تراث وفقـه
 
 


 خمر وشعر

الجزء السادس

خمريات من الأندلس



"كانت الخمريات أكثر فنون الشعر ذيوعاً بين
شعراء الأندلس، وكانت عادة الشرب أن
يجتمعوا على الكؤوس في البيوت أو الرياض
أو على ضفاف الأنهار، كالوادي الكبير
وإبره. ولم تكن مجالسهم مجرد اجتماعات
للشراب، وإنما اجتماعات أدبية شعرية كذلك.
وكان المجلس ينقضي بين تقارض الشعر
وارتجاله، يتخلل ذلك – بين الحين والحين –
شدو جارية مغنية يصاحبها عزف العود
والطنبور والقيثارة، وتتوزع أحاسيس
السُمّار بين زهر الأحلام وشطحات السكر
ومشاعر الهوى".
- تاريخ الفكر الاندلسي-
للحفيد بن زهر

وقد نسبت خطأ إلى ابن المعتز.

أيها الساقي إليكَ المشتكى
قد دعوناك ، وإن لم تسمعِ
...
ونديمٍ همتُ في غُرّته
وبشرب الراح من راحته
كلما استيقظَ من سكرته
جذب الزقّ إليه، واتّكا
وسقاني أربعاً في أربع


ابن حمديس الصقلي

عصير الخمور

وَرَاهِبةٍ أَغلَقَت دَيْرَها *** فَكُنّا مَعَ اللَّيل زُوّارها
هَدانا إِلَيها شَذا قَهوَةٍ *** تُذيعُ لأَنفِكَ أَسرارَها
طَرَحتُ بِميزانِها دِرهَمي *** فَأَجْرَتْ مِنَ الدّنِّ دينارَها
تَفَرَّسَ في شَمِّهِ طيبَها *** مُجيدُ الفِراسَةِ فَاختَارَها
فتىً دارَسَ الخمرَ حتَّى دَرى *** عَصيرَ الخُمورِ وأَعصارَها
يَعُدّ لما شئتَ من قهوةٍ *** سِنيها ويَعرِفُ خَمّارها


لابن سهل

سلِ الكأس

سَلِ الكَأسَ تَزهو بَينَ صَبغٍ وَإِشراقِ *** أَذُوِّبَ فيها الوَردُ أَم وَجنَةُ الساقي
كُؤوسٌ تُحَيِيها النُفوسُ كَأَنَّها *** حَديثُ تَلاقٍ في مَسامِعِ عُشّاقِ
إِذا قَتَلوها بِالمِزاجِ لِيَشرَبوا *** أَعاشوا مُناهُم بَينَ مَوتٍ وَإِخلاقِ
تَثورُ كَأَنَّ الماءَ يَلسَعُ صِرفَها *** وَصَوتُ المُغَنّي مِثلُ هَينَمَةِ الراقي


لأبي حيان الغرناطي

عرفها عنبر

إِن كانَ لَيلي داج *** وَخاننا الإصباح
فَنورها الوَهّاج *** يغني عَن المصباح
سُلافة تَبدو *** كَالكَوكَبِ الأَزهر
مزاجها شَهد *** وَعَرفُها عَنبر
يا حَبَّذا الوَرد *** مِنها وَإِن أَسكر


يحيى الغزال

وهو يحيى بن الحكم البكري لقّب بالغزال لجماله، وكان رجلاً حكيماً أرسله عبد الرحمن الأوسط في سفارة إلى ملك النرمانيين، فاستمال قلوب الناس هناك بظرفه، واعجبتْ به الملكة "تود" ونساءُ حاشيتها خاصة. "فكانت – أي الملكة – لا تصبر عنه يوماً حتى توجه فيه". وقد ألهمته هذه السفارة وغيرها إلى بلاطات أخرى نصرانية أشعاراً لطيفة جميلة. وقد نفاه عبد الرحمن الأوسط من الأندلس بسبب هجائه المقذع لزرياب، فذهب إلى العراق بُعيد وفاة أبي نواس شاعر الخمر ولذاذات العيش في بلاد هارون الرشيد. وجلس يوماً مع جماعة منهم فأزروا بأهل الأندلس واستهجنوا أشعارهم، فتركهم حتى وقعوا في ذكر أبي نواس فقال لهم:

من يحفظ منكم قوله: أذقنيها ..

وَلمّا رَأَيتُ الشَربَ أَكدَت سَماؤُهُم *** تَأَبَّطتُ زِقّي وَاِحتَسَبتُ عَنائي
فَلَمّا أَتَيتُ الحانَ نادَيتُ رَبَّهُ *** فَثابَ خَفيفَ الروحِ نَحوَ نِدائي
قَليلَ هَجوعِ العَينِ إِلّا تَعِلَّةً *** عَلى وَجَلٍ مِنّي وَمِن نُظَرائي
فَقُلتُ أَذِقنيها فَلَمّا أَذاقَها *** طَرَحتُ عَلَيهِ رَيطَتي وَرِدائي
وَقُلتُ أَعِرني بَذلَةً أَستَتَر بِها *** بَذَلتُ لَهُ فيها طَلاقَ نِسائي
فَوَاللَهِ ما بَرَّت يَميني وَلا وَفَت *** لَهُ غَيرَ أَنّي ضامِنٌ بِوفائي
فَأُبتُ إِلى صَحبي وَلَم أَكُ آيِباً *** فَكُلٌّ يُفَدّيني وَحُقَّ فِدائي



فأعجبوا بالشعر وذهبوا في مدحهم له، فلما أفرطوا قال لهم:
"خفضوا عليكم فإنه لي!" فأنكروا ذلك. فأنشدهم قصيدته التي أولها:
تداركت في شرب النبيذ خطائي *** وفارقت فيه شيمتي وحيائي


فلما أتم السورة بالانشاد خجلوا وافترقوا عنه".

ابن الزقاق

أديراها

أديراها على الزَّهْرِ المندَّى *** فَحُكْمُ الصبحِ في الظلماءِ ماضِ
وكأسُ الراحِ تنظرُ عن حَبابٍ *** يَنوبُ لنا عن الحَدَقِ المِراض
وما غَرَبَتْ نجومُ الأفْقِ لكنْ *** نُقِلْنَ من السماءِ إلى الرياض


المعتضد بن عباد

اصطباح

اشرب على وجه الصباح *** وانظر إلى نور الأقاح
واعلم بأنك جاهلٌ *** مالم تقل بالاصطباح
فالدهر شيءٍ باردٌ *** ما لم تسخنه براح


لشاعر أندلسي

باكر إلى الخمر

باكر إلى الخمر *** واستنشق الزهر
فالعمر في خسر *** ما لم يكن سكرا
فقلما أسلو *** عن مرشف الاكواس
وساحر الطرف *** مساعد الجلاس
فسقيني *** بنت الرياحين


لشاعر قديم

أقِمْ عذري *** فقد آن أن أعكف
على خمر *** يطوف بها أوطف
كما تدري *** هضيم الحشى مخطف
اذا ما ماد في مخضرّة الابراد رأيت الآس بأوراقه قد ماس



ابن زمرك

ما أجمل الراح

قُمْ فاغتنمْ بهجةَ النفوسِ *** ما بَيْنَ نَوْرٍ وبين نورْ
وشَفِّع الصبح بالشموسِ *** تديرها بيننا البدورْ
ونَبِّهِ الشَّربَ للكؤوسِ *** تُمزَجِ من ريقة الثغورْ
ما أَجْمَلَ الراحَ فوقَ راحِ*** صَفْراءَ كالشَّمْسِ في الأَصيلْ
تغادرُ الصدرَ ذا انشراح *** للأُنسِ في طَيِّهِ مَقيلْ


هات شمس الراح

قُمْ تَرى هذا الأَصيلَ شاحبَا *** حُسْنُهُ قَدْ رَاقْ
ولأَذيالِ الغُصونِ ساحبَا *** في حُلّى الأوراقْ
ونديمٍ قالَ لي مخاطبا *** قولَ ذي إشفاقْ
عادةُ الشمس بغربٍ تُخْتَلْسْ *** هاتِ شَمْسَ الراحْ
إِنْ أرانا الجَوُّ وجهاً قد عَبَسْ *** أَوْقِدِ المصباحْ
ووجوه الشَّرْبِ تُغني عن شُموسْ *** كُلَّما تُجْلَى
بلحاظِ أَسْكرتْنَا عنْ كُؤوسْ *** خَمْرُها أَحْلَى
مظهراتٌ من خفايا في النُّفوسْ *** سُوَراً تُتْلَى
ما زمانْ الأُنسِ إلاَّ مُخْتَلَسْ *** فاغْتَنِم يا صاحْ


يحيى القرطبي

أدر لنا اكواب

أدر لنا أكواب، *** يُنسى بها الوجدُ
واستصحبِ الجلاس، *** كما اقتضى العهدُ
***
دن بالهوى شرعاً *** ما عشت يا صاحِ
ونَزّه السمعا *** عن منطق اللاحي
والحكم أن يدعى *** إليك بالراح
***
أناملُ العُنَّاب، *** ونقلها الورد
جفا بصدغي آس، *** يلويهما الخد
لله أيّام *** دارت بها الخمر !
والروض بسّام *** بلله القطر
وصلٌ وانغام *** وأوجهٌ زهر



من موشحة
لابن سناء الملك

مدام قديم

لا أريم عن شرب صهباء *** وعن عشق ريم
فالنعيم عيش جديد *** ومدام قديم
لا أهيم إلا بهذين *** فقم يا نديم
وأنهل من أكؤس صوّرن من صندل
أفضل من نكهة العنبر والمندل


من موشحة
لصفي الدين الحلي

حياة النفوس

اسقنيها قهوة تكسو الكؤوس *** بسنا الأنوار
وتميت العقل إذ تحيي النفوس *** راحة الأسرار
بنت كرم عتّقت عند المجوس *** في بيوت النار
غرست كرمتها بين القيان *** يد أفلاطون
وبما الصرح قد كان يطان *** دنّها المخزون


شهاب الدين العزازي المشرقي

كؤوس الشراب

يا ليلة الوصل ، وكاس العقار
دون استتار
علمتُماني كيف خلع العذار
...
فاغتنم اللذات قبل الذهاب،
وجرّ أذيا الصبا والشباب
واشرب، فقد طابت كؤوس الشراب
على خدودٍ تنبت الجلنار
ذات احمرار
طرّزها الحسن بآس العذار
...
الراحُ، لا شكّ، حياة النفوس
فحلّ منها عاطلات الكؤوس
وافتضّها، بين الندامى، عروس
تُجلى على خطابها في إزار
من النضار
حبابُها قام مقام النثار


للقاضي الفاضل

عروس الدوالي

قضى نحبه الصوم بعد المطال *** وأطلق من قيد فتر الهلال
فدع ضيقةً مثل شدّ الاسار *** إلى فرجة مثل حلّ العقال
وقم هاتها مثل ذوب النضار *** وموج البحار وطعم الزلال
جزى الله عني عروس الدوالي *** ولا أخطأتها كؤوس العزالي
بما أطعمت من لذيذ الثمار *** وما ألبست من نسيج الظلال
وما سلسلت مذاب السرور *** وما خفضت من جماح التغالي
فكم زخرفت جنّةً للعذاب *** وكم رفعت قبساً للضلال
أغالط بالكأس حكم الزمان *** فيومٌ عليّ ويوم بما لي
فجاءت بما في عيون النساء ومرّت بما في رؤوس الرجال
وأسلو الغزال بها اذ أرى *** بكاساتها دمَ ذاك الغزال
وسكران كرّر من سُكره *** زمانٌ على كل عقل ممال
فسكر الشباب وسكرُ الشراب *** وسكر الصدود وسكر الوصال
فلا تذكرون عهود الوصال *** فعهدي به والليالي ليالي
ولم أبك عهداً رجاء الرجوع *** ولكن أجدّده بالصقال



الجزء السابع