خمر
وشعر
الجزء الثالث
مع أبي نواس
ولنبدأ بأبي نواس الذي يعتبر
امام المدمنين.. "وخمرياته"
في الشعر العربي ذات لون خاص
متميز، ويكاد يكون ديوانه كله في
الخمر، ونوادره كثيرة..
فمن نوادره التي تصور لنا لوناً
من نفسيته هذه القصة:
فقد خرج يوماً ومعه صاحبه مطيط
حتى أتيا دار خمار، فقال أبو
نواس لصديقه: ادخل بنا نمزح مع
هذا الخمّار.. فدخلا.. فسلما..
فردّ عليهما..
فقال له أبو نواس:
أعندك خمر عتيقة؟
قال: عندي منها أجناس.. فأيها
تريد؟
قال: التي يقول فيها الشاعر:
حجبت خيفةً، وصينت
فجاءت *** كجلاء العروس بعد
الصيان
وكأن الأكف تصبغ من ضو *** ء سناها
بالورس والزعفران
فملأ له الخمّار قدحاً من خمرة
صفراء، كأنها ذهب محلول، فشرب
الحسن وقال: أحسن من هذا أريد.
فقال له الخمار: أي جنس تريد؟
قال التي يقول فيها الشاعر:
دفعتها أيدي
الهواجر حتى *** صيرت جسمها كجسم
الهواء
فهي كالنور في الاناء وكالنا ***ر
اذ تصير في الأحشاء
فملأ له الخمّار قدحاً من خمر
كأنها العقيق فشرب وقال:
أرفع من هذا أريد – فقال: أي جنس؟
قال التي يقول فيها الشاعر:
واذا حسا منها
الوضيع ثلاثة *** سمح الوضيع كفعل
ذي القدر
في لون ماء الغيث إلا أنها *** بين
الضلوع كواقد الجمر
فملأ له قدحاً بيضاء كأنها ماء
المزن فشرب وقال للخمار:
أتعرفني؟
قال: أي والله يا سيدي.. أنا أعرف
الناس بك.
قال: من أنا؟
قال له الخمّار: أنت الذي يسكر من
غير وزن.
فضحك أبو نواس وقال لصديقه مطيط:
ادفع إليه ما بقي عندك من النفقة.
فأعطاه مائة درهم وانصرف.
وجملة "مابقي عندك من النفقة"
تدل على أنه جاء هذا الخمّار في
أواخر الليل بعد أن مر بعدة
خمارين!
***
ومما ذكره ابن منظور صاحب لسان
العرب في كتابه "أخبار أبي
نواس" – وهو كتاب نفيس طبع
جزؤه الأول فقط- قال:
إن الأمين اصطبح يوماً مع ندمائه
وأبو نواس عنده فقال:
نريد أن نشرب اليوم كلنا لننظر
أينا أجود شرباً، ولأجود القوم
شرباً حكمه، فلم يزالوا يشربون
إلى نصف الليل، ثم هوّم القوم
سكراً – أي نعسوا – وبقي الأمين
وأبو نواس وكوثر يشربون، ثم نام
الأمين وكوثر.. وبقي أبو نواس
وحده، فلما لم يجد له مساعداً
أغفى غفوة ثم انتبه ووضع الشراب
بين يديه.. ثم قام إلى الندماء
يحركهم واحداً واحداً ليشربوا
معه، فوجدهم موتى لا حراك بهم،
فقال: ليس إلا محمد – يريد
الأمين – فجاء إلى مرقده وصاح به:
يا سيدي.. يا أمير المؤمنين، ليس
هذا من الانصاف، نحن نشرب وأنت
نائم..
فانتبه الأمين وقعد يشرب معه وهو
يقول له: ويلك ألست من الناس؟ لا
تنام مع ما قد شربت!
فقال أبو نواس: يا سيدي أليست لذة
الشراب تقوم مقام النوم؟
فشربا باقي ليلتهما، وكأنه كان
يتمثل بقول يزيد بن معاوية:
وهبت النوم للنوام اشفاقاً على
عمري
وأفنيت سواد الليل باللذات
والخمر
فما أعرف طعم النوم إلا ساعة
السكر
ثم أراد الأمين أن ينام بعد أن
سكر فقال أبو نواس: على رسلك.. ثم
أنشده أبياتاً نفحه الأمين من
أجلها ألف درهم، ومثلها من أجل
ما شرب..
***
ونقرأ في ديوان أبي نواس لمحات
تصور حياته وادمانه تصويراً
جميلاً، فقد كان يبيت في الحانة
أياماً يعبّ من الشراب.. وإلى هذا
أشار بقوله:
أقمنا بها
يوماً ويومين بعده *** ويوماً له
يوم الترحل خامس
لقد دخل الحانة هو وخلانه على أن
يبيتوا فيها ليلة.. ولكن أنّى له
أن يترك الحانة وفيها سلوة
الروح؟
لقد بقوا يوماً ثانياً.. وإذ طاب
لهم المقام استقرّ رأيهم على
الاقامة يومين آخرين.. فلما مرا
على أحسن ما تمر الأيام
بالشاربين قالوا نقيم يوماً آخر..
فلما قضوا اليوم الرابع لم يهن
عليهم مفارقتها فأقاموا اليوم
الخامس..
وكان يشرب بكثرة تفوق الحد..
ولقد شربت
ثمانياً وثمانيا *** وثمان عشرة
واثنتين واربعا..
فكم عدد هذه الكؤوس؟
وكيف أتيح له أن يعدّها؟
لقد وصف ليلة بطولها في بيت واحد
من الشعر فقال:
"انه شرب ثمانية أقداح في
حانة، وانتقل إلى مكان آخر فشرب
ثمانية أقداح، ثم خرج يسعى إلى
مجلس أنس شرب فيه أربعاً- أي شرب
في ليلة واحدة أربعين كأساً- ومن
هنا جاءت بطولة أبي نواس في
الشراب.
فمن وصفه الدقيق للخمر قوله:
صفراء تضحك عند
المزح من شغب *** كأن أعينها أنصاف
أجراس
كان يقول الدكتور ابراهيم ناجي
– رحمه الله-:
لقد كنا جماعة نتحدث عن معنى هذا
البيت العجيب ، فاتفقنا على أن
المرء يجب أن يدمن الشرب كأبي
نواس حتى يرى ويفهم هاته "الأنصاف
أجراس"..
ثم عقب على هذا الاستطراد فقال:
أن هذا البيت لا يقوله إلا
باريسي بودليري، ومن حقه أن يقول
"وجودي باريسي".. فهل
لشعرائنا المعاصرين الذين
امتزجت روحهم بالخمرة امتزاجاً
قوياً أن يشرحوا لنا غوامض هذا
البيت:
صفراء تضحك عند
المزح من شغب *** كأن أعينها أنصاف
أجراس
***
ومن أوصاف أبي نواس للخمرة التي
تصور غرامه بها قوله:
ما زِلتُ
أَستَلُّ روحَ الدَنِّ في لُطفٍ
*** وَأَستَقي دَمَهُ مِن جَوفِ
مَجروحِ
حَتّى اِنثَنَيتُ وَلي روحانِ
في جَسَدٍ *** وَالدَنُّ
مُنطَرِحٌ جِسماً بِلا روحِ
ومن قصائده الجميلة في الخمرة
قوله:
دَع عَنكَ
لَومي فَإِنَّ اللَومَ إِغراءُ
*** وَداوِني بِالَّتي كانَت هِيَ
الداءُ
صَفراءُ لا تَنزَلُ الأَحزانُ
ساحَتَها *** لَو مَسَّها حَجَرٌ
مَسَّتهُ سَرّاءُ
مِن كَفِّ ذاتِ حِرٍ في زِيِّ ذي
ذَكَرٍ *** لَها مُحِبّانِ
لوطِيٌّ وَزَنّاءُ
قامَت بِإِبريقِها
وَاللَيلُ مُعتَكِرٌ *** فَلاحَ
مِن وَجهِها في البَيتِ لَألأُ
فَأَرسَلَت مِن فَمِ الإِبريقِ
صافِيَةً *** كَأَنَّما أَخذُها
بِالعَينِ إِغفاءُ
رَقَّت عَنِ الماءِ حَتّى ما
يُلائِمُها *** لَطافَةً وَجَفا
عَن شَكلِها الماءُ
فَلَو مَزَجتَ بِها نوراً
لَمازَجَها *** حَتّى تَوَلَّدُ
أَنوارٌ وَأَضواءُ
دارَت عَلى فِتيَةٍ دانَ
الزَمانُ لَهُم *** فَما
يُصيبُهُمُ إِلّا بِما شاؤوا
لِتِلكَ أَبكي وَلا أَبكي
لِمَنزِلَةٍ *** كانَت تَحُلُّ
بِها هِندٌ وَأَسماءُ
وأبو نواس هو القائل:
أَلا فَاسقِني
خَمراً وَقُل لي هِيَ الخَمرُ ***
وَلا تَسقِني سِرّاً إِذا
أَمكَنَ الجَهرُ
فَما العَيشُ إِلّا سَكرَةٌ
بَعدَ سَكرَةٍ *** فَإِن طالَ
هَذا عِندَهُ قَصُرَ الدَهرُ
وَما الغَبنُ إِلّا أَن
تَرانِيَ صاحِياً *** وَما
الغُنمُ إِلّا أَن يُتَعتِعُني
السُكرُ
فَبِح بِاسمِ مَن تَهوى وَدَعني
مِنَ الكِنى *** فَلا خَيرَ في
اللَذّاتِ مِن دونِها سِترُ
وَلا خَيرَ في فَتكٍ بِدونِ
مُجانَةٍ *** وَلا في مَجونٍ
لَيسَ يَتبَعُهُ كُفرُ
وحين دبتّ الشيخوخة إليه بوجهها
المغبر الكالح نصحه أصدقاؤه
بالكفّ عن الشراب فأجابهم بقوله:
قالوا كبرت:
فقلت ما كبرت يدي *** عن أن تسير
إلى فمي بالكاس
وحين خوّفوه عقاب الله قال:
يا كبير الذنب
عفو الله من ذنبك أكبر
.
لقد أطلنا الحديث عن أبي نواس
لأنه يمثّل حياة المجون ومجالس
الشرب في عصره أصدق تمثيل.. ولم
تكن هذه الحياة قاصرة على
الشعراء والماجنين بل كانت
الأسر الارستقراطية والأسر
الحاكمة تحياها بترفٍ أصيل
وبذخٍ غير محدود، فلقد توفّرت في
الحواضر، ولا سيما بين الخاصة في
بغداد، مجالس الشرب، ولم تكن
تخلو منها قصور الحكام، وكان
بعضهم يتذرع إلى ذلك، على مناقضة
لأوامر الدين، بإن الشرع حلّل
نبيذ الخمر، وعليه بنى ابن خلدون
المؤرخ دفاعه عن هارون الرشيد
بقوله: وإنما كان الرشيد يشرب
نبيذ الخمر على مذهب أهل العراق،
وفتاويهم فيها معروفة. وأما
الخمر الصرف فلا سبيل إلى اتهامه
بها، ولا تقليد الأخبار الواهية
فيها.. إلى أن يقول: وحال ابن أكثم
والمأمون في ذلك حال الرشيد:
شرابهم انما كان النبيذ ولم يكن
محظوراً عندهم.
على أن شرب الخمر على أنواعها
كان شائعاً كما يتبين من درس
الشعر العباسي، وكذلك مجالسة
الندماء والمغنين والقينات. ولم
يكن ذلك بدعة في الدولة
العباسية، فقد سبقهم إلى ذلك
الأمويون، وأخبار اليزيد
والوليد وسليمان وغيرهم كافية
للدلالة على ما ذكرناه.
فبعد أن كان المسلمون أيام
الخلفاء الراشدين يتحرجون من
الخمر ويعاقبون شاربها، أصبحوا
بعد ذلك يرون في بعض خلفائهم
وزعمائهم ما يسهل لديهم
معاقرتها.
نعم، ظلّت الشريعة نافذة في حد
السكارى.. ولكن ذلك لم يمنع الناس
من تعاطي المسكر وارتياد
الحانات..
ومهما كان من المبالغة فيما
ينقلونه عن الهادى والرشيد
والأمين والواثق والمتوكل ومن
جرى مجراهم من الملوك أو نادمهم
من الشعراء والمغنين، فقد أكثر
المؤرخين على شربهم الخمر،
وبلوغ بعضهم من ذلك درجة التهتك
حتى روى الابشيهي أن الواثق كان
يرقد في المكان الذي يشرب فيه
ويرقد معه ندماؤه. وكان الشراب
عادة مقروناً بالغناء..
ففي كل مجلس طرب عند الخاصة أولو
الفن فيغنون أو يرقصون، ويشرب
الحاضرون ويقضون وقتهم على ذلك.
وكتب الأدب مليئة بأخبار
المغنين والمغنيات والدور الذي
لعبوه في حياة الأمراء
والخلفاء.. ولا مجال هنا للاسهاب
عن أثر الجواري وأثر القينات
والمغنين في حياة القصور فلهذا
حديث طويل قد نعود إليه ونخصه
ببحث وافٍ.. وقد جئنا بهذه
الأمثلة استطراداً ونحن نتحدث
عن الشاعر الماجن أبي نواس الذي
يعتبر من أشعر شعراء العرب في
وصف الخمرة. وقد أشار الشيباني
إلى هذا بقوله:
ان أشعر الناس في وصف الخمرة
ثلاثة: الأعشى والأخطل وأبو
نواس، ويعتبر الأخير أجزلهم
لفظاً وأكثرهم شرباً.
هذا، وقد أشرنا في بدء كلامنا
إلى الأعشى فلنتحدث عن الأخطل
الشاعر النصراني الذي كان يدخل
على الخليفة عبد الملك بن مروان
وهو سكران فيخاطبه بقوله:
إذا ما نديمي
علّني ثم علّني *** ثلاث زجاجات
لهن هدير
خرجت أجر الذيل حتى كأنني *** عليك
أمير المؤمنين أمير
فليسامحه دون أن يعاقبه على
سلوكه هذا. فقد كان الأخطل أحظى
الشعراء لدى الأمويين، اتخذوه
شاعرهم يناضل عنهم أعداءهم.
ويمتاز شعره بجزالة الأسلوب
ورقة اللفظ. وقد سئل حماد
الراوية عن الأخطل فقال: لا
تسألوني عن رجل حبّب شعره إليّ
النصرانية.
وأخبار الأخطل مع الخليفة عبد
الملك بن مروان كثيرة نجتزئ منها
بعض الروايات.
في الأغاني:
إن الأخطل قدم على عبد الملك،
فنزل على ابن سرحون كاتبه. فقال
عبد الملك:
على مَنْ نزلت؟
قال: على فلان.
قال: قاتلك الله! ما أعلمك بصالح
المنازل: فما تريد أن يُنزلك*
قال: دَرمَكٌ من دَرَمككم هذا،
ولحم وخمر من بيت رأس*
فضحك عبد الملك ثم قال له: ويلك!
وعلى أي شيء اقتتلنا إلا هذا.. ثم
قال: ألا تسلم فنفرض لك في الفيء
ونعطيك عشرة آلاف. – قال: كيف
بالخمر؟
قال: وما تصنع بها، وان أولها لمر
وإن آخرها لسكر!
فقال: أما اذا قلت ذلك فإن فيما
بين هاتين لمنزلة ما ملكت فيها
الا كلعقة ماء من الفرات
بالاصبع..
فضحك ثم لا يتحرج الأخطل أن يدخل
عليه وقد أخذت فيه الخمر حتى عاد
لا يحسن فهم سؤال ولا يدري كيف
يجيب، ويكلمه الخليفة فيخلط
بكلامه، ويسأله عن سبب هذا الخلط
فما يزيد على أن ينشد له:
وكأسٍ مثلِ عين
الديك صرفٍ **** تنسّي الشاربين
لها العقولا
اذا شرب الفتى منها ثلاثاً ***
بغير الماء حاول ان يطولا
مشى قرشية لا عيب فيها *** وأرخى
من مآزره الفضولا
هذا، وقد كانت نشوة الخمر تهيب
ببعضهم أن يتصوّروا أنفسهم
ملوكاً فلا يكادون يصحون حتى
يهزأون من أنفسهم كما جرى مع
المنخل اليشكري الذي حيكت
الأقاصيص عنه حول علاقاته
الغرامية بالمتجردة امرأة
النعمان، فمن جميل تصويره قوله:
فاذا سكرت فأنني
*** رب الخورنق والسدير
واذا صحوت فأنني *** رب الشويهة
والبعير
ويصف شاعر آخر حالتي صحوه وسكره
بقوله:
شربنا من الداذي*
حتى كأننا *** ملوك لهم برّ
العراقين والبحر
فلما انجلت شمس النهار رأيتنا ***
تولى الغنى عنا وعاودنا الفقر
وخلاصة القول أن الخمرة تشكل في
أدبنا العربي مجموعة ضخمة مما
يدل على أنها لعبت دوراً كبيراً
في حياة أدبائنا وشعرائنا، وقد
ألمع الأستاذ أحمد أمين إلى هذه
الناحية بقوله:
"ومن أعجب الأمور أن يكون
الأدب العربي من أغنى آداب الأمم
في الخمر مع تحريمها في الاسلام
وحلّها في غيره من الأديان".
أي والله.. ان هذا لمن أعجب
الأمور، وقد لا تفتح ديواناً
لشاعر إلا وتقع على مقطوعات
وقصائد كثيرة في وصفها ووصف
الشرب وحالتي الصحو والسكر،
واذا فات بعضهم الوصف الحقيقي
عمدوا إلى المجاز.. وكثيرون هم
الذين سكروا بجمال الطبيعة
وبجمال العيون وجمال القدود،
وقد وصفوا نشوتهم وصفاً دقيقاً
يعلو ويدق على وصف الذين سكروا
بنشوة الخمر.
وهذا ابن الفارض- سلطان
العاشقين- وشعره في الخمر آية في
الابداع.. فهل شرب الخمر؟
ان جميع الذين بحثوا حياة هذا
المتصوف انتهوا إلى أن خمرة ابن
الفارض هي الخمرة الالهية.. فمن
ذلك قصيدته المشهورة:
شَرِبْنَا
على ذكْرِ الحبيبِ مُدامَةً ***
سكِرْنَا بها من قبل أن يُخلق
الكَرْمُ
لها البدرُ كأسٌ وهيَ شمسٌ
يُدِيرُهَا *** هلالٌ وكم يبدو
إذا مُزِجَتْ نَجم
ولولا شذَاها ما اهتدَيتُ
لِحانِها *** ولولا سَناها ما
تصَوّرها الوَهْمُ
ولم يُبْقِ منها الدّهْرُ غيرَ
حُشاشَةٍ *** كأنّ خَفاها في
صُدور النُّهى كتْم
فإن ذُكرَتْ في الحَيّ أصبحَ
أهلُهُ *** نَشاوى ولا عارٌ
عليهمْ ولا إثم
ومِنْ بينِ أحشاء الدّنانِ
تصاعدتْ *** ولم يَبْقَ منها في
الحقيقة إلاّ اسمُ
وإن خَطَرَتْ يوماً على خاطرِ
امرىءٍ *** أقامتْ به الأفراحُ
وارتحلَ الهمّ
ولو نَظَرَ النُّدْمَانُ خَتمَ
إنائِها *** لأسكَرَهُمْ من
دونِها ذلكَ الختم
ولو نَضحوا منها ثرَى قبرِ
مَيّتٍ *** لعادتْ اليه الرّوحُ
وانتَعَشَ الجسم
ولو طَرَحُوا في فَيءِ حائطِ
كَرْمِها *** عليلاً وقد أشفى
لفَارَقَهُ السّقم
***
لقد عاش ابن الفارض في شبابه
حياة الحس والوجد، وكان مغرماً
بالجمال، وقد فاض قلبه بتصوير
الحب تصويراً دقيقاً، ولكن هذا
الاحساس العارم قد تطورّ من الحب
المعنوي إلى الحب الالهي. وهذا
الذي أوحى له هذه المعاني
المبتكرة في الشوق والوجد
والصحو والسكر. ولا شك أن
غيبوبته كانت في شبابه من خمرة
العنب أم لم يسكر ، فأكثر الذي
درسوا حياته ينزهونه عن هذا
المنكر.
يقول صاحب كتاب "التصوف
الاسلامي" في بحثه عن أشواق
ابن الفارض: والمحبّون في
الأودية الحسية لا يهتدون إلى
العوالم الروحية إلا بعد أن
تدلهم الدنيا على أن الجمال
الانساني كالظل يتحول ويزول.
وأشعار ابن الفارض في جملتها
تمثّل معاني حسية، وهي في بعض
الأحوال رمز للمعاني الروحية.
وهذا الرمز تفرضه سيرة ابن
الفارض، وقد ذاق الكأسين فعرف
الحب الحسي والحب الروحي. ويكاد
يكون من اليقين عندنا أن حبه
الأول هو السر في وقدة حبه
الثاني، لأننا نعرف الله أول ما
نعرفه عن طريق المحسوسات نفسها
لا توحي الشعر إلا حين تستعد
النفس لفهم ما فيها من الدلالات
الوجدانية وأساسا الحب هو
التفاهم، فالتمثال من المرمر قد
يوحي الاعجاب، ولكنه لا يوحي
العشق إلا اذا تمثلنا ما يرمز
إليه من الروح. والصور الجميلة
قد تمر بلا حب، ولا وجد حين تحرم
التفاهم مع الشراء. ألا تذكرون
ما يسمونه "لغة العيون"؟
ان بعض العيون تتكلم بلا صوت
فتوحي ما توحي من الهدى
والضلال".
***
واذا كان ابن الفارض قد وجد
سلوته في الخمرة الالهية فان
الخيام مثلا كان واقعياً، وكان
كأبي نواس.. أي كانت الخمرة وسيلة
للتغلّب على الهموم والأحزان،
فهو ذو فلسفة في فهم ألغاز
الحياة وأسرار الكون. نعم، كان
عمر الخيام يرى أن الوسيلة
الوحيدة إلى النجاة من آلام
الحياة هي السلافة، وذهب في
المغالاة بمدحها، والاسراف في
حبها، والولوع بها، وحثّ
الشاربين على شربها ما جعل
الباحثين أن يسيئوا به الظنون،
ويعتبروا أقواله نزعة من السفه
وضرباً من الجنون.
وقد ذهب الخيام في الخمرة مذهب
أكثر الشعراء والحكماء الذين
كانوا يرون فيها راحة للنفوس،
وتسكيناً للأوجاع، وتخفيفاً
للآلام والأكدار. وتدل رباعياته
على أنه لم يشرب الخمر لمجرد
اللهو والعبث، وإنما اتخذها
دواء كما يتخذ المريض الدواء
لمرضه..
فمن ذلك قوله:
"ليس شرب الخمرة من
أجل الطرب والفساد، وترك الدين
والأدب، وإنما أريد أن أتنفس
الصعداء، وأنا ذاهل عن نفسي،
فشربي الخمر وسكري لهذا
السبب".
وقال يوضح رأيه في فلسفة الحياة:
"بين مجيء الربيع وذهابه
تنطوي أوراق وجودنا. اشرب الخمرة
ولا تتألم.
فقد قال الحكيم: ان آلام الحياة
سمّ ودرياقها الخمر، وما دامت
حياة الانسان سلسلة من الآلام
والمتاعب فلِمَ لا تتغلب عليها
بالخمر، وقد قنع من الحياة بأقل
ما فيها.
زجاجة الخمر ونصف
الرغيف
وما حوى ديوان شعر طريف
أحبّ لي ان كنتَ لي مؤنساً
في بلقع من كل ملك منيف
يقول الخيام:
نحن ألاعيب أطفال، والفلك هو
اللاعب بنا.
ذلك أمر حقيقي غير مجازي.
لقد لعبنا مدة في ساحة الوجود ثم
ذهبنا إلى صندوق العدم واحداً
بعد واحد.
لقد سمعنا هاتفاً في السحر من
حانتنا يقول: ايه اخا الشراب
المفتون.
قم لنملأ الكأس بالخمر قبل أن
يملأوا كأسنا.
وهكذا، من أشعة الخمرة انبثقت في
أدبنا العربي فلسفة جديدة في
السرور والألم، في الشقاء
والسعادة، في الوجود والعدم،
وفي كل ما يتصل بألغاز الكون
وحقائق الحياة..
ووجدت الخمرة طريقها إلى الدين
والشعر والعلم والفلسفة فأفتى
رجل الدين بتحريمها استناداً
إلى التعاليم السماوية، وقال
العلم رأيه في حقيقتها: في
منافعها وأضرارها. ووصف الشعر
بريقها المشعشع ، وساعات صبوحها
وغبوقها. وأبدت الفلسفة رأيها في
كنهها العلوي، وظلّ الناس
يتأرجحون بين هذه الآراء
المتباينة، أو ظل مدمنوها هؤلاء
العشاق الذين لم يصدهم عنها أي
قيد ولو كان في ذلك هلاكهم
وموتهم.
وقد ظلّت تلك التعاليم على أفواه
رجال الدين والمصلحين، يرسلونها
صيحات مدوية في أروقة المعابد،
وعلى صفحات كتبهم ورسائلهم
ونشراتهم، وظل الكثيرون منذ
آلاف السنين يجدون فيها هذه
السلوى التي تبدّد أحزانهم،
وتنقلهم من قيود الحياة
ومتاعبها إلى عوالم الخيال
والنشوة والنسيان!!...
***
وبعد، فلا أريد أن أكون ، وأنا
أختم كلامي في هذه اللمحات
السريعة عن الخمر في أدبنا
العربي- لن أكون هذا الواعظ
الديني الذي يرسل الحكم والآراء
بضررها ووجوب الكفّ عن شربها،
فلن يفيد كلامي شيئاً، والمدمن
لها أسير العادة، وقراء هذا
البحث الذين اعتادوا أن يغسلوا
أدران همومهم في كأسٍ من الخمر.
لن يكفّوا عن معانقة الكأس وهم
يتفلسفون في حقيقة الخمر- في هذا
الداء العضال كدواء ناجع لتبديد
همومهم، ومردّدين مع القاضي
الفاضل:
أغالط بالكأس حكم
الزمان *** فيوم عليّ ويوم إليّ
* أي أن يقدم لك النزل، وهو ما
يهيأ للضيف من طعام وغيره.
* الدرمك: دقيق الحواري. وبيت
الرأس: اسم لقريتين في كل واحدة
منهما كروم كثيرة تنسب إليها
الخمرة.
* اسم شراب شديد الاسكار
الجزء الرابع