خمر
وشعر
الجزء الاول
دار الرائد
حلب
الطبعة الأولى
كانون الثاني 1963
الإهداء
إلى إمام الشاربين و "أبي
نواس" القرن العشرين..
إلى الرجل الذي لم يمنعه لهوه
وعبثه ومجونه أن
يكون في طليعة المجاهدين والذي
ما زال يحتفظ بعزيمة
الشباب وبلقب "زعيم الشباب"
رغم دلوفه إلى الثمانين..
إلى الذي امتزجت نفسه بحب
الموسيقا العربية فعاش
أيامه الطوال في أجوائها وجمع
لحونها وأنغامها وأدوارها
وكتب عنها المجلدات..
إلى الذي جعل من قصره ندوة
الساسة والزعماء
والقادة المحنكين، وملتقى
الظرفاء والأدباء والشعراء
والفنانين والذين طالما
استمتعوا بلياليه العذاب التي
يضفي عليها من روحه وحسه وذوقه
ما يجعل سحرها
سيفوق بروعته سحر ليالي ألف
ليلة وليلة.
إلى الإنسان الذكي الفؤاد الذي
لا تفارق النكتة
طرف لسانه فيتمثّل فيه ظرف دمشق
وأنس دمشق
وروح دمشق..
إلى الصديق
فخري البارودي
أهدي هذه الصفحات
س...
خمر وشعر
أ - الخمر.. مالها وما عليها
ب - رأي الجاحظ في الخمر.
1- من رسالة الجاحظ في الشارب
والمشروب.
2- من رسالة الجاحظ إلى الحسين بن
وهب في مدح النبيذ.
خ- خمريات
قصائد ومقطوعات من الشعر العربي
في الخمر منذ العصر الجاهلي إلى
القرن العشرين.
1- منذ العصر الجاهلي..
2- خمريات من الأندلس
3- من خمور الصوفيين
4- خمريات من الشعر المعاصر.
الخمر ... ما
لها وما عليها
ما هي الخمر؟
وما مفعولها؟ وما ضررها؟ وما
نفعها؟ وما حكمها في الأديان
السماوية؟ وكيف صوّرها الشعراء؟
هذا ما أريد أن أتناوله في هذا
البحث.
وقد يعجب الذين خالطوني وعرفوني
أن أتحدث عن شيء أجهله تمام
الجهل.. ولكن لا عجب.. فالانسان
مولع دائماً بالحديث عن الأشياء
التي يجهلها.. والخمرة بالنسبة
لي شيء غامض لأني لم أذق طعمها قط..
ولن أذوقها أبداً.. وكلما جلست مع
اخوانٍ يتعاطون رحيق الكأس
سلوةً لهم من هموم الحياة،
مؤمنين بمذهب أبي نواس والخيام،
وقفت أتأمل حالاتهم ونشوتهم
وسكرهم والنهاية التي ينتهي
إليها البعض ممن لا يستطيعون أن
يمسكوا توازنهم، فأحمد ربي على
عصمته، وكثيراً ما يأخذون عليّ
جهلي أسرار الحياة حين لا أتعاطى
معهم هذه الكؤوس المشعّة – حين
لا أسكر سكرهم وأعربد عربدتهم،
وأثور ثورتهم، وأجنّ جنونهم،
فأضحك همساً، وألاطفهم بكلمات
أعذبَ من الخمر، وأرقّ من السحر..
فينتشون، ويشربون كأسي مرات
ومرات.. وأنتشي معهم لحظات.. ثم
أنقضّ برفق أو بعنف على ما
تحتويه مائدة الشراب من أطايب
المأكولات ولذيذ المزّات ! غير
آخذ بقول الشاعر الذي يتفلسف
بالحق أو بالباطل حين يقول:
- وفي الخمر
معنىً ليس في العنب –
***
الخمر في اللغة:
الخمر: لفظ منقول من مصدر خَمرَ
الشيء بمعنى ستره وغطاه.. يقال:
خمرتُ الشيء إذا سترته..
ومنه خمار المرأة.. وكل شيء غطّى
شيئاً فقد خَمرَه.. ومنه: خمّروا
آنيتكم.
فالخمرة تخمر العقل.. أي تغطيه
وتستره.
ومنه قولهم: دخل في غمار الناس
وخمارهم..
أي في مكان خافٍ.. فلما كانت
الخمر تستر العقل وتغطيه سميت
بذلك.
وقيل: إنما سمّيت خمراً لأنها
تُركت حتى أدركت..
كما يقال: قد اختمر العجين.. أي
بلغ إدراكه، وخمر الرأي، أي ترك
حتى يتبين فيه الوجه..
وقيل أيضاً: إنما سميت الخمر
خمراً لأنها تخالط العقل.. من
المخامرة.. وهي المخالطة..
فالمعاني الثلاثة متقاربة..
فالخمر تُركت، وخُمرت حتى أدركت
، ثم خالطت العقل.. ثم خمرته.
والأصل الستر..
وفي المصباح: الخمر اسم لكل مسكر
خالط العقل.
هكذا يعرف اللغويون الخمرة..
أما العلماء فيقولون:
".. الخمرة في مصطلح العلم هو
المادة المؤثرة المسكرة
الموجودة في المواد السكرية
والنشائية المائعة المتخمرة
كخمر العنب، ونبيذ الشعير
والأرز والتفاح وغيرها.."
وكما يذهب الكثيرون إلى تعداد
أضرارها وآفاتها وسمومها فهناك
من يقول: إن منافعها كثيرة.. نعم،
من الأطباء من جعلها "غذاءً
خيراً من الحنطة والعسل، ومنهم
من صيرها ترياقاً فيه شفاء الروح
والجسد، ومنهم من ذهب إلى أنها
تحرق الأجسام ولا تبقي على
الأرواح.. تهلك الحرث ولا تذر
النسل.. فليت شعري أي هذه الأقوال
الصحيح.. وأيها أهدى للحق؟ ومن من
هؤلاء الرجل المصيب.. ومن منهم
المخطئ؟ كلهم مصيب على حد قول
الشاعر:
- رأيت بعينها
ورأت بعيني –
لأن كلا منهم نظر إلى المسكرات
بعين عقيدته الموروثة..
وكأن الأعشى قد عبر عن رأي الطب
في حالتي نفعها وضرها منذ ألف
وأربعمائة سنة حين قال:
وكأسٍ شربت على
لذةٍ *** وأخرى تداويت منها بها
هذا، وقد ألف الناس الخمرة منذ
آلاف السنين وعاقرها بعضهم حتى
خامرت عقله ولبه، وامتزجت بلحمه
ودمه، وأصبحت عنصراً ضرورياً من
لوازم حياته.. فهي ماؤه وغذاؤه،
وهي راحه.. وهي ريحانه.. تجارتها
أروج تجارة، وصناعتها أعظم
صناعة.. حتى من الأمم العظمى من
جعلها ثمرة حرثه وزرعه.. وقد عم
الخطب بها حتى بات شربها مظهراً
من مظاهر المدنية والحضارة،
وجفاؤها ضرباً من ضروب التوحش
والغباوة"..
ويقول علماء الاجتماع:
"إنه لم يصب الانسان بضربةٍ
أشدّ من ضربة الخمر، ولو عمل
احصاء عمن في مستشفيات العالم من
المصابين بالجنون والأمراض
المعضلة من الخمر، وعمن انتحر
وقتل غيره بسبب الخمر، وعمن يشك
من آلام عصبية ومعدية ومعوية
بسبب الخمر، وعمن أورد نفسه
موارد الافلاس بسبب الخمر، وعمن
تجرد من أملاكه بيعاً وغشاً من
الخمر لبلغت حداً مريعاً نجد كل
نصح إزاءه صغير، فما هي إلا بلية
تقع على رأس من قضى الله بها عليه
من عباده.
***
والخمر قديمة، كما قلنا، ولا
يعرف الزمن الذي مُني بها
الإنسان..
ففي حلبة "الكميت": قيل أن
أول من عصرها أبليس لقابيل
وأولاده..
وفي حياة الحيوان للدميري: أن
آدم أول من غرس الكرم، وأن ابليس
ذبح عليها طاووساً وقرداً
وأسداً وخنزيراً فشربت دماء
هؤلاء الأربعة، ولذلك اتصف
شاربها حين يسكر بهذه الأوصاف
الأربعة: خيلاء وزهو كزهو
الطاووس وخيلائه، ومرح ورقص
كمرح القرد ورقصته، وعربدة وقوة
كقوة الأسد، ثم انعقاص كانعقاص
الخنزير.
وفي حلبة الكميت أيضاً:
أن نوحاً أول من زرع الكرم.
ولعل هذا الرأس مأخوذ من التوراة.
فقد جاء في سفر التكوين من
التوراة، في الاصحاح العاشر، في
العدد العشرين والحادي والعشرين:
"وهكذا، ابتدأ نوح يحرث
الأرض، وغرس كرماً، وشرب الخمر،
فسكر".
***
تحريم الخمر:
هذا، وبالنظر لجسيم أضرارها فقد
جاء تحريمها في جميع الكتب
السماوية..
ففي الانجيل :
"إن السكارى لا يدخلون ملكوت
السموات"
وقال أشعيا في الفصل الخامس:
"ويل للقائمين من الغداة في
طلب المسكر"
وكتب بولس الرسول إلى أهل رومية:
"لنسلكن سلوكاً لائقاً لا
بالقصوف والسكر، ولا بالمضاجع
والعهر.."
كما كتب بولس نفسه إلى أهل
كورنتيه:
"لا السكيرون، ولا الشتّامون،
ولا الخطفة يرثون ملكوت الله".
وكتب أيضاً:
"كفى ما سلف من الزمان لقضاء
هوى الأمم بالسلوك في العهر
والشهوات وسرف الخمر والقصوف
والمنادمات وعبادة الأوثان
الرجسة".
وهذه القوال صريحة بتحريم
المسكرات لضررها وإن أباحت
قليلها للنشوة وإزالة المتاعب،
أو لضرورات صحية أو لمناسبات
اجتماعية كتحويل السيد المسيح
الماء خمراً في عرس قانا الجليل،
وقول داود في المزمور 103:
"الخمر تفرّح قلب الإنسان".
وقول الرسول بولس إلى تلميذه
تيمرثاوس:
"لا يكن شرابك الماء فيما بعد،
بل خذ قليلاً من الخمر من أجل
معدتك وأمراضك المتواترة."
***
وفي القرآن الكريم
"يا أيها الذين
آمنوا إنما الخمر والميسر
والأنصاب والأزلام رجس من عمل
الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون"
الآية 90 من سورة المائدة
***
"إنما يريد
الشيطان أن يوقع بينكم العداوة
والبغضاء في الخمر والميسر،
ويصدّكم عن ذكر الله، وعن الصلاة..
فهل أنتم منتهون"
الآية 91 من سورة المائدة
***
" يسئلونك عن
الخمر والميسر.. قل فيها إثم كبير
ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من
نفعهما"
الآية 219 من سورة البقرة
***
كانت الخمرة قبل ظهور الاسلام
مباحة، وكان الناس مولعين
بشربها.. وهي لهم حلال.. ثم ان عمر
بن الخطاب ونفراً من الصحابة
قالوا:
يا رسول الله أفتنا في الخمر،
فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال..
فنزلت الآية:
" يسئلونك عن
الخمر والميسر.. قل فيها إثم كبير
ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من
نفعهما"
فلما نزلت هذه الآية تركها بعض
الناس وقالوا:
لا حاجة لنا فيما فيه إثم كبير.
ولم يتركها بعض الناس وقالوا:
نأخذ منفعتها ونترك إثمها..
فنزلت هذه الآية:
"لا
تقربوا الصلاة وأنتم سكارى"..
فتركها بعض الناس وقالوا: لا
حاجة لنا فيما يشغلنا عن الصلاة،
وشربها بعض الناس في غير أوقات
الصلاة.. حتى نزلت هذه الآية:
"يا أيها الذين
آمنوا إنما الخمر والميسر
والأنصاب والأزلام رجس من عمل
الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون"
فصارت حراماً عليهم حتى صار يقول
بعضهم: ما حرم الله شيئاً أشد من
الخمر.
***
ومن الروايات الطريفة التي
تذكرها كتب الأدب هذه الحادثة
التي جرت مع الأعشى الشاعر، وهو
شيخ شعراء الخمر في الجاهلية،
ويكاد يكون أكثر شعره في الخمر،
حتى قيل إنه لو جمع ما قاله
الجاهليون شعراً في الخمر ووضع
في كفة، ثم قوبل بما قاله الأعشى
لوجدت كفته ترجح رجحاناً مبيناً
على كفة الجاهلين عامة..
فقد سمع هذا الشاعر السكّير
بظهور الديانة الإسلامية
وبرسالة محمد، وكان بعيداً عن
مكة.. فما كان منه إلا أن نظم
قصيدة جديدة لا في الخمر بل في
مدح محمد.. وركب ناقته، وأخذ يقطع
الفيافي لاعلان إسلامه. وبينا هو
في الطريق ليه بعض المشركين
وقالوا له:
إلى أين أنت ذاهب؟ فأخبرهم بأنه
يريد محمداً..
فقالوا: خير لك أن لا تقابله..
فإنه يأمرك بالصلاة..
فقال: إن خدمة الرب واجبة..
فقالوا: إنه يأمرك بإعطاء المال
إلى الفقراء..
فقال: اصطناع المعروف واجب..
فقيل له: إنه ينهى عن الزنا..
فقال: هو فحش وقبيح في العقل، وقد
صرت شيخاً فلا أحتاج إليه..
فقيل له: إنه ينهى عن شرب الخمر..
هنا وقف قليلاً (بدها وقفة
الصراحة ) وقال: أما هذه فإني لا أصبر
عليه، ورجع في الحال وقال:
أشرب الخمر سنة كاملة.. ثم أرجع
إليه فأسلم، وانصرف وقد مات في
عامه ذاك ولم يعد إلى محمد.
وأظن أنه حين عاد شرب كثيراً.
وأكثر من الحد.. أي أراد أن يأخذ
زاده منها مدى الحياة.. فما زال
يعبّ ويعب بالكبير وبالصغير وفي
نفسه منها علالات، حتى مات في
سنته تلك.
ويقول الرواة إن الأعشى هو أشعر
ما يكون حين يسكر.
***
ويذهبون في تصوير ولعه بالخمر
إلى أبعد من هذا، فيزعمون أن بعض
ولاة اليمامة سأل عن داره فدلّ
عليها، وسأل عن قبره فأخبره بأنه
في فناء الدار، فقصد إلى هذه
الدار فإذا هو رطب، فلما سأل عن
علة رطوبته أخبر بأن الفتيان
يجتمعون حول القبر فيشربون، وقد
جعلوه مجلس رجلٍ منهم، فاذا جاء
دوره صبوا فوقه الكأس.
وكان قيس بن عاصم المنقري
شرّاباً لها في الجاهلية.. ثم
حرّمها على نفسه.. وكان سبب ذلك
أنه غمز ابنته وهو سكران.. وسبّ
أبويه، ورأى القمر فتكلم كلاماً
مزرياً، وأعطى الخمّار كثيراً
من ماله، فلما أفاق أخبر بذلك
فحرمها على نفسه وفيها يقول:
وجدت الخمر
جامحةً وفيها *** خصال تفضح الرجل
الكريما
فلا والله أشربها حياتي *** ولا
أدعو لها أبداً نديما
ولا أعطى لها ثمناً حياتي *** ولا
أشفي بها أبداً سقيما
فأن الخمر تفضح شاربيها ***
وتجشمهم بها أمراً عظيما
إذا دارت حمياها تعلت *** طوالع
تسفه الرجل الحليما
وفي رواية أن هذه الأبيات لأبي
محجن الثقفي قالها في تركه الخمر..
وهو القائل:
إذا متّ فادفني
إلى جنب كرمة *** تروي عظامي بعد
موتي عروقها
ولا تدفني بالفلاة فإنني *** خاف
إذا ما مت أن لا أذوقها
وروى بعضهم أنه رأى قبره وقد
نبتت عليه ثلاثة أصول كرم وقد
طالت وأثمرت.. وهي معروشة على
قبره، وقد كتب عليه هذا قبر أبي
محجن.
قال الراوي: فجعلت أتعجب وأذكر
قوله:
- اذا مت فادفني
إلى جنب كرمة –
الجزء الثاني