار – أن أكشف النقاب عن تيّار إجتماعيّ بلغ من النضج الى درجة أن يحدّد مساره القادم، وهذا بالتالي يكشف لاحقاً أنّ الاحداث التي جرت في مكة ما قبل الاسلام - من تحالفات وانشقاقات - لم تجر اعتباطا، أو أنّها لم تنبت هكذا من الهواء على الطريقة التي يوردها ( ابن اسحاق، أو الذين سلكوا مسلكه في رواية أخبار مكة ما قبل الاسلام، وأنّ هناك أرضية اجتماعية لها أزماتها الخاصة أو العامة سواء أكانت هذه الأزمات ثقافية دينية، اقتصادية، سياسية، هي التي جعلت حركة المجتمع المكّي تجري باتجاه ظهور الاسلام .

لقاء سرّي في مكان عام !

الإختلاف ينمو، من أفراد الى جماعة الى تيّار، بل إنّ فرداً واحداً مختلفاً ذا حضور اجتماعي هو تيّار لعلاقات وممارسات إجتماعية لاحقة، وقد كان بين الأحناف سواء أكانوا أفرادا أم جماعات، أقول كان بينهم الكثيرون الذين امتلكوا هذا الحضور الاجتماعي، وساهموا بشكل فاعل في تقنين سلوكيات مجتمعاتهم القبلية فالإقليمية .

الحادثة التي أحبّ أن أتناولها بالبحث هنا، هي حادثة ( تَجَمُّع ) أفراد من قريش، تمّ تحديد أسماء أربعة منهم فقط، يعودون لثلاثة بطون قريشية ( إثنان من بني أسد، وواحد من بني عدي، والرابع تمّ التركيز على أنّ أمّه أميمة بنت عبد المطلب أي عمّة النبي )، أي أنّ اللقاء بدءاً تجاوز نطاق ( المنادمة ) التي رتّبها ( ابن حبيب البغدادي ) على إثنين إثنين تحت عنوان " الندماء من قريش " ( المنمق : 422 ، المحبر : 173 – 175 )، فإذا أضفنا الى ذلك ما ورد عن عبد المطلب من أنّه كان يتحنّث على جبل حراء يصاحبه أبو أمية بن المغيرة، وورقة بن نوفل ( السيرة الحلبية :)، مع ما ورد أيضا من أنّ زيدا بن عمرو بن نفيل وشيبة بن ربيعة كانا ممن يتحنّثون على جبل حراء ( المنمق : 422 ) .

كلّ هذه الإشارات تعزّز وجهة نظري بإطلاق اصطلاح ( المؤتمر التأسيسي) على الحادثة :
1- العدد ( الإشارات تفيد إلى أنّه كان أكثر من أربعة ) .
2- إضافة الى القصدية .
3- مركزية الحوار ووحدة الموضوع ( تناقشوا في جدوى عبادة الاصنام ) .
4- كما أنّ الأفراد إلتقوا سرّا في مكانٍ عام !
5- خلصوا الى نتائج وتوصيات فكرية مهمّة سيكون لها صدى إجتماعيّ كبير فيما بعد ، ليس بين بطون قريش - الخمسة والعشرين ( مروج الذهب : 2 / 278 ) - في مكة فحسب، بل سيتجاوز ( التأثير) نطاق قريش ليبلغ يثرب والطائف، حدث كلّ ذلك في فترة ما قبل الاسلام .

الحدث في كتب السيرة والاخبار

بدءاً أحبّ تركيز الانتباه على التعتيم الذي مارسته المؤسّسة الإسلامية تجاه رواية الحدث، فرغم أهميته في جدلية حركة المجتمع المكّي قبل الإسلام نجد أنّ أغلب أمهات كتب التاريخ الاسلامي قد تغافلت عنه أو سكتت عن ذكره، عن قصد أو دون قصد، فلم أعثر على إشارةٍ أو ذكرٍ له في كلٍّ من ( تاريخ اليعقوبي ) لليعقوبي، أو ( تاريخ الرسل والملوك ) للطبري، أو ( مروج الذهب ) للمسعودي، أو ( الكامل في التاريخ ) لابن الاثير، أو ( المنتظم ) لابن الجوزي .

ومن خلال متابعتي لذكر الحدث في المصادر الاسلامية المتوفّرة لدي تبيّن أنّه وصل الينا عبر روايتين مركزيتين هما :-
رواية ابن اسحاق ( ت 152 هج ) بعد أن مرّت تحت رقابة ابن هشام في ( السيرة النبوية لابن هشام ) .
رواية ابن كثير ( ت 774 هج ) في كتابه ( البداية والنهاية ) .

أما بقية المصادر فكانت تكرّر إحدى الروايتين، أو كليهما معا كما فعل ( ابن كثير)، وقد جاء ذكر الحدث تحت عناوين مختلفة، ابتداء بابن اسحاق " ذكر ورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث وزيد بن عمرو بن نفيل " ( ابن هشام : 1/ 237 ) ، أو " حديث من ترك عبادة الأصنام من قريش " ( المنمق : 152 ) ، أو " بدء انحلال الوثنية " ( حياة محمد : 114 )، وليس انتهاءً بالرصافي حين جعلها تحت عنوان " فكرة النبوّة وكيف حصلت لمحمد " ( الشخصية المحمدية : 126 )، إنّ التركيز على قراءة العناوين يمكن أن يكشف للقارئ صيرورة المقدس وتأثيره على قراءة الخبر، وبالتالي إمكانية تأمّل انفتاح القراءات القادمة على الأبعاد الحقيقية التي كانت وراء عملية انتاج الوعي المكي، الوعي الحنيفي بدءاً، ومن ثمّ الإسلام .

الرواية الأولى للمؤتمر التأسيسي

ربما كانت سيرة ابن اسحاق ( ت 152 هج ) هي أقدم عملية تدوين للحادثة، ومع هذا تأتي الرواية فيها دون إسناد، سيرويها ابن كثير عن ابن اسحاق، بينما يذكرها ابن حبيب ( ت 245 هج ) عن هشام بن محمد بن السائب الكلبي ( المنمق : 152 ) .

قال ابن اسحاق : " اجتمعت قريش يوماً في عيدٍ لهم عند صنمٍ من أصنامهم، كانوا يعظّمونه وينحرون له، ويعكفون عنده، ويدورون به، وكان ذلك عيداً لهم في كلّ سنةٍ يوماً، فخلص منهم أربعة نفرٍ نجيا، ثمّ قال بعضهم لبعض: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، قالوا: أجل. وهم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل. فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء ! لقد أخطأوا دين أبيهم إبراهيم! ما حجرٌ نطيف به، لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع! يا قوم، التمسوا لأنفسكم دينا، فإنّكم والله ما أنتم على شيء. فتفرّقوا في البلدان يلتمسون الحنيفية، دين إبراهيم. " ( ابن هشام : 1 / 237-238 ) .

ذكر الخبر ذاته ( إبن حبيب البغدادي ) تحت عنوان " حديث من ترك عبادة الاصنام من قريش " ( المنمق : 152-153 )، بينما نراه يسكت عن ذكر الحدث، ويكتفي بذكر أسماء الأربعة تحت عنوان " أسماء الذين رفضوا عبادة الأوثان قبل مبعث النبيّ والتمسوا دين ابراهيم " ( المحبر : 171 – 172 ) .

ولا يذكر( اليعقوبي ) أيّ شيء عن الحادثة ويكتفي بقول تنصّر كلٌّ من ورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث ( تاريخ اليعقوبي : 1 / 220 ) .

ويكتفي ( السهيلي ) في شرحه لسيرة ( ابن هشام ) بالقول: " وذكر- يقصد ابن اسحاق – حديث ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل وما تناجوا به " ( الروض الأنف : مج1 / 379 )، لكنّه يعطي بعض التفاصيل اللاحقة للحدث التي تشير الى تمسّك المؤتمِرين بتوصيات المؤتمر .

بينما يذكر ( الذهبي ) ( ت 748 هج ) الخبر نقلا عن ( ابن اسحاق ) مع تغيير طفيف: " وقد كان نفرٌ من قريش زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث وعبد الله بن جحش ... ... حضروا قريشا عند وثنٍ لهم كانوا يذبحون عنده لعيدٍ من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعض أولئك النفر الى بعض وقالوا: تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض. فقال قائلهم: تعلمن والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين ابراهيم وخالفوه، ما وثن يعبد؟ لا يضر ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الارض يلتمسون أهل كتاب من اليهود والنصارى والملل كلّها، يتّبعون الحنيفية دين إبراهيم " ( تاريخ الاسلام: 90 – 91، سير أعلام النبلاء: 1 / 127 ) ، ويذكر ( ابن كثير) الخبر برواية الذهبي ( البداية والنهاية : مج1 / 237- 238 ) .

يذكر ( ابن دحلان ) أثناء حديثه عن زيد بن عمرو بن نفيل إنّه كان " رابع أربعة تركوا الأوثان والميتة وما يذبح للأوثان، حتى أنّ قريشاً كانوا يوماً في عيدٍ لصنمٍ من أصنامهم ينحرون عنده، ويعكفون عليه، ويطوفون به في ذلك اليوم، فقال بعض هؤلاء الأربعة لبعض: تعلمون والله ما قومكم على شيء، لقد أخطأوا دين أبيهم ابراهيم، فما حجرٌ يطوف به لا يسمع، ولا يبصر، ولا يضر، ولا ينفع. ثمّ تفرّقوا في البلاد يلتمسون الحنيفية دين إبراهيم. وهؤلاء الأربعة هم زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعبيد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث " ( هامش السيرة الحلبية : 1 / 96 – 97 ) .

والخبر ذاته بصياغة الذهبي ينقله أحمد عبد الرحمن البنا في كتابه ( الفتح الرباني: 20/ 171 ) بينما يذكر صاحب كتاب ( حياة محمد ) دون أن يشير الى جهة النقل، أنّ " قريشاً اجتمعت يوماً بنخلة تحيي عيد العزى، فخلص منهم أربعة نجيا، هم زيد بن عمرو، وعثمان بن الحويرث، وعبيد الله بن جحش وورقة بن نوفل، فقال بعضهم لبعض: " تعلموا والله ما قومكم على شيء، وإنّهم لفي ضلال، فما حجرٌ نطيف به لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع، ومن فوقه يجري دم النحور! يا قوم التمسوا لكم دينا غير هذا الدين الذي أنتم عليه " ( ص 114 ) .

محاولة في الإنصات الى الرواية الأولى

الخبر بحسب رواية ابن اسحاق ومن نقلها عنه يفصح عن ما يلي :
الاجتماع منقطع زمنيا، فليس هناك ما يشير الى وقت سوى إنّه تمّ في يوم عيد صنم يتكرّر كلّ سنة، إضافة الى ذلك فالرواية - باستثناء رواية محمد حسين هيكل - لا تسمّي لنا الصنم أيضا .

يفصح الخبر عن تجمّع وثني حول صنم، انفرد عن هذا التجمّع أربعة أشخاص ذكر لنا أسماءهم، أي أنّ الرواية تحاول أن تقتل أي قصدية حنيفية وراء الاجتماع، دون أن تقف أمام أسئلة يمكن أن يطرحها متلقّي الخبر :
لماذا انفرد هؤلاء الأربعة على وجه التحديد وليس سواهم؟
كيف وثق بعضهم ببعض؟
لماذا تمّ إدخال اسم عبيد الله بن جحش وليس شيبة بن ربيعة الذي كان نديم عثمان بن الحويرث ( المنمق :422 )؟
هل كانت للأربعة ميول فكرية مشتركة قبل الانفراد بحيث يعرف بعضهم البعض الآخر؟


لا يفصح الخبر عمن تكلّم في الاجتماع من هؤلاء الأربعة .

الرواية تفصح عن أنّ أحد الاشخاص الاربعة افتتح الكلام حول الدين وأفصح عن رأيه في الأصنام، وأنّه تمّت مناقشة جدوى عبادتها، فخلصوا منها – أي بموافقة الاشخاص الأربعة - الى النتائج التالية :
أنّ الأصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، أي تمّ الإقرار بموت الآلهة الوثنية .
الخروج في البلدان بحثاً عن الدين عبر محاورة أهل الكتاب من اليهود والنصارى والملل كلّها .

الرواية الثانية للمؤتمرالتأسيسي

ترد الرواية الثانية للمؤتمر التأسيسي الحنيفي الأوّل - في مكة قبل الاسلام - في كتاب ( البداية والنهاية ) لابن كثير ( ت 774 هج ) نقلا عن الخرائطي قال: " حدثنا عبد الله بن محمد البلوي- بمصر – حدثنا عمارة بن زيد حدثنا عبد الله بن العلاء حدثنا يحيى بن عروة عن أبيه " ( البداية والنهاية : مج1 / ج2 )، إذن فالإسناد يرجع الرواية الى عروة بن الزبير الذي أكثر الروي عن أمّه أسماء وخالته عائشة إبنتي أبي بكر .

قال : " أنّ نفراً منهم ورقة بن نوفل وزيد بن عمرو بن نفيل وعبد الله بن جحش وعثمان بن الحويرث كانوا عند صنمٍ لهم يجتمعون إليه قد اتّخذوا ذلك اليوم من كلّ سنةٍ عيداً، كانوا يعظّمونه، وينحرون له الجزور، ثمّ يأكلون ويشربون الخمر، ويعكفون عليه، فدخلوا عليه في الليل فرأوه مكبوباً على وجهه، فأنكروا ذلك فأخذوه فردّوه الى حاله، فلم يلبث أن انقلب انقلاباً عنيفاً، فأخذوه فردّوه الى حاله فانقلب الثالثة، فلما رأوا ذلك اغتمّوا له وأعظموا ذلك. فقال عثمان بن الحويرث: ما له قد أكثر التنكّس، إن هذا لأمرٍ قد حدث، وذلك في الليلة التي ولد فيها رسول الله، فجعل عثمان يقول :

أيا صنم العيد الذي صف حوله

صناديد وفدٍ من بعيدٍ ومن قرب

تنكّست مغلوباً فما ذاك قل لنا

أذاك سفيه أم تنكّست للعتب

فإن كان من ذنب أتينا فإنّنا

نبوء بإقرار ونلوى عن الذنب

فإن كنت مغلوباً ونُكّست صاغراً

فما أنت في الأوثان بالسيّد الربّ

قال : فأخذوا الصنم فردّوه الى حاله، فلما استوى هتف بهم هاتف من الصنم جهير وهو يقول :

تردّى لمولود أنارت بنوره

جميع فجاج الأرض في الشرق والغرب

وخرّت له الأوثان طراًّ وأرعدت

قلوب ملوك الأرض طراًّ من الرعب

ونار جميع الفرس باخت وأظلمت

وقد بات شاه الفرس في أعظم الكرب

وصدّت عن الكهّان بالغيب جنّها

فلا مخبرٌ عنهم بحقٍّ ولا كذب

فيا لقصي إرجعوا عن ضلالكم

وهبوا الى الإسلام والمنزل الرحب

قال : فلما سمعوا ذلك خلصوا نجيا. فقال بعضهم لبعض تصادقوا وليكتم بعضكم على بعض، فقالوا أجل، فقال ورقة بن نوفل: تعلمون والله ما قومكم على دين، ولقد أخطأوا الحجّة، وتركوا دين ابراهيم، ما حجرٌ تطيفون به، لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع ولا يضر، يا قوم التمسوا لأنفسكم الدين. قال: فخرجوا عند ذلك يضربون في الأرض ويسألون عن الحنيفية دين ابراهيم " ( البداية والنهاية : مج1، ج2 /340- 341 )

يذكر ( برهان الدين الحلبي ) فقرات من روية ابن كثير لكن بطريقة تُفرِغُ الخبر تماما من فحواه، قال: " ذُكر أنّ نفراً من قريش، منهم ورقة بن نوفل، وزيد بن عمرو بن نفيل، وعبد الله بن جحش كانوا يجتمعون الى صنمٍ، فدخلوا عليه ليلة وُلِد رسول الله فرأوه مُنكّساً على وجهه، فأنكروا ذلك، فأخذوه فردّوه الى حاله فانقلب انقلاباً عنيفاً ، فردّوه فانقلب كذلك الثالثة، فقالوا: إن هذا لأمرٍ حدث. ثمّ أنشد بعضهم أبياتا يخاطب بها الصنم ، ويتعجّب من أمره، ويسأله فيها عن سبب تنكّسه، فسمع هاتفا من جوف الصنم بصوت جهير :

تردّى لمولود أضاءت بنوره
جميع فجاج الأرض بالشرق والغرب "
( السيرة الحلبية : 1 / 71 )، ونقلا عن ابن كثير تنقل ( سلوى مرسي ) الرواية ذاتها ( بداية الكتابة التاريخية: 70 – 71 ) .

محاولة في الإنصات للرواية الثانية

أريد القول هنا أنّ رواية ( ابن كثير) للخبر رغم مناخها الغرائبي تشير الى نقاط كثيرة ومهمة :
انفتاح عدد المجتمعين، فكلمة ( منهم ) تبعيضية، أي بعض منهم، ثمّ يذكر أسماء الأربعة، وأرى اتكاءً على حديث ( الندماء من قريش ) ( المنمق : 365 ، ) أن يكون شيبة بن ربيعة نديم عثمان بن الحويرث حاضراً أيضا، وقد كان يتحنّث على جبل حراء إسوة بزيد بن عمرو بن نفيل ( المنمق : 422 ) .

الاجتماع تمّ ليلا، أي أنّه اجتماع سرّي، وبهذا فالرواية تعيد للحدث قصديته. والشعر الذي يشير الى مولد النبي هو صدى لحديث آخر نقله عروة بن الزبير عن أمّه اسماء بنت أبي بكر عن زيد بن عمرو وورقة يذكران إنّهما أتيا النجاشي بعد رجوع أبرهة من مكة ( بداية الكتابة التاريخية : 72 ) .

لم يكن يوم اجتماع المؤتمِرين يوماً إعتيادياً، بل يوم عيد الصنم الذي اجتمعوا عنده، وهذا يشير ضمناً الى تخطيطٍ مسبقٍ للحدث، بل أنّ مناسبة العيد تصلح أن تكون غطاءً أمنياً أيضا .

الخبر يفصح أنّ ( عثمان بن الحويرث ) قال، وانّ ( ورقة بن نوفل ) قال أيضا، أي أنّه يكشف عن هويّة المتكلمين، رغم شكّي في أنّ المتكلّم الأساس في الإجتماع كان ( زيد بن عمرو بن نفيل )، فهو قطب الأحناف في مكة ويثرب والطائف .

السمة الغرائبية للأبيات الشعرية سواء التي على لسان ( عثمان بن الحويرث ) أو التي على لسان الهاتف الخفي تضع الرواية في تناقض كبير هي في غنىً عنه، فالمجتمعون توصّلوا الى أنّ الأصنام لا تسمع ولا تنفع، لكنّنا نرى الصنم يستقر ولا ينتكس عندما قوّموه في المرّة الرابعة، وليس هذا فحسب بل إنّه يجيبهم على اسئلتهم، ولو كان الأمر كذلك لأصبح الصنم يسمع وينفع، بل لازدادوا ثقةً وإيمانا به. وهذا التناقض يكشف عن آثار تَدَخُّل يد المؤسّسة الاسلامية فيما بعد بإحالة كلّ خبر له طابع ديني الى دعوة أو علم من أعلام النبوّة ( ومع هذا لم أعثر على الرواية في كتاب أعلام النبوّة للماوردي المتوفى سنة 450 هج ). وعليه فأنا أرى أنّ هذه الابيات الشعرية هي في الأصل نتاج مرحلة لاحقة، تمّ إدخالها كجزء من الحوار الذي دار في اجتماع الاحناف يومذاك .

يحاول ( ابن كثير ) بروايته للخبر أن يشير الى أنّ الحدث تمّ قرب مولد النبي، ويجعله ( الحلبي ) في ليلة المولد تحديداً، على عكس ( ابن اسحاق ) الذي يترك موضوع الزمن مفتوحا، رغم أنّه يذكر الخبر بعد زواج النبي وقرب البعثة النبوية. وأرى أنّ هذا المؤتمر التأسيسي لم يكن إلا نتاجاً لإرهاصات طويلة تمتد لجيل قبل ذلك .

يبدو لي مما سبق أنّ نتائج وتوصيات المؤتمر التأسيسي لتيّار الأحناف في مكة كانت كما يلي:
تنكيس صنم – العزّى حسب رواية هيكل - في يوم عيده، أي خروج المؤتمِرين من منطقة الحوار الثقافي الى منطقة الممارسة الفعلية، تحوّل الوعي الى سلوك، وكأنّ المطلوب من عملية التنكيس هو كسر هيبة الصنم، كسر الشعورالديني القديم داخل كلّ فرد حضر المؤتمر، وأعتقد أنّ تنكيس الاصنام قبل إعلان محمد بن عبد الله النبوّة كان نتاج ممارسة حنيفية، ابتدأت مع المؤتمر التأسيسي للأحناف، وانتهت بتحطيم الاصنام يوم فتح مكة .

إلتماس دين جديد بعد أن أُثبت بالتجربة الحسية عبر تنكيس الصنم أنّه لا يضر ولا ينفع ولا يبصر ولا يسمع، وهذا إقرار بموت الآلهة الوثنية، وكتطبيق لهذا المستوى من الوعي، إعتزلوا الأوثان، والميتة، والدم، والذبائح التي تُذبح على الأوثان، ورفضوا سهام الاستقسام، وترك الكثيرون منهم شرب الخمر، بل كان زيد بن عمرو بن نفيل ينهى عن قتل الموؤودة، ويعيب قومه على ما هم فيه ( ابن هشام : 1 / 240 ) .

الخروج الى البلدان شمالا ( بلاد الشام والعراق ) وجنوبا ( اليمن والحبشة ) - سنتتبع ذلك في دراسة لاحقة عبر رحلات كلٍّ من زيد بن عمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وعثمان بن الحويرث - والدخول في حوارات عميقة مع أهل الكتب من اليهود والنصارى والصابئة بحثا عن الدين الحنيف .

خلاصة القول أنّ المؤتمر التأسيسي الأوّل لأحناف مكة انتهى ببلورة تيّار إجتماعي إصلاحي وليس " عصبة خرجت على عبادة قريش " ( المفصل : 6 / 372 ) ، أقرّ هذا التيّار بموت الآلهة الوثنية، أي توصّل الى إدراك رتبة ( لا إله ) فقط، ولم يتم البت ( بإلا ) الاستثنائية، أي أنّهم أقرّوا نصف ( لا إله إلا الله )، وأنّه – المؤتمر- دفع المؤتمِرين الى السعي بحثاً عن معرفة ( الله ) في الأديان الأخرى، كما أنّهم كتيّار إجتماعي إصلاحي بدأوا يمارسون وعيهم الجديد كسلوك حياتي يومي في مكة بدءاً، ثمّ في القرى المجاورة كالطائف ويثرب، حدث كلّ ذلك بعقد – على أقل تقدير - قبل إعلان محمد بن عبد الله نبوّته في مكة .


المراجع :

1- السيرة النبوية لابن هشام ( ت 213 هج ) ، حققها وضبطها وشرحها ووضع فهارسها مصطفى السقا ، إبراهيم الابياري، عبد الحفيظ شلبي، دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان .
2- كتاب المنمق في أخبار قريش ، محمد بن حبيب البغدادي ( ت 245هج ) ، صححه وعلق عليه خورشيد أحمد فارق ، ط1- 1985 ، عالم الكتب – بيروت .
3- مروج الذهب ومعادن الجوهر ، أبو الحسن المسعودي ( ت 346 هج ) ، تحقيق وتعليق الشيخ قاسم الشماعي الرفاعي ، ط1 – 1989 ، دار القلم – بيروت .
4- كتاب الشخصية المحمدية أو حل اللغز المقدس ، معروف الرصافي ، ط1 – 2002 ، منشورات الجمل .
5- كتاب المحبر ، محمد بن حبيب البغدادي ( ت 245 هج ) ، تحقيق محمد حميد الله .
6- تاريخ الاسلام / السيرة النبوية ، الذهبي ت 748 هج ، تحقيق د. عمر عبد السلام تدمري ، ط2 – 1989 ، دار الكتاب العربي – بيروت .
7- السيرة الحلبية لعلي بن برهان الدين الحلبي ( ت 975 هج ) ، وبهامشه السيرة النبوية والآثار المحمدية للسيد أحمد زيني دحلان ، دار إحياء التراث العربي – بيروت – لبنان .
8- تاريخ اليعقوبي ، أحمد بن اسحاق اليعقوبي البغدادي ( ت 292هج ) ، علق عليه ووضع حواشيه خليل المنصور ، ط2- 2002 ، دار الكتب العلمية – بيروت – لبنان .
9- الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام ، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله الخثعمي السهيلي ( ت 581 هج ) ، ط1- 1997 ، دار الكتب العلمية – بيروت .
10- البداية والنهاية ، ابن كثير ، دار الفكر .
11- سير أعلام النبلاء ، شمس الدين الذهبي ( ت 748 هج ) ، حققه شعيب الأرنؤوط وحسين الأسد ، ط1- 1981 ، مؤسسة الرسالة بيروت .
12- بداية الكتابة التاريخية عند العرب ، أول سيرة في الاسلام ، عروة بن الزبير بن العوام ، سلوى مرسي الطاهر ، ط1 – 1995 ، المؤسسة العربية للدراسات والنشر – بيروت .
13- حياة محمد ، د. محمد حسين هيكل ، ط1- 2006 ، المكتبة العصرية – صيدا – بيروت .
14- الفتح الرباني لترتيب مسند الامام احمد بن حنبل الشيباني ، مع مختصر بلوغ الاماني من اسرار الفتح الرباني ، كلاهما تأليف أحمد عبد الرحمن البنا ، دار الشهاب – القاهرة .
15- المفصل في تاريخ العرب قبل الاسلام ، الدكتور جواد علي ، ط1- 2006 ، آوند دانش للطباعة والنشر .