تاريخ
السنة
الجزء الثاني
لصراع
الحربى والدعائى بين دين السنة
ودين الشيعة فى العصر العباسى
الثانى (232 ـ 658)
1 ـ شهد العصر العباسى الثانى ضعف
الخلفاء العباسيين وتحكم القوى
العسكرية فيهم. وأصبحت الخلافة
العباسية مجرد رمز للدين السنى
بينما يتحكم فى الدولة قادة
وافدون بجحافل عسكرية من أواسط
آسيا أتت لبغداد طلبا للسيطرة
والسلطان.
بدأ العصر العباسى الثانى
بالخليفة المتوكل الذى حكم فيما
بين (232 ـ 247) وهو أسوأ خليفة عباسى
فى ميدان التعصب. وقد أسقط العرب
والفرس معا من الجندية وأحلّ
محلهم الأتراك ، فتلاعب الأتراك
بالخلافة والخلفاء فى عصر قوتهم
فيما بين (232 ـ 334) .
ثم سيطر بنو بويه على الدولة
العباسية (334 ـ 447) وكان هواهم مع
الشيعة فأذلوا الخلفاء
العباسيين .
ثم تلاهم السلاجقة (329 ـ 552)
وكانوا متعصبين للدين السّنى
فاضطهدوا الحجاج الأوربيين
الآتين الى القدس فشجعوا
المتعصبين الأوربيين على
التنادى الى الحملات الصليبية
التى أقامت ممالك لها فى سوريا
والعراق وآسيا الصغرى وأسقطت
دول السلاجقة فى تلك المناطق .
وغابت الخلافة العباسية بضعفها
وانحلالها عن الصراع ضد
الصليبيين فقام بالجهاد دول
سنية متتابعة ومستقلة وفى اطار
الخلافة العباسية، سرعان ما
تنهار فيرثها قادة جدد من
أتباعها.
بدأ ذلك بقيام دول الأتابكة فى
عواصم الشام والعراق على أنقاض
السلاجقة. واشتهر عماد الدين
زنكى فى الموصل بالحرب ضد
الصليبين فاشتهر ، وكان فى الأصل
تابعا للملك السلجوقى محمد بن
ملك شاه ، فأقام دولة بنى زنكى .
وخلفه ابنه نور الدين زنكى فى
جهاده ضد الصليبيين .
وبرز من قواده آل أيوب ، ومنهم
صلاح الدين الأيوبى الذى أقام
الدولة الأيوبية على أنقاض
الدولة الزنكية وضم اليها مصر
بعد القضاء على الدولة الفاطمية
فيها.ثم ورث المماليك سادتهم
الأيوبيين وأجهزوا عليهم ثم على
الوجود الصليبى.
2 ـ امتد العصر العباسى الثانى
حتى سقوط بغداد سنة 658 فى بداية
العصر المملوكى. أى أن العصر
العباسى الثانى شهد انهيار
الدولة الأيوبية التى كانت تحكم
باسم العباسيين معظم الشام
والعراق ومصر واليمن والحجاز،
وقام على أنقاض الأيويبين
مماليكهم الذين أقاموا الدولة
المملوكية البحرية سنة 648 بزعامة
شجرة الدر فاعترض عليها آخر
خليفة عباسىفى بغداد ، وبعدها
بعشر سنوات أباد هولاكو الدولة
العباسية (658) ، ثم أعاد الظاهر
بيبرس اسم الخلافة العباسية فى
القاهرة ليصبح الخليفة العباسى
تابعا ذليلا للمماليك وأحد
أدوات التجميل للحكم المملوكى
العسكرى.
وظل الأمر هكذا الى أن أسقط
العثمانيون الدولة المملوكية
البرجية سنة 921 وحمل السلطان
سليم العثمانى آخر خليفة عباسى
واسمه المتوكل الى عاصمتهم ،
واقتنصوا منه لقب الخلافة فظلت
فيهم الى أن الغتها تركيا سنة 1924.
دول التشيع المناوئة للعباسيين
فى العصر العباسى الثانى
1 ـ فى العصر العباسى الأول أقام
الشيعة دولة الأدارسة فى المغرب
الأقصى فأقام العباسيون دولة
الأغالبة فى تونس لتمنع امتداد
الدعوة الشيعية الى مصر.
فى بداية العصر العباسى الثانى
قامت فى مصر دولتان مستقلتان
ذاتيا فى اطار التبعية للدولة
العباسية هما الدولة الطولونية
(254 ـ 292) ثم الدولة الاخشيدية (323 ـ
334)
أثناء الدولة الأخشيدية فى مصر
والشام نجح الفاطميون الشيعة فى
اقامة خلافتهم فى المهدية بتونس
سنة 296 بقيادة عبيد الله المهدى.
وساءت الأحوال فى مصر أواخر
الدولة الاخشيدية مما سهل على
الفاطميين فتح مصر وجعلها مركزا
للخلافة الفاطمية ، وأسست
القاهرة والأزهر سنة 358 أو 972
ميلادية.
وبدأ الصراع بين دينى السنة
والشيعة يأخذ مجرى جديدا باقامة
ملك الفاطميين فى مصر والشام
وتوسعه فى أجزاء من العراق بل فى
ضواحى بغداد نفسها حين استطاع
البساسيرى دخول بغداد والدعاء
فيها للخليفة الفاطمى المستنصر
سنة 450 .
اضطهد الفاطميون أتباع الدين
السنى فى دولتهم ، وكان القتل
والصلب جزاء من يعلن دينه السنى
أو يضبط متلبسا بحب أبى بكر وعمر.
وأسهب المقريزى فى (الخطط) فى ذكر
أحداث من هذا النوع.
ولكن ما لبث أن ضعف الخلفاء
الفاطميون وتحكم فيهم وزراؤهم
وبات من المضحك التوفيق بين
مزاعم التأليه التى تحيط
بالخليفة الفاطمى وضعفه أمام
وزرائه. وأدى الصراع مع
الصليبيين ومع السنيين سياسيا
وعسكريا الى التعجيل باسقاط
الدولة الفاطمية ، وتولى
الاجهاز عليها صلاح الدين
الأيوبى الذى أقام فى مصر والشام
الدولة الأيوبية (567 ـ 648).
وقبل سقوطها كانت الدولة
الفاطمية قد أفرزت أكبر عنصر
تخريب أرعب الناس نحو قرن ونصف
قرن من الزمان. انها طائفة
الباطنية أو الحشاشين الذين
أنشأهم الحسن الصباح فى قلعة
آلموت فى قزوين. كان الحسن
الصباح فى مصر حين توفى الخليفة
الفاطمى المستنصر487 . وتدخل
الوزير الأفضل ونقل ولاية العهد
من نزار الى أخيه الأصغر
المستعلى مخالفا عقيدة الشيعة
فى كون الامامة بالنّص. ترتب على
هذا انقسام التشيع الفاطمى
الاسماعيلى الى نزارية ومستعلية.
وتزعم الحسن الصباح جبهة
المعارضة النزارية مفارقا مصر ،
ثم استولى بالحيلة على قلعة
آلموت ، وربّى فيها أتباعه
الفداوية ، وكان يرسلهم لاغتيال
خصومه من السلاطين والخلفاء
والوزراء والفقهاء والصليبيين.
واستمر الباطنية ينشرون الرعب
بين المسلمين والصليبيين الى أن
اجتثهم هولاكو أثناء زحفه الى
بغداد.
وقد استيقظ صلاح الدين من نومه
ليجد خنجرا تحت وسادته جاء
تحذيرا له من الباطنية. وبسبب
شهرتهم فى الاغتيالات السياسية
فقد اشتق الصليبيون كلمة
الاغتيال من اسم الحشاشين
فقالوا (Assasination) .
كل ذلك كان حاثا لصلاح الدين
الأيوبى على مواجهة التشيع
فكريا بعد القضاء على الدولة
الفاطمية سياسيا.
وبينما سقطت كل تلك الدول من
عباسية وسلجوقية وأيوبية
ومملوكية وعثمانية..الخ، فان
الذى بقى هو الدين السنى الصوفى
أو ما يعرف بالتصوف السنى الذى
أرساه صلاح الدين الأيوبى(ت 589)
ولا يزال دينا للأغلبية من
المسلمين.
كيف تم لدين السنة استيعاب دين
التصوف؟
وما سبق كله هو توضيح للمسرح
السياسى الذى تمت فيه ولادة
وانتشار التصوف السنى. ونسترجع
الأحداث التاريخية ونربطها
بالصراع بين أديان المسلمين
الأرضية.
1 ـ فى فترة حكم المتوكل ومن خلفه
حيث تحكم القواد الأتراك (232 ـ 334)
زاد نفوذ الحنابلة ـ وهم أشد
السنيين تعصبا ـ وسيطروا علي
الشارع ، واضطهدوا المعتزلة وكل
من يخالفهم فى الرأى .اختلفوا مع
الطبري فى موضوع الاستواء على
العرش وكرهوه لأنه لم يعتبر ابن
حنبل فقيها. وقد كان الطبرى فى
نهاية عمره امام المؤرخين
والمفسرين فى عهده. الا ان ذلك لم
يشفع له عند الحنابلة ـ فحاصروه
في داره وهدموه عليه فمات تحت
الردم، ومنعوا دفنه فى مقابر
المسلمين فدفن في داره سنة 310،ولم
تستطع الدولة العباسية حمايته
منهم .
عاش فى هذه الفترة أئمة المعتزلة
مثل الجاحظ ت 255 وابى الهذيل
العلاف ت 235 وابراهيم بن يسار
النظام ت 231 و الجبائى ت 303 . وكان
منتظرا أن يكون لهم مدارس
وتلاميذ الا ان الاضطهاد أجهز
على المعتزلة وأبقى أولئك
الأعلام بلا تلاميذ. بل على
العكس فان تلميذا للمعتزلة
انقلب عليهم ليتواءم مع متطلبات
العصر فأضحى اماما. انه ابو
الحسن الأشعرى ت 246 .
فى نفس الوقت تكاثر أئمة الكذب
على الله تعالى ورسوله ، وتتابعت
كتبهم تؤطر للدين السنى بزعم ان
ما تكتبه هو وحى سماوى تنسبه
للنبى محمد عليه السلام بعد موته
بأكثر من قرنين. هذا ما ارتكبه
ابن حنبل ت 241 والبخارى 256 ومسلم
261 وأبو داود 275 والترمذى 178
والنسائى 303 وابن ماجه 275 . وقد
أصبحوا فى العصور اللاحقة وحتى
اليوم آلهة معصومة من الخطأ فى
الدين السّنى ، لا يجوز الاقتراب
منهم الا بالمدح والتبجيل ،
ومصير من ينتقدهم أو يناقشهم هو
الاتهام بالكفر بالدين السّنى
أو (انكار السّنة).
ابن حنبل فلم يكن فقيها وانما
كان من أصحاب الحديث وكانت
مؤلفاته فى الحديث فقط ، وحتى لم
يرتبها ترتيبا فقهيا مثلما فعل
البخارى ومسلم وغيرهما. ولكن
نفوذ الحنابلة جعله اماما فى
الفقه واسس له مدرسة فقهية لا
تزال سارية وسائدة لدى فقهاء
الدين السنى حتى اليوم.
2 ـ وبالقضاء على الاتجاه العقلى
ممثلا فى المعتزلة خلا الجو
للحنابلة وبقية فقهاء الدين
السنى. ولكن ظهر التصوف من جيب
الساحر الشيعى ، حيث كان معروف
الكرخى مسيحيا ثم أسلم وصار من
أتباع العلويين ثم بدأ يتكلم فى
التصوف مبكرا. جاء المتوكل
فاضطهد أباء التصوف الأوائل
الآتين بعد معروف الكرخى ، وفى (فتنة
سمنون) اعتقل المتوكل كل أئمة
التصوف من مصر (ذو النون المصرى)
والعراق (الجنيد) وغيرهم. وفى
أثناء ثورات القرامطة اعتقلت
السلطات العباسية الحلاج سنة 301
بتهمة القرمطة، وبعد جدل سياسى
أعدموه سنة 309 .
هذه الهجمة العنيفة على دين
التصوف الوليد جعل الجنيد (سيد
الطائفة)
يختفى ويتستر بتدريس الفقه
السنى وينهى أتباعه عن مطالعة
كتب (التوحيد الخاص ـ يعنى
التصوف ـ إلا بين المؤمنين به،).
ويقول فى دروسه العلنية(مذهبنا
هذا مقيد بأصول الكتاب والسنة) (ومن
لم يحفظ القرآن ويكتب الحديث لا
يقتدى به فى هذا الأمر) أى لا
يصبح شيخا صوفيا. إلا أنه ـ
وحسبما ذكر الشعرانى فى ترجمته
فى الطبقات الكبرىـ كان لا يتكلم
فى التصوف الا بين من يثق فيهم من
تلامذته وبعد أن يغلق أبواب داره
ويضع المفاتيح تحت وركه ويقول :
أتحبون أن يكذّب الناس أولياء
الله تعالى وخاصته ويرمونهم
بالكفر والزندقة؟
فى نفس الوقت هدم العباسيون ضريح
الحسين فى كربلاء واضطهدوا
الشيعة وألزموا النصارى واليهود
بزى معين للتحقير.
هذا هو كشف حساب الدين السنى فى
عصر المتوكل وخلفائه.
3 ـ ودفعت الدولة العباسية الثمن
سريعا اذ جاء بنو بويه الشيعة
وتحكموا فيها وأذاقوا الخلفاء
العباسيين النكال مع انهم كانوا
يحكمون باسمهم.
فى فترة بنى بويه (334 ـ 447)
الكارهين للدين السنى لم يظهر
أئمة فى الدين السنى يتفوقون على
أساتذتهم البخارى ومسلم وغيرهم،
بل على العكس تشجع الشيعة فى
شمال أفريقيا على فتح مصرسنة 358
وتحويلها الى مركز للدعوة
الشيعية. ولم يجد الفاطميون
صعوبات كبيرة فى نشر دينهم فى
الشام وضمه اليهم ـ وقد كان
تابعا للعباسيين ـ اذ كان بنو
بويه فى بغداد لا يمانعون. أى
حوصر الدين السّنى بين بنى بويه
فى بغداد والفاطميين فى مصر
والشام وأجزاء من العراق نفسه.
واستفاد التصوف من محنة الدين
السنى وغلبة الدين الشيعى
فانتشر ونما على المستوى النظرى
الفلسفى والمستوى الشعبى .
4 ـ ثم تغير الحال لصالح دين
السنة بمجىء الأتراك السلاجقة
المتعصبين للدين السنى. ولكن فى
فترة حكمهم (329 ـ 552) كان التصوف قد
نما و لم يعد بالوسع القضاء عليه.
فلم يعد من طريق الا بالتصالح
معه واحتوائه.
5 ـ فى هذه الفترة عاش القشيرى (376
ـ 465) مهندس ما يسمى بالتصوف
المعتدل الذى سار على منوال
الجنيد فى التقية. وقد كتب
القشيرى رسالته المشهورة فى
الدفاع عن التصوف وقام بالهجوم
على رعاع الصوفية المنتشرين فى
عهده ليسحب البساط من تحت أقدام
الحنابلة المتشددين وليقنعهم
بمقولة التصوف الملتزم بدين
السّنة وفق ما قاله الجنيد من
قبل.
وفى مقدمة رسالته هاجم القشيرى
جماعات الصوفية فى عهده ورماهم
باعتناق عقائد الحلول بالله
تعالى و زعمهم اتحادهم به ،
واسقاط الفرائض الاسلامية
والوقوع فى الزنا والشذوذ على
أنها مما يقربهم الى الله زلفى!!.
والغريب أنه فى باقى الكتاب يقرر
نفس العقائد والسلوكيات بصورة
غير مباشرة ومدافعا عن شيوخ
التصوف السابقين الذين قالوا
نفس الشىء.
وصارت طريقة مرعية لمدعى
الاعتدال من الصوفية بعد
القشيرى أن يهاجموا المعاصرين
من شيوخ التصوف ، وان يدافعوا عن
الشيوخ السابقين ، وأن يقرروا
نفس العقائد والسلوكيات الصوفية
فى سطور جانبية أو مؤلفات جانبية
يقولون أنها فى علم المكاشفات لا
يفهمها الا الواصلون من (أرباب
الحقائق).
هذا ما فعله الغزالى ـ 505 اكبر
فقيه وأكبر صوفى فى العصر
العباسى السلجوقى فى كتابه
احياء علوم الدين الذى مزج فيه
الفقه (المعبر عن الدين السنى)
بالتصوف ، وبعثر عقائد التصوف
بين سطور الاحياء ، ثم أفرد لها
كتابه (مشكاة الأنوار) الذىأكد
فيه عقائد الحلول والاتحاد
ووحدة الوجود. وسار على نفس
الطريق سار آخرون كان آخرهم عبد
الوهاب الشعرانى الذى عاصر
نهاية العصر المملوكى وصدرا من
العصر العثمانى (898 ـ 973) وظلت
مؤلفاته الكثيرة مهيمنة على
عقلية الأزهر طيلة العصر
العثمانى.
6 ـ نعود للعصر السلجوقى السنى
وقد كان أبو حامد الغزالى فيه
زعيم الفقهاء والصوفية معا، مع
انحيازه للتصوف على حساب الفقه.
كان الغزالى مؤمنا بفلسفة
الاشراق الاغريقية والتى تعنى
فيض العلم اللدنى الالهى على
العارف أو الولى الصوفى عن طريق
الرياضات الروحية. وهذه الفلسفة
الأفلوطينية الحديثة كانت فى
صراع مع الفلسفة العقلية لأرسطو.
وورث الغزالى عداء الفلسفة
الأرسطية وأتباعها من المعتزلة
وغيرهم من فلاسفة المسلمين ،
وهاجمهم فى كتبه داعيا الى وقف
الاجتهاد العقلى وأنه (ليس فى
الامكان أبدع مما كان) ثم هاجم
برفق شيوخ الدين الصوفى الذين
يعلنون عقائد الحلول والاتحاد .
هوجم الغزالى بقسوة مما جعله
يؤلف كتابه (اشكالات الاحياء)
ليدافع عن كتابه إلا إن جهده فى
النهاية أسفر عن تقرير التصوف
كمبدأ وحصر الانكار على بعض
أشخاص من الصوفية المتطرفين.
وهذا ما سار عليه شيوخ الدين
السنى بعد عصر الغزالى وهم الذين
توارثوا الاحتفاء بالغزالى بعد
موته وأطلقوا عليه لقب (حجة
الاسلام) كما لو أن الاسلام تركه
خاتم النبيين محمد عليه وعليهم
السلام بلا قرآن وبلا حجة طيلة
خمسة قرون الى أن جاء الغزالى.
بالغزالى تمت فى عصر السلاجقة
العباسى ولادة التصوف السنى ،
واصبح الدين المستنسخ من التصوف
والسنة محتاجا الى رعاية سياسية
ليصمد أمام التشيع و دعاته من
الفداوية او الباطنية الحشاشين
الذين سبقوا عصرهم فى غسيل مخ
الأتباع بحيث ينتحر أحدهم طاعة
للأوامر
دور صلاح الدين الايوبي
7ـ وهنا جاء دور صلاح الدين
الأيوبى المتوفى سنة 589.
هناك جانبان غامضان فى شخصية
صلاح الدين الأيوبى يفسرهما هذا
السياق عن الصراع بين دينى السنة
والتشيع.
الأول ان صلاح الدين سبق الجميع
فى استعمال الحرب الفكرية فى
مواجهة الدولة الأيدلوجية التى
تقوم على عقيدة معينة ولا يكفى
القضاء عليها عسكريا وسياسيا بل
لا بد من مطاردة عقائدها الدينية
بعقائد أخرى تتداخل معها
وتعارضها فى نفس الوقت. الغريب
أن من جاء بعد صلاح الدين لم يفعل
مثله. الوالى محمد على باشا الذى
قضى على الدولة السعودية الأولى
سنة 1818 اكتفى بذلك ، وترك
العقيدة الوهابية تنمو وتعيد
أقامة الدولة السعودية الثانية،
ثم الثالثة الحالية. عبد الناصر
الذى قضى على الاخوان المسلمين ـ
وهم صناعة وهابية سعودية ـ اكتفى
بوضعهم فى السجون تاركا الفكر
الوهابى حرا طليقا بدون نقاش.
مما أسهم فى مساعدة الاخوان حين
عادوا فى عصر السادات ،
فاستطاعوا فى مدة قصيرة التحكم
فى العقلية الدينية وتوجيهها
لمصلحتهم. هؤلاء القادة
العسكريون من محمد على باشا الى
عبد الناصر الى جنرالات
الأمريكان فى عصرنا لم يبلغوا
عبقرية صلاح الدين ألأيوبى مع
أنه عسكرى مثلهم.
الجانب الآخر الغامض فى شخصية
صلاح الدين هى تسامحه مع
الصليبيين فى حروبه بحيث كان
يطلق سراح الأسرى منهم بالآلاف ،
ويعطيهم الفرصة للدخول فى حرب
أخرى ضده ، وفى نفس الوقت كان لا
يتسامح مع الشيعة او الصوفية
المتطرفين .
حين بنى جوهر الصقلى القاهرة
لتكون عاصمة للدين الشيعى بنى
أيضا الأزهر قاعدة لدين التشيع
فى الحرب الفكرية ضد الدين السنى.
وبعد الغاء الخلافة الفاطمية
انتقم صلاح الدين الأيوبى لدينه
السنى باغلاق الأزهر وانشاء
خانقاه سعيد السعداء لتعيد نشر
الدين السنى المختلط بالدين
الصوفى الصاعد وقتها، واستورد
صوفية سنيين وجعل لهم رسوما فى
حياتهم تجتذب اهتمام المصريين
وتبعدهم عن الدين الشيعى .
لم يكن هذا حبا فى التصوف بدليل
أنه سنة 587 قتل شهاب الدين
السهرودى فيلسوف الاشراق وزعيم
التصوف المتطرف. كان هدف صلاح
الدين ارساء معالم الدين
المستنسخ الجديد المعروف
بالتصوف السنى والذى لا مجال فيه
لمتطرفى التصوف أو متطرفى
الحنابلة فى نفس الوقت.
8 ـ بعد صلاح الدين تم تطبيق
الدين الجديد بمقولة الجمع بين
الحقيقة والشريعة، أى الحرص على
وجود (الحقيقة) أو العقيدة
الصوفية على أساس أنها خاصة
بالعارفين من الأولياء أصحاب
العلم اللدنى ، وانه محظور على
غيرهم التكلم فيها أو الاعتراض
عليها،مع الحرص على (الشريعة) أى
التمسك بالمذاهب الفقهية
الأربعة فى الفروع أو العبادات.
وتسامح السنة فى تقديس شيوخ
التصوف (المعتدلين) واعتبارهم
أولياء الله، كما اعترف الصوفية
بتقديس أئمة المذاهب الفقهية
الأربعة وصارت لهم مناقب
وكرامات مثل المعهود لشيوخ
التصوف. وانضم الى قائمة التقديس
آل البيت والصحابة جميعا خلافا
للشيعة الذين يقولون بكفر أبى
بكر وعمر وعثمان وسائر من يبغضهم
الشيعة من كبار الصحابة.
9 ـ واشتهر العصر المملوكى
بتقديس الأضرحة الحقيقية
والرمزية والمزورة ، وكانت
قرافة القاهرة تحتوى على قبور
مقدسة لأئمة التصوف الراحلين
وللشافعى والليث بن سعد وعمر
الفارض والسيدة نفيسة وأسماء
كثيرة من الصحابة الذين لم يروا
مصر فى حياتهم. وصارت الأضرحة
سوقا رائجة لمن يعبدها يتقدمهم
شيوخ السّنة وقضاة المذاهب
الأربعة مع كبار الصوفية.
9 ـ إلا أن سيادة الدين الجديد
المستنسخ من التصوف والسنة (التصوف
الٍسّنى) لم يوقف الصراع بين
أتباعه من السنيين و الصوفية فى
العصرين المملوكى والعثمانى.
لذا لا نستغرب هجومهم على
البهائية الدين الوليد فى عصرنا
الحالى.
وهذا يحتاج وقفة أخرى.
الجزء
الثالث