ترددت
كثيراً قبل أن أكتب هذا الكتاب
لأني أخشى أن تثور عليّ عقولٌ قد
حكم عليها علماء المسلمين
بالتحجر من قبل ستمائة عامٍ لما
أغلقوا باب ألاجتهاد في القرن
الرابع عشر. ومنذ ذلك الحين لم
يتجرأ أحد أن يقرأ القرآن قراءة
نقدية لأنه سوف يُرمى بالا لحاد
والهرطقة كما رُمى غيره، ولن
يكون مصيره أحسن حالاً ممن سبقوه.
ففي العصر الحديث هناك عدة
كُتّاب وباحثين أصابهم الأذى من
المتشددين عندما حاولوا دراسة
الإسلام دراسة نقدية. فالكاتب
الإيراني علي الدشتي سجنه
الخميني لمدة ثلاثة سنوات ومات
في ظروف غامضة إثر نشر كتابه "ثلاثة
وعشرون عاماً 23 Years" الذي انتقد
فيه الإسلام. وفي مصر عندما قال
الشيخ علي عبد الرزاق الذي كان
أستاذا بالجامع الأزهر، يجب فصل
الدين عن الدولة، قامت الدنيا
ولم تقعد حتى تكونت لجنة من
العلماء الإسلاميين لمحاكمتة في
عام 1925، وأصدرت حكمها بإدانة عبد
الرزاق وفصله من منصبه بالجامع
الأزهر ومنعه من تقلد أي منصب
ديني في البلاد.1
وحتى الدكتور طه حسين عندما علق
على بعض النقاط في القرآن في
كتابه "الشعر الجاهلي"،
ثارت ثورة المتعصبين حتى طُرد
الدكتور طه حسين من جميع مناصبه
الحكومية. وفي السودان عندما
أنشأ الأستاذ محمود محمد طه حزب
"ألاخوان الجمهوريين" وحاول
تقليل دور الشريعة في قوانين
الدولة، اتهموه بالإلحاد وحرقوا
كتبه. ولما قال الأستاذ محمود
محمد طه انه وصل مرحلةً من العلم
جعلت الفرائض العادية كالصلاة لا
تنطبق عليه، وهي نفس المقولة
التي قالها الصوفيون في القرن
الحادي عشر، وجد الإسلاميون
فرصتهم سانحة فحكموا عليه
بالإعدام وشنقوه عام 1985
وإذا رجعنا إلى ما يسمى بالعصر
الذهبي للإسلام، وهو عصر الدولة
العباسية، وقبله لفترة وجيزة،
الدولة الأموية، نجد أن الذين
تجرأوا وانتقدوا الإسلام لاقوا
نفس المصير الذي لاقاه المتنورون
في العصر الحديث. فعندما اعتلى
الخليفة المامون العرش، تبني
أفكار المعتزلة وقال ان القرآن
مخلوق، وجعل أجهزة الدولة تُملي
هذا الرأي على العلماء. ولكن
عندما تولى المتوكل زمام الأمور
في عام 847 أصدر أوامره بعقاب كل من
يقول ان القرآن مخلوق. وسرعان ما
أمسك الرجعيون بهذه الذريعة
ورموا كل من تجرأ واظهر أي رأي
مخالف لهم بالزندقة. وحتى في
الدولة الأموية اتهموا
المتنورين بالزندقة وقتلوهم.
وكان أول من قتلوه بتهمة الزندقة
رجل يُدعى جاد بن درهم، قُتل بأمر
الخليفة الأموي هشام بن عبد
الملك عام 742. وكانت جريمة هذا
الرجل انه قال إن الله لم يكلم
موسى ولم يتخذ إبراهيم خليلاً.
وفي عهد الخليفة العباسي المنصور
بدأت محاكم التفتيش ضد الزنادقة،
وعينوا مفتشاً عاماً كان يُعرف
باسم "صاحب الزنادقة". وفي
هذه الفترة قتلوا كل من شكوا فيه،
وكان من جملة الذين قُتلوا أبن
المقفع الذي كان قد انتقد
الإسلام ورسوله محمد، وكذلك أبن
أبي العوجاء.2
وكذلك الشاعر بشار بن بُرد الذي
قُتل عام 784، وصالح بن عبد القدوس
الذي قتُل عام 783. وأبو عيسى
محمد بن هارون الوراق نفوه إلى
الأهواز ومات بها عام 909.
وأخيراً وليس آخراً حسين بن
منصور(الحلاج) وقد كان متصوفاً
يحب الذات العليا ويكاد يندمج
معها من كثرة حبه لها. دعاه هذا
الحب إلى أن يقول "أنا الحق".
وبما أن الحق اسم من اسماء الله
الحسنى، أتهموا الحلاج بالزندقة
وحكموا عليه بالصلب. وعندما رأى
الصليب منصوباً والناس متجمهرة
حوله قال، مخاطباً الله : "وهولاء
عبيدك الذين اجتمعوا هنا اليوم
لقتلي دفاعاً عن دينك وطمعاً في
كسب اجرك، أغفر لهم يا ربي واغدق
عليهم رحمتك".3
والتعصب الديني ليس وقفاً على
الاسلام، ففي العام 399 قبل
الميلاد عندما كانت أثينا
باليونان مركزاً للآلهة
اليونانيين الذين سكنوا "ألاكروبوليس"،
حكمت محكمةٌ في أثينا على سقراط،
أعظم الفلاسفة على ألاطلاق، بأن
يشرب السم ويموت لانه لم يؤمن
بآلهتهم الذين كانوا يسكرون
ويتشاجرون فيما بينهم، تماماً
كما كان يفعل الاثينيون أنفسهم.
ومات سقراط مسموماً.
وفي القرن السادس عشر بعد
الميلاد عمّت اوربا المسيحية
موجةٌ من التعصب الكنيسي لم يسبق
لها مثيل. وتبارت المدن في إنشاء
محاكم التفتيش التي كانت قد
ابتدأت في إسبانيا. وفي العام 1553
تمت إدانة طبيب إسباني كان يعمل
في سويسرا بالهرطقة. أسم هذا
الطبيب هو ميكائيل سرفيتيوس.حكموا
عليه بأن يُحرق حياً لأنه رفض ان
يؤمن بتعميد الأطفال
"Christening" وبالثالوث "الله
والابن والروح القدس". ونُفذ
الحكم يوم 27 أكتوبر 1553.
وفرنسا التي نقول عنها داعرة،
كانت في قبضة محاكم التفتيش كذلك.
ولما شعر رجال الكنيسة في فرنسا
أن سويسرا قد فازت بجائزة حرق
سرفيتيوس، صنعوا تمثالاً
لسرفيتيوس وحرقوه حتى لا يفوتهم
أجر حرق الملحدين. وقام زعيمهم
"ميلانكتون" وخطب فيهم وحمد
الله على معاقبة هذا الرجل
الملحد وقال إن حرقه يدل على ورع
أهل سويسرا. شخص واحد فقط تجرأ
على الدفاع عن سرفيتيوس وهو "جوريس
البازلي" ولكنه نشر دفاعه تحت
أسمٍ مستعار. ولما توفى جوريس
واكتشفوا انه هو الذي دافع عن
سرفيتيوس، نبشوا قبره واخرجوا
جثته وحرقوها عام 1566.
وفي الشام كانت هناك فيلسوفة
وثنية أسمها هيبا شيا
الاسكندارية كانت تعلم الناس
الافلاطونية المحدثة ورفضت
تهديدات الاسقف كيرلس لها لتعتنق
المسيحية. فسلط الاسقف عليها
زبانيته من الرهبان والجنود في
جيش الكنيسة، فترصدوا
بالفيلسوفة وانتزعوها من عربتها
وسحبوها الى كنيسة قيصرون وراحوا
يلهون بتجريدها من ملابسها ثم
جروها الى الشارع ورجموها
بالحجارة فلما اصبحت جثة هامدة
مثلوا بها أشنع تمثيل إذ قطعوها
إرباً وألقوا بعض أشلائها طعماً
للنيران، ودفنوا ما بقى من أشلاء
في مكان خرب.4
وعلماء المسلمين لم يكونوا أقل
ورعاً عن زملائهم السويسريين،
فحرقوا المفكرين بحجة الزندقة،
كما رأينا. والمأساة الحقيقية أن
كل رجال الدين من أغريق وفرنسيين
واسبانيين وغيرهم وضعوا نصب
أعينهم صخرةً ضخمة تمثل في
أذهانهم الدين الحق الذي لا
يتغير ولا يتطور. وفات عليهم أن
يروا ما بداخل الصخرة. ويُحكى أن
طفلاً مر على نحّات كان يتأمل
صخرةً من الجرانيت، وقال الطفل
للنحات : ما الذي تبحث عنه؟
فقال له النحات : أصبر بضعة
أيام وسوف تعرف. وبعد مرور عدة
أيام رجع الطفل للصخرة وراى
مكانها تمثالاً لحصان. وأُعجب
الطفل بالحصان وظل يتأمله لفترةٍ
ثم قال للنحات : إنه حقاً حصانٌ
جميل، ولكن كيف عرفت انه كان داخل
الصخرة.
لا نحتاج أن نقول أن عاصفة محاكم
التفتيش والتزمت الديني التي
اجتاحت اوربا في القرون الوسطى
قد ماتت وانقشع غمامها ولم يعد
الدين في أوربا فرضاً على الناس
ولم يعد رجال الدين فؤوساً
مسلطةً على رقاب الناس.
ألاوربيون الان يعتقدون أن الدين
مسألةٌ شخصية بين الانسان وربه
ولا دخل للدولة فيها ولا لرجال
الدين في الدولة. وفي المستقبل
الذي قد يكون بعيداً ستنقشع
غمامةُ التعصب الديني عن الاسلام
والمسلمين، ويكتشف المسلمون
عقولهم ويبدأون عملية التفكير في
الدين ونقد ما لم يكن مسموحاً لهم
بنقده. وبذا يتخلصون من العقلية
التي سمحت ل "الطلبان"
بإرجاع أفغانستان أربعة عشر
قرناً للوراء، وانجبت لنا منظمة
"القاعدة" التي جعلت حياة
المسلمين في أمريكا وأوروبا
كحياة المجرمين الذين لا يتجرأون
على دخول اي من مطارات العالم خوف
الذلة التي يتعرضون لها.
لا بد وأن يتبادر إلى ذهن القارئ
والناقد على حد سواء، سؤال مهم
ألا وهو : لماذا هذا الكتاب؟
أهو من أجل الشهرة حسب قاعدة خالف
تُعرف؟ أم من أجل الثراء السريع؟
أما الإسلامي الأصولي المتشدد
فلابد وأن يذهب إلى أبعد من ذلك
ويُقسم ان هذا الكتاب جزءٌ من
المؤامرة التي تقودها القوى
الصليبية والإمبريالية
والاستعمارية والصهيونية على
الإسلام والمسلمين!!
وجوابي على هؤلاء، بالتأكيد ليس
من أجل الشهرة لأني أخشى الشهرة
في مثل هذه الظروف. كذلك ليس
للثراء ، لأن الكاتب العربي لا
يمكن أن يحقق أي ثروة من نشر
كتاباته إلا ما ندر، بل غالباً ما
يدفع المؤلف تكاليف الطباعة
والنشر من جيبه دون أي ربح مادي.
ولكن السبب الحقيقي لنشر الكتاب
هو أبعد من ذلك، ألا وهو ما يشعر
به المثقف الواعي من مسئولية
إخلاقية وعلمية وتاريخية إزاء
الأمة والإنسانية، خاصة عندما
يرى الأمة مهددة بالإنقراض بينما
الأمم الأخرى تحث الخطى في سباق
مستمر نحو التقدم السريع في عصر
العولمة والتكنولوجية المتطورة
والثورة المعلوماتية المدهشة
التي حولت العالم إلى قرية
صغيرة، في الوقت الذي يحاول
السلفيون المتشددون وضع
المسلمين في شرنقة السلفية
وعزلهم عن العالم والعودة بهم
بالقوة إلى الوراء، إلى العصور
الغابرة باسم الإسلام النقي أيام
السلف الصالح كما حصل في
أفغانستان أيام حكم الطالبان.
نعم أن العالم العربي يمر في
مرحلة عصيبة، ولكن من المسئول عن
هذه المحنة التي يمر بها العرب
والمسلمون عامةً؟ لا شك أنها من
صنع العرب والمسلمين أنفسهم
ورغبتهم العارمة بالرجوع
بانفسهم الى عصر الاسلام الذهبي
قبل اربعة عشر قرناً من الزمان.
وقاد هذا الهوس بالماضي الجماعات
السلفية الي تنفيذ فاجعة 11 سبتمر
عام 2001 التي جعلت الإسلام
مرادفاً للإرهاب والمسلم
مرادفاً للإرهابي، وقسّموا
العالم إلى معسكرين متناحرين في
رأيهم : (إما فسطاط الإيمان أو
فسطاط الكفر.. وإما نحن وإما هم
ولا يمكن التعايش بينهما!!) على
غرار بعض المتشددين الغربين
الذين قالوا : (الغربُ غربٌ
والشرقُ شرقٌ ولا يلتقيان). وهذه
النزعة الإنتحارية هي ضد
الإنسانية والحضارة العالمية،
ناهيك عن تناقضها تماماً مع روح
الاديان وجوهرها.
إن القوة الدافعة وراء المتطرفين
لإرتكاب ما يرتكبون من فظائع هي
إعتقادهم بأن سبب تدهور الأمة في
الوقت الراهن ناتج عن تخلي
المسلمين عن الإسلام النقي!!
والعلاج لعلتنا في رأيهم يكمن في
العودة إلى التعاليم الإسلامية
الأصولية المتشددة كما كان في
عهد الخفاء الراشدين.
نعم، لقد جاء الإسلام في وقت كان
العرب فيه مشتتين إلى قبائل
متناحرة في حروب وغزوات مستمرة،
لا يشعرون بالتقارب فيما بينهم
ويعبدون الأصنام، فلكل قبيلة
صنمها. واستطاع محمد بن عبدالله،
بعد جهد جهيد وغزوات متعددة، ان
يتخلص من اصنامهم ويوحد هذه
القبائل العربية المتناحرة
بتوحيد معبودهم وتكوين دولة قوية
منهم ذات شكيمة وجيش جرار احتلت
بهما العالم من أسبانيا إلى
الهند والسند وأجزاءً من الصين.
ونتيجة لهذا التلاقح بين
الحضارات السابقة وعرب الجزيزة،
الذين اتاح لهم استعمارهم للدول
الاوربية والاسيوية فرصة
الاختلاط بهذه الشعوب والتعرف
على حضاراتهم، حصلت القفزة
النوعية في التقدم الحضاري في
العصر الإسلامي العباسي كان من
نتيجتها ما يسمى بالحضارة
الإسلامية المتقدمة التي بلغت
عصرها الذهبي في عصر الخليفة
هارون الرشيد.
ولكن هل كان عصر الخلفاء
الراشدين عصراً اسلامياً ذهبياً
كما يتوهم السلفيون؟ فاذا نظرنا
لهذا العهد نجد ان الخلاف قد دب
بين المسلمين بمجرد ان مات النبي.
فنجد ان الانصار والمهاجرين
أوشكوا ان يتقاتلوا بالسيوف علي
من سيخلف الرسول، هل يكون من
الانصار ام من المهاجرين. أراد
ألانصار ان يبايعوا سعد بن
عبادة، واراد المهاجرون ان يكون
الخليفة منهم. ولما بايع عمر بن
الخطاب أبا بكر قال المهاجرون لن
نبايع الا علياً، واعتكف قادتهم
في منزل علي بن ابي طالب.
فذهب عمر بن الخطاب الى منزل علي
وفيه طلحة والزبير ورجالُ من
المهاجرين، فقال لهم : والله
لتخرجن للبيعة او لاحرقن عليكم
البيت. فخرج عليه الزبير مسلطاً
سيفه فعثر فسقط منه السيف،
فوثبوا عليه واخذوه منه.5
ولما رسا ألاختيار على أبي بكر
للخلافة أمتنع علي بن ابي طالب عن
مبايعته لمدة ستة أشهر6،
لاعتقاده أن الخلافة يجب أن تكون
في بيت رسول الله. وكذلك لما
أختاروا عثمان بن عفان للخلافة،
قال عليّ ان اختيار عثمان كان
خدعةً، والسبب في ذلك ان عمرو بن
العاص كان قد لقي علياً وقال له
ان عبد الرحمن بن عوف، الموكل
باختيار الخليفة، رجل مجتهد وانك
ان اعطيته العزيمة زهد فيك ولكن
اعطه الجهد والطاقة، يرغب فيك. ثم
ذهب عمرو الى عثمان بن عفان وقال
له : إن عبد الرحمن رجل مجتهد
وليس والله يبايعك على الخلافة
الا بالعزيمة، فاقبل ما يقول لك.
فلما وقف عبد الرحمن بن عوف في
المسجد وسأل علياً : هل انت
مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه
وفعل ابي بكر وعمر؟ قال علي :
اللهم لا، ولكن على جهدي من ذلك
وطاقتي ( حسب ما أوصاه به عمرو بن
العاص). فسأل عبد الرحمن بن عوف
عثمان نفس السؤال فقال عثمان :
نعم. فاختار عبد الرحمن بن عوف
عثمان للخلافة. فخرج علي من
المسجد وهو يقول : خدعةٌ وايما
خدعة.7
ولم تكن هناك مساواة بين
المسلمين كما يقول الاسلام. فلما
اراد عمر توزيع بيت المال، أعطى
العباس، عم النبي، خمسة وعشرين
ألف دينار واعطى لكل واحد من
الذين شهدوا ( حاربوا في) موقعة
بدر خمسة ألاف واهل القادسية
والشام ( الذين حاربوا في هذه
المواقع) ألفين، واعطى نساء
النبي عشرة الاف لكلٍ الا اللائي
كن ملك يمينه ( مثل صفية)، فقالت
له نساء النبي ان النبي لم يكن
يفرق بينهن، فساوى بينهن ولكن
زاد عائشة ألفين لمحبتها عند
الرسول.8
فأين إذاَ حديث الرسول "المسلمون
سواسية كأسنان المشط"؟ فهذا هو
عمر، الخليفة العادل، يحابي أهل
البيت ويفضل بعضهم عل بعض
ويفضلهم على المسلمين الاخرين،
رغم الحديث بتساويهم. أليست هذه
النواة للفساد المالي الذي حدث
في عهد الخليفة عثمان وما يحدث
ألان في البلاد المحكومة
اسلامياً كالسعودية والسودان؟
ففي خلافة عثمان صارت المحسوبية
وصرف أموال بيت المال علي أقاربه
من ألاشياء المألوفة، فقد ذكر
محمد بن عمر أن عبد الله بن جعفر
حدثه عن أم بكر بنت المسور عن
ابيها انه قال : قدمت أبل من
أبل الصدقة الى عثمان فوهبها
لبعض بني الحكم (من بني أمية) من
أقاربه.9
وقد حابى عثمان اقاربه في كل شئ
حتى ثار عليه الناس فخرج يخطب
فيهم الخطبة التي نزع فيها، فقال :
أما بعد أيها الناس، فوالله ما
عاب من عاب منكم شيئاً أجهله، وما
جئت شيئاً الا وانا أعرفه، ولكني
منتني نفسي وكذبتني وضلّ عني
رشدي، وسمعت رسول الله (ص) يقول :
من زل فليتب ومن أخطأ فليتب ولا
يتمادى في الهلكة، فأنا أول من
أتعظ. أستغفر الله مما فعلت وأتوب
اليه، فمثلي نزع وتاب. 10
وفي مرة اخرى عندما اجتمع الناس
ببابه لاستيائهم منه، طلب من
قريبه مروان بن الحكم ان يخرج
للناس فيكلمهم لان عثمان قال انه
يستحي ان يكلمهم. فخرج اليهم
مروان وكلمهم فانصرفوا. ولما سمع
علي بن أبي طالب بذلك جاء الى
عثمان وقال له : لما رضيت من
مروان ولا رضى منك الا بتجرفك عن
دينك وعن عقلك كمثل جمل الظعينة،
يقاد حيث يسار به.
ورغم استغفار عثمان الا انه
استمر في احاطة نفسه ببطانة من
اقاربه مما دعا جبلة بن عمرو
الساعدي ان يقول له : والله
لاطرحن هذه الجامعة في عنقك او
لتتركن بطانتك هذه. فقال له عثمان :
أي بطانة، فوالله إني لأتخير
الناس. فقال له جبلة : مروان
تخيرته! ومعاوية تخيرته! وعبد
الله بن عامر تخيرته! وعبد الله
بن سعد تخيرته. منهم من اباح
الرسول دمه.11
وحتى البغاء كان متفشيا في تلك
الحقبة الذهبية. ففي سنة سبع عشرة
ولى عمر ابا موسى الاشعري على
البصرة وامره ان يُشخص اليه (يرسل
اليه)المغيرة، وكان المغيرة
يختلف على ام جميل، أمرأة من بني
هلال توفى عنها زوجها. وكانت ام
جميل تغشى المغيرة وتغشى الامراء
والاشراف، تبيع جسدها، وكان بعض
النساء يفعلن ذلك في زمانها.12
والسرقة كانت متفشية في المدينة
في خلافة عمر بن الخطاب. فيحدثنا
اهل الذكر ان عمر بن الخطاب جاء
الى عبد الرحمن بن عوف في وقتٍ
متأخر من الليل، فقال له عبد
الرحمن : ما جاء بك في هذه
الساعة يا أمير المؤمنين؟ فقال
عمر : رفقةٌ نزلت في ناحية
السوق خشيت عليهم سُراق
المدينة.13
فالخليفة كان يعلم ان المدينة
مليئة بالسارقين، رغم قطع الايدي.
والخلافات بين أصحاب رسول الله
وأهل بيته كانت معروفة كذلك،
فبعد وفاة الرسول أتت إبنته
فاطمة الى أبي بكر ومعها جدها
العباس، وطلبا منه ميراثهما من
مال الرسول وهما حينئذ يطلبان
أرضه في فدك وسهمه من خيبر، فقال
لهما أبو بكر : أما إني سمعت
رسول الله يقول : لا نُورث، ما
تركنا فهو صدقةٌ، إنما يأكل آل
محمد في هذا المال. فهجرته فاطمة
فلم تكلمه حتى ماتت، فدفنها عليّ
ليلاً ولم يُؤذن بها أبو بكر.14
ويكفي أن نعرف أن كل الخلفاء
الراشدين باستثناء أبي بكر ماتوا
مقتولين بأيدي المسلمين. فأي عصر
ذهبي هذا الذي يتحدثون عنه؟ أنه
عصر لا يختلف عن عصرنا هذا، ففيه
الخداع والغش والبغاء والسرقة
والقتل الذي طال كل الخلفاء
الراشدين انفسهم ما عدا واحداً
منهم.
ولكن مشكلة السلفيين أنهم أحادي
النظرة. لقد نسي هؤلاء أن الأمورَ
مرهونةٌ بأوقاتها. فما هو صالح
لأمراض زمان معين قد لا يكون
صالحاً لأمراض زمان آخر. وقد أدرك
الرسول هذه الحقيقة فقال : "أن
علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"،
في كثرتهم واختلاف آرائهم. كما
فتح باب الاجتهاد لأئمة المسلمين
من بعده ليجدوا حلولاً للمشاكل
المستجدة.
كذلك رأينا الخليفة عمر بن
الخطاب قام بتغيير ما يقارب من
أربعين مسألة كانت متبعة في عهد
الرسول وعهد أبي بكرالصديق، وذلك
حسب إجتهاده ولم يعترض عليه أحد.
ومن هذه الإجتهادات : حرم عمر
زواج المتعة وألغى حصة المؤلفة
قلوبهم من غنائم الحرب.. وغيرهما.
كذلك قال علي بن أبي طالب : (لا
تربوا أبناءكم على عادات زمانكم
لأنهم جاءوا لزمان غير زمانكم.) .
من كل ذلك نفهم أن الإسلام أعترف
بالتطور الحاصل في المجتمعات
البشرية وأباح لأئمة المسلمين
إجراء التغييرات حسب متطلبات
المرحلة. ولكن الكارثة حصلت بعد
غلق باب الإجتهاد والإبقاء على
ما كان وجعل كل تغيير بدعة وكل
بدعة ضلالة وكل ضلالة صاحبها في
النار.
وبالإضافة إلى دور غلق باب
الإجتهاد في الإسلام في تخلف
المسلمين، هناك سبب آخر لا يقل
أهمية، ألا وهو حرمان المسلمين
من النقد. فالنقد في الإسلام
محرّم وكذلك سارت الحكومات
العربية والإسلامية على منع
الشعوب الإسلامية من ممارسة
النقد وحرية التفكير والتعبير.
يقول كارل ماركس : "الدين هو
تأوهات المخلوق المضطهد وسعادته
المتخيلة، ونقد الدين هو نقد هذا
الوادي من الدموع الملئ بالزهور
الخيالية، والذي يمثل الدين
الهالة الضوئية التي تحيط به.
ونقد الدين يقتطف هذه الورود
الخيالية التي يراها المضطهد في
السلسال او الجنزير الذي يكبله،
ولكن لا يفعل النقد ذلك ليحرم
الرجل المضطهد من سعادته برؤية
الزهور الخيالية، وإنما يفعل ذلك
ليمكّن الانسان من التخلص من
السلسال الذي يكبله حتى يستطيع
الحركة بحرية ليقتطف الزهور
الحقيقية"15
وقد لعب منع النقد درواً كبيراً
في تخلف العرب والمسلمين. ودفع
المسلمون الأوائل، كما رأينا،
ثمناً باهظاً بسبب نقدهم لبعض
التعاليم الإسلامية أو حتى
إجتهادهم في بعض المسائل المثيرة
للجدل مثل قضية خلق القرآن عند
المعتزلة. وهناك عدد كبير من
المفكرين المسلمين تم إضطهادهم
وقتلهم وحرق مؤلفاتهم مثل إبن
الراوندي وأبي بكر الرازي
والمعتزلة والأشاعرة وأخوان
الصفا وغيرهم كثيرين، ولم تصل
لنا من مؤلفاتهم إلا تلك النتف
التي ذكرها خصومهم من إقتباسات
من أجل الرد عليهم.
لذلك أعتقد أنه لا يمكن حصول أي
تقدم في العالم الإسلامي ما لم
نجيز النقد. ولعل هذا الكتاب هو
الأول من نوعه باللغة العربية
الذي يتناول الإسلام بقراءة
نقدية علمية محايدة دون أي تطرف
أو انحياز لأية جهة. وإني اعتمدت
على المصادر الإسلامية
الكلاسيكية المحترمة من قبل جميع
الفرق والمذاهب الإسلامية، في
توضيح وإثبات هذا الرأي أو ذاك.
ولكن رغم ذلك سيثور المتزمتون
لانهم لا يعرفون التسامح مع
الناقدين، وبالتالي سوف اتعرض في
جوهر الكتاب الى عدم التسامح في
الاسلام والى عدم احترام رأي
الغير.
وهذا التزمت وعدم السماح بالنقد
يطال حتى النظم السياسية في
البلاد المسلمة، فمن المؤسف حقاً
أنه لا توجد دولة إسلامية واحدة
طبقت الديمقراطية الحقيقية في
هذا العصر او العصور السابقة.
فهذه شبه القارة الهندية كانت
مستعمرة بريطانية لمدة أربعة
قرون. وبعد الإستقلال عام 1948
أنفصل الجزء الذي تقطنه الأغلبية
المسلمة (باكستان) عن الهند. وفي
البداية كانت باكستان دولة
ديموقراطية مثلها مثل الهند،
ولكن بعد فترة وجيزة من الزمن
فشلت الديمقراطية في باكستان
ونجحت في الهند حيث الأغلبية غير
المسلمة. والفرق الوحديد بين
الدولتين هو الدين. كذلك نلاحظ
مقاومة المسلمين للديمقراطية
وحقوق المرأة والحداثة رغم ان
الاسلام يقول : وامرهم شورى
بينهم. هذه الأمور يجب أن تنال
إهتمام المفكرين العرب
والمسلمين قبل فوات الأوان.
إنه من نافلة القول أن الغرب لم
يحقق هذا التطور المذهل في
الحضارة والتقدم العلمي
والتكنولوجي والإقتصادي وفي
مختلف الفنون ومجالات الحياة إلا
بعزل السياسة عن الدين وإطلاق
حرية الفكر والنقد والتعبير
والنشر. وبذلك أعتقد جازماً، أنه
إذا أراد العرب والمسلمون اللحاق
بركب التطور الحضاري يجب عليهم
أن يقتدوا بالغرب في عزل الدين عن
الدولة وتبني الديمقراطية
الغربية وحرية التفكير والتعبير
وإلا سننقرض. وهناك مبدأ إسلامي
يجيز ذلك وهو : (حاكم كافر عادل
خير من حاكم مسلم جائر).
وإذا رجعنا لموضوع هذا الكتاب،
فإني قسّمته الى عدة فصول، الفصل
الاول يشرح فكرة نموء الاديان
المختلفة، والفصل الثاني عن
النبي محمد بن عبد الله، مولده،
وطفولته، وبعثته وما شابه ذلك. ثم
أتحدث في الفصل الذي يليه عن
القرآن وما رأيت فيه من تناقض مع
الفكر والعلم الحديث. ثم كان لا
بد من الحديث عن المرأة في
الاسلام لان المرأة الشرقية قد
سجنها علماء الاسلام في عقر
دارها وتحت برقعها كل هذه القرون
ومنعوا الدول من مساهمتها في
بناء المجتمعات. ولان البلاد
الاسلامية فشلت في ان تمنع الرق
قانونياً وصراحةً، كان لا بد لي
من التحدث عن الاسلام والرق وعن
الجهاد في سبيل الله، الذي كان
سبباً رئيسياً في ازدياد عدد
العبيد في الدول المسلمة.
هوامش :
1-
Why I am not a Muslim by Ibn Warraq، Promethius
Books، New York 1995، p 6 2-
Vadja، Georges : Les Zindiqs en pays d Islam
au debut de la periode Abbaside.
In RSO، vol. 17 (1938)، p 173-229)، Quoted in Why Iam
not a Muslim by Ibn Warraq، p 253 3-
Armstrong، Karen : A History of God، Vintage
1993، p 264 4-
الفكر المصري في العصر
المسيحي لرأفت عبد الحميد –
الهيئة المصرية للكتاب/ القاهرة/
نقلاً عن النص المؤسس ومجتمعه –
تأليف خليل عبد الكريم –
منشورات الجمل – دار مصر
المحروسة، ص 175 5-
تاريخ الطبري، دار الكتب
العلمية، بيروت، المجلد
الثاني، ص 233 6-
نفس المصدر ص 232 7-
نفس المصدر ص 586 8-
نفس المصدر ص 452 9-
تاريخ الطبري، المجلد
الثاني، ص 661 (مصدر سابق) 10-
تاريخ الطبري، المجلد
الثاني، ص 659 (مصدر سابق) 11-
نفس المصدر، ص 661 12-
نفس المصدر ص 493 13-
نفس المصدر ص 567 14-
تاريخ الطبري، دار الكتب
العلمية، بيروت، المجلد الخامس
– ص 236 15-
Karl Marx، Contribution to the Critique of Hegels
Philosophy of Right. Quoted from The Contradiction of
Christianity by David Jenkins، 1976، SCM Press
Ltd.London، p 107