تراث وفقـه
 
 


 اللاعنف في الإسلام

القسم الخامس والسادس

 

مر علينا حتى الآن نموذجان من التفكير الأول (أورهان) الذي رأى في القرآن مصدر كل عنف وقتل، والنموذج الثاني (م . ص) من رأى أن اللاعنف لا ينفع في المواجهات، وأن ابن آدم المهدد بالقتل لو انتبه لأخيه لقتله. وهو خطأ فادح في الفهم، وهي وصفة لا قرآنية جدا، فحين يتصرف الاثنان بهذه الطريقة فلن يحدث فرقا كبيرا، فمن سبق كان القاتل والمسبوق كان المقتول. وهذا يختلف جدا عن الرجل الذي لم يدافع عن نفسه، فمن دافع عن نفسه فقتل كان مجرما مثل القاتل الذي هاجم، فكلاهما نفسيا قاتل بفرق السرعة والسبق والفنية، وكلاهما من نفس العينة الإجرامية، وأهمية عدم الدفاع عن النفس أنها تحيل القاتل إلى مجرم، وأما حركة الدفاع والهجوم فتقلب القاتل إلى بطل منتصر، فهاتان آليتان نفسيتان مختلفتان جدا. ومنه جاء تعبير القرآن في لفظين في الآيات الست من سورة المائدة (الخاسرين) و(النادمين) "فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين، فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه، قال ياويلتي أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين؟ أي أن القاتل لم يكن بطلا بل مهزوما خاسئا مدحورا، ولم يتحرر من ضغط شعور الجريمة حتى تاب، وهو يعني أن من مات لم يمت بل نشر مذهبه، حين اعتنقه القاتل بعد غياب صاحبه، وهو معنى الخلود في الشهادة. وهذا قد يحدث، وكلنا سنموت يوما، والعبرة في ثبات وديمومة الأفكار. وإلا كان الكون باطلا بني عبثا، وما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى والذين كفروا عما أنذروا معرضون.
ونأتي الآن إلى النموذج الثالث من التفكير السائد في الساحة والتي جاءتني من الأخ (أحمد الخطيب) من فلسطين، الذي يقف في الزاوية المقابلة للتفكيرين السابقين، فهو يرى أن " العدو في الإسلام هو الكفر، والأعداء هم الكفار، فالكفر هو الأمارة الدالة على وجود الأعداء، أي هو السبب الشرعي. فنحن نعادي الناس بسبب كفرهم، والأصل في المعاداة بيننا وبين كل البشر هو وجود الكفر، فإذا وجد الكفر وجد العداء، وإذا عدم الكفر عدم العداء، لذلك كان الأصل في المعاداة هو وجود الكفر حقيقة وكان الكفر سبب في العداء" ليخلص بعدها فيقيس على هذا موالاة الكفار الأعداء:
"إذ لا يجوز لمسلم أن ينصر الكافر أو يعاونه أو يشاوره أو يحبه أو ينصحه أو يصادقه أو يركن إليه أو يخضع له أو يستسلم لسلطانه برضاه، فإن فعل ذلك كان موالياً له وينطبق عليه حكم الموالاة إلا في حالة التقية لقوله تعالى"
وبعد هذه المقدمة والشرح يصل إلى وصفة الخلاص أن العلاج الشافي:
" لمشاكل الأمة ومصائبها هو سهل وبسيط، ويتمثل في منع موالاة الحكام للكفار. ومنع هذه المولاة لا يتحقق فعلياً إلا بإبعاد هؤلاء الحكام عن السلطة، والإطاحة بهم، وتنصيب خليفة واحد للمسلمين مكانهم يوالي الله ورسوله وجماعة المسلمين"
وهذه الأحجار الثلاثة التي بناها الرجل غير مستقرة إذا سحب منها الحجر الأول سقط البناء برمته وتهاوى فكان لسقوطه دوي عظيم.
فالقرآن لا يربط بين (الكفر) و(العداوة)، بل بين العداوة والظلم، وفي السورة التي يذكر فيها إبراهيم عليه السلام التي يخاطب فيها الكافرين: كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" ينتقل بعدها مباشرة ليقول: "عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة"؛ فيكسر بكلمة واحدة كل مقولة الأخ الخطيب من فلسطين فحجته داحضة.
وليس هناك من علاقة بين العداء والكفر، أي يمكن أن يكون بيننا وبين الكافرين مودة، لينتقل بعدها من سورة الممتحنة وهي سورة تناولت موضوع الولاء ليقرر أن سبب العداوة غير شخصي، ولا علاقة له بكفر وإيمان، كما يقرر الخطيب بل ممارسة الإكراه. فينص على أن الكافرين إذا لم "يقاتلوكم في الدين ويخرجوكم من دياركم" أن تبروهم وتقسطوا إليهم، وأظنها مفاجئة غير سارة لمفاهيم الخطيب التي وقع في قبضتها بدون فكاك. وهذه هي المشكلة أننا نقرأ القرآن بعيون الموتى من ثقافة ميتة، وبيننا وبين الفهم سدودا من أقوال المفسرين.
بل ويقول القرآن في مكان آخر من سورة آل عمران:"ها أنتم هؤلاء تحبونهم ولا يحبونكم" فيقرر أن المسلمين يحبون الكافرين، في الوقت الذي يطلب المسيح من أتباعه أن يحبوا أعداءهم ويباركوا لاعنيهم، فسبق صحابة رسول الله ص حواريي المسيح بدرجة، وهو يذكر بالفرق بين دعاء موسى أن يشرح الله صدره، في الوقت الذي انشرح صدر النبي فقال ألم نشرح لك صدرك.
وهناك اختلاط آخر يقع فيه من يتأمل السيرة فكيف نفهم الغزوات تماما مثل مشكلة الآيات التي تحض على القتل والقتال، وهذا يذكرني بالقصة التي روتها لي ابنتي عن (نورمان فينكلشتاين) وأمه التي خسرت زوجها وكل عائلتها في معسكرات الاعتقال في (آوسشفيتس Auschwitz) أنها لما طلبت شاهدة على المجرمين النازيين طلبت من ابنها أن يفعل بهم كل شيء، لأنهم رأوا الموت على مدار الساعة في معسكرات الاعتقال.
قالت له ابنتي الموجودة في كندا: سوف ينشرح صدر والدتك وربما أسلمت أنت حينما تقرأ الآية التي تقول "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين ويذهب غيظ قلوبهم" وأنا أعرف هذا الشعور من الجلادين في الأفرع الأمنية الذين كسروا أسناني بضرب البوكس وحجزي في إفرادية لا أتمناها لحافظ الأسد الذي وضع الشعب السوري في براد لمدة أربعين سنة؟؟ أو حفلات التعذيب في (كركون) الشيخ حسن في حي الميدان في دمشق حيث كان الجلاد (يوسف طحطوح) الديري يستطيب القدوم مع ساعات السحر للتمتع بتعذيب المعتقلين؟ رأيته بعيني وحقق معي شخصيا، وطحطوح عينة بسيطة موجودة في كل مكان، وقصص حمزة البسيوني من مصر نموذجا آخر.
وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون.
حصل معي هذا ليس لذنب اقترفته بل من أجل أفكاري ونشاطي الفكري، واليوم أذكرها وقد تحررت من الكراهية، فلا أحمل في صدري ضغينة أو كراهية لأحد، وفي النهاية فكلنا ميت، كما ماتت زوجتي ليلى سعيد داعية اللاعنف وهي في قمة الجمال والحكمة والنشاط فودعت الحياة في ساعة.
والجنة ليست دار كراهية ومكرهين وإكراه "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين".
أقول كما فرقنا بين الدفاع الشخصي ضد شقي لص وبين عدم الدفاع عن النفس أمام النظام السياسي أثناء النضال المدني، كذلك الحال وجب التفريق بين القتال في مرحلة اللادولة ومرحلة الدولة، بسبب بسيط أن وظيفة العنف هي وظيفة الدولة، ولو تابع المسيح ما فعل محمد ص فبنى دولة لفعل نفس الشيء من رفع الظلم عن المظلومين والمضطهدين كما جاء في فلم دموع الشمس (Tears of the Sun)، وهذا الأمر يختلط على الناس فيظنون أن المسيح سلامي ومحمد حربي، والصحيح أن محمد أكمل عمله، فاعتبره مايكل هاردت الشخصية الأولى من مائة شخصية غيرت وجه التاريخ، والمسيح لم يكمل مهمته فخطفته الأحداث، مما أوقع المسيحيين في حيرة؛ فذهبوا مذاهب في تأويل الاختفاء كما فعل الشيعة مع الإمام الاثني عشر الذي اختفى في السرداب، وأنه سيعود في آخر الزمن فيملأ الأرض عدلا بعد أن امتلأت جورا، وهو مذهب استخدمه كثير من السياسيين الدهاة لإقناع العامة بخروج المهدي ليقضي على الدجال، بمن فيهم من اقتحم الكعبة في مطلع القرن الخامس عشر الهجري في أول أيامه.
أما المسيحيون فقالوا بتأليه المسيح، وهو بشر ممن خلق لم يكمل عمله، وبشّر وتحدث أن هناك من سيكمل عمله كما قال يوحنا المعمدان عن المسيح وبشر به، وقال عنه أنه غير أهل أن يحمل حذاءه ويغسل رجله؟
وبذلك يعلمنا الأنبياء دروسا في التواضع، كما فعل المسيح حينما غسل أقدام تلاميذه ليلة العشاء الرباني، وقال أحبوا بعضكم ولتكونوا مدرسة أمام الناس في الحب.
الدولة بيدها العنف وتحتكر العنف، والأنبياء لهم طريقتهم في بناء دولتهم الخاصة، فلا يغيرون الطغيان بطغيان، بل الطاغوت بالرشد، ولكن بني أمية المجرمين رجعوا فقلبوا الآية، وحولوا دولة الرشد إلى دولة طاغوت، إن مات هرقل جاء هرقل، فجعلوها هرقلية تلبس عباءة النبي، مثل مسجد الضرار، وهكذا توقفت مسيرة الإسلام قبل أن يبدأ رحلته، وبدأت الفتوحات الاستعمارية زورا باسم الإسلام، والإسلام لا ينتشر بالسيف بسبب بسيط، هو أن العقل لا يؤمن بالإكراه، ولا يعتبر الإيمان إيمانا ولا الكفر كفرا بالإكراه.
ومع كل هذا الإعلان من الأنبياء أن العنف لا يحل مشكلة انطلاقاً من الخلفية الأخلاقية لفكرة اللاعنف؛ فلم تتوضح أهمية هذه الأفكار والبرهنة عليها إلا صباح يوم 16 يوليو بانفجار تجربة أول سلاح نووي. حين ألغت القوة القوة بعد أن وضع البشر يديهم على سقف القوة.
العنف يعني تعطيل العقل. والعنف يعني لا ديموقراطية. والعنف يعني الإكراه. والعنف لا يحل المشاكل بل يعقدها. والعنف قد يجبر الإنسان ولكنه يأخذ الطاعة مع الكراهية، وبذلك تغلق حلقة العنف على نفسها، بين الكراهية والإكراه والسلاح، واغتيال الحرية بالطغيان السياسي والعقل بالجبت الديني.
والمجتمعات نوعان: من دار حول الفكرة ومن عبد القوة، والمجتمعات العربية تعبد القوة فتخر لها الجباه ساجدينا.
والغرب حل مشكلة الطغيان السياسي فأصبح فيه نقل السلطة سلميا، أما عندنا فمنذ جيل الصحابة الذين ضاع الرشد على أيديهم لم نعرف الرشد حتى اليوم؟


القسم السادس: كيف نشأ العنف

تفكيك اجتماعي وانثروبولوجي لعنف الدولة
أحدثت النتائج التي خرج بها علم النفس من المدرسة الأمريكية في الستينات من هذا القرن ذعراً بين المطلعين عن أثر الانصياع للأوامر في إمكانية ممارسة التعذيب ضد الانسان وعرضت السينما الفرنسية التجربة في فيلم اغتيال رئيس. حيث وضع رجلان في التجربة يمتحن الأول آخر مربوطاً على كرسي ومتصلا بأسلاك كهربية فإذا فشل في الإجابة على السؤال عاقبه الممتحِن بلسعة كهربية قابلة للزيادة مع تكرار الخطأ.

لقد أظهرت التجربة أمرين في غاية الخطورة: إمكانية ان يتحول الانسان السائل الى وحش تعذيب حقيقي يرفع الفولتاج الى 450 فولتا والثاني أن تكرار التجربة علىشرائح شتى من الناس أثبت أن 60% منهم قابلين للسقوط في هذه الوهدة من الانحطاط الانساني.

والواقع يروي كيف أن كل جيوش العالم مختزلة بإرادة الأفراد. وأن الجندي عليه أن ينفذ أولاً قبل الاعتراض في استباحة أي شيء في مخالفة جوهرية لتعاليم الأنبياء (لاطاعة لمخلوق في معصية الخالق). إن الجندي عنده استعداد أن يفعل كل محرم وآثم وإجرامي تحت مبرر (هكذا جاءت الأوامر). وفي الحرب العالمية الثانية كرَّر عتاة الجستابو من النظام النازي نفس المسوغ في محاكمات (نورمبرغ) لمجرمي الحرب: (كانت أوامر علينا تنفيذها). في الواقع لايبقى جيش من جيوش العالم الحديثة متماسكاً لو طبق تعاليم الأنبياء لأن سر الانضباط والتماسك في البنى العسكرية هي في إلغاء (الإرادة الفردية) و (الاستقلالية) و(التفكير) و (الاعتراض). إن بنية الفرقة العسكرية تتلاشى عندما (يفكر) الأفراد على نحو (مستقل) أو يعلنوا (عدم الطاعة) في الحملات العسكرية اللاأخلاقية.

إن الانضباط العسكري يقوم على تحويل المجموعة من البشر الى كتلة لحمية منضدة جاهزة للضرب كالمطرقة في أي اتجاه وضد أي كائن. ويعتبر (روجيه غارودي) في كتابه ( نحو رقي المرأة) أن هذا الانحراف في مسيرة البشرية كان خلف بناء المؤسسات العسكرية (الذكورية) ودفع المرأة الى شريحة دونية مستضعفة طالما كان الحكم للعضلات والسيف وليس الفهم والرحمة، بل وبناء كل نمط الحياة على شكل ثكنات و(هيراركي) مثل الجيش يقوم على التراتبية وتلقي الأوامر التي لامرد لها ولا اعتراض. ومهمة الأنبياء كانت في تحرير إرادة الانسان من (علاقات القوة) وهذا هو لب التوحيد. وهذا يفتح عيوننا على بنية الدولة وعمودها الفقري من الآلة العسكرية. إن (علم النفس الاجتماعي) والانثروبولوجيا (علم الانسان) حاولت فهم عدة ظواهر انسانية مثل (الدولة) و (المجتمع) و( الحضارة) وكيف ولدت ومتى حدث هذا في التاريخ؟ إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الحياة بدأت قبل 3,8 مليار سنة فإن سفر الوجود يظهر لنا الانسان في الصفحة الأخيرة من كتاب مكون من ألف صفحة.

كما أظهرت الكشوفات الأخيرة في الحبشة على يد (تيم وايت) عن أقدم انسان أخذ اسم (ارديبيثيكوس راميدوس ARDIPITHICUS RAMIDUS) قبل 4,6 مليون سنة. وإذا كانت رحلة الانسان على ظهر الكوكب قد بدأت قبل خمسة ملايين من السنين فإن الحضارة بدورها لاتظهر الا في الصفحة الأخيرة من مجلد ضخم مكون من ألف صفحة. فقد بزغت أولى الحضارت قبل ستة آلاف سنة في جنوب العراق كما ذهب الى ذلك المؤرخ (توينبي) في كتابه (الانسانية من أين؟ والى أين؟). أما الكتابة فقد اخترعت قبل خمسة آلاف سنة وبدأ (جوتنبرغ) في استخدام مطبعته قبل 500 سنة. وسخّر الناس البخار قبل 200 سنة والكهرباء قبل 120 سنة أما كل التقنيات الالكترونية الحديثة فعمرها لايتجاوز عقوداً قليلة.

أما ثورة الاتصالات والمعلومات فعمرها عشر سنوات. وينفعنا هذا التسلسل للاطلال على بانوراما من التطور الانساني واكتشاف مكان (الدولة) ضمن تعاقب الأحداث وأن عمرها قصير فهي مؤسسة سياسية ولدت مع مجتمع المدينة وتقسيم العمل. إن اختراع (الدولة) كان تتويجاً لولادة المجتمع الانساني بعد بزوغ مالايقل عن ثلاثين حضارة من رحم 600 مجتمع بدائي. ويرى (ابن خلدون) أن المجتمع الانساني يشكل (ضرورة) انطلاقاً من حجتين (تأمين الغذاء) و(نظام الحماية) وتحت المبرر الثاني نشأت مؤسسة العنف بكل أذرعتها من الجيش والبوليس والاستخبارات. كذلك يفيدنا علم (الانثروبولوجيا) كما جاء في كتاب (بنو الانسان) لمؤلفه (بيتر فارب) أن الثورة الزراعية حررت الانسان من الجوع للمرة الأولى في تاريخه وكان ذلك قبل تسعة آلاف سنة فمع اكتشاف المرأة للشجرة ونظام الزراعة كما أشار الى ذلك (ديورانت) في (قصة الحضارة) حصلت وفرة في الغذاء وبدأت أعداد البشر تتزايد والمدن تعمر والأنظمة السياسية في الولادة. ومع ولادة النظام السياسي ولد (عنف الدولة).

فبقدر ماكان أشباع حاجات الانسان (الاقتصادية) من السلع والخدمات يتم بطرق سلمية فإن الفعالية السياسية هي على النقيض من ذلك وتمارس بالضغط على الآخرين وبتعبير عالم الاجتماع (ماكس فيبر) في كتابه (الاقتصاد والمجتمع) في وصفه للدولة أنها:( تحتكر العنف الجسدي الشرعي). ومع احتكار الدولة (آلة العنف) ظهرت (القوانين) التي تنظم علاقات الأفراد. يرى (بيير فيو): (أن الاضاءة التي تسلطها العلوم الانسانية على العنف غنية بالعبر لإن العنف ليس حادثا عابرا بل هو وضع مألوف من التوترات والمجابهات ولإن العلاقات الانسانية تقوم على أرضية من الصراع والتناقضات وبذلك يكمن العنف كتهديد دائم قابل للانفجار دوما). إن مشكلة وجود الانسان في المجتمع كما يقول (لالند) في كتاب (المجتمع والعنف):( إن الانسان شخص مستقل يحدد بنفسه القوانين التي يخضع لها وأن المجتمع جماعة منظمة تطالب أعضاءها باحترام عدد معين من القواعد والاكراهات وإن وضع الانسان النزاعي يلخص بالتوازن غير المستقر والضروري لهذين المطلبين المتضاربين).

أو كما يرى الفيلسوف (برتراند راسل) في كتابه (السلطان):(تجد المخلوقات البشرية أن من المجدي لها أن تعيش في جماعات ولكن رغباتها خلافا لرغبات النحل تظل فردية الى حد كبير ومن هنا تنشأ المتاعب في الحياة الاجتماعية والحاجة الماسة الى قيام حكومة إذ بدونها لاتستطيع الا نسبة صغيرة من السكان في البلاد المتحضرة أن تأمل في البقاء وأن يكون بقاؤها في وضع من العدم يدعو الى الإشفاق. ولكنها تنطوي على عدم تكافؤ في السلطان إذ أن من يملكون أكثره يستخدمونه لتحقيق رغباتهم التي تتعارض مع رغبات المواطنين العاديين. وهكذا فإن الفوضى والطغيان يتشابهان في نتائجهما المدمرة ومن الضروري العثور على نوع من التفاهم على حل وسط إذا أريد للمخلوقات البشرية أن تنعم بالسعادة).

ويذهب (علي الوردي) في موسوعته عن المجتمع العراقي تحت عنوان (الطبيعة البشرية) أن مشكلة الدولة أنها استطاعت باحتكار العنف أن تضمن (أمن الأفراد) ولكن المشكلة أن الأرض فيها العديد من الدول ولايوجد دولة عليا تضمن (أمن الدول) بين بعضها البعض كما فعلت الدولة بين الأفراد. وهذا هو سر اندلاع الحروب في التاريخ فالحرب هي ظاهرة اصطدام مربعات الدول أو مرافقة لتفكك الدول في الحروب الأهلية. إن الفرد لايستطيع ان يعيش بدون مجتمع بل لايصبح فردا انسانيا بدونه وحسب معادلات المفكر (مالك بن نبي) فالانسان يولد كقطعة لحم ومادة خام ولكن تشكيله الثقافي يرجع الى عمل المجتمع على الفرد. وهكذا فالانسان له معادلتان الأولى (بيولوجية) ولايختلف في هذا انسان عن آخر سواء في كندا أو راوندا ولكن المجتمع هو الذي يصنع هذه المادة الخام فيصبح (كائنا اجتماعيا) ينطق ويحسن التصرف وهذا يفسر طول فترة الطفولة عند الانسان لأنه يختزل تجارب الانسانية خلال خمسة ملايين سنة مضغوطة في خمس سنوات. بكلمة مختصرة لولا المجتمع لانصبح بشرا أسوياء. ظهر هذا واضحاً في العديد من الاكتشافات الانثروبولوجية كما في صبي غابة أفيرون الوحشي عندما عثر على انسان في فرنسا عاش بين الحيوانات فلم يتطور قط وكان أقرب الى الحيوان بما فيها عجزه عن النطق ولكن المصيبة أن كل محاولة تأهيله للحضارة فشلت في مؤشر جدا خطير أن سنوات الطفل الأولى حاسمة في قلبه الى انسان ورفعه من المملكة الحيوانية وإدخاله الحياة الاجتماعية. ومن هنا يظهر خطأ الفيسلوف (ابن طفيل) في قصة (حي بن يقظان) الذي وصل لوحده بدون أي اتصال اجتماعي على جزيرة منفردة الى كل المعارف العقلية. الدولة إذاً ضرورة ومصيبة وكل الأنظمة السياسية هي محاولات لإيجاد صياغة ناجحة بين فردية الانسان والانضباط الاجتماعي. ومع ولادة الدولة يولد أخطر مرضين على الاطلاق: الطغيان الداخلي وبرمجة الحروب. يقول (بيير فيو) عن أثر سقوط تفاحة السلطة في يد البعض وبرمجة العنف في المجتمع:(يغدق المسؤولون على أنفسهم أو يوزعوا على زبانيتهم من أصدقاء ومعاونين امتيازات لاتبررها أية خدمة أسديت للمجتمع.

وعندما تصل هذه المخالفات درجة من الخطورة والاستمرار والاتساع وتمس حقوق معظم الناس الأساسية لصالح قلة من أصحاب الامتيازات ينشأ وضع عنف. فحتى لو استسلمت الجماهير أو عجزت وتابع النظام القائم استمراره فإن عناصر الانفجار باتت مجتمعة). إن العنف في الثورة الفرنسية انطلق من تصور مفهوم حماية المواطن الصالح كما عبر روبسبير:(أن الحكومة الثورية ملزمة بتوفير الحماية الوطنية للمواطنين الصالحين أما أعداء الشعب فليس لهم الا الموت). أما الماركسية فرأت في العنف وسيلة وحيدة لهدم البنى القديمة كما جاء في البيان الشيوعي وطبقه ستالين بموت عشرين مليون انسان. ونحن نعلم من سيرة الرسول ص أنه أقام النظام السياسي ولم يمت الا امرأة ورجل وكان ص يأمرهم بالصبر في عملية التحول الاجتماعي فهذا هو الفرق في كيفية بناء الدولة عند الانبياء وعند غيرهم. إن اهمية ولادة الانسان الذي لايؤمن بالعنف وسيلة لتغيير النظام السياسي أمران على غاية من الأهمية: التغيير السلمي الداخلي والمحافظة عليه من الانحراف بنفس الآلية السلمية في التصحيح. إن مشكلة العنف هي في قلب البدايات كما عبر الشاعر الألماني (غوته):(في البدء كان الفعل) في الوقت الذي ابتدأ الأنجيل بالكلمة (في البدء كان الكلمة) أي (اللوغوس) وأول كلمة نزلت في القرآن كانت(اقرأ).

ومن هنا فإن أعظم الاضداد الانسانية في الوجود هي (اللوغوس) مقابل (العنف) وكما يقول (ب.ريكور):( إن القول والعنف هما أعظم الأضداد الانسانية في الوجود الانساني وإن تاكيد ذلك باستمرار هو الشرط الوحيد لاكتشاف العنف في مكمنه). إن لب دعوة الأنبياء في التاريخ كانت اجتماعية وعندما اكد القرآن على مفهوم (السنة) كان يريد منها ليس القانون الفيزيائي بل ( السنة النفسية الاجتماعية). ومشكلة مواجهة الدولة لتغيير طبيعة العنف فيها هي مزودجة أيضاً بالحد من طغيانها الداخلي بحيث تكون وظيفتها في تأمين جرعة مكافئة من العنف لضمان (أمن الأفراد)كما تفعل مؤسسة الدفاع المدني لإطفاء الحرائق. كما أن البناء السلمي لها يجعلها لاتخوض حروب الجوار والتوسع أو تقبلها للاستعباد. إن دعوة اللاعنف تزداد ثباتا مع الأيام واليوم توقف الشمال عن خوض الحروب الا ضد السيكوباثيين من الطغاة. وهم مع كل امتلاكهم تقنيات الأسلحة لايعمدون الى حل مشاكلهم بالسلاح والحرب بل بالحوار أي إعادة تفعيل اللوغوس.

وأمام هذا اللون من التحليل فإننا مدعوون لتشكيل هذا التيار في العالم العربي فلايمكن للديموقراطية أن تشرق شمسها عندنا بدون انقلاب في محاور دوران الفكر. وحتى يحصل هذا فلايشترط تغير كامل المجتمع بل يكفي أن تتغير شريحة 10% من الناس تؤمن وتمارس الكفاح السلمي.

المصدر