تراث وفقـه
 
 


 دور النص الديني في السقوط

الجزء الثالث

البيضاوي( 1284)
{ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ذات حمأ من حمئت البئر إذا صارت ذات حمأة. وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وأبو بكر «حامية» أي حارة، ولا تنافي بينهما لجواز أن تكون العين جامعة للوصفين أو «حمية» على أن ياءها مقلوبة عن الهمزة لكسر ما قبلها. ولعله بلغ ساحل المحيط فرآها كذلك إذ لم يكن في مطمح بصره غير الماء ولذلك قال { وَجَدَهَا تَغْرُبُ } ولم يقل كانت تغرب. وقيل إن ابن عباس سمع معاوية يقرأ «حامية» فقال «حمئة» فبعث معاوية إلى كعب الأحبار كيف تجد الشمس تغرب قال في ماء وطين كذلك نجده في التوراة

{ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ } يعني الموضع الذي تطلع الشمس عليه أولاً من معمورة الأرض، وقرىء بفتح اللام على إضمار مضاف أي مكان مطلع الشمس فإنه مصدر. { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً } من اللباس أو البناء، فإن أرضهم لا تمسك الأبنية أو أنهم اتخذوا الأسراب بدل الأبنية

إبن كثير (1370)

مغرب الشمس
وقوله: { حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ } أي: فسلك طريقاً حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب، وهو مغرب الأرض، وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر، وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة، والشمس تغرب من ورائه، فشيء لا حقيقة له، وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب، واختلاق زنادقتهم وكذبهم،
وقوله: { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله، يراها كأنها تغرب فيه، وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه، والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين من الحمأة، وهو الطين، كما قال تعالى:
{ إِنِّي خَـٰلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَـٰلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ }
[الحجر: 28] أي: طين أملس، وقد تقدم بيانه.

نفس كلام الطبري الذي سبق كتابته :

وقال ابن جرير( المقصود الطبري): حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أنبأنا نافع بن أبي نعيم، سمعت عبد الرحمن الأعرج(735) يقول: كان ابن عباس(695) يقول: { في عين حمأة } ، ثم فسرها: ذات حمئة،
قال نافع(780): وسئل عنها كعب الأحبار، فقال: أنتم أعلم بالقرآن مني، ولكني أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء،
وكذا روى غير واحد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد(720) وغير واحد. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع، عن ابن عباس عن أبي بن كعب(645): أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه: { حَمِئَة }. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: وجدها تغرب في عين حامية، يعني: حارة،
وكذا قال الحسن البصري(715).
وقال ابن جرير(الطبري): والصواب أنهما قراءتان مشهورتان، وأيهما قرأ القارىء فهو مصيب،
قلت: ولا منافاة بين معنييهما؛ إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار وغيره.

وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرناالعوام، حدثني مولى لعبد الله بن عمرو عن عبد الله قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال: " في نار الله الحامية، لولا ما يزعها من أمر الله، لأحرقت ما على الأرض

قلت: ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم،

وقال ابن أبي حاتم: حدثنا حجاج بن حمزة، حدثنا محمد، يعني: ابن بشر، حدثنا عمرو بن ميمون، أنبأنا ابن حاضر: أن ابن عباس(695) ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف { تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَامِيَةٍ } قال ابن عباس لمعاوية: ما نقرؤها إلا حمئة، فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها؟ فقال عبد الله: كما قرأتها، قال ابن عباس: فقلت لمعاوية: في بيتي نزل القرآن، فأرسل إلى كعب، فقال له: أين تجد الشمس تغرب في التوراة؟ فقال له كعب: سل أهل العربية؛ فإنهم أعلم بها، وأما أنا، فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين، وأشار بيده إلى المغرب.

قال ابن حاضر: لو أني عندك، أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة، قال ابن عباس: وإذاً ما هو؟ قلت: فيما يؤثر من قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه:بَلَغَ المَشارِقَ والمَغارِبَ يَبْتَغِي أَسْبابَ أَمْرٍ منْ حَكيمٍ مُرْشِدِ
فَرَأَى مَغِيْبَ الشَّمْسِ عِنْدَ غُروبِها في عَيْنِ ذي خَلَبٍ وثَأْطٍ حَرْمَدِ

فقال ابن عباس: ما الخلب؟ قلت: الطين بكلامهم، قال: فما الثاط؟ قلت: الحمأة، قال: فما الحرمد؟ قلت: الأسود، قال: فدعا ابن عباس رجلاً أو غلاماً، فقال: اكتب ما يقول هذا الرجل.

وقال سعيد بن جبير(713): بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف، فقرأ: { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ } قال: كعب: والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحداً يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس؛ فإنا نجدها في التوراة تغرب في مدرة سوداء،

مطلع الشمس

يقول تعالى: ثم سلك طريقاً، فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها، وكان كلما مرّ بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله عز وجل، فإن أطاعوه، وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم، واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الأقاليم المتاخمة لهم، وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفاً وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض، حتى بلغ المشارق والمغارب، ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال الله تعالى: { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ } أي: أمة { لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً } أي: ليس لهم بناء يكنهم، ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس.
وقال سعيد بن جبير(713): كانوا حمراً قصاراً، مساكنهم الغيران، أكثر معيشتهم من السمك.

قال أبو داود الطيالسي: حدثنا سهل ابن أبي الصلت، سمعت الحسن(715)، وسأل عن قول الله تعالى: { لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً } قال: إن أرضهم لا تحمل البناء، فإذا طلعت الشمس، تغوروا في المياه، فإذا غربت، خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم. قال الحسن: هذا حديث سمرة،

وقال قتادة(730): ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئاً، فهم إذا طلعت الشمس، دخلوا في أسراب، حتى إذا زالت الشمس، خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم. وعن سلمة ابن كهيل أنه قال: ليست لهم أكنان، إذا طلعت الشمس، طلعت عليهم، فلأحدهم أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى. قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة في قوله: { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً } قال: هم الزنج.

وقال ابن جرير في قوله: { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مِّن دُونِهَا سِتْراً } قال: لم يبنوا فيها بناء قط، ولم يبن عليهم بناء قط، كانوا إذا طلعت الشمس، دخلوا أسراباً لهم حتى تزول الشمس، أو دخلوا البحر، وذلك أن أرضهم ليس فيها جبل. جاءهم جيش مرة، فقال لهم أهلها: لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها، قالوا: لا نبرح حتى تطلع الشمس، ما هذه العظام؟ قالوا: هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس ههنا فماتوا، قال: فذهبوا هاربين في الأرض

الجلالان (1500)

مغرب الشمس
{ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ } موضع غروبها { وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } ذات حمأة وهي الطين الأسود وغروبها في العين في رأي العين وإلا فهي أعظم من الدنيا

مطلع الشمس
حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ } موضع طلوعها { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ } هم الزنج { لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا } أي الشمس { سِتْراً } من لباس ولا سقف،لأن أرضهم لا تحمل بناء ولهم سروب يغيبون فيها عند طلوع الشمس ويظهرون عند ارتفاعها.

فتح القدير للشوكانى (1830)

مغرب الشمس
{ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ } أي: نهاية الأرض من جهة المغرب، لأن من وراء هذه النهاية البحر المحيط، وهو لا يمكن المضيّ فيه
{ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } قرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي " حامية ": أي: حارّة. وقرأ الباقون " حمئة " أي: كثيرة الحمأة، وهي الطينة السوداء، تقول: حمئت البئر حمأ بالتسكين: إذا نزعت حمأتها، وحمأت البئر حمأتها بالتحريك: كثرت حمأتها،
ويجوز أن تكون حامية من الحمأة، فخففت الهمزة وقلبت ياء،
وقد يجمع بين القراءتين فيقال: كانت حارة وذات حمأة.
قيل: ولعل ذا القرنين لما بلغ ساحل البحر المحيط رآها كذلك في نظره، ولا يبعد أن يقال: لا مانع من أن يمكنه الله من عبور البحر المحيط حتى يصل إلى تلك العين التي تغرب فيها الشمس،
وما المانع من هذا بعد أن حكى الله عنه أنه بلغ مغرب الشمس، ومكن له في الأرض والبحر من جملتها،

ومجرد الاستبعاد لا يوجب حمل القرآن على خلاف ظاهره

مطبع الشمس
{ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ } أي: الموضع الذي تطلع عليه الشمس أوّلاً من معمور الأرض، أو مكان طلوعها لعدم المانع شرعاً ولا عقلاً من وصوله إليه كما أوضحناه فيما سبق { وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً } يسترهم، لا من البيوت ولا من اللباس، بل هم حفاة عراة لا يأوون إلى شيء من العمارة. قيل: لأنهم بأرض لا يمكن أن يستقرّ عليها البناء


أبيقور