ولا
شك أن الذي دفع الباقلاني إلى
تجريح الجاحظ، ومحاولة إظهاره
بصورة غير لائقة، هو انتماء
الجاحظ إلى المعتزلة الذين كان
الباقلاني يستغل كل مناسبة
للهجوم عليهم، والتقليل من
شأنهم. يقول الباقلاني، في
كتابه: إعجاز القرآن، في سياق
نقده للجاحظ: "… متى ذكر من
كلامه سطرا، أتبعه من كلام
الناس أوراقا، وإذا ذكر منه
صفحة، بنى عليه من قول غيره
كتابا". وهذا بالطبع نقد غير
موضوعي، يميل بوضوح إلى التجريح.
ويكفي الجاحظ فخرا قول ابن
العميد (توفي سنة 360هـ) إن "كتب
الجاحظ تعلم العقل أولا، والأدب
ثانيا". ولتوضيح سخافة هذا
النقد نذكر هنا ملاحظتين هامتين.
الملاحظة الأولى تتمثل في أن
كلام الباقلاني هذا مردود عليه
من قبل في كتاب ابن المقفع الأدب
الصغير، حيث يقول: "ومن أخذ
كلاما حسنا عن غيره، فتكلم به في
موضعه على وجهه، فلا يرين عليه
في ذلك ضؤلة –فإنه من أعين على
حفظ قول المصيبين، وهدي
للاقتداء بالصالحين، ووفق
للأخذ عن الحكماء، فلا عليه أن
لا يزداد- فقد بلغ الغاية. وليس
بناقصه في رأيه، ولا بغائضه من
حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك،
وسبق إليه". أما الملاحظة
الثانية، فتخص نقد ابن قتيبة
للجاحظ. فقد كان ابن قتيبة من
أهل الحديث الذين حاولوا أيضا
أن يجرحوا الجاحظ، ويعددوا
مساوئه. ولكن نقده كان واهيا
ضعيفا، مثل نقد الباقلاني. فقد
اتهم ابن قتيبة في كتابه تأويل
مختلف الحديث، الجاحظ بالعبث
والمجون، حيث يقول: "… وتجده
يقصد في كتبه للمضاحيك، والعبث،
يريد بذلك استمالة الأحداث،
وشراب النبيذ…". ثم يناقض ابن
قتيبةنفسه، ويذهب في عيون
الأخبار مذهب الجاحظ الذي
انتقده من قبل، حيث يقول في
مقدمة عيون الأخبار: "ولم
أخله، مع ذلك، من نادرة وفطنة
لطيفة، وكلمة معجبة، وأخرى
مضحكة… ولأروح بذلك عن القارئ
من كد الجد، وأتعاب الحق…
والمزح إذا كان حقا، أو مقاربا…
ليس من القبح، ولا من المنكر،
ولا من الكبائر، ولا من
الصغائر، إن شاء الله".
ويتابع
الباقلاني هجومه على المعتزلة
في كتاب التمهيد الذي يمكننا أن
نقول عنه أنه في معظمه ردود على
الفرق والمدارس المخالفة
للأشعرية، وخاصة المعتزلة. فهو
يكرس بابا خاصا في كتابه هذا
لتبيين آراء المعتزلة. ولكن
بدلا من أن يذكر شيئا عن الأصول
الخمسة التي وضعها المعتزلة
كأساس لمدرستهم وفلسفتهم،
ويشرح شيئا عن الفروع التي
تحدثوا فيها، والمسائل التي
عالجوها، نجده يكتفي بذكر بعض
المسائل التي خالفت المعتزلة
فيها الأشعرية، ثم ينهي هذا
الباب بقوله: "ولو تتبعت ذكر
ضلالتهم، وقبح مذهبهم، وشنيع ما
أدخلوا في الدين، وخالفوا به…
قول كافة المسلمين، وسائر السلف
الصالحين، لطال بذلك الكتاب،
ولخرجنا بذكره عما له قصدنا…".
ثم يتناول الباقلاني أشهر مسائل
الخلاف بين المعتزلة
والأشاعرة، فيعقد بابا يثبت فيه
أن لله وجها ويدين، خلافا
للمعتزلة. ثم إنه يقر بصحة حديث
الشفاعة، ويرد على المعتزلة
الذين أنكروا الشفاعة، لأنها
تنافي العدل، كما ذكرنا سالفا.
ويعقد بابا آخر بعنوان "باب
الكلام في جواز رؤية الله
بالأبصار" يرد فيه على مذهب
المعتزلة أن الله لا يرى
بالأبصار. ويخصص بابا آخر يرد
فيه على المعتزلة في قولهم إن
العباد يخلقون أفعالهم.
وتخف
لهجة الباقلاني، وتفقد بعض
حدتها، عندما يتحدث عن المعتزلة
في كتابه البيان الذي يقول الأب
مكارثي عن تاريخ تأليفه: "أعتقد
أن كتاب البيان من الكتب التي
صنفها الباقلاني في أواخر حياته…".
ولعل سبب عدم مهاجمة الباقلاني
المعتزلة بحدة في كتابه هذا،
مثلما فعل في كتاب التمهيد، هو
ما لاحظه المستشرق الفرنسي
ماسنيون، ونقله عنه الأب
مكارثي، أن الذي دفع الباقلاني
إلى تأليف هذا الكتاب، ووضعه
لنظريته في المعجزات هو "أعاجيب
الحلاج". ومع ذلك فالباقلاني
يخصص بابا في كتابه ذلك –كتاب
البيان- بعنوان "الرد على
المعتزلة القدرية". وذكره
للقدرية هنا من باب الذم
والقدح، وليس المدح والتقدير.
9
ـ عبد القاهر البغدادي يواصل
هجوم الأشاعرة على المعتزلة:
تولى
عبد القاهر البغدادي مهمة
مهاجمة المعتزلة وشتمهم بعد
الباقلاني. وهو كما ذكرنا سالفا
أكثر الأشاعرة تطرفا وحدة في
الهجوم على المعتزلة، والدفاع
عن الأشعرية. فقد ألف كتابه
المعروف الفرق بين الفرق على
أساس حديث موضوع، وهو قول
الرسول (صلعم): "افترقت اليهود
على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت
النصارى على اثنتين وسبعين
فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث
وسبعين فرقة". وقد كذب هذا
الحديث وانتقده ابن حزم في
كتابه الفصل في الملل والأهواء
والنحل، حيث يقول: "ذكروا
حديثا عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم أن القدرية والمرجئة
مجوس هذه الأمة، وحديث آخر:
تفترق هذه الأمة على بضع وسبعين
فرقة، كلها في النار، حاشى
واحدة، فهي في الجنة… هذان
حديثان لا يصحان أصلا من طريق
الإسناد". كما انتقد هذا
الحديث الدكتور عبد الرحمن بدوي
في كتابه مذاهب الإسلاميين، حيث
ذكر أن هذه الأعداد المتتالية
71-72-73 هي أمر مفتعل، لا يمكن أن
يقول به النبي (صلعم)، وأن هذا
الحديث لم تذكره مراجع القرن
الثاني، أو الثالث الهجري، ولو
كان صحيحا، لجاء ذكره بها. ثم إن
النبي (صلعم) ليس في وسعه التنبأ
بمستقبل، وبعدد الفرق التي
سيتفرق عليها اليهود والنصارى
والمسلمون. وقد انتقد هذا
الحديث أيضا الشيخ محمد الغزالي
في كتابه دفاع عن العقيدة
والشريعة، والشيخ الكوثري في
مقدمته لكتاب التبصير في الدين
لأبي المظفر الاسفرايني.
ومهما
يكن فإن كتاب عبد القاهر
البغدادي الفرق بين الفرق –وإن
كان فيه بعض المعلومات المفيدة
عن الفرق الإسلامية- إلا أنه
مملوء بالقدح والشتم في كل
الفرق المخالفة للأشعرية،
وخاصة المعتزلة. ويصف المستشرق
وات هذا الكتاب قائلا: "نعم إن
البغدادي قد ذكر معلومات عن
الفرق المختلفة، ولكنه يفعل ذلك
عادة بأسلوبه الخاص، وليس
بأسلوب، واصطلاحات المفكرين
الذين نقل آراءهم. وهو يميل إلى
إظهار الآراء التي يعتبرها
إلحادية، أو مريبة. وفي حالة بعض
الفرق الهامة، مثل المدارس
الفرعية للمعتزلة، فإنه يضع
قائمة بالأخطاء الرئيسية لكل
فرد منهم".
وقبل
أن نذكر بعض الأمثلة على ذلك
علينا أن نلاحظ، أو نكرر ما سبق
أن ذكرناه من قبل، أن معلومات
البغدادي عن المعتزلة قد استقى
معظمها من كتاب ابن الريوندي
الملحد فضيحة المعتزلة، وهو كما
أوردنا قد كذب على المعتزلة في
كتابه هذا، ونسب إليهم ما لم
يقولوه. والبغدادي في كتابه هذا
عندما يذكر المعتزلة، فإنه لا
يتحدث عن أصولهم الخمسة،
والفروع التي أتبعوها لهذه
الأصول –تماما كما فعل
الباقلاني من قبل في كتابه
التمهيد- ولكنه يحاول إظهار
مفكري المعتزلة بصورة الكفرة
الملحدين الذين خرجوا عن
الإسلام، أو أدخلوا فيه ما لا
يصح من الأصول والأفكار
الإلحادية.
فكل
ما تقوله المعتزلة، في رأي
البغدادي، كفر وإلحاد، وفضائح،
وبدع، وضلالات، وجهالات. وفي
أحد المواضع نجده يتحدث عن
إبراهيم النظام المعتزلي،
فيقول: "حشرك الله مع الكلاب،
والخنازير، والحيات، والعقارب،
إلى مأواها". وفي موضع آخر يذم
الجاحظ المعتزلي، لأنه قبيح
الخلقة، فيقول فيه: "لو يمسخ
الخنزير مسخا ثانيا، ما كان إلا
دون قبح الجاحظ". وفي موضع
ثالث يقول: "والبغداديون [ من
المعتزلة] يكفرون البصريين،
وكلا الفريقين صادق في تكفير
الفريق الآخر…". وجملة القول
في كتاب البغدادي الفرق بين
الفرق أنه كتاب مملوء بالطعن
والسب والشتم، لم يتبع فيه
مؤلفه الأسلوب العلمي الصحيح في
عرض آراء الفرق المختلفة،
وأسلوبه غير موضوعي على الإطلاق
في هذا الكتاب.
أما
كتابه الآخر أصول الدين، فهو
وإن كان أخف حدة في لهجته وهجومه
على المعتزلة، إلا أن البغدادي
لم يغير رأيه في المعتزلة في هذا
الكتاب. فنجده يتحدث عنهم في أحد
فصول كتابه هذا، فيقول: "اعلم
أن تكفير كل زعيم من زعماء
المعتزلة واجب من وجوه".
ويقول في موضع آخر: "وأنواع
كفرهم [= كفر المعتزلة] لا
يحصيها، إلا الله تعالى". وفي
سياق حديثه عن أهل الأهواء، حيث
يعتبر المعتزلة منهم، يقول: "أجمع
أصحابنا [= الأشاعرة] على أنه لا
يحل أكل ذبائحهم [= ذبائح أهل
الأهواء]… ولا يجوز عندنا تزويج
المرأة المسلمة من واحد منهم..(…)
وأجمع أصحابنا على أن أهل
الأهواء لا يرثون من أهل السنة".
وفي موضع آخر يتمادى البغدادي
في تكفير كل مخالفيه، وهم الذين
سماهم أهل الأهواء، حيث يقول:
"وأما الشاك في كفر أهل
الأهواء، فإن شك في قولهم هل هو
فاسد أم لا، فهو كافر". وهكذا
نرى أن التيار المتطرف والمتشدد
جدا قد وصل ذروته في كتابات عبد
القاهر البغدادي. والشيء المقلق
حقا هنا هو نزعة التكفير هذه
التي نجدها عند البغدادي. وسنرى
في السطور التالية أن هذه
النزعة المتطرفة جدا لتكفير
المخالفين جميعا قد خفت حدتها
لدى الغزالي الذي سعى إلى وضع
شروط أقل تطرفا لتكفير
المخالفين.
10
ـ أبو حامد الأسفرايني يستأنف
هجوم الأشاعرة على المعتزلة:
ورث
هذا التطرف، وهذه الشدة على
المخالفين للأشعرية عن
البغدادي تلميذه وصهره أبو حامد
الاسفرايني (ت سنة 471هـ). وكتابه
الوحيد الذي بقي لنا باللغة
العربية كتاب التبصير في الدين
يرينا مدى تأثير البغدادي على
أسلوبه، وطريقة فهمه للخلافات
بين الفرق. لم يبدع أبو حامد
الاسفرايني في هذا الكتاب، ولم
يأت فيه بأي شيء جديد. ولا نبالغ
إذا قلنا إن كتاب التبصير في
الدين هو مختصر لكتاب البغدادي
الفرق بين الفرق، حيث نقل
الاسفرايني منه معظم المعلومات
التي أوردها في كتابه هذا نقلا
يكاد يكون حرفيا. ومن هنا فإن كل
ما قالته المعتزلة جهالات،
وضلالات، وفضائح، وبدع، وكفر،
وإلحاد". وإلى جانب ذلك فقد
امتدح الاسفرايني البغدادي
كثيرا في هذا الكتاب، وقال عنه:
"كان فرد زمانه، وواحد أقرانه
في معارفه وعلومه". وخص
الاسفرايني أستاذ البغدادي أبا
إسحاق الاسفرايني بثنائه
وتقديره، حيث يقول فيه: "عقمت
النساء عن أن يلدن مثله".
11
ـ الغزالي وموقفه من المعتزلة:
قبل
أن نتحدث عن الغزالي (ت 505هـ/1111م)،
والدور الذي قام به في الدفاع عن
الأشعرية، والهجوم على
المعتزلة، نود أن نشير أولا إلى
أن الغزالي يعتبر من أهم
الشخصيات التي ظهرت في تاريخ
الإسلام على الإطلاق. وقد ألفت
فيه عشرات الكتب والمقالات. ولا
يتسع المجال هنا للتحدث عن
حياته وأعماله، لأن ذلك قد لا
تكفيه المجلدات الكبيرة، كما أن
هذا ليس موضوع بحثنا الرئيسي.
ولا يهمنا هنا، إلا موقف
الغزالي من المعتزلة، وعلم
الكلام. إن الغزالي لم يشتهر
وتبلغ سمعته الآفاق عندما تعرض
للمعتزلة بالنقد والهجوم، ولكن
شهرته ترجع أساسا إلى هجومه على
الفلاسفة، وتكفيره إياهم في بعض
ما ذهبوا إليه. ومن مؤلفات
الغزالي الكثيرة يعتبر كتاب
إحياء علوم الدين وكتاب تهافت
الفلاسفة أكثر مؤلفاته شهرة
ورواجا. يقول مؤلفا كتاب فلسفة
الفكر الديني: "… فالغزالي
الذي أجمع المسلمون على مدحه
وتأييده –الغزالي حجة الإسلام-
إنما هو صاحب التهافت الذي دافع
عن العقيدة في وجه الفلاسفة،
وعقلهم الماكر المفسد… إنه
خاصة صاحب الإحياء الذي استطاع
أن يرد العلماء عن أن يسقطوا
سقوطا لا إقالة له في المجادلة
المميتة، ووفق بين السنة
والتصوف".
ألف
الغزالي عددا كبيرا من الكتب في
شتى الموضوعات. ووصفه فيليب حتى
بأنه "أعظم علماء الكلام في
الإسلام". ولكنه كان في الوقت
نفسه من الكتاب الذين يصعب
فهمهم بسهولة. يقول الأستاذ
F.Rahman في كتاب النبوة في الإسلام
Prophecy in Islam: "يعتبر الغزالي
مؤلفا من الصعب جدا –إن لم يكن
من المستحيل كلية- فهمه بأي صورة
مترابطة". كذلك اتهمه الدكتور
مصطفى غالب بعدم النزاهة في
حكمه أحيانا، حيث يقول في كتابه
الغزالي: "أن يحمل الغزالي
حملة شعواء على الفلاسفة، وآفة
الفلاسفة، وغائلتها، يلتفت إلى
الباطنية، فيتناولهم بالنقد
والتجريح، عارضا عقائدهم،
ومفندا أفكارهم بأسلوب يدل
دلالة واضحة على مدى تعصب
الغزالي، وإطلاقه التهم جزافا،
بدون إدراك، أو تعقل".
ويمكننا أن نقول إن موقف
الغزالي من المعتزلة كان يشبه
إلى حد كبير موقفه من الباطنية،
إذا افترضنا صحة قول الدكتور
مصطفى غالب. نعم، علينا أن نعترف
أن الغزالي لم يكن متطرفا في
حكمه على المعتزلة مثلما كان
البغدادي الذي قال –كما أشرنا
سابقا- في كتابه أصول الدين: "اعلم
أن تكفير كل زعيم من زعماء
المعتزلة واجب من وجوه"، ولكن
ليس معنى ذلك أنه نقد المعتزلة
نقدا إيجابيا بعيدا عن التحيز
والتعصب للأشعرية.
إنني
أذهب إلى القول بأن الغزالي كان
يكن للمعتزلة كل الاحترام
والتقدير، وكان مدركا لعظمتهم،
وأعمالهم الجليلة. ولعل هذا هو
الذي دفعه إلى عدم تكفيرهم في أي
من كتبه. فنجده في كتاب الاقتصاد
في الاعتقاد يحدد الشرط الذي
يكفر بموجبه الآخرين، حيث يقول:
"… الأصل المقطوع به أن كل من
كذب محمدا صلى الله عليه وسلم
فهو كافر". وبناء على هذا
الأصل فقد كفر اليهود والنصارى
والمجوس والدهرية والبراهمة
والفلاسفة. ولما جاء ذكر
المعتزلة، نلاحظ أن الغزالي لم
يضعهم ضمن هؤلاء الذين اعتبرهم
كفارا، ولكنه خطأهم فحسب في
طريقتهم لتأويل القرآن، مثلهم
في ذلك مثل بقية الفرق التي كانت
تميل إلى تأويل كل ما لا يتفق مع
مبادئها. يقول الغزالي في هذا
السياق: "… ودليل المنع من
تكفيرهم [= أي المعتزلة وكل
الفرق الإسلامية الأخرى عدا
الأشاعرة] أن الثابت عندنا
بالنص تكفير المكذب للرسول،
وهؤلاء ليسوا مكذبين أصلا. ولم
يثبت لنا أن الخطأ في التأويل
موجب للتكفير…". ويشير
الغزالي إلى المعنى نفسه في
كتابه المنقذ من الضلال، حيث
يقول في سياق حديثه عن الفلاسفة:
"وأما ما وراء ذلك من نفيهم [=
الفلاسفة] الصفات، وقولهم إنه [=
الله ] عالم بالذات، لا بعلم
زائد، وما يجري مجراه، فمذهبهم
فيه قريب من مذهب المعتزلة، ولا
يجب تكفير المعتزلة بمثل ذلك…".
12
ـ من مسائل الخلاف بين المعتزلة
والغزالي:
دار
الخلاف في معظمه بين الغزالي
والمعتزلة حول المسائل
المتفرعة من "أصل العدل"
المعتزلي، وكذلك بعض أقوال
لمعمر بن عباد (توفي سنة 220هـ/835م)،
ولإبراهيم النظام المعتزلي. أما
عن "اصل العدل" الذي هو أحد
الأصول الخمسة للمعتزلة، فقد
تفرعت منه مسألة من المسائل
جعلت المعتزلة تذهب إلى القول
بأن الله يعجز عن فعل أشياء
معينة، وأنه تعالى عليه واجبات
تجاه عباده، كما أن عباده عليهم
فروض وواجبات تجاه البارئ-وأنه
تعالى لا يخل بهذه الواجبات،
وأن كل ما يفعله الله، ويقدمه
لعباده هو أفضل وأصلح ما عنده
تبارك وتعالى.
أما
الأشياء التي قالت المعتزلة بأن
الله تعالى عاجز عنها، فقد
عالجها ولفسون Wolfson في كتابه
فلسفة الكلام The fphilosophy of the kalam
في الجزء الخاص بالمحالات. وأول
هذه المحالات على الله تعالى
أنه لا يقدر على شيء من أفعال
العباد. يقول الاسفرايني في
التبصير في الدين عن مذهب
المعتزلة الخاص بحرية الإرادة
الإنسانية: "إن أفعال العباد
مخلوقة لهم… وليس البارئ خالقا
لأفعالهم، ولا قادرا على شيء من
أعمالهم". وذهب معمر بن عباد
إلى القول بأن الله تعالى لا
يقدر أن يفني خلقه، حتى يبقى
وحده، كما كان قبل أن يخلق
العالم. كذلك فإن المعتزلة، لما
تعرضت للسؤال: هل يقدر الله على
الظلم والكذب؟، اختلفوا فيما
بينهم في الإجابة على هذا
السؤال. فذهب أبو الهذيل العلاف
(ت سنة 226 هـ/840م) ومعظم المعتزلة
إلى القول بأن الله قادر على
الظلم والكذب والشرور
والمعاصي، ولكنه لا يفعلها،
لأنها قبيحة. في حين أن إبراهيم
النظام المعتزلي كان يرى أن
الله لا يفعل الشر والمعاصي،
لأنه لا يقدر عليها أصلا. يقول
الشهرستاني حاكيا مذهب إبراهيم
النظام في هذه المسألة: "إن
الله لا يوصف بالقدرة على
الشرور والمعاصي، وليست هي
مقدرة للبارئ تعالى..". وقول
النظام هذا في نفي قدرة الله على
الظلم والشرور يشبه ما أورده
ولفسون Wolfson في كتابه فلسفة
الكلام The philosphy of the kalam عن
أوريجن الذي يقول في هذه
المسألة: أما ما يخص قدرة الله،
فكل شيء ممكن. وأما ما يخص عدله
–فنظرا لأنه ليس فقط قويا،
ولكنه أيضا عادل- فليس كل شيء
ممكنا، ولكن الممكن هنا هو
الأشياء العادلة فحسب.
كان
هذا ما قاله إبراهيم النظام
والمعتزلة في قدرة الله على
الشر والقبيح من الأعمال،
ولنستعرض الآن الوجه الآخر من
هذه المسألة، ونعني بها قدرة
الله على الأفعال الحسنة من
ناحية عباده، أي الأفعال التي
تنفع العباد، وهي المسألة
المعروفة بالصلاح والأصلح. يشرح
ابن حزم مضمون هذه النظرية،
فيقول: "… ليس عند الله تعالى
شيء أصلح مما أعطاه جميع الناس،
كافرهم ومؤمنهم، ولا عنده هدى
أهدى مما قد هدى به الكافر
والمؤمن… وإنه ليس يقدر على شيء
هو أصلح مما فعل بالكفار
والمؤمنين". وهذه النظرية قد
توحي بأن لقدرة الله وقوته
حدودا لا يستطيع أن يتعداها،
وإن لم يكن هذا هو ما قصدته
المعتزلة بهذه النظرية.
فالشهرستاني يرى أن النظام الذي
كان أشهر من قال بالصلاح
والأصلح قد أخذ هذه النظرية عن
الفلاسفة، حيث يقول: "… وإنما
أخذ [النظام] هذه المقالة عن
قدماء الفلاسفة، حيث قضوا بأن
الجواد لا يجوز أن يدخر شيئا لا
يفعله. فما أبدعه، وأوجده هو
المقدور. ولو كان في علمه تعالى
ومقدوره ما هو أحسن وأكمل مما
أبدعه نظاما وتركيبا وصلاحا،
لفعله…".
وقد
دفع المعتزلة إلى القول بهذه
النظرية أنهم –كما ذكرنا من قبل-
أرادوا نفي المعاصي والأفعال
القبيحة عن الله تعالى، ومن هنا
فإن كل أفعاله حسنة، بل إنها
أحسن وأصلح ما يمكنه فعله
لعباده. يقول القاضي عبد الجبار
المعتزلي في كتابه شرح الأصول
الخمسة: "… ونحن إذا وصفنا
القديم تعالى بأنه عدل حكيم،
فالمراد به أنه لا يفعل القبيح،
ولا يختاره، ولا يخل بما هو واجب
عليه، وأن أفعاله كلها حسنة".
وسار
المعتزلة في هذا الطريق حتى
نهايته، فبعد أن قسموا الأفعال
إلى قبيحة وحسنة-ونظرا لأنهم
قالوا إن الله لا يفعل القبيح من
الأفعال، ذهبوا إلى القول بأن
الشيء إذا حسن، وجب إلى الله
فعله. من ذلك قول المعتزلة في
الرسل. يقول عبد الجبار في شرح
الأصول الخمسة: "… ولهذه
الجملة قال مشايخنا: إن البعثة
متى حسنت، وجبت، على معنى أنها
متى لم تجب، قبحت، لا محالة.
وإنها كالثواب في هذا الباب،
فهو أيضا مما لا ينفصل حسنه عن
الوجوب…". ويذكر القاضي عبد
الجبار في سياق آخر إنه: "إذا
كان العقل البشري المحدود يحكم
بوجوب الواجب وحسن الحسن، فبأن
تحكم به الحكمة الإلهية أولى".
ويعتبر
هذا المبدأ الذي وضعته المعتزلة
إحدى السمات الهامة في الفكر
المعتزلي، ومن أكثر المسائل
التي ثار حولها جدل شديد، كما
سنوضح في السطور التالية.
ولنذكر مثالا لذلك في هذا
السياق، وهو رأي البغداديين من
المعتزلة في عقاب العصاة. يقول
عبد الجبار في هذه المسألة: "فمن
مذهبنا [= معتزلة البصرة] أنه
يحسن من الله تعالى إسقاطه، بل
يجب عليه أن يعاقب المستحق
للعقوبة…". ويقول القاضي عبد
الجبار في موضع آخر: "[ إن
الفاسق لا يدخل الجنة]… لأن
إثابة من لا يستحق الثواب، يقبح…".
وإذا
استثنينا قول معمر السابق إن
الله لا يقدر أن يفني جميع خلقه،
حتى يبقى وحده، حيث أوضح الخياط
أن كثيرا من أهل السنة قد شاركوا
معمرا في هذا القول، فإن بقية ما
ذكرناه من أمثلة يمثل جزءا من
نظام محكم متكامل حاولت
المعتزلة أن تحارب به المجبرة
الذين لم يثبتوا للإنسان أي
إرادة في أفعاله، ونسبوا
المعاصي والشرور إلى الله،
فقصدت المعتزلة بأصل العدل، وما
تفرع عنه من مسائل "إنقاذ
العدل الإلهي من الظلم".
واضطرهم توسعهم في هذا الباب
إلى القول بأن الله لا يقدر على
الظلم، وأنه تعالى لا يقدر على
ترك شيء يعلم أن فيه صلاحا
للعباد. وكل هذه الأقوال قد يبدو
من ظاهرها أن فيها تحديدا لقدرة
الله وقوته، مع أن المعتزلة لم
يحددوا قدرة الله وقوته، ولكنهم
أرادوا نفي الظلم عنه، وتنزيهه
عن فعل المعاصي والشرور. وقد
أساء بعض النقاد فهم "أصل
العدل" عند المعتزلة، كما
أساء فهمه من قبل جميع خصوم
المعتزلة. والدكتور الشابي هو
أحد هؤلاء النقاد الذين لم
يفهموا مغزى قول النظام في نفي
الظلم عن الله، وأنه لا يفعل،
إلا الأصلح. يقول الدكتور
الشابي: "في ظل مبدأ أن الله
لا يفعل، إلا الأصلح، ضيق
النظام في مجال القدرة الإلهية
إلى حد تبدو فيه هذه القدرة
هزيلة في مداها…". والواقع أن
النظام كان قد تعرض لمثل هذا
النقد من معاصريه، لنفيه الظلم
عن الله، وقوله بعدم قدرة الله
عليه. وقد دافع النظام عن نفسه،
حيث قال إنه لا فرق بين أن نقول
إن الله يستحيل أن يفعل الظلم،
وإن كان في نطاق قدرته، وأن نقول
إنه لا يقدر على الظلم أصلا.
كانت
نظرية الصلاح والأصلح، ومبدأ
فرض واجبات على الله، والقول
بأنه لا يخل بها، كما أوضحنا
سابقا، من أهم المسائل التي
هاجمها الغزالي في الفكر
المعتزلي. ويرجع ذلك إلى الأصل
الذي وضعه أبو الحسن الأشعري في
كتابه الإبانة، والذي يقضي بأن
القدرة الإلهية لا حدود لها. وقد
عالج هذه المسألة الدكتور ماجد
فخري في جزء من كتابه Islamic
Occasionalism. وكان الباقلاني قد
انتقد أيضا نظرية الصلاح
والأصلح في كتابه التمهيد، وقال
إن هذه النظرية تتضمن أن
مقدورات الله متناهية. كذلك فقد
انتقد أبو المظفر الاسفرايني
قول المعتزلة بوجوب الأفعال
الحسنة على الله، وقال في كتابه
التبصير في الدين: "إن الوجوب
على الله محال". انطلق
الغزالي يدافع عن مبدأ الأشعرية
الخاص بقوة الله المطلقة،
وقدرته التي لا حدود لها، وهاجم
نظرية الصلاح والأصلح
المعتزلية، وانتقد وضع
المعتزلة للواجبات على الله
تعالى. فليس هناك واجب على الله
عند الغزالي، لأن قدرة الله
مطلقة، ويشرح الغزالي موقفه من
هذه المسألة في كتابه الاقتصاد
في الاعتقاد، حيث يقول: "إن
المفهوم عندنا من لفظ الواجب ما
ينال تاركه ضرر، إما عاجلا وإما
آجلا… والضرر محال في حق الله
تعالى…". وقاس الغزالي على
هذا الأصل جميع المسائل التي
أوجبتها المعتزلة على الله،
وقال فيها إنها ليست واجبة،
ولكنها ممكنة. فهو يقول في نقده
نظرية الصلاح والأصلح في كتابه
السالف الذكر: "ندعي أنه لا
يجب عليه [= على الله ] رعاية
الأصلح لعباده، بل له أن يفعل ما
يشاء، ويحكم بما يريد، خلافا
للمعتزلة، فإنهم حجروا على الله
تعالى في أفعاله، وأوجبوا عليه
رعاية الأصلح…". يقول جميل
صليبيا في هذا السياق: "أما
الغزالي، فإنه لم يأخذ بهذا
الرأي [= نظرية الصلاح والأصلح ]
الذي أخذت به المعتزلة، لأنه لو
أخذ به، لجعل إرادة الله مقيدة
بما فيها صلاح الإنسان وخيره.
وكيف يستطيع الغزالي أن يجعل
رعاية الأصلح للعباد واجبة على
الله، وهو يقول بالقدرة الإلهية
المطلقة…".
ثم
عدد الغزالي بعض المسائل التي
أوجبتها المعتزلة على الله،
وهاجمها، ودافع عن رأي الأشعرية
فيها، فيقول: "… قالت طائفة
من المعتزلة يجب عليه [= على الله]
الخلق، والتكليف بعد الخلق"؛
ورد على هذا بقوله إن ذلك جائز،
وليس واجبا. كذلك فإنه رد على
المعتزلة في قولهم بأن الله لا
يجب أن يكلف العباد ما لا
يطيقون، فقال: "إن لله تعالى
أن يكلف العباد ما يطيقونه، وما
لا يطيقونه…". ورد الغزالي
على مضمون أصل المعتزلة "الوعد
والوعيد" الذي يعني أن "…
الله تعالى وعد المطيعين
بالثواب، وتوعد العصاة
بالعقاب، وأنه يفعل ما وعد به،
وتوعد عليه، لا محالة، ولا يجوز
عليه الخلف والكذب". وسبق أن
ذكرنا قول معتزلة بغداد بأن
عقاب العصاة واجب على الله. يقول
الغزالي ردا على هذه المسألة:
"ندعي أن الله تعالى إذا كلف
العباد، فأطاعوه، لم يجب عليه
الثواب، بل إن شاء أثابهم، وإن
شاء عاقبهم، وإن شاء أعدمهم،
ولم يحشرهم…". كذلك فقد هاجم
الغزالي مكانة العقل السامية
عند المعتزلة، ودافع بشدة عن
مبدأ الأشعري القائل بقوة الله
المطلقة، وقدرته التي لا حدود
لها، وإنه "لا يسأل عما يفعل،
وهم يسألون" (الأنبياء 23: 21).
ولنضرب لذلك مثالين يوضحان مدى
الخلاف بين الغزالي والمعتزلة.
ولكن قد يكون من المناسب أن نوضح
أولا ما قالته المعتزلة في
العقل.
13
ـ مكانة العقل عند المعتزلة:
يقول
القاضي عبد الجبار المعتزلي في
كتابه فضل الاعتزال وطبقات
المعتزلة في سياق حديثه عن بيان
الأدلة (الخاصة بالعقيدة): "أولها
دلالة العقل، لأن به يميز بين
الحسن والقبيح، ولأن به يعرف أن
الكتاب حجة، وكذلك السنة
والإجماع. وربما تعجب من هذا
الترتيب بعضهم، فيظن أن الأدلة
هي الكتاب والسنة والإجماع.
وربما أن العقل، إذا كان يدل على
أمور، فهو مؤخر. وليس الأمر
كذلك، لأن الله تعالى لم يخاطب،
إلا أهل العقل، ولأن به يعرف أن
الكتاب حجة، وكذلك السنة
والإجماع. فهو [= العقل ] الأصل في
هذا الباب". وقبل القاضي عبد
الجبار (توفي سنة 415هـ/1025م)
بحوالي قرنين من الزمان قال
الإمام الزيدي المعتزلي القاسم
بن إبراهيم بن اسماعيل الرسي (توفي
246هـ/860م) في كتاب أصول العدل
والتوحيد: "اعلم، يا أخي،
علمك الله الخير والهدى، وجنبك
المكاره والردى، أن الله خلق
جميع عباده العقلاء المكلفين
لعبادته، كما قال عز وجل: "وما
خلقت الجن والإنس، إلا ليعبدون"
(الذاريات: 56)، والعبادة تنقسم
على ثلاثة وجوه: أولها معرفة
الله، والثاني معرفة ما يرضيه
وما يسخطه، والوجه الثالث اتباع
ما يرضيه واجتناب ما يسخطه(…)
فهذه ثلاث عبادات من ثلاث حجج
احتج بها المعبود على العابد،
وهي العقل والكتاب والرسول…
والعقل أصل الحجتين الأخيرتين،
لأنهما عرفا به، ولم يعرف بهما.
فافهم ذلك".
كذلك
فإن الخليفة المأمون العباسي (ت.
218هـ/733م) الذي ناصر المعتزلة،
وأيدهم في كل ما ذهبوا إليه، قد
عبر عن نفس هذا المعنى في الرؤية
التي حكاها عنه ابن النديم في
الفهرست، والتي استشهد بها كل
من المسشرق مونتجومري وات
والمفكر المصري زكي نجيب محمود.
تقول رواية ابن النديم إن "المأمون
رأى في منامه كأن رجلا أبيض
اللون، مشربا حمرة، واسع
الجبهة، مقرون الحاجب، أجلح
الرأس، أشهل العينين، حسن
الشمائل، جالس على سريره. قال
المأمون: وكأني بين يديه قد ملئت
له هيبة، فقلت: من أنت؟ قال: أنا
أرسطاليس. فسررت به، وقلت: أيها
الحكيم، أسألك؟ قال: سل. قلت: ما
الحسن؟ قال: ما حسن في العقل. قلت:
ثم ماذا؟ قال: ما حسن في الشرع.
قلت: ثم ماذا؟ قال: ما حسن عند
الجمهور. قلت: ثم ماذا؟ قال: ثم
لا ثم!". وعن مقام العقل عند
المعتزلة يقول المستشرق وينسيك
Wensinck في كتابه The Muslim Creed: "لاحظ
الشهرستاني أن اتجاه المعتزلة
كان عقلانيا، وأن العقل كان
معيارهم الأعلى". وحكى ابن
قتيبة في تأويل مختلف الحديث
قول النظام "إن حجة العقل قد
تنسخ الأخبار"، وهذا يتضمن أن
كل ما قد يخالف العقل من
الأحاديث، لا يجب قبوله والعمل
به. وهكذا رفعت المعتزلة من شأن
العقل، وجعلت مكانته فوق الكتاب
والسنة. وسنرى في السطور
التالية موقف الأشاعرة من العقل
ومكانته في فكرهم من خلال نقدهم
لنظرية المعتزلة الخاصة
بالتحسين والتقبيح العقليين،
أي من خلال رأيهم في معيار الحكم
على الأفعال: أهو العقل أم
الشرع؟
14
ـ نظرية التحسين والتقبيح
المعتزلية:
والمثال
الأول الذي يوضح مدى الخلاف بين
المعتزلة والغزالي الذي كان
ممثلا للمذهب الأشعري، ومدافعا
عنه، هو ما عرف في علم الكلام
باسم نظرية الحسن والقبح، أو
التحسين والتقبيح. سبق أن ذكرنا
أعلاه قول القاضي عبد الجبار
الذي أورده في صدر باب العدل في
كتابه شرح الأصول الخمسة، حيث
يقول: "ونحن إذا وصفنا القديم
تعالى بأنه عدل حكيم، فالمراد
به أنه لا يفعل القبيح، ولا
يختاره، ولا يخل بما هو واجب
عليه، وأن أفعاله كلها حسنة".
كان على المعتزلة أن تحدد معنى
لفظي "قبيح" و"حسن"
اللذين وردا في العبارة السابقة.
يقول عبد الجبار في كتابه
المختصر في أصول الدين: "… إن
العاقل يعلم أن الظلم قبيح،
وكفر النعمة، والجهل بالله
تعالى، وعبادة غيره، ويعلم أن
الإحسان حسن، وشكر النعمة،
والأكل والشرب إذا لم يفد [= يؤد
إلى] المضرة…". ويقول
الشهرستاني في سياق استعراضه
لهذه المسألة إن المعتزلة ذهبت
إلى أن "العقل يستدل به على
حسن الأفعال وقبحها". فكل شيء
حسن، فيه صفة ذاتية، جعلته حسنا.
وكل شيء قبيح، فيه صفة ذاتية،
جعلته قبيحا. والعاقل يصل إلى
معرفة ذلك بعقله, وهكذا ارتفع
المعتزلة بمكانة العقل، وجعلوه
"أم الأصول". فقالوا مثلا –وبناء
على هذه القاعدة- إننا لا نكذب،
ليس لأن الله نهانا عن الكذب،
ولكنا لا نكذب لأن الكذب في ذاته
قبيح، ونظرا لقبحه هذا فقد
نهانا الله عنه. فالوحي في هذه
المسألة يقوم بدور المخبر عن
الشيء، وليس المثبت له.
وبالتالي فلا يعقل أن يأمرنا
الوحي بالكذب، أو ينهانا عن
الصدق، لأن ذلك يخالف "ما قد
ركبه الله تعالى في عقولنا".
ورأي المعتزلة هنا –كما نقله
جولدتسيهر عن الزمخشري في كتابه
مذاهب التفسير الإسلامي- هو أن
الرسل "يتممون فقط عمل العقل،
الذي يجب أن يؤديه، أيضا قبل
ظهورهم". يقول الزمخشري في
الكشاف. "الرسل منبهون عن
الغفلة، وباعثون على النظر، كما
ترى علماء أهل العدل والتوحيد…
فكان إرسالهم إزاحة للعلة،
وتتميما لإلزام الحجة، لئلا
يقولوا: لولا أرسلت إلينا
رسولا، فيوقظنا من سنة الغفلة،
وينبهنا لما وجب الانتباه إليه".
وهذا
الرأي يشبه إلى حد كبير ما ذهبت
إليه فلاسفة الإسماعيلية من
تقدير للعقل. يقول إبراهيم
مذكور في كتابه في الفلسفة
الإسلامية: "والإسماعيلية
بوجه عام أقرب إلى العلماء
والفلاسفة…". فنجد أن المؤيد
في الدين هبة الله الشيرازي،
داعي الدعاة الإسماعيلي (ت.470هـ/1077م)
في المجلس الأول من المائة
الأولى من المجالس المؤيدية
التي حققها ونشرها الدكتور
مصطفى غالب يتناول موضوع العقل
والوحي، ويقول فيهما رأيا
مشابها لرأي المعتزلة. كذلك فقد
أورد فيلسوف الإسماعيلية أبو
يعقوب السجستاني (المتوفي بين
سنة 331هـ/942م وسنة 361هـ/971م) في
كتاب إثبات النبوءات فصلا كاملا
بعنوان "في أن أول رسول من
الصانع إلى المصنوعين إنما هو
العقل" عبر فيه عن آراء
مقاربة لما ذهبت إليه المعتزلة.
واستدل
المعتزلة وبرهنوا على نظريتهم
في الحسن والقبح بعدة حجج،
فقالوا: "إن أحدنا لو خير بين
الصدق والكذب، وكان النفع في
أحدهما كالنفع في الآخر، وقيل
له: إن كذبت أعطيناك درهما، وإن
صدقت أعطيناك درهما، وهو عالم
بقبح الكذب، مستغن عنه، عالم
باستغنائه عنه، فإنه قط لا
يختار الكذب على الصدق. لا ذلك
إلا لعلمه بقبحه، وباستغنائه
عنه…". وأوضحوا أنه لو لم يكن
هناك قبح وحسن، يقرهما العقل،
قبل ورود الشرع، لما استطاع
الناس إدراك ما في الشرع
والبعثة من حسن، ولما تمكن
الأنبياء والرسل من إقناع من
أرادوا إقناعه. كذلك فإن العقل
كان قبل ورود الشرع هو المقياس
الذي يمكن به تقرير حسن الشيء أو
قبحه. كما أنه لو كان التحسين
والتقبيح مصدرهما الشرع، وليس
العقل، لما تمكن الفقهاء من
إعمال عقولهم في مختلف المسائل
التي لم يرد فيها نص قاطع،
وبالتالي لاستحال عليهم اتخاذ
القرارات، وتبريرها. فماذا كان
موقف الغزالي من هذه النظرية؟
وكيف حكم على هذه البراهين التي
ذكرتها المعتزلة، لتؤيد بها
نظريتها، وتثبت صحتها؟
15
ـ الغزالي يهاجم نظرية التحسين
والتقبيح المعتزلية:
رفض
الغزالي قبول نظرية التحسين
والتقبيح المعتزلية، ولم يسلم
بالحجج والبراهين المعتزلية
لإثبات صحتها. والواقع أن من
يقرأ معالجة الغزالي، ونقده
لهذه النظرية في كتابيه
الاقتصاد في الاعتقاد،
والمستصفى من علم الأصول يشعر
بالإشفاق على الغزالي الذي بذل
مجهودا ضخما في محاولته لإثبات
خطأ القول بالتحسين والتقبيح
العقليين، ولكن نقده للنظرية
كان أضعف بكثير من النظرية
نفسها، أو بالأصح كانت هذه
النظرية أقوى من نقده بكثير. فكل
ما فعله الغزالي في محاولته،
لتفنيد هذه النظرية هو أنه ذكر
استثناء لقاعدة، ليثبت به خطأ
هذه القاعدة. وهذا بلا شك كلام
باطل، لا يقبله أصحاب العقول.
يقول الغزالي: "… وكذلك
الكذب، كيف يكون قبحه ذاتيا،
ولو كان فيه عصمة دم نبي، بإخفاء
مكانه عن ظالم يقصد قتله، لكان
حسنا، بل واجبا، يعصى بتركه…".
وفي موضع آخر يقول: "إن
الإنسان يطلق اسم القبح على ما
يخالف غرضه. وإن كان يوافق غرض
غيره… فيقضي بالقبح مطلقا".
ومهما
يكن من شيء، فعلينا أن ندرك أن
الغزالي في موقفه من القول
بالتقبيح والتحسين العقليين
الذي ذهبت إليه المعتزلة،
وموقفه من معظم مباحث علم
الكلام ومسائله، هو موقف
المدافع والممثل للمدرسة
الأشعرية التي كانت تبذل كل ما
في وسعها للقضاء على مدرسة
العقلانيين الإسلاميين "المعتزلة".
وقول الغزالي السالف الذكر الذي
استخدمه في محاولته إثبات خطأ
نظرية المعتزلة في التحسين
والتقبيح: "إن الإنسان يطلق
اسم القبح على كل ما يخالف غرضه"
هو قول ينطبق بصورة أوضح عليه هو
شخصيا، لأنه كان ممثلا للأشعرية
في جداله مع المعتزلة، ومن هنا
فهو يرفض كل ما ذهبت إليه
المعتزلة، ويراه قبيحا، لأنه
يخالف غرضه، ولا يتفق مع أصول
مدرسته الأشعرية. والغزالي في
رفضه للتحسين والتقبيح
العقليين إنما يردد ما ذكره
الأشعري، ونقله عنه ابن فورك (ت.406هـ/1015م)
في كتابه مجرد مقالات الشيخ أبي
الحسن الأشعري، حيث يقول: "وكان
[= الأشعري ] يقول إن دلالات
العقول حظها في بعض المعلومات
دون بعض، وإن لا سبيل للعاقل من
جهتها إلى التوصل إلى معرفة
أحكام الأفعال في القبح والحسن
والوجوب…". ونقل الشهرستاني
شهادة أخرى للأشعري، يقول فيها:
"والواجبات كلها سمعية،
والعقل لا يوجب شيئا، ولا يقضي
تحسينا ولا تقبيحا. فمعرفة الله
تعالى بالعقل تحصل، وبالسمع تجب…
وعقاب العاصي يجب بالسمع، دون
العقل. ولا يجب على الله تعالى
شيء ما بالعقل، لا الصلاح، ولا
الأصلح، ولا اللطف. وكل ما
يقتضيه العقل من جهة الحكمة
الموجبة، فيقتضي نقيضه من وجه
آخر".
كذلك
فقد هاجم أستاذ الغزالي الجويني
(ت.478 هـ/1085) هذه النظرية، حيث
يقول في كتابه الإرشاد: "[ إن
الحسن] هو عبارة عن نفس ورود
الشرع بالثناء على فاعله، وكذلك
القول في القبح. فإذا وصفنا فعلا
من الأفعال بالوجوب أو الحظر،
فلسنا نعني بما نثبته تقدير صفة
للفعل الواجب، يتميز بها عما
ليس بواجب، وإنما المراد
بالواجب: الفعل الذي ورد الشرع
بالأمر به إيجابا. والمراد
بالمحظور: الفعل الذي ورد الشرع
بالنهي عنه حظرا وتحريما".
وبعد الجويني وتلميذه الغزالي،
تولى الشهرستاني الأشعري
مهاجمة هذه النظرية، حيث يقول
في كتابه نهاية الإقدام في علم
الكلام: "مذهب أهل الحق [ يقصد
الأشاعرة بالطبع ] أن العقل لا
يدل على حسن الشيء وقبحه… فمعنى
الحسن ما ورد الشرع بالثناء على
فاعله، ومعنى القبيح ما ورد
الشرع بذم فاعله". ويتضح لنا
من هذه الأقوال أن الأشعرية
بقدر تشديدها على قوة الله
وقدرته المطلقتين، فهم يضعون
العقل في مرتبة سفلى، وهم في ذلك
يشبهون الحنابلة إلى حد كبير.
والمثال الثاني الذي يوضح مدى
الخلاف بين المعتزلة والغزالي
كممثل للأشاعرة، يدور أيضا حول
العقل.
16
ـ الغزالي يرفض رأي المعتزلة في
النبوة:
ثمة
ثلاثة مواقف متباينة من النبوة،
هي: النفي، والوجوب، والجواز.
قالت البراهمة بالنفي
والاستحالة، وقالت المعتزلة
بالوجوب والحتمية، وقالت
الأشعرية بالجواز والإمكان. أما
البراهمة، فقد ذهبوا إلى القول
بأن الرسول لا يأتي إلا
بالمعقول، أو باللامعقول. فإن
جاء بمعقول، فالعقل يغنينا عنه،
وإن جاء بمستقبح غير معقول،
فلسنا بحاجة إليه. ويشرح ابن
الريوندي الملحد هذا الرأي،
قائلا: "إن البراهمة يقولون
إنه ثبت عندنا، وعند خصومنا، أن
العقل أعظم نعم الله سبحانه على
خلقه، وأنه هو الذي يعرف به الرب
ونعمه، ومن أجله صح الأمر
والنهي، والترغيب والترهيب. فإن
كان الرسول يأتي مؤكدا لما فيه
من التحسين والتقبيح، والإيجاب
والحظر، فساقط عنا النظر في
حجته وإجابة دعوته. إذ قد غنينا
بما في العقل عنه. والإرسال على
هذا الوجه خطأ. وإن كان بخلاف ما
في العقل من التحسين والتقبيح،
والإطلاق والحظر، فحينئذ يسقط
عنا الإقرار بنبوته". وقالت
المعتزلة، كما ذكرنا سالفا، إن
الشيء متى حسن، وجب. وكذلك
البعثة، متى حسنت، وجبت. يقول
القاضي عبد الجبار في سياق
كلامه عن النبوات، والرد على
البراهمة: "(الكلام في
النبوات) ووجه اتصاله بباب
العدل، هو أنه كلام في أنه تعالى
إذا علم أن صلاحنا يتعلق بهذه
الشرعيات، فلا بد من أن يعرفنا
بها، لكي لا يكون مخلا بما هو
واجب عليه. ومن العدل أن لا يخل
بما هو واجب عليه (…) والأصل في
هذا الباب أن نقول: إنه قد تقرر
في عقل كل عاقل وجوب دفع الضرر
عن النفس، وثبت أيضا أن ما يدعو
إلى الواجب، ويصرف عن القبيح،
فإنه واجب لا محالة. وما يصرف عن
الواجب، ويدعو إلى القبيح، فهو
قبيح لا محالة. إذا صح هذا، وكنا
نجوز أن يكون في الأفعال ما إذا
فعلناه، كنا عند ذلك أقرب إلى
أداء الواجبات، واجتناب
المقبحات –وفيها ما إذا
فعلناه، كنا بالعكس من ذلك، ولم
يكن في قوة العقل ما يعرف به
ذلك، ويفصل بين ما هو مصلحة
ولطف، وبين ما لا يكون كذلك- فلا
بد من أن يعرفنا الله تعالى حال
هذه الأفعال، كي لا يكون عائدا
بالنقص على غرضه بالتكليف. وإذا
كان لا يمكن تعريفنا ذلك، إلا
بأن يبعث إلينا رسولا مؤيدا
بعلم معجز دال على صدقه، فلا بد
من أن يفعل ذلك، ولا يجوز له
الإخلال به. ولهذه الجملة قال
مشايخنا: إن البعثة متى حسنت،
وجبت. على معنى أنها متى لم تجب،
قبحت لا محالة. وأنها كالثواب في
هذا الباب، فهو أيضا مما لا
ينفصل حسنه عن الوجوب…".
قال
الغزالي: "ندعي أن بعثة
الأنبياء جائزة، وليس بمحال،
ولا واجب. وقالت المعتزلة إنه
واجب. وقد سبق الرد عليهم".
وهو يشير بذلك إلى الرأي
الأشعري في استحالة الوجوب على
الله، حيث يقول: "… فإنا بينا
أن المفهوم عندنا [= عند
الأشاعرة] من لفظ الواجب: ما
ينال تاركه ضرر، إما عاجلا وإما
آجلا أو ما يكون نقيضه محال.
والضرر محال في حق الله تعالى".
والغزالي
بموقفه هذا لم يأت بأي جديد في
الفهم الأشعري للإسلام. فهو
يكرر ما سبق أن قرره مؤسس المذهب
الأشعري، وكذلك ما وافقه عليه
إمام الحرمين أبو المعالي عبد
الملك الجويني –أستاذ الغزالي-.
فالشهرستاني يشرح رأي الأشعري
في مسألة النبوات، قائلا: "وانبعاث
الرسل من القضايا الجائزة، لا
الواجبة، ولا المستحيلة. ولكن
بعد الانبعاث [يعتبر] تأييدهم
بالمعجزات وعصمتهم من الموبقات
من جملة الواجبات". ويبين ابن
فورك هذا المعنى، بقوله عن
الأشعري: "وكان يقول إن إرسال
الرسل إلى الخلق غير واجب على
الله عز وجل في العقول. وكان له
أن يرسل الرسل، وله أن لا يرسل.
ولا يكون بترك الإرسال سفيها…
وإن له أن يفعل اللطف الذي يؤمن
عنده الكافر به، وله أن لا يفعله.
فإن فعله، كان منه تفضلا. وإن
تركه، لم يكن منه جورا". كذلك
فقد أكد الجويني –أستاذ
الغزالي- هذه المبادئ، حيث يقول
في موضع من كتابه الإرشاد: "…
لا واجب عقلا على العبد أو الله"،
ويقول في كتابه العقيدة
النظامية: "إن النبوة تعريف
الله عبدا من عباده أمرا بأن
يبلغ رسالته إلى عباده. وهذا ليس
من مستحيلات العقول". ولفظ
مستحيلات هنا هو إشارة إلى موقف
البراهمة من النبوات. وبصرف
النظر عن مظاهر لفظ "الوجوب"،
والخلاف بين المعتزلة
والأشاعرة في تفسير هذا اللفظ
وفهمه، فمن الواضح أن الغزالي
والأشاعرة جميعا قد ساهموا
إسهاما فاحشا في محاربة الاتجاه
العقلاني في الإسلام، وفي شيوع
الفكر التواكلي الذي قاد بدوره
إلى ما يعانيه المسلمون اليوم
من تخلف وانحطاط. ونختم كلامنا
هنا بقول للغزالي يجسم إلى حد
بعيد موقف الأشاعرة من العقل،
حيث يقول: "ندعي أنه لو لم يرد
الشرع، لما كان يجب على العباد
معرفة الله تعالى، وشكر نعمته
خلافا للمعتزلة، حيث قالوا إن
العقل بمجرده موجب". إنه قول
لا يمثل قمة انحطاط العقل في
التاريخ الإسلامي فحسب، بل
ويرينا أيضا أن أسباب انحطاط
المسلمين تضرب بجذورها عميقا في
التاريخ الإسلامي