تراث وفقـه
 
 

 

سقوط الشورى 


هذا النصُّ ليس مقتبساً من رواية أدبيّة ، ولا من بنات أفكارنا ، إنّه نقلٌ حرفيٌّ من مصدرٍ تاريخيٍّ يعدّ من أهمِّ مصادرنا التاريخيّة ، وهو ( الكامل في التاريخ ، لابن الأثير ) ..

وهذا نصٌ آخر ننقله بحرفيّته من صحيح البخاري ، حديث رقم ( 4453 ) حسب ترقيم العالميّة : (( حدثنا ....... قال كان مروان على الحجاز استعمله معاوية فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يُبايَع له بعد أبيه ، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئاً ، فقال خذوه ، فدخل بيت عائشة فلم يقدروا ....... )) ..

والسؤال الذي لم نجد له إجابة واضحة منذ ذلك العصر حتى الآن هو : هل كان منهج التعتعة هذا ، ومنهج خذوه ، مقدّمةً لانعدام الشورى خلال تاريخ أمّتنا ؟ .. أم أنّ انعدام الشورى كان مقدّمةً لمنهج التعتعة ولمنهج خذوه ؟ .. وبصورةٍ أخرى ، ما هي نسبة درجة فِقدان الشورى في أمّتنا - عبر التاريخ - ما بين الحاكم والرعيّة ..

للإجابة على هذا السؤال لا بدّ من إدراك حدود الحقوق والواجبات ما بين الحاكم والرعيّة ، وحقيقة ما يحمله القرآن الكريم من صلاحيّة لكلٍّ منهما في علاقته مع الطرف الآخر .. أي لا بدّ من إدراك حقيقة الشورى بجوهرها المجرّد عن التاريخ ومشاكله ..

مسألة الشورى - بهذه الصيغة المحدّدة - لم ترد في كتاب الله تعالى ، إلاّ في الموضعين التاليين :
( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ )
( آل عمران :
من الآية159 ) .... ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ )
( الشورى : من الآية 38 )
...
وفي ذلك حكمةٌ إلهيّةٌ عظيمةٌ ، لعدم حصر آليّة تطبيق الشورى في إطارٍ تاريخيٍّ محدّد ، ولتبقى آليّات تطبيق الشورى مفتوحة - في كلِّ زمانٍ ومكان - للتقدّم الحضاري ، وللارتقاء الإنساني في علاقات البشر مع بعضهم ، وليكون المعيارُ الوحيد لشرعيّة مسألة الشورى ، هو الأمانة والصدق والعدل والمساواة في الحقوق والواجبات بين جميع أفراد الأمّة التي تريد تطبيق مبدأ الشورى..
إنّ النصَّ القرآنيَّ الأوّل
( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ )
يُقيِّد الحاكم في أيِّ أمرٍ يأخذه هذا الحاكم ، وذلك ضمن عبارة قرآنيّة تحمل دلالاتها حكماً عامّاً لا يفرض آليّةً بعينها ، فما يُفرَض هو الصدق والإخلاص والأمانة والوفاء ، في مشورة الحاكم لرعيّته ، وفي تنفيذه لما تمّ التشاور عليه ..

والنصّ القرآنيّ الثاني ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) يقيّد الأمّة في أيِّ أمرٍ تتّخذه ، بما في ذلك إيصال الحاكم إلى الحكم ، وأيضاً ضمن دلالات عبارة قرآنيّة لا تفرض آليّةً بعينها ، فما يُفرَض هو العدل والمساواة وعدم إلغاء الآخر بين أفراد الأمّة ..

ولذلك فاقتراب الآليّات الديمقراطيّة عند كلِّ الشعوب - دون استثناء - من حقيقة الشورى التي يريدها الله تعالى ، ويذكرها في كتابه الكريم ، يتناسب مع اقتراب هذه الآليّات من الصدق والأمانة والعدل والمساواة وعدم إلغاء الآخر ، في الحياة الديمقراطيّة ، ومع ابتعاد هذه الآليّات عن منهج التعتعة ، ومنهج خذوه ، سواءٌ في علاقة الحاكم مع الرعيّة ، أم في علاقة الرعيّة مع الحاكم ، أم في علاقة أبناء الأمّة مع بعضهم بعضاً ..
وابتعاد الآليّات الديمقراطيّة عند كلِّ الشعوب - دون استثناء - عن حقيقة الشورى التي يريدها الله تعالى ، يتناسب مع ابتعادها عن الصدق والأمانة والعدل والمساواة ، ومع إلغاء الآخر ، ومع الإكراه ، وبالتالي مع اقترابها من منهج التعتعة ، ومن منهج خذوه .. فحتى الإكراه في اعتناق الدين - مهما كان - يصفه الله تعالى بالطاغوت :

( لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( البقرة : 256 ) ..

إنّ أَولى ما يتعلّق به الطاغوت في هذه الآية الكريمة هو الإكراه الوارد في بدايتها ، فحتى الدين الذي جاءت الرسل من أجله ، يمنعنا الله تعالى من إكراه الناس عليه ، ويصف الإكراه بالطاغوت ، فكيف إذن يكون الإكراه على مسائل أخرى ، فكريّة وسياسيّة ومذهبيّة وَوَ ..... ؟!! .. ولذلك يقول الله تعالى :
( وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ ) ( يونس : 99 ) ..


.. هذه هي مسألة الشورى كما يبيّنها الله تعالى في كتابه الكريم ، لا كما حصل عبر تاريخنا ، ولا كما يُسوِّق الكثيرون مفهومهم للشورى باسم الدين ، ولا كما يعيش أفراد هذه الأمّة .. ولذلك فمنهج التعتعة الذي قرأناه في بداية هذا المقال ، ومنهج خذوه ، هو منهج تاريخيٌّ ، لا علاقة له بمنهج الله تعالى لا من قريب ولا من بعيد ، بل ويناقض منهج الشورى الذي بيّنه الله تعالى في كتابه الكريم ، وأمرنا باتّباعه في كلّ زمان ومكان ..

فذروةُ الخروجِ على أحكامِ كتابِ اللهِ تعالى ، وبالتالي على تعاليم الإسلام ، تتجلّى بتقديمِ التاريخ السياسي لهذه الأُمّة على أنّه منهجٌ مُفسِّرٌ لِمرادِ الله تعالى ، وعلى أنّ الأدوات السياسيّةِ وآليّات تنفيذها لا تخرجُ عن أدوات السابقين وآليّات حكمهم ..

إنّ كلّ مناهج التعتعة في كلِّ زمان ومكان ، هي مناهج وضعيّة لا تؤمن إلاّ بالطاغوت ، وقمّة ممارسة التعتعة هي تقديم هذه المناهج كمنهج محسوبٍ على منهج الله تعالى ..

ومناهج التعتعة هذه ، تدفع فكر الأمّةِ نحو دياجير الظلام ، وفق وجهين اثنين :

( 1 ) - تعتعة من الأعلى إلى الأسفل ، أي من الحاكم باتّجاه الرعيّة ، وفيها يُزعَم أنّ تطبيق مبدأ اللا إكراه (( الشورى بمفهومها القرآني لا التاريخي )) ، سيؤدّي إلى ضياع عقيدة الأمّة وثوابتها ، وأنّ عدم ممارسة منهج اللا إكراه هو لأجل مصلحة الأمّة ، ولأجل الحفاظ على هويّتها ومبادئها ، سواءٌ كان ذلك على صعيد الدين ، أم الفكر المذهبي ، أم السياسي ، أم .....
، وكأنّ الأمّة دون انصياعها لمنهج التعتعة هذا ، ستضيع ، وستزول هويّتها .. وبالتالي وفق هذا الوجه من التعتعة يكون الفرد من أبناء الأمّة - كفكر ، وكمشاركة في مبدأ الشورى - مجرّد رأسٍ من قطيعٍ هو أفراد هذه الأمّة .. وفي النصّين المذكورين في بداية هذا المقال ، أكبر مثالٍ على هذا الوجه من التعتعة ..

وتحت مبدأ سدِّ الذرائع ، تتمُّ كلّ عمليات التعتعة هذه ، وكلُّ الممارسات التي تُفقِد الإنسانَ إرادته وحريّته وكرامته .. وبذلك تتمُّ ممارسة دلالات قوله تعالى ( وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ) ( آل عمران : 159 ) على أنّها ( وتعتعهم في الأمر ) ..
( 2 ) - تعتعة من الأسفل إلى الأعلى ، أي من الرعيّة باتّجاه الحاكم ، وفيها يتمّ تحميل الحاكم المسؤوليّة عن كلِّ شيءٍ ، فكلُّ فردٍ من أبناء الأمّة يُعاير الحاكم على ما في مخيّلته من تصوّرات ، دخل معظمها فكره عن طريق التعتعة .. وبذلك يتعمّق مفهوم التعتعة من الأعلى إلى الأسفل ، فالحاكم يُصبح - باعتراف المحكوم - مسؤولاً عن كلِّ شيءٍ ، ويُطلَب منه عمل كلِّ شيءٍ ، لدرجة أنّ هذا المُتعتِع من الأسفل إلى الأعلى ، يتحوّل بأيِّ لحظةٍ إلى أداةٍ بيد أيِّ متعتِع آخر يريد التعتعة ، ولكن باتّجاهٍ آخر .. وفي النصِّ التالي الذي ننقله بحرفيّته من كتاب الكامل في التاريخ لابن الأثير ، لأكبر مثالٍ على هذا الوجه من التعتعة ..

(( ........... وكان آخر من دخل عليه ممن رجع محمد بن أبي بكر فقال له عثمان : ويلك أعلى الله تغضب ؟ هل لي إليك جرم ألاحقه أخذته منك ؟ فأخذ محمد لحيته وقال : قد أخزاك الله يا نعثل ، فقال : لست بنعثل ولكني عثمان وأمير المؤمنين ، وكان يلقبون به عثمان ، فقال محمد : ما أغنى عنك معاوية ، وفلان وفلان ؟ فقال عثمان : يا ابن أخي فما كان أبوك ليقبض عليها ، فقال محمد : لو رآك أبي تعمل هذه الأعمال أنكرها عليك والذي أريد بك أشدُّ من قبضي عليها ، فقال عثمان : أستنصر الله عليك واستعين به ، فتركه وخرج ، وقيل بل طعن جبينه بمشقص كان في يده والأول أصح .. قال : فلما خرج محمد وعرفوا انكساره ثار قتيرة ، وسودان بن حمران ، والغافقي ، فضربه الغافقي بحديدة معه وضرب المصحف برجله ، فاستدار المصحف واستقرّ بين يديه ، وسالت عليه الدماء ، وجاء سودان ليضربه فاكبت عليه امرأته واتّقت السيف بيدها ، فنفح أصابعها فاطن أصابع يدها ، وولّت فغمز أوراكها وقال : إنّها لكبيرة العجز ، وضرب عثمان فقتله ، وقيل الذي قتله كنانة بن بشر التجيبي ، وكان عثمان قد رأى النبيَّ ( تلك الليلة يقول له : إنّك تفطر الليلة عندنا ، فلما قتل سقط من دمه على قوله تعالى ( فسيكفيكهم الله ) ، ودخل غلمة عثمان مع القوم لينصروه ، وكان عثمان قد أعتق من كفّ يده منهم فلما ضربه سودان ضرب بعض الغلمان رقبة سودان فقتله ، ووثب قتيرة على الغلام فقتله ، وانتهبوا ما في البيت ، وخرجوا ثمّ أغلقوه على ثلاثة قتلى ، فلما خرجوا وثب غلام لعثمان على قتيرة فقتله ، وثار القوم فأخذوا ما وجدوا حتى أخذوا ما على النساء ، وأخذ كلثوم التجيبي ملاءة من على نائلة ، فضربه غلام لعثمان فقتله ، وتنادوا أدركوا بيت المال ولا تسبقوا إليه ، فسمع أصحاب بيت المال كلامهم وليس فيه إلاّ غرار فقالوا : النجاة فإنّ القوم إنّما يحاولون الدنيا ، فهربوا وأتوا بيت المال فانتهبوه وماج الناس .......... )) ..

... وهكذا نتيجة تأثير وجهي التعتعة هذين ، يُدفَعُ كلُّ فردٍ من أبناء الأمّة - حاكماً ومحكوماً - لأن يكون مُتَعْتِعاً وَمُتَعْتَاً في الوقت ذاته ، وبالتالي تُدفَع الأمّة أكثر باتّجاه الغرق في بحر التعتعة وعدم الخروج منه ، وباتّجاه الدخول في تيهٍ لا يُعرف فيه اليمين من الشمال ، ولا الأعلى من الأسفل .. وباتّجاه ليلٍ سرمديٍّ لا نهار بعده إلاّ بخروج الأمّة من مستنقع التعتعة ..
فتحت ستار منع الفتنة ، وضرورة المرحلة ، وحتى لا يستغلّ الطرف الآخر ما نقول ، وحسب قانون سدّ الذرائع ، يُمنع تدبّر المنهج تدبّراً حقيقيّاً ، ويُلغى الرأي الآخر فكريّاً وسياسيّاً ، وتحت مفهوم تحميل الحاكم كلّ ما يجري ، يعتبر كلُّ فردٍ من الرعيّة نفسه وما يحمل من تصوّرات ، محوراً ومعياراً لتشخيص الوضع ، ولتقييم الآخرين حاكماً ورعيّة ..

وهكذا نرى أنّ انعدام الشورى ، وتعميق منهج التعتعة وخذوه ، كلٌّ منهما مقدّمةٌ ونتيجةٌ في الوقت ذاته ، وأنّ نسبة مسؤوليّة انعدام الشورى ، وتعميق منهج التعتعة ، ما بين الحاكم والمحكوم ، يصوّرها لنا النصّ القرآنيُّ التالي :

( فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ (54) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ( الزخرف : 54 - 55 ) ..

ألم يتعتعنا الكثيرون من خلال فرض أيدلوجيّاتٍ محدّدة رسموها حسب أهواء أنفسهم ؟ .. ألم يتعتعنا الكثيرون بأنّ الدولة الإسلاميّة المنشودة لا تكون إلاّ وفق آليّات المعيار التاريخي ، وبأنّ فهم الدين ، وفهم كتاب الله تعالى ، لا يكون إلاّ من خلال ما وصلنا خلال التاريخ من فهم بعض الأوائل ؟ ..ألم يتعتعنا الكثيرون بأنّ النظرَ إلى فتن التاريخ فتنةٌ وكفرٌ بواح ، في الوقت الذي يتعتعوننا فيه بتقديم رجالات هذا التاريخ ذاته ، كرجالٍ حاملين لجزءٍ من المنهج ؟ .. وكم من حاكم - عبر قرونٍ كثيرة - تعتع رعيّته ليقدّم نفسه ناطقاً باسم الله تعالى ومخلّصاً لهم ؟ ..

والطامّة الكبرى تكون حينما يتحوّل المُتَعْتَعُ الدافع لثمن التعتعة ، إلى مناضلٍ شرسٍ يُدافع عن تلك التعتعة ، ومستعدّاً لدفع نفسه ثمناً في سبيل بقاء هذه التعتعة .. لأنّه اعتقد أن تعتعته هذه مبدأٌ من المبادئ التي سيحاسب الله تعالى على عدم الدفاع عنها ..

.. لو نظرنا في الواقع نظرةً سليمةً مجرّدةً عن أفكار التعتعة التي تتنفسها الأمة مع كلّ شهيقٍ وزفير ، ولو قرأنا تاريخنا قراءةً مجرّدةً عن فكر التعتعة الذي يسوّقه الكثيرون ، لرأينا أنّ هذه الأمّة ( على الأقلّ ) منذ العصر الذي جاء به وفد مصر مع عمرو بن العاص إلى معاوية (( كما رأينا في النصّ الذي أوردناه في بداية هذا المقال )) ، إلى الآن ، تائهةٌ - كفكرٍ - في دياجير التعتعة ، وأنّ أيّ فردٍ من أبناء هذه الأمّة لا يختلف - في النهاية - عن وفد مصر الذي جاء مع عمرو ..

ألم يُهان هذا الوفد - في هذه الرحلة فقط - أربع مرّات ؟ .. مرّة حينما عجزوا عن عدم الانصياع لأمر عمرو بن العاص ، ومرّة لأنّهم تُعْتِعُوا ، ومرّة لأنّهم وصفوا معاوية - نتيجة التعتعة - برسول الله ، ومرّة حين خاطبهم عمرو - بعد ذلك - ( لعنكم الله ) ..

والتعتعة الكُبرى تكون حينما يخرجُ لنا من مزابل التاريخ مُتَعْتَعٌ متعفّن الفِكر ، ويتّهمنا بأنّنا بعرضنا لهذه الأحداث التاريخيّة نُسيء للتاريخ وللمنهج ، فالتعتعةُ أوهمته أنّ المنهج الإلهيّ رجالٌ من التاريخ ، يُحضَرُ النظرُ في تاريخهم ..
.. أليس الذي جنّد نفسه لقتل أخيه المسلم ( أو أيّ إنسان بريء ) في كلّ مكان تُثار فيه الفتن الداخليّة بين أبناء الأمّة ، تحت راية فلان وفلان ، وهو يعلم أنّ من يريد قتله مسلمٌ يقوم بأركان الإسلام ، أو بريء لم يُسئ لأحد ، أليس هذا مُتَعْتَعاً حتى العظم ؟ !! .. أليس الذين قاموا بقتل إخوانهم في معاركنا الداخليّة من معركة الجمل حتى الآن ، مُتَعْتَعين حتى النخاع الشوكي ؟ !! ..

أليس المتقوقعون داخل عصبيّاتهم المذهبيّة والطائفيّة والقبليّة والسياسيّة ، فيرفضون الآخر ، ويتّهمونه بالكفر والتآمر والزندقة ، فقط لأنّه ليس صورةً مستنسخةً عنهم ، أليس هؤلاء مُتَعْتَعين من رأسهم إلى أصابع أرجلهم ؟ !! ..

وهؤلاء المُتَعْتَعُون يُعطون تعتعتَهم هذه إطاراً مقدّساً فيوهمون أنفسهم أنّهم بتعتعتهم هذه يخدمون منهجَ الله تعالى في الأرض ، وقدّ بيّن القرآن الكريم حقيقة هذا الجانب من التعتعة ، فأخبرنا كيف أنّ بعض المُتَعْتَعين يصفون أحد رسل الله تعالى بافتراء الكذب على الله تعالى :

( إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ ) ( المؤمنون : 38 ) ..

أيّها السادة المُتَعْتِعُون المُتَعْتَعُون .. إنّ تعتعة الأمم الأخرى لنا هي نتيجة طبيعيّة لتعتعة بعضنا لبعض ، ونتيجة طبيعيّة لتعتعة دلالات كتاب الله تعالى ، بمعايرتها وتأطيرها داخل حدود الموروث التاريخي ، ونتيجة طبيعيّة لانعدام إرادة الخروج من فكر التعتعة ..

تعتعتنا الأمم الأخرى ، ولا نملك إلاّ تعتعةَ أنفسنا ، تأخذنا الأمم ولا نملك إلاّ أخذ بعضنا .. إنّنا أيّها السادة نتعتعُ التاريخَ حينما نُعرض بوجهنا عن إدراك قوانين حركته التاريخيّة التي تحكمنا ، سلباً وإيجاباً ، وبالتالي يتعتعنا التاريخ بأن نصبح أمّةً تستهلك الحضارة ، دون أن تُشارك بفاعليّةٍ في إنتاجها ..

أيّها السادة المُتَعْتَعُون المُتَعْتِعُون .. ألم يُعِد الشعب الفنزويلي رئيسه إلى الحكم ، بعد الانقلاب الذي حصل هناك ، على الرغم من ثبوت وقوف أمريكا وراء هذا الانقلاب بقوّتها وجبروتها ؟ .. فهل تستطيع الشعوب التي عمّقت منهج ( وأمرهم تعتعة بينهم ) ، ومنهج ( وأمرهم شوربة بينهم ) ، ومنهج ( خذوه ) ، بدل منهج الله تعالى ( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) ، أن تعيد أرنباً إلى وكره ؟!! ، أو أنْ تُخرجَ أرنباً من وكره ؟ !!! ..

أيّها السادة المُتَعْتَعُون المُتَعْتِعُون .. إنّ مبدأ الحوار مع الآخر ، لم يلغه حتى فرعون ، ففرعون وإن لم يعترف على نتيجة الحوار مع الآخر ، إلاّ أنّه لم يُعارض مبدأ الحوار ، بل ودعا إليه ..

( قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِداً لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَاناً سُوَىً (58) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً (59) فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى ) ( طـه :57-60) ..

فكيف إذن ضمن الدعوة في إطار منهج الله تعالى ، وفي ساحةِ الأُمّة المكلّفة بإيصال هذا المنهج إلى البشرية جمعاء ، يُلغى الحوار ، بل الاعتراف بالطرف الآخر ، ويُستبدل منهج الشورى ، بمنهج التعتعة ، وبمنهج خذوه ؟!!! .. ألم يتفاعل أبناء هذه الأمّة في مسألة خلق القرآن الكريم ( التي أثارها المعتزلة ) مع بعضهم بعضاً ، وفق منهج التعتعة ومنهج خذوه ؟ .. وفي محنة أحمد بن حبل وغيره أكبر دليلٍ على ذلك ؟ ..

أيّها السادة المُتَعْتَعُون المُتَعْتِعُون .. كيف يُكفّر بعضنا بعضاً لاختلافاتٍ فكريّة لا تطال جوهر المنهج ، ونحنُ نقرأ في كتاب الله تعالى النصّ القرآنيّ التالي :

( لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً (123) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً ) ( النساء : 123- 124) ..

أيّها السادة المُتَعْتَعُون المُتَعْتِعُون .. كيف نستطيع تدبّر منهج الله تعالى ، وتشخيصَ حالنا ، دون إدراك حقيقة سلبيّات حركتنا التاريخيّة ، وإيجابيّاتها ، لتجاوز هذه السلبيّات ، وتفعيل الإيجابيّات ، حتى نصل بالأمّة إلى السويّة الحضاريّة التي تليق بها كونها أمة تحمل مسؤوليّة إيصال منهج الله تعالى إلى البشريّة جمعاء؟! .. وكيف نستطيع تحرير أنفسنا من الجهل ، ومقدّساتنا من الاحتلال ، ومستقبلنا من التخلّف الحضاري ، في ظلِّ منهج التعتعة ، ومنهج خذوه ، كبديلٍ عن منهج الله تعالى( وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ) ..