تراث وفقـه
 
 


 خمر وشعر

الجزء الرابع

خمريات

قصائد ومقطوعات من الشعر العربي في الخمر
منذ العصر الجاهلي إلى القرن العشرين





منذ العصر الجاهلي


الأعشى الكبير – ميمون بن قيس

"اقترن ذكر الأعشى عند القدماء بشعر الخمر، فعدّوه أشعر شعرائها بين الجاهليين.

"أطال الأعشى في شعر الخمر وفصّل، وافتنّ في وصفها ووصف بيوتها وتصوير اثرها في النفس، وقدّم لنا صوراً دقيقة رائعة لمجالسها في بيئات منوعة متباينة، بعضها حضري مترف، وبعضها ريفي ساذج، واتسمت خمرياته بالسهولة والسلاسة والخلاعة وتدفق العاطفة، وكان موفقاً غاية التوفيق في اختيار القوالب الشعرية التي تناسب الفن.

***

"ففي إحدى قصائده يعرض علينا ما كان بينه وبين الخمّار في اسلوب قصصي رائع تملؤه الحياة، وهو يصور الخمّار علجاً غير عربي، فيصفه بأنه أزرق العينين ويسميه حداداً، وكأنه حارس يذود الناس عن هذا الكنز الثمين من الخمر المختار من بكار القِطاف، وقد احتوته خابية ضخمة سوداء طليت بالقار، وضمنّت جودتها له أن لا تكسد عنده فهو ضنين بها، يساوم في ثمنها مغالياً. وينظر الأعشى إلى هذه الخابية الضمة فيقول للخمار مشيراً غليها "هذه ، هاتها" ما اريد غيرها، وخذ غيرها، وخذ فيها ما شئت. ويبذله في ثمنها ناقة بيضاء في حبل عبدها القائم على خدمتها.. ولكن الخمار يتلكأ في إجابتهم، وقد علم شدة حرصهم على هذه الخمرة فيقول: بل تزيدونني فوقها تسعة، وما اراكم توفون ثمنها بشيء.
فيقول الأعشى للخادم: وهو على شوق وعجل، يضن بالوقت أن يضيع في هذه المساومة المملة:
أعطه ما يريد..
وينتظر الخمار.. حتى اذا رأى الخادم يخرج المال، اضاء خباءه الكبير بالسراح، وقد تدلت هُدُبُهُ يغمرها الظلام، وراح ينقد الدراهم قبل أن يبذل خمره فيصيح به الأعشى متعجلاً:

دراهمنا كلها جيّد *** فلا تحبسنَّا بِتَنْقادِها


ويعمد الخمار إلى الدنّ، يصبّ لهم خمراً تتمشى نشوتها في المفاصل فتُرْعِدُها، ثم تستسلم للذتها فتسكن هامدة فاترة . تبدو حين تبذل سوداء، فاذا مزجت بالماء، وسكنت بعد إزبادهان تكشفت عن لون أحمر جميل.
تبدو في أسفل الدن اذا أماله ليصبّ منه بعد أن طال قعوده وقد تناقصت حتى اجتمعت في أسفله، كأنها حوصلة النعام، ويجول الخمار بابريقه، وقد تخضّبت كفه بما يحمل من خمر حمراء، ولا يزال يسقيهم حتى يُنفِذ خمره، وهم مالكون لرشدهم، لم يُنفِدوا عقولهم، وإن كانوا قد أنفذوا خمر الخمار. فيقومون إلى ركابهم وخيلهم، وقد باتت على باب الخباء بأكوارها وألبادها، تستخفّهم النشوة، وتثور بهم جائرة – وقد ظهر أثرها – بعد قصد واعتدال"

نشوة

أَتاني يُؤامِرُني في الشَمو *** لِ لَيلاً فَقُلتُ لَهُ غادِها
أَرَحنا نُباكِرُ جِدَّ الصَبو *** حِ قَبلَ النُفوسِ وَحَسّادِها
فَقُمنا وَلَمّا يَصِح ديكُنا *** إِلى جَونَةٍ عِندَ حَدّادِها
تَنَخَّلَها مِن بِكارِ القِطافِ *** أُزَيرِقُ آمِنُ إِكسادِها
فَقُلنا لَهُ هَذِهِ هاتِها *** بِأَدماءَ في حَبلِ مُقتادِها
فَقالَ تَزيدونَني تِسعَةً *** وَلَيسَت بِعَدلٍ لِأَندادِها
فَقُلتُ لِمِنصَفِنا أَعطِهِ *** فَلَمّا رَأى حَضرَ شُهّادِها
أَضاءَ مِظَلَّتَهُ بِالسِرا *** جِ وَاللَيلُ غامِرُ جُدّادِها
دَراهِمُنا كُلَّها جَيِّدٌ *** فَلا تَحبِسَنّا بِتَنقادِها
فَقامَ فَصَبَّ لَنا قَهوَةً *** تُسَكِّنُنا بَعدَ إِرعادِها
كُمَيتاً تَكَشَّفُ عَن حُمرَةٍ *** إِذا صَرَّحَت بَعدَ إِزبادِها
كَحَوصَلَةِ الرَألِ في دَنِّها *** إِذا صُوِّبَت بَعدَ إِقعادِها
فَجالَ عَلَينا بِإِبريقِهِ *** مُخَضَّبُ كَفٍّ بِفِرصادِها
فَباتَت رِكابٌ بِأَكوارِها *** لَدَينا وَخَيلٌ بِأَلبادِها
لِقَومٍ فَكانوا هُمُ المُنفِدينَ *** شَرابَهُمُ قَبلَ إِنفادِها
فَرُحنا تُنَعِّمُنا نَشوَةٌ *** تَجورُ بِنا بَعدَ إِقصادِها



وكأس شربت على لذة


ومن قصيدة يصف الخمرة، بعد أن يصف، وهو في الثمانين من عمره، ليلة من عبثه وفجوره.. او ليلة من لياليه الحمراء كما يقال بلغة اليوم يقول:

أَلَم تَنهَ نَفسَكَ عَمّا بِها *** بَلى عادَها بَعضُ أَطرابِها
لِجارَتِنا إِذ رَأَت لِمَّتي *** تَقولُ لَكَ الوَيلُ أَنّى بِها
فَإِن تَعهَديني وَلي لِمَّةٌ *** فَإِنَّ الحَوادِثَ أَلوى بِها

****

وَكَأسٍ شَرِبتُ عَلى لَذَّةٍ *** وَأُخرى تَداوَيتُ مِنها بِها
لِكَي يَعلَمَ الناسُ أَنّي اِمرُؤٌ *** أَتَيتُ المَعيشَةَ مِن بابِها
كُمَيتٍ يُرى دونَ قَعرِ الإِنى *** كَمِثلِ قَذى العَينِ يُقذى بِها
وَشاهِدُنا الوَردُ وَالياسَمي *** نُ وَالمُسمِعاتُ بِقُصّابِها
وَمِزهَرُنا مُعمَلٌ دائِمٌ *** فَأَيُّ الثَلاثَةِ أُزرى بِها
تَرى الصَنجَ يَبكي لَهُ شَجوَهُ *** مَخافَةَ أَن سَوءَ يَدعى بِها
مَضى لي ثَمانونَ مِن مَولِدي *** كَذَلِكَ تَفصيلُ حُسّابِها
فَأَصبَحتُ وَدَّعتُ لَهوَ الشَبا *** بِ وَالخَندَريسَ لِأَصحابِها
أُحِبُّ أَثافِتَ وَقتَ القِطافِ *** وَوَقتَ عُصارَةِ أَعنابِها
وَكَعبَةُ نَجرانَ حَتمٌ عَلَي *** كِ حَتّى تُناخي بِأَبوابِها
نَزورُ يَزيدَ وَعَبدَ المَسيحِ *** وَقَيساً هُمُ خَيرُ أَربابِها
إِذا الحَبَراتُ تَلَوَّت بِهِم *** وَجَرّوا أَسافِلَ هُدّابِها
لَهُم مَشرَباتٌ لَها بَهجَةٌ *** تَروقُ العُيونَ بِتِعجابِها





كعين الديك


وَكَأسٍ كَعَينِ الديكِ باكَرتُ حَدَّها *** بِفِتيانِ صِدقٍ وَالنَواقيسُ تُضرَبُ
كُمَيتٍ عَلَيها حُمرَةٌ فَوقَ كُمتَةٍ *** يَكادُ يُفَرّي المَسكَ مِنها حَماتُها
وَرَدتُ عَلَيها الريفَ حَتّى شَرِبتُها *** بِماءِ الفُراتِ حَولَنا قَصَباتُها
لَعَمرُكَ إِنَّ الراحَ إِن كُنتَ سائِلاً *** لَمُختَلِفٌ غُدِيُّها وَعَشاتُها
لَنا مِن ضُحاها خُبثُ نَفسٍ وَكَأبَةٌ *** وَذِكرى هُمومٍ ما تَغِبُّ أَذاتُها
وَعِندَ العَشيِّ طيبُ نَفسٍ وَلَذَّةٌ *** وَمالٌ كَثيرٌ غُدوَةً نَشَواتُها
عَلى كُلِّ أَحوالِ الفَتى قَد شَرِبتُها *** غَنِيّاً وَصُعلوكاً وَما إِن أَقاتُها
أَتانا بِها الساقي فَأَسنَدَ زِقَّهُ *** إِلى نُطفَةٍ زَلَّت بِها رَصَفاتُها
وُقوفاً فَلَمّا حانَ مِنّا إِناخَةٌ *** شَرِبنا قُعوداً خَلفَنا رُكَباتُها



خمر خسروانية

ومن قصيدة أخرى:

وَطِلاءٍ خُسرُوانِيٍّ إِذا *** ذاقَهُ الشَيخُ تَغَنّى وَاِرجَحَنّ
وَطَنابيرَ حِسانٍ صَوتُها *** عِندَ صَنجٍ كُلَّما مُسَّ أَرَن
وَإِذا المُسمِعُ أَفنى صَوتَهُ *** عَزَفَ الصَنجُ فَنادى صَوتَ وَنّ
وَإِذا ما غُضَّ مِن صَوتَيهِما *** وَأَطاعَ اللَحنُ غَنّانا مُغَنّ
وَإِذا الدَنُّ شَرِبنا صَفوَهُ *** أَمَروا عَمرواً فَناجَوهُ بِدَن
بِمَتاليفَ أَهانوا مالَهُم *** لِغِناءٍ وَلِلِعبٍ وَأَذَن
فَتَرى إِبريقَهُم مُستَرعِفاً *** بِشَمولٍ صُفِّقَت مِن ماءِ شَن
غُدوَةً حَتّى يَميلوا أُصُلاً *** مِثلَ ما ميلَ بِأَصحابِ الوَسَن
ثُمَّ راحوا مَغرِبَ الشَمسِ إِلى *** قُطُفِ المَشيِ قَليلاتِ الحَزَن


عدي بن زيد العبادي

عاش في الحيرة في أواخر العصر الجاهلي. لم يرو له الرواة كثيراً في الخمر، ولكن ما يروى عنه يدل على أنه كان كلفاً، وفيها مجيداً.
من شعره هذه المقطوعة التي كانت تغنّى للوليد بن يزيد فيستعذبها ويشرب عليها حتى يسكر:

أما تستفيق؟

بَكَرَ العاذِلونَ في وَضَحِ الصُب *** ح يَقولونَ لي أَما تَستَفيقُ
وَيَلومونَ فيكِ يا اِبنَةَ عَبدِ الْ *** له وَالقَلبُ عِندَكُم مَوثوقُ
لَستُ أَدري إِذ أَكثَروا العَذلَ فيها *** أَعَدُوٌّ يَلومُني أَم صَديقُ
وَدَعَوا بِالصَبوحِ يَوماً فَجاءَت *** قَينَةٌ في يَمينِها إِبريقُ
قَدَّمَتهُ عَلى عُقارٍ كَعَينِ الد *** ديك صَفّى سُلافَها الراووقُ
مُرَّةٌ قَبلَ مَزجِها فَإِذا ما *** مُزِجَت لَذَّ طَعمُها مَن يَذوقُ
وَطَفا فَوقَها فَقاقيعُ كَاليا *** قوتِ حُمرٌ يَزينُها التَصفيقُ



عنترة بن شداد

بين الصحو والسكر

وَلَقَد شَرِبتُ مِنَ المُدامَةِ بَعدَما *** رَكَدَ الهَواجِرُ بِالمَشوفِ المُعلَمِ
بِزُجاجَةٍ صَفراءَ ذاتِ أَسِرَّةٍ *** قُرِنَت بِأَزهَرَ في الشَمالِ مُفَدَّمِ
فَإِذا شَرِبتُ فَإِنَّني مُستَهلِكٌ *** مالي وَعِرضي وافِرٌ لَم يُكلَمِ
وَإِذا صَحَوتُ فَما أُقَصِّرُ عَن نَدىً *** وَكَما عَلِمتِ شَمائِلي وَتَكَرُّمي




المنخل اليشكري

من شعراء العراق، كان يعيش في الحيرة،
ويعاصر النابغة، وينادم النعمان.

بالصغير والكبير

ولقد دخلتً على الفتاة الخدر في اليوم المطيرِ
الكاعب الحسناءِ تر *** فلُ في الدمقس وفي الحرير
فدفعتها، فتدافعتْ *** مشي القطاة إلى الغدير
فلثمتُها، فتنفّستْ *** كتنفسِ الظبي البهير
ولقد شربتُ من المُامة بالصغير وبالكبير
فاذا سكرتُ فإنني *** رب الخورنقِ والسّدير
واذا صحوتُ فإنني *** رب الشويهة والبعير
يا هِند من لِمُتيَّم *** يا هندُ للعاني الأسير


عمرو بن كلثوم
من شعراء المعلقات

خمور الاندرين

أَلا هُبّي بِصَحنِكِ فَاَصبَحينا *** وَلا تُبقي خُمورَ الأَندَرينا
مُشَعشَعَةً كَأَنَّ الحُصَّ فيها *** إِذا ما الماءُ خالَطَها سَخينا
تَجورُ بِذي اللُبانَةِ عَن هَواهُ *** إِذا ما ذاقَها حَتّى يَلينا
تَرى اللَحِزَ الشَحيحَ إِذا أُمِرَّت *** عَلَيهِ لِمالِهِ فيها مُهينا
وَإِنّا سَوفَ تُدرِكُنا المَنايا *** مُقَدَّرَةً لَنا وَمُقَدَّرينا


طرفة بن العبد
من معلقته : لخولة أطلال..

أيهذا اللائم

فَإِن تَبغِني في حَلقَةِ القَومِ تَلقَني *** وَإِن تَقتَنِصني في الحَوانيتِ تَصطَدِ
وَإِن يَلتَقِ الحَيُّ الجَميعُ تُلاقِني *** إِلى ذِروَةِ البَيتِ الرَفيعِ المُصَمَّدِ
مَتى تَأتِني أُصبِحكَ كَأساً رَويَّةً *** وَإِن كُنتَ عَنها ذا غِنىً فَاِغنَ وَاِزدَدِ
نَدامايَ بيضٌ كَالنُجومِ وَقَينَةٌ *** تَروحُ عَلَينا بَينَ بُردٍ وَمَجسَدِ
إِذا نَحنُ قُلنا أَسمِعينا اِنبَرَت لَنا *** عَلى رِسلِها مَطروقَةً لَم تَشَدَّدِ
إِذا رَجَّعَت في صَوتِها خِلتَ صَوتَها *** تَجاوُبَ أَظآرٍ عَلى رُبَعٍ رَدي
وَما زالَ تَشرابي الخُمورَ وَلَذَّتي *** وَبَيعي وَإِنفاقي طَريفي وَمُتلَدي
إِلى أَن تَحامَتني العَشيرَةُ كُلُّها *** وَأُفرِدتُ إِفرادَ البَعيرِ المُعَبَّدِ
رَأَيتُ بَني غَبراءَ لا يُنكِرونَني *** وَلا أَهلُ هَذاكَ الطِرافِ المُمَدَّدِ
أَلا أَيُّهَذا اللائِمي أَحضُرَ الوَغى *** وَأَن أَشهَدَ اللَذّاتِ هَل أَنتَ مُخلِدي
فَإِن كُنتَ لا تَسطيعُ دَفعَ مَنيَّتي *** فَدَعني أُبادِرها بِما مَلَكَت يَدي
وَلَولا ثَلاثٌ هُنَّ مِن عيشَةِ الفَتى *** وَجَدِّكَ لَم أَحفِل مَتى قامَ عُوَّدي
فَمِنهُنَّ سَبقي العاذِلاتِ بِشَربَةٍ *** كُمَيتٍ مَتى ما تُعلَ بِالماءِ تُزبِدِ
وَكَرّي إِذا نادى المُضافُ مُحَنَّباً *** كَسيدِ الغَضا نَبَّهتَهُ المُتَوَرِّدِ
وَتَقصيرُ يَومَ الدَجنِ وَالدَجنُ مُعجِبٌ *** بِبَهكَنَةٍ تَحتَ الطِرافِ المُعَمَّدِ




الجزء الخامس