تراث وفقـه
 
 

 

آتحريف في كتابة القرآن؟ 

كانت مرحلةُ جمع القرآن في مصحف من أخطر المراحل التي تعرَّض لها النصّ القرآني. لقد نزل القرآن على سبعة أحرف، وأجاز المسلمون قراءته بالمعنى دون اللفظ، وأباحوا تعدّد النصوص قبل توحيدها في مصحف عثمان. وقد جعل كل هذا مرحلة جمع القرآن نقطة تحّول في نزاهة النص القرآني.

فبالرغم من معارضة ·الصحابة في بداية الأمر لجمع القرآن في سفرٍ واحد، لأنهم رأوه بدعة لم يفعلها الرسول في حياته. وما أن خرجت الفكرة إلى حيّز الوجود حتى تعدّدت المصاحف، وأصبح لكل ·صحابي مصحفٌ لا يرضى عنه بديلاً!

روى عكرمة أن علياً بن أبي طالب قعد في بيته بعد بيعة أبي بكر، فقيل لأبي بكر: كره بيعتك! فأرسل لعلي قائلاً: أكرهت بيعتي؟ قال: لا والله! فسأله أبو بكر: ما أقعدك عني؟ قال: رأيتُ كتاب الله يُزاد فيه، فحدَّثْتُ نفسي أن لا ألبس ردائي إلا لصلاةٍ حتى أجمعه. قال أبو بكر: نِعْم ما رأيت.

أما مصحف أبيّ بن كعب فقد كان منتشراً في بلاد الشام، وهو يختلف عن المصحف العثماني بزيادة سورتي الحفد والخلع. وقد روى البيهقي أن عمر بن الخطاب صلّى بهما، وأن علياً كان يعلّمهما الناس، وكانوا يقرأون بهما في حضرة عبد الملك بن مروان!! (أي إلى عصر الدولة الأموية).

ويختلف مصحف أُبيّ عن غيره أيضاً في أن سورتي الفيل وقريش فيه سورة واحدة، لا سورتان كما في مصحف عثمان، وكذلك سورتا الضُّحى والانشراح.

وهناك مصحف ابن مسعود، وكان ابن مسعود من أئمة القرّاء الذين أوصى محمدٌ بهم، فقد أورد السيوطي عن جابر أنه سمع النبي يقول: ·خذوا القرآن عن أربعة: عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وسالم، وأُبي بن كعب . ويختلف مصحف ابن مسعود عما سواه في أنه لا يورد سورة الفاتحة والمعّوَذتين (الفلق والناس). ومن المرويّ عنه قوله: "إن المعوذتين ليستا من كتاب الله !"

أما مصحف زيد فقد كان جمعه وتدوينه بأمرٍ من الخليفة أبي بكر، بعد توصية عمر بن الخطاب له، وقد جمعه زيد من صدور الصحابة ومن العظام وأوراق الأشجار ولباب الأخشاب والنخيل!!



عثمان بين التوحيد والتحريف!

كانت مرحلة جمع القرآن ذات أثر واضح في تاريخ المصحف، فقد أصبحت هناك نصوص عديدة للقرآن مختلفة متباينة، وتفرَّق المسلمون وتشيَّعوا للنصوص، وقد بلغ الاختلاف أشده عندما تقاتلوا وكفَّر بعضهم بعضاً، وتبادلوا التّهم المختلفة، وعلى رأسها تهمة التحريف.

وعندما رأى الخليفة عثمان بن عفان ما حدث للمسلمين، عزم على أن يوحِّد أحرف القرآن على حرفٍ واحد. فقد روى أنس بن مالك أن الناس اختلفوا في القرآن على عهد عثمان حتى اقتتل الغلمان والمعلّمون، فبلغ ذلك عثمان، فقال: أعندي تكذبون وتلحنون فيه؟ فمَن نأى عني كان أشدّ تكذيباً ولحناً! يا أصحاب محمد اجتمعوا فاكتبوا للناس إماماً .

وبعد أن كوّن عثمان لجنة تتولّى كتابة المصحف، أمر بغيره من المصاحف وغلى لها زيتاً وألقاها فيه. وهذا يثير لدى الباحثين الشك في مصداقية النصّ الذي بين أيدينا.

فعلي بن أبي طالب يشهد أن كتاب الله يُزاد فيه!

ويذكرون أن علياً كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، أما عثمان فقد حذف المنسوخ من مصحفه. وما بين أيدينا الآن به آيات عديدة ناسخة ومنسوخة!

ومن الحقائق التاريخية التي ستظل تثير شك الباحثين في تاريخ المصحف هو كيف اختلف ابن مسعود في مصحفه عن غيره من الصحابة، فأنكر سورة الفاتحة وسورتي الفلق والناس، وكفّر من اعتبرها من كتاب الله؟! وابن مسعود هذا ممن أوصى محمد بالأخذ عنهم في قراءة القرآن، وقد رُوي عنه قوله إنه يعلم ما صغُر وما كبُر في القرآن - وعندما كُلِّف زيد بجمع القرآن من دونه غضب واشتدّ حنقه على تكليف من لم يتجاوز العشرين من عمره بهذه المهمة التي كان هو أكثر المؤهَّلين لها، فقال مستنكراً تكليف زيد بجمع القرآن: ·واللهِ لقد أسلمت وهو مازال في صُلْب رجلٍ كافر! .

أما مصحف أُبي فقد دُّوِن فيه ما ليس في المصحف العثماني من آيات وسور.

فلماذا كان الخلاف والاختلاف؟ وقد كان القوم حديثو عهدٍ بحياة قائدهم؟!

ونحن نتساءل أيضاً: لماذا تجاهل المسئولون عن جمع القرآن عظماء الصحابة أمثال علي بن أبي طالب، وأُبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس؟ كما يحق لنا التساؤل: لما شكّل عثمان لجنةً لجمع القرآن وترتيبه ورفع المنسوخ منه، لماذا لم يرضَ هو ومن معه بنسخة زيد، وقد رضيها أبو بكر وعمر وعلي وكبار الصحابة مدة خلافة أبي بكر وعمر؟

إن فعلة عثمان التي فعلها في حق المصحف ستظل محل اتهام وتشكيك، وهي إحراقه لما بين يديه من مصاحف. فإذا كانت المصاحف التي سبقت المصحف العثماني، ومنها مصحف زيد الأول، موافقةً للنص العثماني الموحّد، فلماذا أُتلفت؟

وإذا كانت مخالفة وحقَّ عليها التلف، فكيف نطمئن إلى نسخة عثمان كما لم يطمئن هو إلى ما فعله أبو بكر وعمر وعلي؟!



الشيعة وتحريف القرآن

كل ما ذكرناه فيما مضى يمثِّل أقوال وآراء علماء السنّة المعتمَدين، وهي تطعن في نزاهة القرآن وتتّهمه تصريحاً وتلميحاً بالنقصان تارة، والزيادة تارةً أخرى، والتغيير والتبديل ثالثةً.

ويقول علماء الشيعة بوقوع الزيادة والنقصان في القرآن. وقد أجمع أهل النقل والتفسير عندهم على أن القرآن المتداوَل بين أيدي المسلمين اليوم ليس القرآن كله! قال بذلك ·علي بن إبراهيم وتلميذه ·الكليني وقال به أيضاً الإمام ·العياشي و·الطبرسي وغيرهم.

وقد أكد الإمام محمد بن جعفر في كتابه ·الإمامة أن الله لم يقل قط في القرآن ثَانِيَ ا ثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي ا لْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ ا للَّهَ مَعَنَا" (التوبة 9: 40).

وللمذهب الشيعي عدد من الكتب صنّفها كبار أئمتهم في تأكيد وقوع التحريف في النصوص القرآنية، أشهرها كتاب ·فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب للإمام ·النوري . وقال المؤلف في مقدمته: ·هذا كتاب لطيف وسفر شريف عملته في إثبات تحريف القرآن، وفضائح أهل الجور والعدوان .



والكتاب يضم ثلاث مقدمات وبابين:

ويؤكد المؤلف في مقدمته الأولى نبْذ ما جاء في جمْع القرآن وجامعه وسبب جمْعه، وقد تطرّق النقص والاختلاف بالنظر إلى كيفية الجمع، معّزِزاً رأيه بروايات للإمام ·الصدوق و·الطبرسي و·الصغار و·الكليني و·ابن شهر أشوب و·المجلسي و·العياشي و·النعماني وغيرهم، ملخصها: أن علياً جمع القرآن ولم يزد فيه حرفاً، ولم ينقص منه حرفاً، فرفضوه ونبذوه وراء ظهورهم، وأن الخلفاء الثلاثة وَكلوا تأليف القرآن ونظمه إلى من وافقهم على معاداة أولياء الله، فأسقطوا منه ما تضمَّن مدحاً للأئمة والنص الجلي على إمارة أمير المؤمنين. وعلى هذا فلا يستطيع أحد ادّعاء جمع القرآن كله غير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. ويضيف الإمام النوري في كتاب ·فصل الخطاب : ·والجامعون، منهم جامعه الأول أمير المؤمنين، وجمْعه يخالف جمع الآخرين إجمالاً. أما المصاحف الأخرى فهي مصحف الخلفاء الثلاثة. ومصحف أُبي بن كعب، ومصحف ابن مسعود، وهذه مصاحف أربعة .

ويخلُص إلى القول: ·ويُستفاد من مجموع تلك الأخبار خاصيها وعاميها، منطوقها ومفهومها، وبعد إمعان النظر فيها أن القرآن الموجود الآن بين أيدي المسلمين شرقاً وغرباً المحصور بين الدفتين، جمعاً وترتيباً، لم يكن كذلك في حياة الرسول !

أما المقدمة الثانية لكتاب الإمام ·النوري فهي في بيان أقسام الاختلاف والتغيير الممكن حصوله في القرآن. والصور في الزيادة والنقصان كثيرة، فالنقصان يشمل سورة كسورة الحفد والخلع. أما التبديل فقد شمل الكلمة والحرف وحركات الكلمات .

وأكّد الإمام النوري رأيه باقتباس أقوال علماء الشيعة في تغيير وتحريف القرآن، وأورد أقوال أكثر من اثني عشر عالماً أصولياً يُقِرّون بتحريف القرآن، أمثال ·الكليني و·المجلسي في كتابه ·مرآة العقول ومحمد بن الحسن الصيرفي في ·التحريف والتبديل وأحمد بن محمد في كتابه ·التحريف .

أما الباب الأول من كتابه فقد ذكر فيه الأدلة على وقوع التغيير والنقصان في القرآن، معّزَزة بالأخبار والروايات:

1 - هناك أخبارٌ تدلّ على سقوط آيات كثيرة مثل آية الرجم، ونقصان بعض السور، فسورة الأحزاب كانت بطول سورة البقرة، وسورة ·البيّنة ورد فيها ذكر سبعين شخصاً من قريش بأسمائهم وأسماء آبائهم، وأنها كانت في طول سورة البقرة!

2 - لعلي بن أبي طالب قرآن جمعه بنفسه، يختلف بالزيادة والنقصان عن قرآن عثمان. ومن الزيادات:

ألست بربكم، ومحمد رسولي، وعلي أمير المؤمنين.

... وكان أبواه مؤمنين وكان كافراً.

... وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث.

... وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم..

إن الإنسان لفي خُسر، وإنه فيه إلى آخر الدهر..

3 - وجود مصحف لعبد الله بن مسعود يخالف المصحف الموجود الآن، ويخالف أيضاً مصحف أمير المؤمنين (علي). ثم يذكر الإمام ·النوري بعض الآيات التي تفرَّد بها مصحف ابن مسعود:

إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل محمدٍ على العالمين

ألم نشرح لك صدرك، ووضعنا عنك وزرك الذي انقض ظهرك، ورفعنا لك ذكرك بعليٍّ صهرك.

نماذج من النصوص التي يعتقد الشيعة بتحريفها:

يقدم لنا الأستاذ محمد مال الله في دراساته عن الشيعة أكثر من ستين موضعاً يعتقد الشيعة بأنها محرّفة، نذكر بعضها، وقد وضعتُ العبارات المعتبرة لديهم والغير موجودة فيما بين أيدينا من مصاحف بين قوسين:

عن أبي بصير عن أبي عبد الله في القول:

"وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (في ولاية الأئمة) فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً" (الأحزاب 33: 71) إذ يعتقد الشيعة أن صحابة محمد قد حذفوا كلمة "في ولاية الأئمة".

عن أبي بصير بن أبي عبد الله عليه السلام في القول:

فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ـ بتركهم ولاية أمير المؤمنين ـ عَذَاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (فصلت 41: 27).

عن الحسين بن مباح عمن أخبره قال: قرأ رجل عند أبي عبد الله عليه السلام وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ( التوبة 9: 105).

فقال: ليس هكذا، إنما هي: "والمأمونون" ونحن "المأمونون".

عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال:

نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية هكذا: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا (آل محمد حقهم) لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً (النساء 4: 168 و169.

عن أبي حمزة أيضاً في قوله تعالى: فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ (بولاية عليّ) إِلاَّ كُفُوراً (الإسراء 17: 89).

مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا (البقرة 2: 106) يرون أن أصل الآية بدون كلمة أو مثلها !

فماذا يقول القارئ في كل ما أوردناه هنا؟

 

 

 المادة التاريخية في القرآن

للإعجاز القرآني في رأي المسلمين، وجوه شتى، أبرزها الإعجاز التاريخي. ويلخّص علماء الإسلام أسانيدهم في قولهم ·القرآن في حديثه التاريخي كان قولاً إلهياً محكماً (د. أحمد شلبي في كتابه ·محاضرات في الحضارة الإسلامية). وقال د. البلتاجي في كتابه "دراسات قرآنية" : ·تحدَّث القرآن فأتى بخبر الأّولين، وتنبأ بحوادث الآخِرين، وهذا ما لا يتوفّر لأعرابي فضلاً عن كونه أمياً لا يقرأ ولا يكتب. فإن لم يكن وحياً فما مصدره؟ وقال سيد قطب في مقدمة كتابه "في ظلال القرآن": "ينبغي أن يكون الحكم للقرآن ونصوصه، لا للآثار والمؤرّخين، لأن القرآن أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض، وصاحبه يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى" (طه 20: 7). وهو يردّد دائماً "أأنتم أعلم أم الله؟".

هذا هو موقف بعض العلماء الإسلاميين من الإعجاز التاريخي، وهو موقف ليس إجماعياً، أي أنه ليس رأي الجمهور. فهناك من يرى أن التاريخ في القرآن لا يقع في دائرة المحكم، بل يقع في مربّع ·النصوص المتشابهة التي يجوز فيها التأويل والتفسير والاجتهاد، وحجتهم أن القرآن أتى في حديثه التاريخي بآيات مبهمات، ولم يُقطع في إشكالياته التاريخية الكثيرة بقولٍ فصل، بل تناولها بألفاظٍ مطاطة تُحمل على أكثر من معنى!

ونحن وإن كنا لا نقف في هذا الخندق أو ذاك، فإننا نرى أن التدليل على وجود الأسطورة في القرآن دليل كاف على إبطال القول بربّانية القرآن، ومع ذلك فنحن نضيف عدداً من الشواهد التي تؤكد صدق مذهبنا:


أهمل القرآن مقوِّمات التاريخ، فلم يحدّد الزمان والمكان، ولم يعيّن الأشخاص. فليس هناك قصة قرآنية جاءت فيها هذه المقوّمات. فقصة موسى، رغم تكرارها، لم تذكر لنا تفاصيل دقيقة من حياته لا يستغني عنها المؤرخ، مثل ذكر صفة موسى ونسبه ووقت إرساله، والقصد من ذلك، وأين وكيف جعل هارون وزيراً له وسبب ذلك؟ وما كان بينهما وبين القوم من جدلٍ وحوار، وغير ذلك مما لا يمكن الاستغناء عنه، لأن التاريخ لا يكون تاريخاً إلا به.


اختياره بعض الأحداث دون بعض، فلم يهتم القرآن بتصوير الأحداث الدائرة حول شخصٍ أو الحاصلة في أمةٍ تصويراً تاماً كاملاً، أي ما يلفت الذهن إلى مكان العظة وموطن الهداية. ولعله من أجل ذلك جمع القرآن في الموطن الواحد كثيراً من الأقاصيص التي تنتهي بالقارئ إلى غاية واحدة. مثلما فعل في قصص سورة هود. هذا فضلاً عن كونه لم يهتم بالترتيب الزمني أو الطبيعي في إيراده للأحداث وتصويرها.


إسناده بعض الأحداث لأناسٍ في موطن، ثم إسناده نفس الأحداث لغيرهم من الأشخاص في موطن آخر. ومن ذلك قوله: قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحرٌ عليم قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (الأعراف 7: 109).

ولكنه يقول على لسان فرعون نفسه في نفس الموقف: قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (الشعراء 26: 34).

كذلك نجد في قصة إبراهيم أن البشرى بالغلام كانت لامرأته: "وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ … وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ" (هود 11: 69). بينما نجد أن البشرى لإبراهيم نفسه "وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قَالُوا لاَ تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ" (الحِجْر 15: 51-53).

"هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَماً قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ … فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ" (الذاريات 51: 24-28).

4. إنطاقه الشخص الواحد في الموقف الواحد بعبارات مختلفة حين يكرر القصة، ومن ذلك تصويره لموقف الله من موسى حين رؤيته النار، فقد نودي مرة بقوله: "فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا" (النمل 27: 8) ونودي مرة أخرى بقوله: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِيِء الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقَعْةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (القصص 28: 30).

وفي سورة طه: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً" (طه 20: 11، 12).

5. وجود مواقف جديدة لم تحدث أصلاً في سياق القصة مثل قوله عن اليهود: "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ" (النساء 4: 157). فمن المعروف عقلاً ومنطقاً أن اليهود لم يقولوا إن المسيح رسول الله، لأنهم لو اعتقدوا بذلك لما قتلوه ولما صلبوه!

جاءت المادة التاريخية في القرآن لتكون في خدمة الدعوة الإسلامية، فلم تخضع لمناهج البحث العلمية، إنما كانت مادة موجَّهة تسيطر عليها الأغراض الدينية، فأصبحت مُجَسِّدةً لحياة محمد وأتباعه وقومه، لا لأحداث التاريخ الحقيقية. فسِيَر الأنبياء المذكورين في القرآن ليست حتماً هي أحداث حياتهم بقدر ما هي أحداث الدعوة المحمدية!

والقصص التي جاءت من أجل هذا الغرض كثيرة في القرآن، منها مجموعة القصص التي وردت في سورة هود، حتى لقد علّل البعض أسباب اختلاف قصة لوط في سورة هود عن قصته في سورة الحجر باختلاف الأحداث المتصلة بحياة محمد نفسه. فالقصد من سورة هود هو تثبيت قلب محمد وأتباعه، لذلك عُني القرآن بما نال لوط من أذى، فأبرز حالته النفسية، وقصد أن يوضح عواطفه ويصوّر أفكاره. وهكذا الأمر في كل القصص التي وردت في هذه السورة، مما يتلاءم مع بدايتها وختامها. ففي البداية يقول مصّوِراً نفسية محمد: "فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ" (هود 11: 12) ويقول في ختامها: "وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ" (آية 120).

أما القصد من قصة لوط في سورة الحِجر فقد كان لبيان ما ينزل بالمكذّبين من أذى. ومن هنا حرص القرآن على أن يجعل الملائكة تعلن عن نفسها وتخبر لوطاً بما سيحل بالقوم من مصائب وما سينزل عليهم من عذاب. وهو ما يتناسب مع حالة محمد، وقد صرّح به القرآن في ختام سورة الحِجر حين قال: فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِين" (الحجر 15: 92- 95). فالحرص على العذاب الذي ينزل بأقوام الرسل هو المقصود من القصة، وهو الذي يتلاءم مع ذلك القسم الأخير. فالمقاصد كما ترى هي التي يرمي إليها القرآن، وهي التي تُملي الأسلوب والطريقة، وهي التي من أجلها يسلسل القرآن الأحداث ويربط بينها بربُط العاطفة والوجدان.

وإضافةً على ذلك، فإننا إذا أردنا أن نختار قصةً قرآنية تمثل نفسية محمد وأتباعه في موقفهم مع قومهم، وفي فترة من فترات تاريخية أصدق تمثيل، فلن نجد أقوى ولا أعنف ولا أصدق من قصة نوح كما جاءت في السورة التي تحمل اسمه، فهي تعرض لمشكلات محمد وأتباعه في دعوتهم، وتتمشّى فيها حركة الأسلوب مع حركة العاطفة، وتصوِّر الضيق الذي ألمَّ بمحمد، ثم اتجاهه إلى الله ليخفِّف عنه البلاء وينقذ المؤمنين من جماعة الكافرين الضالة المُضلّة.

تقول السورة: "إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ ا عْبُدُوا ا للَّهَ وَا تَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لاَ يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلاَّ فِرَاراً وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَا سْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَاراً ثُمَّ إِنّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمُ مِدْرَاراً وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً مَا لَكُمْ لاَ تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ ا للَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً وَجَعَلَ ا لَقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً وَا للَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الَأَرْضِ نَبَاتاً ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجاً وَا للَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطاً لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلاً فِجَاجاً قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَا تَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَسَاراً وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً وَقَالُوا لاَ تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلاَ تَذَرُنَّ وَدّاً وَلاَ سُوَاعاً وَلاَ يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلاَلاً مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَاراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَاراً وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلاَ يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِراً كَفَّاراً رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلاَ تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَبَار" (نوح 71: 1-28).

ويصوّر ما ورد في سورة نوح حالة محمدٍ وأتباعِه وصراعَهم مع قومهم. ولو حاول محمدٌ أن يكتب تاريخ دعوته لما أضاف على ما ذكرته هذه السورة شيئاً!!

إن التشابه تامٌ بين حال نوح في القصة وحال محمد. نلحظ ذلك في عناصر الدعوة من عبادة الله وطاعته، كما تلحظه في طريقة الدعوة من حيث الجهر والسرية وفي مقابلة القوم لمحور دعوته بالنفور والفرار، ثم الاستكبار وجَعْل الأصابع في الآذان، ثم في الأشياء التي رغَّب بها في الإيمان، وفي الإعداد بالمال والأنهار، ثم الأشياء التي تُلفِتهم إلى عظمة الله مِن خَلْقهم أطواراً، ومن خلق السموات السبع الطباق، ومِن جَعْل القمر نوراً والشمس سراجاً، ثم في مناجاته لربه تلك المناجاة التي يخبره فيها أنهم اتَّبعوا الأغنياء، ومَن لم يزدهم مالُهم وولدهم إلا خسارة، ثم في تصويره لمكر هؤلاء الأغنياء أو القادة حين طلبوا من قومهم البقاء على ما هم عليه من عبادة الأوثان.

والغريب الذي يدعو للدهشة أسماء الأوثان المذكورة في سورة نوح "وقالوا لا تذرُنّ وَداً ولا سُواعاً ولا يَغوث ويَعوق ونَسْراً" هذه الأوثان التي قالت السورة إن نوحاً كان يحارب قومه في عبادتها، لم تكن أوثان قوم نوح، وإنما كانت أوثان العرب! وهذا يؤكد الاختلاط والازدواج في السرد بين قصة نوح وقصة محمد، فتُسنِد السورةُ لنوحٍ ما كان لمحمد، بصورة تجعلنا لا نستصوب تسمية السورة سورة ·نوح ولكن سورة محمد !!


الموضوع الثاني
الموضوع الثالث
الموضوع الرابع
الموضوع الخامس
الموضوع السادس
الموضوع السابع