تراث وفقـه
 
 


 عائشة بنت طلحة نموذجا



هي عائشة بنت طلحة بن عبيد التيمي، احد العشرة المبشرين بالجنة، واحد الثمانية التي رشحهم عمر بن الخطاب لخلافته، وامها هي اخت عائشة بنت ابي بكر.

كانت عائشة بنت طلحة مضرب في الجمال، تعتز بأنوثتها وتلبس اجمل الثياب. وقد تزوجت ثلاث مرات، كان الصحابة رضي الله عنهم يتراكضون في طلبها للزواج، ولم يكن احد يهتم في كونها مطلقة كما هو الحال اليوم، مع انها لم تكن من النساء الولادة، فهي لم تنجب الا طفلا واحدا من زوجها الاول، مما يدل على ان الرجال كانوا يسعون اليها بذاتها، لجمالها وعقلها الراجح، وليس للانجاب. كانت عليمة اديبة، لها ندوة، لاتمنع الرجال عنها، وتأذن كما يأذن الرجال. مما يشير بوضوح الى ان الاختلاط وتربية النساء في ذلك العهد تختلف تماما عن الطريقة التي يطرحها الاصوليين اليوم

يروي ابن إسحاق عن أبيه: دخلت على عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وكانت تجلس وتأذن كما يأذن الرجل.

وقال أنس بن مالك لعائشة بنت طلحة: إن القوم يريدون أن يدخلوا اليك فينظروا إلى حسنك ! قالت: أفلا قلت لي فألبس حسن ثيابي.


وقد وصلنا وصف جمالها، إذ جاء في الاغاني للاصفهاني، صفحة 129:
(( قالتْ رمْلة بنت عبدالله بن خلف ــ وكانت تحت عمر بن عبيدالله ــ لمولاة عائشة : أريني عائشة متجرِّدة ولك ألفا درهم ! فأخبرتْ عائشةَ بذلك .
قالت : فإني سأتجرّد ، فأعلميها ولا تعرِّفيها أني أعلم ، فقامت عائشة كأنها تغتسل ، وأعلمتْها ، فأشرفتْ عليها مقبلةً ومدبرةً ، فأعطت رملةُ مولاتها ألفي درهم ، وقالت : وددتُ أني أعطيتك أربعة آلاف درهم ولم أرها !!
وكانت رملة قد أسنَّتْ ، وكانت حسنة الجسم قبيحة الوجه عظيمة الأنف )) ( ص 129)

واضافة الى جمالها تنقل لنا الروايات التاريخية القيم الجمالية التي كانت سائدة لدى ذكور ذلك العصر، فيذكر:
* عن اثيلة بنت المغيرة قالت: زرت مع مولاتي خالتها عائشة بنت طلحة وأنا يومئذ شابة فرأيت عجيزتها (مؤخرتها) من خلفها وهى جالسة كأنها غيرها(دليل على كبر مؤخرتها) فوضعت إصبعي عليها لكي اعرف ما هي فلما أحست بإصبعي ضحكت وقالت ما اكثر من يعجب مما عجبت منه (أي أنها تعلم بإعجاب ذكور عصرها بكبر المؤخرة).
(*) المرجع السابق


وذكر الاصفهاني عن كيفية زواجها من زوجها الاول، وعن علاقتها معه.. بل وحتى عن سلوك الصحابة الحر في التعليق والتعبير، اليكم مايقوله:

(( وكانت تُشبَّه بعائشة أم المؤمنين خالتها . فزوّجتْها عائشةُ عبدَالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق ، وهو ابن أخيها وابن خال عائشة بنت طلحة ... فصارَمتْ زوجها ، وخرجتْ من داره غضْبى ، ( لااعتقد ان الملائكة لعنتها لهجرها فراش زوجها خصوصا وان زوجة الرسول هي التي استقبلتها وآوتها) فمرّتْ في المسجد وعليها مِلْحَفة تريد عائشة أم المؤمنين ، فرآها أبو هريرة فقال : سبحان الله كأنها من الحور العين !( لاحظوا ان الصحابي الجليل ، اعجب وعبر عن اعجابه إذ لم تكن تلبس حجاب او برقع .
فمكثتْ عند عائشة أربعة أشهر (رغم ان الرسول نفسه هجر زوجاته شهر واحد فقط) ، وكان زوجها قد آلى منها ، فأرسلتْ عائشة له : إني أخاف عليك الإيلاء ( هذه لم افهمها) ، فضَمَّها إليه . فقيل له : طلقْها ، فقال :

يقولون طلِّقْها لأصبحَ ثاويا ** مقيما علىَّ الـهم ، أحـلامُ نائــمِ
وإن فراقي أهلَ بيتٍ أحبهم ** لهم زُلفةٌ عندي لإحدى العظائمِ

فتوفي عبدالله بعد ذلك وهي عنده ، فما فتحتْ فاها عليه ( يعني لم تنتحب على وفاته) !! وكانت عائشة أم المؤمنين تعدّد عليها هذا في ذنوبها التي تعدّدها )) ( السابق 125


وبعد وفاة عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق تقدم لخطبتها مصعب بن الزبير وكان امير العراق،
وفي هذا الشأن نقرأ التالي::

* حكى أبو الفرج أن مصعب بن الزبير لما عزم على زواج عائشة بنت طلحة جاء هو وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر وسعيد بن العاص إلى عزة الميلاء وكانت عزة هذه يألفها الأشراف وغيرهم من أهل المروءات وكانت من اظرف الناس وأعلمهم بأمور النساء فقالوا لها خطبنا فأنظري لنا. فقالت لمصعب من خطبت؟ قال عائشة بنت طلحة .. .. فقالت يا جارية هاتي خفيي فلبستهما وخرجت ومعها خادمها فبدأت بعائشة بنت طلحة فقالت فديتك كنّا في مأدبة أو مأتم لقريش فذكروا جمال النساء وخلقهن فلم أدر كيف أصفك فألقي ثيابك ففعلت(أي خلعت عائشة ثيابها) فأقبلت وأدبرت فارتج كل شئ منها فقالت لها عزة خذي ثوبك .. .. ثم أتت القوم في السقيفة فقالوا ما صنعت فقالت يابن أبي عبد الله أما عائشة فلا والله ما رأيت مثلها مقبلة ولا مدبرة محطوطة المتنين عظيمة العجيزة(المؤخرة) ممتلئة الترائب نقية الثغر وصفحة الوجه فرعاء الشعر ممتلئة الصدر خميصة البطن ذات عكن ضخمة السرة مسرولة الساق يرتج ما أعلاها إلى، وفيها عيبان ، أما أحدهما فيواريه الخمار ، وأما الآخر فيواريه الخف ؛ عِظم القدم والأذن . (هكذا كان فحص العروس).
(*) نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري باب ذكر أخبار الغريض وما يتصل بها من أخبار عائشة بنت طلحة

ومهرها كان نصف مليون درهم، ( وليس بضعة حبات من التمر).


زواجها بمصعب بن الزبير كان مليئا بالشجار، فالسيدة عائشة لم تكن من النوع الذي تخنع او تقبل بأن تعامل كجارية. على العكس كان مصعب، وبالرغم حبه لها، الا انه مربى تربية تجعله يعتقد ان من حقه ضرب زوجتها .
وقال :
(( كان مصعب بن الزبير لا يقدر عليها إلا بتلاحٍ ينالها منه وبضربها )) ( الاغاني ، ص126 )

(وايضا انظر الأغاني ط إحسان عباس 11 / 127 ـ 128 )

وتغطية الوجه كانت من القضايا الخلافية بينها وبين مصعب ، وهي قضية لم يصلنا ان كان عليها خلاف بينها وبين زوجها السابق حفيد الخليفة ابي بكر، او حتى زوجها اللاحق، مما يشير بوضوح الى ان الخلاف كان بسبب غيرة مصعب وليس مطلب اسلامي. الخلاف كان مع الزوج وليس مع المجتمع كما هو عليه الامر اليوم، مما يعني ان فرضه من قبل بعض الجماعات او الدولة هو بدعة، وان مافهمه الاوائل عن الحجاب انه لتمييز الحرة عن الامة فلايجري الاساءة اليها، وإذا لم يكن هناك خطر الاساءة فلاحاجة اليه ..

وامرأة تعتز وتحترم نفسها تصبح شرسة في وصف ذكور ذلك الزمان، نرى في الأغاني للأصفهاني ( ط إحسان 11 / 122) :
(( كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد ، فعاتبها مصعب في ذلك ، فقالت : إن الله تبارك وتعالى وسَمَني بمِيسَم جمال أحببتُ أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليهم ، فما كنتُ لأسترَه ! ووالله ما فيَّ وصْمة يقدر أن يذكرني بها أحد . وطالت مُرادَّة مصعبٍ إياها في ذلك ، وكانت شرسة الخُلق . وكذلك نساء بني تيْم هن أشرس خلق الله وأحظاه عند أزواجهن ( تشير الى النساء الشرسات يلقون حظوة افضل لدى ازواجهم من الخانعات الخائفات))


وفي النويري نرى الامر نفسه:
* كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد وتقول أن الله وسمني جمال أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضلي عليه م فما كنت لأستره ووالله ما فيّ وضمة يقدر أن يذكرني بها أحد وكانت شرسة الخلق وكذلك بني تيم (قبيلة عائشة الحميراء) وهن أشرس خلق الله خلقا وأحظاهن عند أزواجهن..
(*) نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري باب ذكر أخبار العريض وما يتصل بها من أخبار عائشة بنت طلحة.

كثرت خلافاتها مع زوجها مصعب حتى انها قالت له ذات يوم غاضبة:: أنت عليّ كظهر أمي (يمين جاهلي اقره القرآن، {‏والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة‏}. المجادلة) ، وهجرته في غرفة كانت معدة لهذا. وحاول مصعب أن يصالحها فأبت. فبعث اليها ابن قيس الرقيات فقالت له: وكيف بيميني أي أنت عليّ كظهر أمي؟! فاستفتى الشعبي فقيه أهل العراق ثم رجع اليها قال: يمينك ليس بشيء..( يمين الرجل فقط هو الشئ).

ومن مظاهر كرهها لمصعب انها كانت تتركه كثيرا وتعود اليه ولكنها كانت تمتنع عليه في غالب الأوقات (يعني في الفراش)، فقد دخل عليها يوماً وهي نائمة ومعه ثماني لؤلؤات قيمتها عشرون ألف دينار ( كانت خزينة الدولة مثل جيبته الخاصة، تماما كما هو الحال اليوم لدى الامراء والسلاطين والرؤساء في العالم العربي) ونثر اللؤلؤ في حجرها فقالت: نومتي كانت أحب اليّ من هذا اللؤلؤ.

ونرى ايضا :
(( كانت عائشة من أشد الناس مغايَظةً لأزواجها . وكانت تكون لمن يجيء يحدثها في رقيق الثياب ! (لااهتمام لديها كبير في مسألة الثياب مما يدل على ان المجتمع لم يكن قد تعقد بهلوسته الحالية) فإذا قالوا قد جاء الأمير ضمّتْ عليها مِطْرفها وقطّبتْ ( نرى كيف ان قدوم الامير وحده ، والمقصود به على الاغلب الامير مصعب ، يعني زوجها، عندها تضم ملابسها مما يدلل على سوء مشاعرها نحوه) !! ( المصدر السابق ، ص 130 )

وكان الحارث بن خالد المخزومي قد تغزل بعائشة بنت طلحة لما تزوجها مصعب بن الزبير ورحل بها إلى العراق :
ظـعن الأمـير بأحسـن الخـلق في البيت ذي الحسب الرفيع ومن فـظـللت كـالمقهـور مـهجته أتـرجـة عـبق العـبير بـها مـا صـبحت أحـدا بـرؤيتها وغـدا بـلبك مـطـلع الشـرق أهـل التـقى والبـر والصـدق هـذا الجـنون وليــس بالغسق عـبق الدهـان بـجـانب الحـق إلا غـدا بكـواكـب الـطـلق
(تاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان : 283 ،
الأغاني 3 : 316 وراجع أيضا 15 : 122 .)


ولما قتل مصعب بن الزبير تزوجت عمر بن عبيد الله بن معمر بن عثمان التيمي سيد بني تيم في عصره، ومن كبار القادة أيام إمارة مصعب للعراق، وتولى إمارة بلاد فارس سنة 68 ه والبصرة في عهد عبدالملك بن مروان، وقدم لها مهراً ألف الف درهم - أي مليون درهم. وظلت عائشة زوجة لعمر بن عبيد الله ثماني سنوات ثم مات عنها في سنة 82 ه فندبته قائمة ولم تندب أحداً من أزواجها إلا جالسة (رغم ان هناك من يدعي ان الندب حرام) فقيل لها في ذلك، فقالت: إنه كان أكرمهم عليّ وأمسهم رحماً وأردت ألا أتزوج بعده.

تحكي مولاة عائشة بنت طلحة قصة زواج سيدتها من عمر بن عبد الله وتصف لنا تلك الليلة، جاءت بالطعام لعمر بن عبد الله فأكل حتى افرغ الإناء وتوضأ وصلى حتى ضاق صدري ونمت ثم أدخلته وأسبلت الستر عليهما(أي على عائشة بنت طلحة و زوجها) فعددت له بقية الليل على قلتها سبع عشرة مرة دخل فيها المتوضأ(أي نكح عائشة 17 مرة) فلما أصبحنا وقفت على رأسه فقال أتقولين شيئا؟ قلت نعم ! والله ما رأيت مثلك أكلت أكل سبعة وصليت صلاة سبعة ونكت نيك سبعة. (حتى حرية القول في تلك الايام لم تعد متاحة اليوم، إضافة الى انه لاخجل من وجود اشخاص اخرين لاتفصل بينهم الا ستارة)

(*) كتاب الأغاني للإمام أبي الفرج باب أخبار عائشة بنت طلحة ونساءه

والحياة الجنسية بين عائشة وزوجها عمر كانت في افضل اشكالها بسبب كونها قائمة على الحب والاحترام بينهم، ولاتخجل كتب التاريخ من نقل الصورة الايروتيكية التالي:
قالت امرأة كوفية دخلت على عائشة بنت طلحة فسألت عنها فقيل هي مع زوجها في القيطون فسمعت زفيرا ونخيرا لم يسمع قط مثله ثم خرجت وجبينها يتفصد عرقا، فقلت لها: ما أظن أن حرة تفعل مثل هذا؟ فقالت: إن الخيل العتاق تشرب بالصفير (إشارة الى عادة صاحب الخيل العتاق بالتصفير حتى تشرب خيله احسن، وتقصد ان الرجل ينكح افضل إذا شخرت ونخرت له ).
(*) المرجع السابق

ومع ذلك كانت لاتتورع عن إثارة غيرة عمر ايضا، فتذكر له مصعب وكأنها كانت معجبة به: ((وكانت كثيرا ما تصف لعمر بن عبيدالله مصعبا وجماله ، تغيظه بذلك ، فيكاد يموت )) ( المصدر السابق، ص 130 )

قال عمر بن أبي ربيعة معبرا عن اعجابه بها:
لعـائشة بـنة التـيمي عـنـدي يـذكـرني ابـنة التـيمي ظـبي فـقلت له وكـاد يـراع قـلبـي سوى حـمش بسـاقك مسـتبين وأنك عاطـل عـار وليــست حمى في القلب ، لا يرعى حماها يـرود بـروضة سـهل ربـاها فـلم أر قـط كـاليوم اشـتباهـا وأن شـواك لم يـشـبه شـواهـا بـعـارية ولا عـطـل يـداها (الأغاني 1 : 204 .)
والشاعر كان لايجد حرجا او خوفا ان يعلن لها عن اقواله ومشاعره واعجابه في وسط مجتمع بدوي ، ونرى ان اعتراضها لم يتجاوز وصف بالفاسق، على الاغلب من باب المزاح، إذا انها وافقته واستمتعت، حيث يذكر الاصفهاني ان  عمر بن أبي ربيعة لقي عائشة بنت طلحة بمكة وهي تسير على بغلة لها ، فقال لها : قفي حتى أسمعك ما قلت فيك ، قالت : أوقد قلت يا فاسق ؟ قال : نعم ، فوقفت فأنشدها :
ياربة البغلة الشهباء هل لك في قالت بدائك مت أو عش تعالجه أن تنشري ميتا لا ترهقي حرجا فما نرى لك فيما عندنا فرجا (الأغاني 1 : 206 ـ 207 .)
      ـ ومما يغني فيه من أشعار عمر بن أبي ربيعة في عائشة بنت طلحة ، قوله في قصيدته التي أولها :
مـن لقـلب أمسـى رهـينا معنى إثر شخص نفسي فدت ذاك شخصا مسـتكيـنا قـد شفـه مـا أجـنا نـازح الدار بـالمديـنة عـنا (صدر السابق : 208)
كان ابن محرز أحسن الناس غناء ، فمر بهند بنت كنانة بن عبدالرحمن حليف قريش ، فسألته أن يجلس لها ولصواحب لها ، ففعل وقال : أغنيكن صوتا أمرني الحارث بن خالد بن العاص بن هشام أن أغنيه عائشة بنت طلحة بن عبيد الله في شعر له قاله فيها ، وهو يومئذ أمير مكة ؟ قلن : نعم ، فغناهن :
فوددت إذ شحطوا وشطت دارهم أنـا نطاع وأن تـنقل أرضـنا وعـدتهم عـنا عـواد تشـغل أو أن أرضهم إليـنا تـنقل (المصدر السابق : 366 .)

دخلت على الوليد بن عبدالملك وهو في مكة فقالت: يا أمير المؤمنين مُرْ لي بأعوان. فضم اليها قوماً يكونون معها فحجت ومعها ستون بغلاً عليها الهوادج ثم خطبها جماعة ولم تتزوج أبداً. وظلت على هذا الوضع فكانت تقيم في مكة سنة وفي المدينة سنة، وتخرج إلى رعاية مالها في الطائف وقصر كان لها هناك تتنزه فيه وتجلس في العشيات فيتناضل بين يديها الرماة.( عاملة نادي رياضي في بيتها للرجال).

وفي إحدى حجاتها أرسلت إلى الحارث بن خالد المخزومي وهو أمير على مكة من قبل عبدالملك بن مروان، وكان يهواها، فقالت: أَخر الصلاة حتى أفرغ من طوافي.
فأمر المؤذنين فأخروا الصلاة حتى فرغت من طوافها ثم أقيمت الصلاة فصلى بالناس. وأنكر أهل الحج فعله ذلك واشتكوه فعزله عبدالملك بن مروان. االاغاني : 315 . 

لما أن قدمت عائشة بنت طلحة أرسل إليها الحارث بن خالد ـ وهو أمير على مكة ـ أني أريد السلام عليك ، فإذا خف عليك أذنت ، وكان الرسول الغريض ، فقالت له : أنا حرم فإذا أحللنا إذناك . فلما أحلت سرت على بغلاتها ، ولحقها الغريض بعسفان أو قريب منه ، ومعه كتاب الحارث إليها : ما ضركم لو قلتم سددا ... .
     فلما قرأت الكتاب قالت: ما يدع الحارث باطله ، ثم قالت للغريض: هل أحدثت شيئا ؟ قال : نعم فاستمعي ، ثم اندفع يغني في هذا الشعر ، فقالت عائشة : والله ما قلنا إلا سددا ، ولا أردنا إلا أن نشتري لسانه ، وأتى على الشعر كله ، فاستحسنته عائشة وأمرت له بخمسة آلاف درهم وأثواب ، وقالت: زدني ، فغناها في قول الحارث بن خالد أيضا ... (الاغاني : 317 .) .
     9 ـ نظر ابن أبي ذئب إلى عائشة بنت طلحة تطوف بالبيت ، فقال لها : من أنت ؟ فقالت:
من اللاءِ لم يحجبن يبغين حسبة ولكـن ليقتلن البريء المغفـلا

فقال لها : صان الله ذلك الوجه عن النار ، فقيل له : أفتتنتك أبا عبدالله ؟
     قال : لا ، ولكن الحسن مرحوم (العقد الفريد 7 : 102) .

وعاشت عائشة بنت طلحة حياتها، كما أرادت مؤمنة قوية حرة. ولو كانت بدعة هيئة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر معروفة في زمانها لجعلت حياتها جحيما لايطاق.

وروت عائشة بنت طلحة عن خالتها أم المؤمنين. وروى عنها طلحة بن عبدالله بن عبدالرحمن بن أبي بكر الصديق وحبيب بن أبي عمرو وابن أخيها طلحة بن يحيى وابن أخيها الآخر معاوية بن إسحاق وروى لها الجماعة. وقال عنها يحيى بن معين: ثقة وحجة. وقال العجلي: مدنية تابعية ثقة. وذكرها ابن حبان في الثقات.

ولها محاورات مشهورة مع شعراء عصرها ، موجود بعضها في الأغاني والعقد الفريد . ولعمر بن أبي ربيعة غزل بها . وكذلك لابن قيس الرقيات . ومما قاله فيها :

إن الخليطَ قد أزمعوا تركي ** فوقفتُ في عرَصاتهم أبكي
جـنّـيَّـة بــرزتْ لتـقـتـلــنـي ** مطلـيـة الأصـداغ بالمسْـكِ
عـجبـا لمثـلكِ لا يـكـون لـه ** خـرْجُ العـراق ومنبر الملْكِ


وكانت لها علاقات أدبية ــ مراسلات ومكاتبات ــ مع الأدباء الشبان والشيوخ . ولا توّضح لنا كتب الأدب هذا الجانب من حياتها ، وهي للاسف كتب قليلة إذ ان الجانب الديني طغى على اهتمام الموثقين، بعكس ما نجده عن توثيق نشاطها الديني في بعض كتب الحديث وتراجم الرواة من نصوص نقلت لنا شيئا من كلامها هي عن هذا الجانب من حياتها . ففي كتاب " الأدب " للإمام البخاري يقول ما نصّه :
(( باب الكتابة إلى النساء وجوابهنّ
عن عائشة بنت طلحة قالت : قلتُ لعائشة ــ وأنا في حِجْرها ــ وكان الناس يأتونها من كل مِصر ، فكان الشيوخ ينتابوني [ أي يقصدوني مرة بعد اخرى ] لمكاني منها ، وكان الشباب يتأخَّوني[أي يتحرّوني ويقصدوني ] فيهدون إليَّ ويكتبون إليَّ من الأمصار . فأقول لعائشة : يا خالة ، هذا كتاب فلان وهديته ، فتقول لي عائشة : أي بُنيَّة ، فأجيبيه وأثيبيه ، فإن لم يكن عندكِ ثواب أعطيتكِ ، قالت فتعطيني )) ( صحيح الأدب المفرد ، للألباني ، رقم 462 ص 431 )

قال الشيخ الألباني في الحاشية معلِّلا علاقتها الشريفة مع الشبان والشيوخ :
(( وذلك لفضلها وأدبها . قال الذهبي في " سير أعلام النبلاء " (4 / 369 ) : " كانت أجمل نساء زمانها وأرأسهن ، وحديثها مخرّج في الصحاح " )) (كما نرى كان الجمال يضاف الى المحاسن والمناقب)

وفي كتاب نسب قريش، لأبي عبد الله المصعب بن عبد الله بن مصعب الزبيري، ص: 156-236.

( قال مصعب ) : وحدثني بعض من يعلم أن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله قدمت مكة معتمرة ، وهو أمير مكة يومئذٍ ؛ فأتاها رسولهُ يقرئها السلام ، ويستأذنها في المجيء ؛ فأرسلت إليه : (( إنا حرمٌ فنقضي مناسكنا : ثم نعلمك )) . فلما ذهب الرسول ، خرجت ، وطافت ، وسعت ؛ ثم ركبت دوابها نحو المــدينة ؛ فـــبلغه ذلك ؛ فــأتبعها رسولاً ؛ فــلحقها ؛ فـقـالت : (( خرجت من عمل مكةَ )) . فأشار بكتاب معه ، وقال : (( رسول الأمير )) ، فقالت لمولاةٍ لها : (( خذي كتابهَ! فإني لاأحسب أن فيه بعض هناتهِ )) . فأخذته ؛ فإذا فيه :

إن المنية عاجل غدها ماضركم لو قلتم سدداً
تمت بذلك عندنا يدها لو تممت أسباب نعمتها
لسنا على الهجران نجحدها ولها علينا نعمة سلفت


كانت تحب أباها حباً كبيراً فقد جاءها رجل وقال لها: رأيت طلحة في المنام فقال: قل لعائشة تحولني من هذا المكان، فإن التز - الرطوبة - قد آذاني.

فركبت عائشة بنت طلحة في حشمها وأخرجوه من قبره الذي كان مجاوراً للنهر عند البصرة. وقال الراوي: فلم يتغير منه إلا شعيرات في أحد شقي لحيته أو قال رأسه. وكان بين وفاته ونقله أكثر من ثلاثين عاماً.

وامها (ام ابان بنت عتبة بنت ربيعة) كانت قد رفضت الزواج بعمر بن الخطاب والزبير بن العوام وعلي ابن ابي طالب، وقبلت بطلحة بن عبيد الله عندما خطبها، وقالت: زوجي حقا. فقيل لها : كيف ذلك؟ قالت: اني عارفة بخلائقه، إذن دخل دخل ضاحكا وان خرج خرج بساما، إن سألت اعطى وان سكت ابتدأ، وان عملت شكر وان اذنبت غفر.. (لم يبقى رجال بهذه الاخلاق اليوم، الجميع اقرب الى أخلاق عمر). ولذلك لاعجب ان تكون عائئشة معتزة بنفسها فخورة لاتقبل وصاية الاوصياء

وعاشت عائشة والناس يتحدثون عن فضلها وأدبها وعلمها وجمالها، فلم ترض بأن تحيا من خلال جمالها وثراءها ، كما قبلت غالبية النساء، وإنما من خلال العقل والحكمة والادب وتنازع الرجال على اهتمامات خصوا انفسهم بها، وتركوا للنساء ان يناموا على جنابة في خدمة متعة الذكور.

وبرأيي لو كانت نساءنا مثل عائشة لكانت مجتمعاتنا اليوم في مقدمة مجتمعات العالم

وتوفيت عائشة عام 110 ه ودفنت في المدينة المنورة.

عن عائشة بنت طلحة ييمكن القراءة في : الاغاني والعقد الفريد وسير اعلام النبلاء والصحاح، ونهاية الارب في فنون الادب للنويري، وصحيح الادب للبخاري..

ومن عجيب الصدف ان هناك العديد من النساء اللواتي يحملن اسم عائشة وكانوا من المشهورات في الادب والجمال والتتدخل في شؤون كان يعتقدها بعض ذكور العرب على انها من اختصاص الرجال، حتى اوصى احدهم فقال: لاتعلموهم الكتابة والقرأة، وهنا اسماء اغلب بقية العوائش: وانما لهن منا ان يباتوا على جنابة.

عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي بلا شك أم المؤمنين الطاهرة العفيفة ، وكانت جريئة وأفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالأدب . وعائشة بنت طلحة ، وهي بنت أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق ، وكانت من أجرأ النساء وأجملهن وأوسعهن ثقافة . وعائشة القرطبية ( ت 400 هـ ) " شاعرة من أهل قرطبة ، لم يكن في زمانها من حرائر الأندلس من يعادلها فهما وعلما وأدبا وفصاحة وشعرا ، وماتت عذراء ولم تتزوج " . وعائشة بنت سعد بن أبي وقاص ( ت 117 هـ ) من راويات الحديث ، وأخذ عنها عدد من العلماء . وعائشة بنت علي الصِّنهاجي ( ت 739هـ ) راوية للحديث أيضا . وعائشة الصالحية ( ت 697 هـ ) محدّثة أيضا . وعائشة بنت محمد المقدسي ( ت 816 هـ ) قرأتْ صحيح البخاري على الحافظ الحجّار ، وقرأ عليها الحافظ ابن حجر كتبا عديدة ، وكانت سهلة الأسلوب في التعليم والإقراء . وعائشة الباعُونيَّة ( ت 922 ) شاعرة وفقيهة ، من دمشق ،رحلت إلى مصر ومدحت المُقِر الأشرفي بقصيدة ، ولها مؤلفات كثيرة . وعائشة التيمورية ( ت 1320 هـ ) أديبة شاعرة من نوابغ مصر ، كانت تنظم بالعربية والتركية والفارسية :eek: :eek: ، علت شهرتها في العالم الإسلامي . ( ذكرهن جميعا الزِّرِكْـلي في الأعلام )

وهناك قصص اخرى ترينا حرية الحياة الاجتماعية للمرأة في مجتمع الاسلام المبكر ومابعده.

أم الدرداء كانت يتيمة في حجر أبي الدرداء, وإنها كانت تختلف مع أبي الدرداء إذ كانت تصلي في صفوف الرجال, وتجلس في حلقات القراء فتزوجها أبو الدرداء ومات عنها, فخطبها معاوية, ولكنها لم تُجبه, وقالت: إني سألت أبا الدرداء أن يسأل الله أن يجعلني زوجته في الجنة, فقال ذلك إن لم تحدثي بعدي زوجاً. ونقرأ كذلك عن الفقيهة الشامية أم الدرداء أنها عندما سألها أحد الشيوخ الجالسين معها عما إذا كانوا قد أمَلّوها, أجابت بأنها لم تُصب لنفسها شيئاً أشفى من مجالسة العلماء ومذاكرتهم.

كانت النساء في ذلك الوقت يسرن في الطرقات ويحادثن الرجال, ففي حكاية تقول: إن سكينة بنت الحسين صادفت عروة بن أذينة في الطريق يوماً, فانتقدت بعض أبيات له ووبخته بشأنها قائلة إن أبياتاً كهذه ما كانت لتخرج عن قلب سليم قط.

وعندما خطب أبان بن سعيد عائشة بنت طلحة وعلمت أنه أختار أن يعيش في (العقبة) لرخص العيش فيها, ولأنه رغب في العزلة, علقَّت على ذلك قائلة إنه كالعنب لا يضر ولا ينفع. وكانت سيدة نفسها وسيدة رأيها, فعندما طلب عبد الملك بن مروان من أهل عزة أن يزوجوها إلى كثير قالوا: (إنها امرأة بالغ لا يولَّى على مثلها) وعندما عرض الأمر عليها رفضته رفضاً تاماً, والسبب لرفضها قالت: (بعد ما شهرني في العرب وشبب بي فأكثر ذكري, ما إلى هذا سبيل).

وإن نقرأ مثلاً ,نقرأ أن عزة المدينية كانت من (أعقل النساء) وأن جمال الجارية (هوى) واتقانها لتلاوة القرآن الكريم وانشاد الاشعار,فقد بلغ من الحسين بن علي مبلغاً جعله يبكي من شدة الانفعال وأدى به إلى عتقها.

مصدر
جريدة اليوم السعودية
نبذة عن نسب قريش