تراث وفقـه
 
 


 بين الدولة الدينية والدولة الاسلامية


آجاء الاسلام إلا للقضاء علي الكهنوت الديني والسياسي . و من هنا فان دولة الاسلام هي دولة الديمقراطية المباشرة و حقوق الانسان و حقوق المواطنة .. و قد اقام النبي عليه السلام دولته الاسلامية ، ولكن ما لبثت ان اختفت بعد الفتنة الكبري ليحل بعدها الحكم المستبد الذي تحول الي دول دينية في حكم الخلفاء غير الراشدين ، ثم يحاول التيار الديني ان يعيد الدولة الدينية دون ان يعرف انها تتناقض مع الدولة الاسلامية… ولهذا نعطي فكرة سريعة عن هذا التناقض
وظيفة الدولة الاسلامية هي اقامة القسط بين الناس :( لقد ارسلنا رسلنا بالبينات و انزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط ...الحديد {25}) فاقامة القسط هدف كل الرسالات السماوية و وظيفة النبي المدنية هى العدل والقسط بين الناس بحسب امكانياته البشرية . اما وظيفته الدينية فكانت تبليغ الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة .وليس من القسط ان ينفرد شخص واحد او طائفة بالسلطة او بالثروة. اماوظيفة الدولة الدينية فهي ادخال الناس في الجنة وهدايتهم بالاكراه .. وهذا يفوق طاقة أي دولة و أي شخص ، لان الايمان و الهداية مسئولية شخصية (من اهتدي فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فانما يضل عليها:الاسراء 15 ) (ليس عليك هداهم :البقرة 272) (انك لا تهدي من احببت : القصص 56) (لا اكراه في الدين )..
التناقض في مصدر السلطة :
ففي الدولة الاسلامية الامة هي مصدر السلطات اي من الناس والمجتمع :يقول تعالي للنبى حين كان حاكما (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم و استغفر لهم وشاورهم في الامر : ال عمران 159). أي بسبب رحمة من الله جعلك لينا معهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، وحينئذ لن تكون لك دولة او سلطة ،اذا فهم مصدر السلطة و القوة وبهم تكون لك دولة .
اما في الدولة الدينية فمصدرها من الخليفة الذى يزعم انه يستمدها من الله باعتباره ظل الله في الارض و خليفة الله ..لذلك قال ابو جعفر المنصور(إنما انا خليفة الله في ارضه و امينه علي خلقه ).. وبذلك يكون راعيا و الناس رعية، و يكون مسئولا عنهم امام الله، ويحق له ان يقتل ثلث الرعية لاصلاح حال الثلثين طبقا لفتوي فقهية شهيرة، و في كل الاحوال فهو لا يسأل عما يفعل في الدنيا . ويكون اقرب لنموذج فرعون في القران الكريم ومن هنا نفهم السبب في تركيز القرآن على ذم فرعون .
التناقض في حقوق المواطنة :
في الدولة الاسلامية المسلم هو المسالم ، و المؤمن هو المأمون الجانب .فكل من يعيش مسالما هو مسلم مهما كانت عقيدته ..لان الذي يحكم في العقائد هو الله تعالي يوم القيامة،وليس لأحد التدخل في العقائد . بإختصار الدين لله و الوطن للجميع.
وفي الدولة الدينية ينقسم الناس الي طبقات، اعلاهم الخليفة و بيته، ثم اسرته وعائلته و القواد ثم ارباب الوظائف وبعدها عموم المسلمين .اما غير المسلمين فهم في الدرجة السفلي كأهل ذمة.اما اعداء الدولة فهم المختلفون في المذهب الفقهى او السياسي او الفكرى، وتعاملهم الدولة بحد الردة و الحسبة ،أي القتل..
التناقض في حقوق الافراد والمجتمع : في الدولة الاسلامية لكل فرد الحق المطلق في شيئين هما العدل و حرية الراي و العقيدة.. و لكل فرد الحق النسبي في الثروة والحكم و الامن..و هذه الاشياء الثلاثة الاخيرة هي حق مطلق للمجتمع ..فالمجتمع هو الذي يملك الثروة و الذى ينبغي ان يدافع عنه الجميع.
والمجتمع هو مصدر السلطات السياسية. وكل فرد نصيبه في هذه الحقوق علي حسب كفاءته مع مراعاة تكافؤ الفرص. والعدل والمساواة.
اما الدولة الدينية فالخليفة هو الذي يملك الارض و من عليها ,يمنح ويمنع .. يرفع ويقتل من يشاء فقد قال ابو جعفر المنصور "ايها الناس انما انا خليفة الله في ارضه و امينه علي خلقه، و قد جعلنى قفلا غلي خزائنه ان شاء فتحنى لاعطائكم.." .. و قد قال هارون الرشيد لسحابة في السماء "سيري حيثما شئت فاينما هطلت مطرا فسيأتيني خراجك "
التناقض في العلاقة مع الدول المجاورة :
في الدولة الاسلامية القاعدة هي السلام و عدم الاعتداء , والحرب لا تكون الا لرد الاعتداء بمثله(وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا ان الله لا يحب المعتدين ) وحين تعتدي دولة على الدولة الاسلامية و تهزمها الدولة الاسلامية , فان من حق الدولة الاسلامية ان تفرض علي الدولة المعتدية جزية اي غرامة حربية دون ان تحتل ارضها (التوبة 29)..
اما في الدولة الدينية فالقاعدة هى نشر المذهب الذي تتبعه الدولة بالقوة تطبيقا للحديث الذي اخترعوه (امرت ان اقاتل الناس حتي يقولوا لا اله الا الله ….) وبعد احتلال الدولة يتم فرض الجزية علي اهلها حتي لو اسلموا كما حدث في العصرالاموي أوالعباسي أو العثمانى.. . والنظرة الاساسية للدول المخالفة علي انها دار حرب او دار كفر حتي في اوقات السلم، اذ تكون مجرد هدنة الي ان يقوي المسلمون علي غزوها.
التناقض في المرجعية الفكرية والتشريعية :
في الدولة الاسلامية هي القران الكريم الذي يصلح لكل زمان و مكان مع الاجتهاد في تطبيق نصوصه وفقا لمصطلحاته و مفاهيمه هو، و الاحتكام اليه في كل ينسب للنبي من احاديث في التشريع . و تشريعات القران محدودة و تعطي مجالا واسعا للاجتهاد البشري في التشريع حسب العرف و المتغيرات ، علي اساس العدل والتيسير و تحقيق مصالح العباد او المقاصد التشريعية .
وفي الدولة الدينية خلال عصر الخلفاء غير الراشدين تم تدوين التراث طبقا لهوي الاستبداد ليكون مرجعية للتشريع. وبسبب الفجوة الهائلة بينهم والقران اخترعوا له احاديث نبوية ، و ما لم يعجبهم في القران تم ابطاله بدعوى النسخ . مع ان مفهوم النسخ في القران يعني الاثبات و التدوين و الكتابة و ليس الحذف و الالغاء.
ان الدولة العلمانية التي تراعي العدل و حقوق الانسان هي اقرب النظم للدولة الاسلامية مع انها لاتتمسح بالاسلام . كما ان دولة طالبان في افغانستان هى ابرز ما يعبر عن الدولة الدينية التى تتناقض مع الاسلام مع انها لا تتمسح به … … … …
وفي المقالات القادمة سنناقش البرنامج السياسي الحقيقي للاخوان المسلمين وتعارضه مع الشريعة الاسلامية..
بقلم
د.احمد صبحي منصور