الاسناد في الاحاديث
الجزء الاول
فى
عصر الخليفة المأمون كان الشاعر
العتابى يسير فى شوارع
بغداد،فدخل السوق وهو يأكل
الطعام ،وكان ذلك يخالف المروءة
أو" الاتيكيت"لدى ارباب
الطبقة العليا،ولذلك احتج عليه
صديقه قائلا "أتأكل الطعام فى
السوق ويراك الناس؟" فقال له
العتابى ساخرا:"وهل اولئك
ناس؟انهم بقر" ، فاحتج صديق
العتابى وزمجر،فقال له العتابى:"سأريك
ان كانوا ناسا أم بقرا" ثم صعد
الى الربوة ونادى فى الناس"ياقوم
هلموا أحدثكم عن رسول الله(صلى
الله عليه وسلم )،فتدافع اليه
الناس واجتمعوا حوله،واقبل
يحدثهم يقول:روى فلان عن فلان عن
فلان ان رسول الله.(صلى الله عليه
وسلم)قال.وظل يخرج من حديث الى
أخر وقد تعلقت به العقول والقلوب
والعيون،وسيطر على المستمعين
،اذا حرك يده يمينا تحركت رؤوسهم
يمينا،واذا أومأ برأسه يسارا
التفتوا يسارا ،الى أن قال لهم ...وروى
غير واحد(اى أكثر من واحد)أنه صلى
الله عليه وسلم قال :اذا بلغ لسان
احدكم ارنبة انفه دخل الجنة))وسكت...فاذا
بكل واحد من المستمعين يخرج
لسانه يحاول ان يصل به الى
ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍانفه،واصبح
منظرهم جميعا مضحكا،فالتفت
العتابى الى صديقه ساخرا وقال:ألم
اقل لك انهم بقر؟
ما الذى جعل عقول أولئك الناس
تغيب حتى تتدلى السنتهم وهم
سكارى غائبون عن الوعى؟انه
التصديق،التصديق والايمان بأن
مايقوله العتابى قد قاله النبى(صلى
الله عليه وسلم)فعلا.وما الذى
جعلهم يؤمنون ويصدقون بأن النبى
(صلى الله عليه وسلم)قد قال ذلك
الكلام...انه الاسناد اى اسندأو
نسب ذلك الكلام للنبى(صلى الله
عليه وسلم)عبر العنعنة،اى قال
حدثنى فلان عن فلان عن فلان...الخ..ان
النبى (صلى الله عليه وسلم)قال.وهذا
معنى الاسناد ،وهذه هى خطورته
على العقل.
تغييب
العقل
حسنا...دعنا
نتخيل أن العتابى يسير الان فى
الشوارع القاهرة ويركب
المواصلات.ويرى شيخا يصعد
الاتوبيس يدعو المسلمين للتبرع
لانشاء المسجد الفلانى ويستشهد
بحديث ((من بنى لله مسجدا ولو
كمفحص قطاة بنى الله له قصرا فى
الجنة))ويرى العتابى كيف يسارع
الناس الطيبون بالتبرع حتى يضمن
كل منهم لنفسه قصرا فى الجنة!هل
تريد أن تتوقع تعليق
العتابى؟اذن استحضر عقلك ولا
تعطه اجازة، وتفكر فى معنى ذلك
الحديث المنسوب كذبا للنبى عليه
الصلاة والسلام..انه يؤكد على ان
كل من بنى لله مسجدا بنى الله
تعالى له قصرا فى الجنة،مهما كان
الشخص مؤمنا او كافرا،ومهما كان
مصدر المال طيبا او خبيثا، يعنى
ان السيد هتلر من حقه ان يكون له
قصورفى الجنة اذا بنى بضعة
مساجد،ويعنى أيضا ان كل مختلس
وظالم وناهب لأموال الناس
يستطيع اذا بنى ببعض أمواله
الحرام مسجدا ان يدخل الجنة.هل
يتفق ذلك مع تشريع الاسلام؟
ثم ان الحديث الذى يبيع قصور
الجنة لكل من يتبرع ببناء مسجد
يحدد لنا منذ البداية اقل مساحة
مقبولة للمسجد،يقول ((من بنى لله
مسجدا ولو كمفحص قطاة))اى يكون
مساحة المسجد كقدر ما تتحرك به
ساق القطاة حين تفحص بساقيها
الارض.والقطاة هى طائر صغيرة
الحجم اقل من العصفور الصغير ..انها
فى الحدود5سم2 ،اى من بنى لله
مسجدا ولو كانت مساحته5 سم2 بنى
الله له قصرا فى الجنة حتى لو كان
من مال حرام،مهما كانت شخصية ذلك
المتبرع ،وحتى اذا كان ذلك
المسجد5 سم2 لايستطيع دخوله الا
النمل والصراصير الوليدة....هل
يعقل ان يتكلم النبى (صلى الله
عليه وسلم) بهذا الكلام؟!!
ولكن ذلك الحديث تم اسناده او
تمت نسبته للنبى عليه الصلاة
والسلام، ورواه ابن ماجه فى "مسنده"
عن فلان عن فلان.وآمن الناس بصحة
ذلك الاسناد .ومن هنا فان ذلك
الحديث الكاذب هو المسئول عن
اقامة38 الف مسجد وزاوية فى
القاهرة الكبرى فى العشرين سنة
الماضية،وكلها تنشر ثقافة
التطرف عبر احاديث مسندة او
منسوبة للنبى(صلى الله عليه وسلم)
زورا،وهى تخالف القرآن والسنة
الصحيحة للنبى عليه الصلاة
والسلام،وبدلا ان تتوجه لبناء
مساكن للشباب والعائلات التى
تسكن المقابر،فأنها توجهت لبناء
مساجد ايديولوجية ،تزيد عن حاجة
المسلمين الذين يستطيعون الصلاة
فى كل مكان،ومع العلم بأن حق ابن
السبيل فى تشريع الاسلام ثابت فى
الزكاة الرسمية والصدقة
التطوعيةوالفئ والغنيمة،ولا
يصح الالتفات لرعاية ابناء
السبيل من الاغراب الا بعد ضمان
المسكن والطعام لابناء
البلد،فكيف اذا كان ابناء البلد
انفسهم لايجدون السكن بحيث ضاعت
احلام الشباب فى الزواج واصبحت
العنوسة ازمة مستفحلة ..ومع ذلك
تفاقمت تلك المشكلة لان أموال
الصدقات استنفذها ارباب الصحوة
السلفية فى بناء عشرات الالوف من
المنابر التى تؤسس لدولتهم
القادمة!ومن دعائم تلك الدولة
ثقافة التراث للعصور الوسطى،تلك
الثقافة التى أصبحت مقدسة عبر
الاسناد ،او عن طريق نسبتها زورا
للنبى عليه الصلاة والسلام ...مهما
خالفت العقل والاسلام .
ان الاسلام الصحيح هو دين العقل
،بل أن"التعقل"أو استعمال
العقل هو سبب انزال القرآن ( يوسف
2،الزخرف3 )ولكن الاسناد اوجد
خصومة مستحكمة بين المسلمين
والتعقل،بحيث يكفى ان يصعد اى
محتال ليقول((قال رسول الله))
فيسارع الناس بتصديقه ويمتثلون
لما يقول دون اى تفكير،لافارق فى
ذلك بين مثقف او عامى،وسواء كان
ذلك فى المسجد او فى وسائل
الاعلام او وسائل المواصلات...اى
فى كل زمان ومكان انت محاصر
بالاسناد.
الاسناد
قضية علمية