تراث وفقـه
 
 


 خمر وشعر

الجزء الثاني

الخمر والشجاعة:

وعن ابن قتيبه: إن العرب الجاهليين كانوا يشربون الخمر لتزيدهم جرأة وشجاعة، وحتى بعض المسلمين قد اصطبحوا بالخمر يوم بدر لتزيد حماستهم اشتعالاً.
وقال حسن بن ثابت شاعر النبي في جاهليته:


ونشربها فتتركنا ملوكاً *** وأسداً ما ينهنهنا اللقاء


وحاول أبو حفص القريعي ان يستعيض عن الخمر بشرب اللبن فاورثه المغص ووجع البطن.. ففي كتب الأدب أنه قد هجر النبيذ مذ اقتنى المِعزى، وشرب لبنهن المذيق، فوجده يوجع بطنه، ووجد النبيذ كان صديقه:
قد هجرت النبيذ مذ هن عندي *** وتمززت رسلهن مذيقا
فوجدت المذيق يوجع بطني *** ووجدت النبيذ كان صديقا
يعد النفس بالعشي مناها *** ويسل الهموم سلاً رفيقاً


وكان سحيم بن وثيل الرياحي يرى جمال الحياة في أشعة الخمر، وحين لامته زوجته "حدراء" لانفاقه أمواله على الخمر خاطبها بقوله:

تقول حدراء ليس فيك سوى الخمـ *** ـر معاب يعيبه أحد
فقلت أخطأت ، بل معاقرتي الخمـ *** ـر وبذلي فيها الذي أجد
هو الثناء الذي سمعت به *** لا سيد مخلدي ولا لبد
ويحك لولا الخمور لم أحفل العيـ *** ش ولا أن يضمني لحد
هي الحيا والحياة واللهو، لا *** أنت ، ولا ثروة ولا ولد


فقد فضّل الخمر على زوجه وماله وولده!

هذا، وقد تفنن العرب في وصف الخمر، كما تفننوا في تعداد اسمائها، ويدلنا تعداد أسمائها على أنها كانت كثيرة الأنواع عندهم كما هي عليه اليوم.

فقد سميّت "خمراً" لأنها تخامر العقول فتخالطها، ويقال لها "القهوة" لأنها تقهى عن الطعام والشراب.. يقال أقهى عن الطعام وأقهم عنه اذا لم يشتهه..
ومن أسمائها "الشمول": سميت بذلك لأن لها عصفة كعصفة الشمال، وقيل لأنها تشمل القوم بريحها.
ومنها "السلاف": واصله من السلف وهو المتقدم من كل شيء.
ومنها "القرقف" لأن شاربها يقرقف اذا شربها أي يرعد.
ومنها "الراح" لأنها تكسب صاحبها الأريحية أي خفة العطاء.
ومنها "العقار" لأنها عاقرت الدن..
ومن أسمائها "المدامة" و "المدام" لأنها داومت الظرف التي انتبذت فيه.
و "الرحيق" ومعناه الخالص من الغش.
وقيل "الصافي" ، وقيل "العتيق"..
و "الكميت" سميت بذلك للونها اذا كانت تضرب إلى السواد.
و"المشعشعة" وهي الممزوجة.
و"الصهباء" وهي التي عصرت من العنب الأبيض.
و"الشموس" شبّهت بالدابة التي تجمح براكبها.
و"الخندريس" وهي القديمة.
و"الحانية" و "الماذية" و "الحميّا" و "المعتقة" وغيرها من الأسماء..

ولن أعدد أكثر من هذا فحسبي أن أقول أن الفيروزابادي صاحب القاموس المحيط وضع كتاباً عنوانه: "الجليس الأنيس في أسماء الخندريس" ذكر فيه ألف اسم للخمرة، واستشهد بألف بيت من شعراء العرب..
فعلى مَ تدلّ كثرة هذه الأسماء؟
إنها تدل على شيء واحد وهو أن العرب كانوا مولعين بالخمرة ولعاً شديداً لم يقف عند العصر الجاهلي بل تعداه إلى مختلف العصور. فقد وصفها الشعراء وصفاً بليغاً – وصفوا فيها حالاتهم ونشوتهم وما تركته في حياتهم العقلية من أثر يمثل لنا الحياة العابثة – حياة اللهو والطرب التي تتلألأ أشعتها من بريق الكؤوس..


***


وقد حدثنا النويري في "نهاية الأرب" أحاديث طريفة عن الخمر وأسمائها، وأخبار من تنزه عنها في الجاهلية، ومن حدّ فيها من الاشراف. ومن اشتهر بها ولبس ثوب الخلافة بسببها، وما قيل فيها من جيد الشعر، وما قيل في وصف آلاتها وآنيتها، وما قيل في مبادرة اللذات، وما وصفت به المجالس، وغير ذلك من هذه الطرف التي تصور لنا المجتمع العربي – أريد مجتمعات اللهو والطرب التي لم يخل منها عصر من عصورنا الماضية- أصدق تصوير.

ونقف قليلاً مع النويري يحدثنا عن جماعة من الأكابر والأعيان والخلفاء ممن شربها واشتهر بها..
فقد بدأ بيزيد بن معاوية الذي كان يقال له: "يزيد الخمور". وقصصه كثيرة..
وذكر أخبار عبد الملك بن مروان.. وكان يسمّى "حمامة المسجد" لورعه وزهده واجتهاده في العبادة، هذا قبل أن يلي الخلافة.. فلما أفضت إليه الخلافة شرب.. 
فقال له سعيد بن المسيّب: بلغني يا أمير المؤمنين انك شربت الطلاء..
فقال: أي والله والدماء!..
ومنهم يزيد بن عبد الملك، وهو صاحب حبابة وسلامة.. وأخباره مشهورة.
ومنهم ابنه الوليد بن يزيد ، وقد اشتهر بادمانه الخمر حتى قيل إن أحسن ما في شعره "خمرياته". فقد عدّ بها إماماً.. وقد تأثر بشعره أبو نواس واعتبره المثل الأعلى في قول الشعر..
وقد ذهب به الشراب كل مذهب حتى خلع وقتل.. وله في ذلك أشعار وحكايات منها: أنه سمع بشرّاعة بن الزندبود الكوفي وكان من أهل البطالة المشهورين باللعب واللهو وإدمان الشرب. فاستدعاه من الكوفة إلى دمشق، فحمل إليه، فلما دخل عليه قال له: يا شرّاعة ما أرسلت إليك لأسألك عن كتاب الله، ولا عن سنة نبيه.

قال: لو سألتني عنهما لوجدتني حماراً.
قال: وإنما أرسلت إليك لأسلك عن القهوة.
قال: أنا دهقانها الخبير، ولقمانها الحكيم، وطبيبها الماهر.
قال: فأخبرني عن الشراب.
قال: سل عما بدا لك
قال: ما تقول في الماء؟
قال: لا بدّ منه.. والحمار شريكي فيه
قال: فاللبن؟
قال: ما رأيته إلا استحييت من طول ما أرضعتني أمي به!
قال: فالسويق...
قال: شراب الحزين، والمستعجل، والمريض
قال: فشراب التمر
قال: سريع الامتلاء.. سريع الانفشاش
قال: فنبيذ الزبيب..
قال: حلموا به على الشراب..
قال: فالخمر
قال: تلك والله صديقة روحي
قال: وأنت والله صديق روحي
قال: فأي المجالس أحسن
قال: ما شرب فيه على وجه السماء

***


هذا .. ومن جيد خمريات الوليد قوله:


إِصدَع نَجِيَّ الهُمومِ بِالطَربِ *** وَاِنعَم عَلى الدَهرِ بِاِبنَةِ العِنَبِ
وَاِستَقبِلِ العَيشَ في غَضارَتِهِ *** لا تَقفُ مِنهُ آثارَ مُعتَقِبِ
مِن قَهوَةٍ زانَها تَقادُمُها *** فَهيَ عَجوزٌ تَعلو عَلى الحقبِ
أَشهى إِلى الشربِ يَومَ جَلوَتَها *** مِنَ الفَتاةِ الكَريمَةِ النَسَبِ
فَقَد تَجَلَّت وَرَقَّ جَوهَرُها *** حَتّى تَبَدَّت في مَنظَرٍ عَجَبِ
فَهيَ بِغَيرِ المِزاجِ مِن شَرَرٍ *** وَهِيَ لَدى المَزجِ سائِلُ الذَهَبِ
كَأَنَّها في زُجاجِها قَبَسٌ *** تَذكو ضِياءً في عَينِ مُرتَقِبِ
في فِتيَةٍ مِن بَني أُمَيَّةَ أَهْ *** لِ المَجدِ وَالمُأثِراتِ وَالحَسَبِ
ما في الوَرى مِثلُهُم وَلا فيهِمُ *** مِثلي وَلا مُنتَمٍ لِمِثلِ أَبي



ومما يروى عن الوليد، وهذا من اتهامات خصومه – أنه اتخذ لنفسه في قصره بركة من الخمر كان يلقي نفسه فيها اذا طرب، ومن شعره الذي يصور نفسيته أجمل تصوير قوله:

خُذوا مُلكَكُمُ لا ثَبَّتَ اللَهُ مُلكَكُم *** ثَباتاً يُساوي ما حَييتُ قِبالا
ذَروا لِيَ سَلمى وَالطِلاءَ وَقَينَةً *** وَكَأساً أَلا حَسبي بِذلِكَ مالا
أَبالِمُلكِ أَرجو أضن أُعَمِّرَ فيكُمُ *** أَلا رُبَّ مُلكٍ قَد أُزيلَ فَزالا


والشبه جدّ قريب بين الوليد بن يزيد، وبين دوق وندسور ملك انكلترا السابق ادوار الثامن حين أحب مسز سمبسون فباع تاج أضخم مملكة آنئذٍ بكأس من الويسكي، مع من استهوته بظرفها ورقتها وجمال روحها.

وقصص ادمانه الشراب ترويها أكثر كتب الأدب، فقد نقل الرواة هذه الحكاية عن خمّار في دير حنّه الكبير يقال له "مرعبدا" حكى هذا الخمّار فقال:
ما شعرت يوماً وقد فتحت حانوتي وجلست إلى جانب الهيكل إلا بثلاثة فوارس قد أقبلوا في طريق السّماوة في البرّ، حتى وقفوا علي، وهم متلثمون بعمائم الخز وعليهم حلل القصب. فسلموا علي، وأسفر أحدهم وقال: "أنت مرعبدا، وهذا دير حنّه؟" قلت: نعم. قال: قد وصفت لنا بجودة الشراب والنظافة، فاسقني رطلاً". فبادرت فغسلت يدي. ثم نقرت الدنان ونظرت أصفاها فبزلته، فشرب، ومسح يده وفمه بالمنديل، ثم قال: "اسقني آخر". فغسلت يدي، وتركت ذلك الدنّ وذلك القدح والمنديل، ونقرت دناً آخر. فلما رضيت صفاءَه، بزلت منه رطلا في قدح، وأخذت منديلاً جديداً، فناولته إياه فشرب كالأول، ثم قال: "اسقني رطلاً آخر" فسقيته في غير ذلك القدح وغير ذلك المنديل، فشرب ومسح فمه ويده. وقال لي: "بارك الله فيك! فما أطيب شرابك وأنظفك وأحسن أدبك! وما كان دأبي أن أشرب أكثر من ثلاثة أرطال. فلما رأيت نظافتك، دعتني نفسي إلى شرب رابع، فهاته!" فناولته إياه على تلك السبيل فشرب وقال: "لولا أساب تمنع من بيتك، لكان حبيباً إليّ جلوسي يومي هذا فيه". وولى منصرفاً في الطريق الذي بدا منه. ورمى إليّ أحد الراكبين اللذين كانا معه بكيس. فقلت: "وحق النصرانية! لا قبلته حتى أعرف الرجل" فقال: "هذا الوليد بن يزيد ابن عبد الملك. وُصفتَ له، فأقبل من دمشق حتى شرب من شرابك، ورأى ديرك والخيرة". ثم انصرف، فحللت الكيس، فإذا هو أربعمائة دينار.

وممن اشتهر من الخلفاء بالشراب المأمون بن هارون الرشيد. ومن أخباره أنه شرب هو والقاضي يحيى ابن أكثم، وعبد الله بن طاهر... وقد تآمر المأمون مع ابن طاهر على سكر يحيى، فأشار إلى الساقي أن يسكره فأسكره..
وكان بين أيديهم رزم من الورد والرياحين.. فأمر المأمون أن يشقّ ليحيى لحد من الورد والرياحين.. وأن يضعوه فيه.. ونظم بيتي شعر.. ودعا قينة فجلست عن رأس يحيى وغنّت:

دعوته وهو حي لا حياة به *** مكفناً في ثياب من رياحين
فقلت: قم، قال رجلي لا تطاوعني *** فقلت: خذ، قال: كفي لا تؤاتيني


وقد انتبه القاضي لرنة العود، وصوت الجارية ولحالته التي هو فيها، فأيقن أنه لم يعد يصلح للقضاء بعدما مرّ بهذه الحالة فقال:
يا سيدي وأمير الناس كلهم *** قد جار في حكمه من كان يسقيني
إني غفلت عن الساقي فصيرني *** كما تراني سليب العقل والدين
فانظر لنفسك قاض، إنني رجل *** الراح تقتلني، والروح تحييني


***


وقد انتشر الشراب ، رغم نهي القرآن عنه، ولكن مسألة الشراب كانت تختلف باختلاف البلاد.
يقول الطبري: إنه بينما كان يعاقب عليه في الحجاز، كان أهل العراق لا يرون بالشراب بأساً.
وانتشرت دور الخمر كما كان عليه الحال قبل الاسلام.
وقد أمر الخليفة القاهر بتحريم الغناء والخمر.. وكان هو مع ذلك يشرب المطبوخ، ولا يكاد يصحو من السكر.
ويذكر عن الخليفة الراضي الذي جاء بعد القاهر أنه كان أعطى الله عهداً ألا يشرب.. ولم يزل من خلافته نحو سنتين محافظاً على عهده لا يشرب، وكان جلساؤه يشربون بين يديه فلا يشرب معهم إلا الجلاب.. ولكن أصحابه لم يزالوا به ليشرب، فكتب رقعة بلفظ يمينه وعرضها على الفقهاء، فوجدوا له رخصة، فأعطى أستاذه ونديمه الصولي ألف دينار ليتصدّق بها عنه وشرب.
وكان المستكفي قد ترك النبيذ، فلما أفضت إليه الخلافة دعا به من وقته، وعاد إلى شربه..

***


وكان العباس بن علي، عم الخليفة المنصور يأخذ الكأس بيده ويقول:
أما العقل فتتلفين، وأما المروءة فتمحقين، وأما الدين فتفسدين.. ويسكت ساعة.. 
ثم يقول:
وأما النفس فتسخين، وأما القلب فتشجعين.. وأما الهم فتطردين.. أفتراك مني تفلتين! 
ثم يشربها..

ويطول بنا المجال لو رحنا نسرد قصص الخلفاء والعلماء الذين استهوتهم الخمرة فلنكتف بما قدمنا، على أن نجول جولة سريعة مع الشعراء، نستمع إلى أحاديثهم، ونكاتهم، وحالاتهم، وشعرهم في الخمرة والكأس..



الجزء الثالث