تراث وفقـه
 
 

 

تنقية الاسلام من الشوائب 

شكراً للسيد أشرف عبد القادر الذي طرق موضوع تنقية التراث الإسلامي من شوائبه ومن الأحاديث التي يتخذها المتطرفون من أمثال الغنوشي لإرهاب الغير، أو يتخذها غيرهم وسيلةً لنقد العقول التي تؤمن بما ليس عليه برهان. وشكراً للدكاترة عبد الخالق حسين / و سلمان مصالحة على آرائهم التي ربما تُبقي باب النقاش في هذا الموضوع المهم مفتوحاً حتى يطرح المؤيدون والمعارضون آراءهم. وقد أحسن الدكتور عبد الخالق عندما نبه إلى خطورة زعم أن كتاب " المجهول في حياة الرسول " قد ألفه قس، لأن ذلك ربما عاد على المسيحيين بضرر عظيم دون أي دليل أن الكتاب قد ألفه قس. والمسيحيون في غنى عن ذلك إذ أنهم يتكبدون سوء المعاملة في مصر وفي العراق دون أن يتهجموا على الإسلام. ويقول د. عبد الخالق حسين:

 " هناك خطورة كبيرة في هذه الدعوة ( دعوة مراجعة كتب الأحاديث). فالبخاري إمام كبير محترم وموثوق به من قبل جمهرة واسعة من المسلمين وقد انتقى الأحاديث الشريفة من بين مئات الألوف من الأحاديث المشكوك بصحتها واختار منها حوالي سبعة آلاف حديث، وسمي كتابه بصحيح البخاري، وهو أحد الصحاح الستة المعتمدة عند معظم المسلمين ومن جميع المذاهب، السنية والشيعية. وكذلك صحيح مسلم ومسند أحمد بن حنبل الذي هو إمام ومؤسس مذهب الحنبلية. فهل يصح لأبناء هذا العصر أن يسطوا على جهود أئمة فجر الإسلام ويتلاعبوا بكتبهم وصحاحهم لأن هناك من يستغل هذه الأحاديث لأغراض لا تلائم مزاجيتنا؟ " ومع أن المسلمين السنة يتفقون على صحيح البخاري و صحيح مسلم فليس هناك أي اتفاق بين الشيعة وبقية المذاهب الأخرى العديدة على الصحيحين أو أي مجموعة من الأحاديث. فمثلاً عندما ألف الإمام الجويني كتابه " نهاية المطلب في دراية المذهب " في الفقه الشافعي، لم يذكر ولا حديث واحد من الأحاديث التي جمعها البخاري في صحيحه. وكمية كتب الأحاديث خير دليل على عدم اتفاق المسلمين.

 

 فلنذكر جزءاً منها على سبيل المثال: صحيح البخاري، صحيح مسلم، صحيح ابن خزيمة، صحيح ابن حيان، سنن الترمذي، سنن أبي داود، سنن أبن ماجة، سنن النسائي، زوائد ابن ماجة، مسند الأمام أحمد، مسند الإمام الشافعي، موطأ مالك، المعجم الكبير للطبراني، مجمع الزوائد للهيثمي، نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني، كنز العمال للمتقي الهندي، رياض الصالحين للإمام النووي، تحفة الأحوذي للمباركفوري، الجامع الصغير لجلال الدين السيوطي. كل هذه الكتب فيها بعض الأحاديث التي لا يقبل بها الآخرون. وللشيعة كتبهم الخاصة التي تجمع أحاديث أهل البيت، وهي كثيرة. فقد قال الحافظ بن عقدة: " أنا أجيب في ثلاثمائة ألف حديث من حديث أهل البيت " ( شذرات الذهب للدمشقي، ج2، ص 332).

 

والناس الذين جمعوا الحديث لم يكونوا يتمتعون بالأمانة أو دقة التحقيق التي نوصفهم بها، فلنقرأ ما يقول الإمام ابن الجوزي فيهم: " قال ابن الجوزي في مقدمة الموضوعات: اعلم أن الرواة الذين وقع في حديثهم الموضوع والكذب والمقلوب خمسة أقسام: (الأول): قوم غلب لديهم الزهد والتقشف فغفلوا عن الحفظ والتمييز ومنهم من ضاعت كتبه أو احترقت أو دفنها ثم حدّث من حفظه فغلط فهؤلاء تارة يرفعون المرسل وسيندون الموقوف وتارة يقلبون الإسناد وتارة يدخلون حديثاً في حديث (الثاني): قوم لم يعانوا علم النقل فكثر خطئوهم وفحش على نحو ما جرى في القسم الأول.(الثالث): قوم ثقات لكن اختلطت عقولهم في أواخر أعمارهم فخلطوا في الرواية (الرابع): قوم غلبت عليهم الغفلة ثم انقسم هؤلاء فمنهم من كان يلقن فيتلقن ويقال قل فيقول وقد كان بعض هؤلاء يضع له الحديث فيرويه ولا يعلم ومنهم من يروي الأحاديث وإن لم يكن سماعاً ظناً منه أن ذلك جائز وقد قيل لبعض ضعفائهم هذه الصحيفة سماعك فقال لا ولكن الذي رواها مات فرويتها مكانه. (الخامس): قوم تعمدوا الكذب." ( اللآلئ المصونة للسيوطي، فوائد متفرقة ). ويقال إن البخاري كان يختار الأحاديث التي يضمها في صحيحة عن طريق " الخيرة "، أي أنه عندما يستعد للنوم يفكر في عدة أحاديث ثم ينام عليها وعندما يفيق من نومه يكتب الأحاديث التي يعتقد أن النبي قد اختارها له.


وإذا تعرضنا لعدد الأحاديث فهي مبالغ فيها. يقول محقق كتاب ابن الجوزي ( أحكام النساء) إنه جمع براية أقلامه التي كتب بها حديث رسول الله (ص) فحصل منها شئ كثير، وأوصى أن يُسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته، ففُعل ذلك، فكفت وفضل منها. ( أحكام النساء، ص 47). والإمام أبو زكريا يحيي بن معين البغدادي الذي حدّث عنه الإمام أحمد والشيخان، جاء عنه أنه قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث. وقال أحمد بن حنبل: كل حديث لا يعرفه يحيي بن معين فليس حديث.( شذرات الذهب للدمشقي، ج2، ص 80). فلو عرفنا أن النبي عاش 23 سنة بعد بدء الرسالة، وإذ قسمنا هذه الأحاديث على عدد الأيام التي عاشها لاتضح لنا أنه كان يقول كل يوم 71 حديثاً. وقال إبراهيم الحربي لما صنف أبو داود كتاب السنن ألين لأبي داود الحديث كما ألين لداود الحديد وكان يقول كتبت عن رسول الله خمسمائة ألف وثمانمائة حديث ذكرت الصحيح وما يشبهه ويقاربه ويكفى الإنسان لدينه من ذلك أربعة أحاديث. " شذرات الذهب للدمشقي، ج2، ص 167). فما دامت أربعة أحاديث تكفي الإنسان لدينه، لماذا كل هذا الكم الهائل من الأحاديث؟


وإذا تحدثنا عن نوعية التراث، سواء أكان الأحاديث أو السيرة النبوية أو التاريخ الإسلامي، نجد كثيراً من الغث الذي لا يقبله عقل ومع ذلك فهو مدون ويُعتبر جزءاً من التراث الذي نحافظ عليه. فإذا أخذنا الأحاديث نجد، مثلاً، الحديث عن المرأة التي وأدت ابنتها في الجاهلية فقال النبي عنها: " ‬الوائدةُ‮ ‬والموءودةُ‮ ‬في‮ ‬النّار،‮ ‬إلاّ‮ ‬أنْ‮ ‬يُدْركَ‮ ‬الوائدةَ‮ ‬الإسلامُ،‮ ‬فيعفو الله عنها. " فمثل هذا الحديث يعارض العقل ويعارض العدل الإلهي ويعارض القرآن نفسه. فقد نفهم أن يعذب الله الوائدة لأنها قتلت ابنتها ولكن كيف نعلل دخول المولودة التي قُتلت ساعة ولادتها النار؟ ألا يعارض هذا مفهوم العدل الإلهي؟ كيف يعذب الله الأطفال؟ ثم أن القرآن يقول " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " والمرأة الجاهلية وابنتها لم يبعث الله لهما رسولاً إذ ماتا قبل بعثة محمد. يقول الفقهاء إن الناس الذين عاشوا في الفترة بين عيسى ومحمد سوف يسألهم الله يوم القيامة، فإن أجابوا بما يفيد أنهم كانوا سوف يسلمون لو أدركوا النبي، يدخلون الجنة ويدخل غيرهم النار. ولكن العرب الذين عاشوا هذه " الفترة " لم يكن عيسى مرسلاً لهم ولا كانوا يفهمون لغته، والقرآن يقول: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه "، ثم أن الله يعلم ماذا كانوا سوف يفعلون، فلماذا يسألهم يوم القيامة وهو يعلم مسبقاً؟ والحديث الذي سقناه حديث واحد من آلاف لا يقبلها العقل. وهناك روايات عن النبي لا يقبلها العقل إطلاقاً، فمثلاً الرواية التي قال بها مسلم، كما يقول بن باز: " صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث أخرى أنه دعا بعض الشجر فانقاد له وذلك من علامات النبوة ، والقصة ثابتة في صحيح مسلم وذلك أنه في بعض أسفاره أراد أن يقضي حاجته فدعا شجرتين فالتأمتا وجلس بينهما حتى قضى حاجته ، ثم رجعت كل شجرة إلى مقرها. " ( فتاوى بن باز، ج6، ص 338)


وإذا أخذنا كتاباً واحداً من كُتب التاريخ، مثلاً تاريخ الإسلام للذهبي، نجد عدة قصص لا تقيم للعقل وزناً، منها: " وقال يوسف بن عديّ: ثنا جعفر بن جسر، أخبرني أبي، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيّب قال: قال ابن عمر: كان راع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غنم له، إذ جاء الذئب فأخذ شاةً، ووثب الراعي حتى انتزعها من فيه، فقال له الذّئب: أما تّتقي الله أن تمنعني طعمة أطعمنيها الله تنزعها منّي! وذكر الحديث " ( ج1، ص 87). وكذلك: " وقال عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الطّفيل بن أبيّ بن كعب، عن أبيه: كان النّبيّ صلى الله عليه وسلم يصلّي إلى جذع ويخطب إليه، فصُنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر، فلمّا جاوز النّبيّ صلى الله عليه وسلم ذلك الجذع إلى المنبر خار الجزع حتى تصدّع وانشقّ، فنزل النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمّا سمع صوت الجذع، فمسحه بيده، ثم رجع إلى المنبر " ( ج1، ص88). وكذلك عن أم أيمن مولاة النبي: " لما هاجرت أم أيمن أمست بدون الروحاء فعطشت وليس معها ماء، فدلي عليها من السماء دلو فشربت، فكانت تقول: ما عطشت بعدها " ( ج2، ص 578). والتراث محشو حشواً بمثل هذا. فهل أم أيمن أكرم عند الله من الحسين بن عليّ الذي مات عطشاناً عندما منعه جيش يزيد من الاقتراب من النهر؟ لماذا لم ينزل الله له دلواً من السماء؟ والتراث خاصةً الأحاديث يناقض بعضها بعضاً، كما يقول د.

 

 سلمان مصالحة في مقاله عن التراث: " ‬فإذا رفضنا الأخذ بقول ابن عبّاس،‮ ‬لأنّه نقيض للحديث النّبوي‮ ‬السّابق الّذي‮ ‬يقول إنّ‮ "‬الوائدة والموءودة في‮ ‬النّار‮"‬،‮ ‬فهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنّ‮ ‬الشكّ‮ ‬بجزء من أقوال ابن عبّاس‮ ‬يستوجب الشكّ‮ ‬بكلّ‮ ‬أقواله وفي‮ ‬كلّ‮ ‬المواقع الّتي‮ ‬ترد فيها،‮ ‬من قِبَل أنّ‮ ‬الشكَّ‮ ‬في‮ ‬الجزء‮ ‬يستوجبُ‮ ‬الشكَّ‮ ‬في‮ ‬الكلّ‮. ‬أي‮ ‬أنّنا مُلزمون بإعادة نظر في‮ ‬كلّ‮ ‬ما روي‮ ‬عن ابن عبّاس في‮ ‬المراجع الإسلاميّة،‮ ‬بغية الاحتياط على الأقلّ‮. ‬ومن جهة أخرى،‮ ‬إذا أخذنا برأيه،‮ ‬فهذا‮ ‬يعني‮ ‬أنّ‮ ‬قوله‮: "‬من قال‮... ‬فقد كذب‮«‬،‮ ‬فيه تكذيب لما ورد في‮ ‬الحديث النّبوي‮ ‬السّابق،‮ ‬وهو أمر لا‮ ‬يقبل به المؤمنون بالإجماع،‮ ‬إذ أنّ‮ ‬الحديث النّبوي‮ ‬ورد في‮ ‬هذا التّراث الّذي‮ ‬يجمعون عليه‮. ‬" فما العمل هنا؟


إذا حاولنا تنقية التراث كما يقول السيد أشرف، ندخل في مشكلة عويصة بيّنها د. عبد الخالق حسين حينما قال: " هناك اعتراض آخر، فأين ستقف عملية التطهير والتنظيف هذه؟ إذ 

 

ليس هناك إجماع على معظم الأمور في الإسلام. فبإمكان أي شخص إثارة الشكوك ضد أغلب الأحاديث، أو إعطاء تفسير مختلف للآيات الكريمة والأحاديث الشريفة، ولذلك هناك مذاهب متعددة في الإسلام وكل فرقة تدعي أنها هي وحدها الناجية ." ويقول د. مصالحة وأنا أتفق معه: "علينا أن ننزع القدسيّة عن هذا الماضي،‮ ‬كما علينا أن نكرّس جهدنا في‮ ‬إعمال العقل‮ ‬فيه دون فرض أيّ‮ ‬رقابة على العقل". فإذا نزعنا القدسية نستطيع أن نقول إن كل الأحاديث مشكوك فيها ولا يمكن أن نثبت أن أي حديث قد نطق به النبي محمد في حياته، كما يقول المستشرق الألماني جوزيف شاخت في كتابه "دراسات إسلامية". و لأن النبي قد منع الصحابة من كتابة أي شئ عنه إلا القرآن، ظلت الأحاديث تتناقل شفهياً لما يزيد عن المائة وخمسين عاماً مما سهّل على الأمويين ومن بعدهم العباسيين إضافة آلاف الأحاديث المنحولة. ولماذا نحتاج الأحاديث والله يقول لنا في القرآن: "ما فرطنا في الكتاب من شئ"؟ فالقرآن يحتوي على كل ما يحتاجه المسلم لتقنين الصلة بينه وبين الله وبينه وبين بقية الناس، وهذه هي مهمة الدين. وعليه إذا تخلصنا من الأحاديث كليةً، يبقي القرآن هو المصدر التشريعي الوحيد، وعندها ينتهي رجم الزانية والزاني وجلد شارب الخمر وضرب المثليين وبعض الأحكام الأخرى التي لا تتفق والعصر الحديث، إذ أن كل هذه الأحكام غير موجودة في القرآن. وهذه الدعوة يدعو بها الشيخ د. أحمد صبحي منصور وجماعة " القرآنيين " التي كانت قد بدأت في القرن الأول الهجري وظلت تعمل في الخفاء خوفاً من السلطات التي تنكل بهم، وما زال القرآنيون ينشطون في المغرب ومصر وغيرها. وقد قال بهذا الرأي كذلك واصل بن عطاء شيخ المعتزلة الأول، حين قال: "الحق يعرف من وجوه أربعة - كتاب ناطق - وخبر مجمع عليه - وحجه عقل - وإجماع الأمة". والكتاب الناطق هو القرآن، والخبر المجمع عليه هو حديث أو خبر أجمعت عليه الأمة الإسلامية، وهذا شئ بعيد المنال إذ أن الأمة لم تجمع على أي شئ. وإجماع الأمة كذلك من المستحيلات. فيبقى لنا الكتاب الناطق وحجة العقل. فإذا قال المعتزلة بهذا القول في القرن الثامن الميلادي، ألا نستطيع نحن في القرن الحادي والعشرين تطبيقه؟


ثم تبقي لدينا مشكلة مع النص القرآني وتفسيره. هل نلتزم بتفسير السلف ونحافظ على الحض على عدم موالاة غير المسلمين وقتال الكفار وتحقيرهم وتحقير معتقداتهم والكراهية العمياء لليهود، أم نرجع إلى أسباب النزول ونقول إن آيات القتال نزلت في مناسبات معروفة وفي ظروف قد انتهت ولن ترجع وعليه نوقف العمل بها، كما أوقف عمر بن الخطاب العمل بآية المؤلفة قلوبهم عندما قوى الإسلام وما عاد في حاجة لاستمالة قلوبهم؟ أرى أن القول بالرجوع إلى أسباب النزول قولٌ سديد قد يسد الطريق أمام جماعات الجهاد والاستشهاد التي نبتت في البلاد الإسلامية كالنبت الشيطاني. وكل هذه الجماعات تستشهد بالتراث وتجد فيه ما يدعم آراءها. فجماعة السلفية الجهادية للدعوة والقتال في الجزائر، وجماعة الهجرة والتكفير في مصر وفيلق بدر في إيران، وأنصار السنة وكتائب علي بن أبي طالب بالعراق، وجماعة "أبو سياف" بالفلبين والجماعات التكفيرية العديدة في لندن وأوربا، مثل جماعة "المهاجرون" كلها تستمد أسماءها من التراث و تستشهد بآيات نزلت لقتال الكفار في بداية الإسلام، وبأحاديث مثل "ليس شئ أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة من دم تهراق في سبيل الله" ( تحفة الأحوذي، باب في ثواب الشهيد). فهل من سامع أو مجيب