تراث وفقـه
 
 


فضل الاعتزال 

الجزء السادس

تميز تصور المعتزلة للصفات الإلهية بالتجريد والتنزيه ، إنطلاقا من أن الله ليس كمثله شيء ، وأن ما اتصف به الله من صفات ذاته مطلقة كاملة منزهة عن التصور المادي البشري المرتبط بالأداة والمادة ، وإذا كان الاشعري قد جعل الله "ذاتا وصفاتا" (1) فقد اعتبر المعتزلة ذلك شرك بالله ومس بالوحدانية ، لأنه إذا وقع أن الله هو ذات وصفات فقد وقع تجسيمه لأرتباط الصفة بموصوف ، وهذا الرأي الذي أفاض في بيان بهتانه ووقوعه بالشرك العلامة ابن رشد الأندلسي إذ يقول :"فالله عنده – أي الاشعري - جسم ، لأنه سيكون هناك صفة وموصوف ، وحامل ومحمول وهي حالات الجسم وصفاته"(2) ، وعليه ولما كانت الأشعرية تجعل الله ذاتا وصفاتا وتفصل بينهما أي الذات والصفات ثم تجعلهما معا الله نفسه فبماذا تكون الاشعرية قد فارقة القائلين بالتثنية والتثليث وإلا فما معنى القول بصفات زائدة على الذات الإلهية وهي الله أيضا؟!


إن القول بالصفات الزائدة يفضي حتما إلى التركيب ، وقد اعتبر المعتزلة ومن بعدهم ابن رشد أن ذلك الموقف هو اخطر نتائج العقيدة الاشعرية واقساها ، بل بالغ المعتزلة في ذلك لأهمية التوحيد والتنزيه عندهم واعتبروا اثبات الصفات القديمة المنفصلة عن الذات يفضي للكفر ، وهذا ما نقله الايجي :"فإن كان كفر النصارى مرده إلى اثبات ثلاث صفات قديمة مع الذات الإلهية فكيف بالاشعرية التي اثبتت سبع صفات قديمة مشهورة مع الله"(3).


المتتبع لمبحث الصفات عند المعتزلة يجد بينهم تباينا فيما اثبتوه من صفات الذات الإلهية نفسها كالعلم والقدرة والحياة، وواصل بن عطاء كان موقفه صارما من مسألة الصفات فنقل عنه اليماني :" كان واصل يعتقد أن اثبات الصفات يؤدي إلى تعدد القدماء ومثل هذا التعدد باطل لأنه لا قديم إلا الله"(4) ،فيما ميز العلاف بين صفات الذات الإلهية وصفات الفعل الإلهي الذي تنتفي عنه الازلية لحدوثه وكل حادث مخلوق لله عز وجل ، ولكن المهم أن نفهمه أن المعتزلة منعت القول بأزل أي صفة مستقلة عن ذاته عز وجل وكذلك منعت القول بأزل أي صفة للذات ترتبط بالحدوث لأنه ليست الذات الإلهية محلا للحدوث كصفة الكلام – القرآن فالقول عندهم بأزلية القرآن شرك بالله عز وجل وهذا مبحث في منتهى الخطورة والأهمية لأننا نعتبر أن معظم الباحثين المعاصرين قد قصروا في فهم مسألة خلق القرآن وانحشرت عندهم في النتائج المباشرة مثل محمد عمارة الذي لا يرى في خلق القرآن إلى رفض الشرك بالله على أساس أنه حادث لأنه كلام وهكذا فهو مخلوق لله ، بينا نزعم نحن أن المسألة أعمق بكثير من مجرد تنزيه الذات الإلهية عن الشرك والقول بلا سرمدية القرآن وبأنه حادث مخلوق ، لكن قبل أن نلج إلى فهم خلق القرآن عند المعتزلة دعونا نعرض لحجج القائلين بخلقه :

 

أولاً : الكلام فعل والفعل مخلوق : القائلون بقدم القرآن إنما زعموا أن القرآن كلام الله وكلام الله صفته سرمدي غير مخلوق ، فيما دحضت المعتزلة هذا الزعم بأن الكلام إنما هو فعل حادث والحادث ليس سرمدي – أي موجود من الأزل باق للأبد- فقالت على لسان أبي هاشم الجبائي :"الكلام هو الحروف المنظومة والأصوات المتقطعة وهوعرض خلقه الله لأن الأعراض محدثة لهذا كان كلامه محدثاً"(5) .


ثانياً : اللغة على التواضع : قاد خلاف المعتزلة والاشاعرة حول خلق القرآن إلى الخلاف على أصل اللغة أهي على التواضع أم فرض من عند الله ، لأن القول بقدم القرآن معناه كذلك القول بقدم اللغة العربية وهو ما رفضه المعتزلة الذين قالوا أن اللغة إنما هي على التواضع أي أن الناس تواضعوا على الأصوات الدالة واللغة إنما تطورت بالمواضعة حتى كانت دالة وإذا استندنا لذالك فكيف يكون القرآن قديما ولغته حادثة ؟! إن هذا لدليل دامغ أن القرآن مخلوق وليس بسرمدي (6) ، بينما اضطر الاشاعرة للقول بقدم اللغة لقولهم بقدم القرآن على أنهم على عادتهم اتخذوا من المواضعة موقفا تلفيقيا توسطي بأن قالوا أن اللغة في الأصل وقف من عند الله لكن البشر فيما بعد شطوا بالألسن عن لسان واحد وتواضعوا على مصطلحات جديدة (7) .


ثالثاً : الناسخ والمنسوخ : من أدلة المعتزلة على خلق القرآن أنه اشتمل على آيات ناسخة وأخرى منسوخة ، فقالوا لو صح القول بقدم القرآن ولا حدوثه إذا كيف يتفق اجتماع الناسخ والمنسوخ معا قبل التنزيل نفسه ؟!

والأصل عندهم أن الناسخ إنما خلق بعد المنسوخ .

 

نتيجة حول خلق القرآن : خلق القرآن ليس فكرا عبثيا ولا مسألة فلسفية مجردة تقصد إلى تنزيه الذات الإلهية فحسب ، إن القول بخلق القرآن هو تقرير بأن القرآن نص تفاعلي مع البيئة التي نزل فيها بكل لما لهذه الفكرة من دلالات عميقة تدفع الباحث قدما نحو كشف العلاقات التفاعلية التي تكتنف النص القرآني وتسلط الضوء على البيئة التي جاء فيها القرآن العربي مبينا ، نحن هنا إزاء علاقة جدلية عميقة يدخل فيها طرفا عقل اللغة إن جاز لنا التعبير وعقل اللغة إذا ما عرفته لقلت : هو الوعاء الذي يمثل أداة الإبانة والتفكير والشريك في عملية الفكر نفسها فاعل بها ومنفعل بها أيضا ، اللغة كما أراها عبر تطورها ليست مادة ميتة إنما مادة حية تأخذ من المجتمع وتعطيه وتحتوي كل دلالات الثقافة التي تعيش فيها ومن خلالها ، لذا فإن مبحث دراسة فقه اللغة والفقه المقارن لها ودراسة تاريخ اللغة هو مبحث هام وأساسي في فهم النص القرآني ، فالقرآن ليس نص لا تاريخاني منعزل خارج عن دورة التاريخ البشري وإلا لما جاء مبينا لعقل تلقاه بلغته السمة الشرعية لثقافته وبالتالي فهو بيأوي وإلا لما تمت له الإبانة في بيئته ولو وقع ذلك لما كان القرآن معقولا بعقل متلقيه ولما عاد نص ممكنا أصلا، وهذا ما يجعلنا نبحث أيضا عن وصل ما انقطع من تاريخ ما قبل وما بعد القرآن كذلك ، إن مبحث خلق القرآن يلقي جهدا بحثيا جبارا بين يدي المتلقي ويجعل عملية التفسير تدور بين معقولية اللغة ومعقولية المصدر ومعقولية المتلقي سواء كانت معقولية المتلقي الأول المتفاعل والشريك أو معقولية المتلقي البعيد تاريخيا والمخاطب بالنص أيضاً (8)،


(1) أنظر ابن رشد : مناهج الأدلة ، ص 165 ، ط. مصر 1955م.

(2) نفس المصدر الصفحة المذكورة وما بعدها ، انظر كذلك محمد عمارة : المادية والمثالية ، ص58-59 ، ط.مصر 1971م.

(3) الايجي : المواقف ، 30/197 ، ط.بيروت 1952م.

(4) اليماني : الفرق والتواريخ ، مخطوطة ، ورقة 107.

(5)القاضي عبد الجبار : المغني ، خلق القرآن ، 7/3 ،ط.مصر الأولى .

أيضاً : المحيط بالتكليف ، ص 306 ، ط.مصر 1965.

أيضاً : ابن أبي الحديد : شرح نهج البلاغة ، 26/558 ، ط.مصر الأولى .

(6) حول أصل اللغة على المواضعة انظر باستفاضة : الجاحظ في كتابه الحيوان قسم اللغة ، وكذلك كتاب العلامة لويس عوض الموسوعي :فقه اللغة.

(7) لإستجلاء موقف الأشاعرة من أصل اللغة أنظر ابن جني : الخصائص.

(8) نعتقد أن أهم باحث استجلى وورث الفهم العلمي الحقيقي لمسألة خلق القرآن هو العلامة الدكتور نصر حامد أبو زيد ، وننصح بشدة بقراءة عمليه الهامين 

 

الأول:  رسالته للماجستير : تطور مفهوم المجاز عند المعتزلة.

 

والثاني : مفهوم النص ، والذي اعتبره شخصيا أهم دراسة وضعت في محاولة فهم وتأسيس منهج تفسيري علمي للقرآن في تاريخ التفسير العربي كله.