التراث الاسلامي
 
 


 شرح اخطاء القرآن



شرح الخطأ نوع الخطأ
الفاتحة:1-5

نقرأ في الكتب التي تتناول تاريخ المصاحف أن ابن مسعود رفض كتابة سورة الفاتحة وكذلك سورة الفلق وسورة الناس في مصحفه، وقال إن هذه السّور ليست من القرآن.

 

ابن مسعود شخصية فاعلة في تاريخ الإسلام، ويحظى بالتقدير العالي من جانب السنة والشيعة، قاوم توجه عثمان لفرض مصحف موحدٍ على المسلمين. وكان ابن مسعود قد عارض من قبل اللجنةَ التي شكلها عثمان، وقال عن زيد بن ثابت، رئيس لجنة تدوين القرآن: «لقد قرأت مِن فِي رسول الله سبعين سورة، وأنّ لزيد بن ثابت ذؤابتين يلعب مع الصبيان». وقال أيضاً: «لقد قرأت القرآن من فِي رسول الله سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من فِي رسول الله؟» (المصاحف للسجستاني).

 

لم يدوّن ابنُ مسعود في مصحفه الفاتحة لأنه لم يعتبرها قرآناً. ولعل السبب الأولي يعود إلى أن محمداً وصف ذات مرة الفاتحة بأنها رقية (القرطبي على الفاتحة وعلى الإسراء: 82)؛ وربما رأى ابن مسعود أن وصف نص ما بأنه رقية يزيل عنه صفة القرآن.

 

من جهة أخرى، لا بدّ أن ابن مسعود بنى رفضه على الوقائع المرتبطة بالفاتحة؛ فالنص، مع البسملة، مكوَّن من سبع آيات. ورغم قصره، ثمة خلاف في تحديد زمنه، قيل إنه مكي وقيل إنه مدني. ولكن ثمة من خط طريقاً ثالثاً، فقال إن الفاتحة نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة؛ ويوازي هذا القول، الرأي الذي أعلن أن نصفها نزل بمكة، ونصفها الآخر نزل بالمدينة (ابن كثير).

 

نصّ قصير، ويُروى أنه تنزّل مرتين أو على مرحلتين! لا شك إنّ هذه الواقعه فرضت نفسها على ابن مسعود.

 

ثمة قاعدة في علوم القرآن تقول إن السور القصيرة هي سور مكية من العهد المبكر، ولكن الفاتحة لا تحتوي على لغة المرحلة المكية المبكرة، كما أنها ذات بنية فريدة، فلدى تحليل عناصر الفاتحة نجد أنّها مكوّنة من عناصر كتابية، فمثلاً:

 

<الْحَمْدُ للّهِ> توافق عبارة سريانية واردة في العهد الجديد (لوقا: 1/ 68؛ 2 كورنثوس: 1/ 3). وهي عبارة ترد أيضاً في العهد القديم (الخروج: 18/ 10 الخ). كما كانت العبارة متدوالة باختلاف بسيط في الليتورجيا اليهودية (تاريخ القرآن).

 

واسم الرحمن: من جذر سامي مشترك ???. والرحمن ورد في التلمود كاسم للإله ?????. كما ورد في الترجوم والكتابات التدميرية. ونجد هذا اللفظ في السريانية بحرفيته. وذُكر في الكتابات العربية الجنوبية  عدة مرات(1). وتخبرنا المصادر التاريخية الإسلامية أن مسيلمة كان يبشر بالرحمن.

 

إنَّ الفاتحة نشيد ديني، صاغه محمدٌ لأول مرة في مكة اقتباساً من عبارات كتابية. وبعد هجرته إلى المدينة، طوّر محمدٌ النشيد، وهذا منشأ القول إنها نزلت مرتين أو على مرحلتين. ويمكن أن نستنتج أن محمداً وأصحابه كانوا يتلون نص الفاتحة في مناسبات طقسية. ولم يكن محمدٌ يعتبرها جزءاً من القرآن. وكان أصحاب محمد يعرفون هذا الأمر، مثلهم مثل ابن مسعود؛ ولكن لسبب نجهله قررت لجنة تدوين القرآن العثمانية أن تدرج هذه القطعة ضمن القرآن، في حين رفض ابن مسعود إدراج الفاتحة في مصحفه، إدركاً منه لسمتها الليترجية، وربما أراد بمعارضته أيضاً أن يضعف من موثوقية مصحف عثمان.

 

والسؤال: ألم يكن يتوجب على لجنة عثمان أن تأخذ برأي شخصية بحجم ابن مسعود، وتترك تدوين نص لا ينتمي للقرآن؟

 

 

 

لا شك أن الفاتحة تمثل صلاة محمد مدى حياته بدليل أنها ظلت صلاة أمته من بعده. وفي طلب محمد وأمّته الهداية إلى الصراط المستقيم أبدَ الدهر سرّ مدهش. بينما الزّبور يشكر الرحمان الرحيم على هداية موسى إلى سراطه ( مزمور 102).

[... ... ...]

 

الرحمان: اسم الجلالة الكتابي في شمال الجزيرة؛ وخصوصاً في جنوبها وأدخله القرآن إلى الحجاز [...] وذهب المبرد وثعلب إلى أن لفظ الرحمان عبراني وأصله بالخاء المعجمة. وقد ورد في التوراة العبرانية والسريانية والتلمود، وانتشر بين العرب مع الدعوة الكتابية.

[... ... ...]

 

فالفاتحة، التي هي دعاء إلى الله للهداية إلى الصراط المستقيم، صلاة كتابية لفظاً ومعنىً. وتجدها في المزموريْن 47 و148 من زبور داود، واللذيْن كان يرددهما في صلاتهم في الحجاز ومكة اليهود والنصارى العرب.

 

الآية السادسـة والسابعة زيدتا على الفاتحة من المدينة عندما استقلّ محمد عن أهل الكتاب. قال الجلالان «<المَغضُوبِ عَلَيهِمْ> هم اليهود، و<الضَّالِّينَ> هم النّصارى [...]». وفات أمثال الجـلالين أنّ القرآن يأمر محمداً أن يقتدي بهدى الكتاب وأهله (أنعام 90) فكيف يمكن أن يصفهم بهذه الصفات؟ والفاتحة مكيّة وفي مكة كانت الوحدة تامة بين المسلمين والكتابيين، وقد آمن معهم بما أنزل اللهُ من كتاب (شورى 15). لذلك يرفض البيضاوي التفسير المرفوع بأنّ المَغضُوب عَلَيهِمْ اليهود والضَّالِّينَ النصارى [ويقول:] "المَغضُوب عَلَيهِمْ: العصاة؛ والضَّالّون: الجاهلون بالله"» (أطوار الدعوة القرآنية، يوسف درّة الحداد).

 

 

قراءة مقترحة

 

للإطلاع على تحليل يكشف الأصل اليهودي ـ المسيحي في الفاتحة، يمكن مراجعة تاريخ القرآن، تأليف تيودر نولدكه، الترجمة العربية، ص 98 ـ 104.  ملاحظة: يمكن تحميل الكتاب بأقسامه العشرة من مكتبة الموقع  الصفحة الثالثة ، رقم 102.

 

(1) The Foreign Vocabulary of the Qu’ran by Jeffery, Oriental Institue Baroda, 1938.

 

 

  • السؤال
الفاتحة:6-7

في صلاتِه يسأل المسلمُ اللهَ أنْ يهديه <الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ>، ويعنى <الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ> حسب المفسرين: القرآن، أو الإسلام، أو الجنة. وتجعل هذه الأقوال الآية ذات تناقض، فالمسلم يرى أن الإسلامَ دينُ الحق، وهو يلتزم بتعاليمه ويقدس القرآن. ويعتقد المسلم أنه مهتدٍ وأنه على الصِّرَاط المُستَقِيم وأن الجنة مثواه؛ وبالتالي فما معنى دعائه؟ أليس في ذلك تحصيل حاصل، على حد وصف اللغويين؟

 

أمام تلك الإشكالية، يقول محمد بن أبي بكر الرّازي في كتابه «من غرائب آي التنزيل» عن الآية أن «معناه ثبّتنا عليه وأدمنا على سلوكه؛ خوفاً من سوء الخاتمة». ولكن هذا القول لا يحل التناقض داخل الآية.

 

ويقولون أيضاً إنّ <الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ>: المسلمون، ومحمد ومن معه (الطبري)؛ وهذا تناقض آخر، لأنه لا يمكن لمحمد أن يسأل الله أن يهديه الطريق القويم، في حين يرى نفسه ماضٍ على هذا الطريق. ومن غير المنطقي أن يسأل محمد وأصحابه اللهَ أن يهديهم صراط الذين أَنعم عليهم، إنْ كانوا يعتقدون أنهم هم الذين أُنعمَ عليهم.

 

إنْ قبلنا تفسيرات المسلمين، فإن التناقض في الآيتيْن يصبح أكثر عمقاً؛ ولهذا لفهم الآيتين (6 ـ 7)، يجب أن ننظر إلى السياق التاريخي لهما. لقد كان محمد والمسلمون الأوائل يتلون نشيد الحمد (الفاتحة)، وفي مخيلتهم صورة جيل سابق عليهم؛ وهو ما أدركه الرازي في تفسيره، إذ قال بخصوص <الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ>: «وبذلك يكون التقدير: «اهدِنَا صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ من المتقدمين». ومن تقدّم المسلمين من الأمم ما كان لهم القرآن والإسلام»، ويضيف القول: «إنّ المراد اهدِنَا صِرَاطَ المحقين المستحقين للجنة».

 

عندما ننظر إلى الآيتين وفق هذه القراءة، فإن التناقض يتلاشى، ذلك أن محمداً كان يسأل الله أن يضعه على سكة من «تقدّم المسلمين من الأمم»، أيْ: أهل الكتاب. ويبدو أن هاتين الآيتين كانتا من الجزء المكي في الفاتحة؛ ولكن حل التناقض فيهما يخلق تناقضات أخرى في القرآن، فرغم إنَّ الفاتحة تقدر عالياً مَن «تقدّم المسلمين من الأمم»، إلاّ أن القرآن يشنّ هجوماً على اليهود والمسيحيين في سور المدينة، لا سيما في سورة التوبة.

 

لنظرة مجملة إلى الفاتحة راجع تعليقنا السابق.

 

 

  • تناقض قرأنى
البقرة:1

في مطلع بعض السور القرآنية فواتح تُعرف بـ «فواتح السّور»، وتسمى أيضاً «الحروف المُقَطَّعة». وهذه الفواتح مؤلَّفة من حرف أو أكثر. منها الفاتحة <ألم> الواردة في سورة البقرة وخمس سور أخرى.

 

ترد الحروف المُقَطَّعة في تسع وعشرين سورة. وقد كُتبت في المصاحف على صورة الحرف لا على صورة اسم الحرف؛ فمثلاً: <ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ> (سورة ص)، وليس: «صاد وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ».

 

تُعدّ بعض هذه الفواتح آية مستقلة، مثل <ألم> في سور البقرة؛ بينما لا يُعتبر بعضها الآخر آية مستقلة، مثل <ن> في سورة القلم، إذْ تشكل <ن> جزءاً من الآية: <ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ>.

 

أسئلةٌ، لا جواب عليها بعد، تحيط بهذه الفواتح:

 

1. لماذا حُسب بعضها آية مستقلة بحد ذاته، بينما اُعتبر الآخر جزءاً من الآية؟ ما هو أساس التقسيم المعتمد لجعلها آية منفصلة أو قطعةً من آية؟

 

2. لماذا ترد الفواتح في (29) سورة فحسب؟ ولماذ تُركت السّور الـ (85) الباقة بلا فواتح؟

 

والسؤال الذي يقض مضاجع قارئي القرآن: ما تأويل هذه الفواتح؟

 

في الأسطر التالية سنبسط آراء الشارحين في صيغة تسمح للقارئ بالإطلاع على ما في المصادر الإسلامية بشأن فواتح السّور.

 

أولاً: الفواتح للتنبيه

 

يُقال إنّ الوثنيين كانوا يعرضون عن محمد لدى تلاوته القرآن، فجاءت الحروف المُقَطَّعة لجذب انتباه رافضي سماع القرآن:

 

«نزلتَ ليستغربوها، فيفتحون لها أسماعهم، فيسمعون القرآن بعدها» (القرطبي). ويقول الرازي في تفسيره: «فكانوا إذا سمعوها قالوا كالمتعجبين: «اسمعوا إلى ما يجيء به محمد!»، فإذا أصغوا هجم عليهم القرآن، فإنّ ذلك سبباً لاستماعهم وطريقاً إلى انتفاعهم».

 

وثمة قول آخر يفيد معنى جذب الانتباه، ولكن ليس انتباه المعرضين هذه المرة. يقول إن هذه الأحرف صيغ نداء، فـ «هي تنبيه كـ «يا» في النداء» (تفسير المحرر الوجيز). ويعيد الزركشي في كتابه البرهان في علوم القرآن، هذا الرأي بقوله:

 

«إنها كالمهيّجة لمن سمعها من الفصحاء، والموقظة للهمم الراقدة من البلغاء لطلب التساجل، والأخذ في التَّفاضل. وهي بمنزلة زمجرة الرعد قبل الناظر في الأعلام لتعرف فضلَ الغمام، وتحفظ ما أفيض عليها من الإنعام».

 

نقد حجة التنبيه

 

لنفرض جدلاً أنَّ محمداً كان يريد جذب الرافضين لسماع القرآن، فلماذا لا نجد الفواتح في كل السور المكية؟ عندما نحلل السور المزينة بالفواتح نجد:

 

أولاً: إنّ حرف <ن> جاء في سُوْرَة القَلَمِ، وهي من أوائل السور، لا بل توجد مأثورات تفيد أن فاتحتها أول آية «نزولاً» على محمد. ونحن نعلم أنَّ محمداً بدأ دعوته سراً؛ وحجة التنبيه تتعارض مع حقيقة سرية الدعوة في الفترة الأولى.

 

ثانياً: نجد الحروف المُقَطَّعة في سور يرجع تاريخها إلى الفترة ما بين سنة 3 قبل الهجرة إلى الهجرة، وهي سور: الأحقاف ـ الجاثية ـ الدخان ـ الزخرف ـ الشورى ـ غافر ـ فُصّلت. وفي هذه الحقبة بلغ العداء بين محمد وقريش أقصى درجاته، ولم يكن ممكناً ممارسة تكتيك جذب الانتباه.

 

ثالثاً: إن صيغة <ألم> جاءت في سورتيْ البقرة وآل عمران، وهما سورتان مدنيتان. ولم يكن محمد يعاني في المدينة من رفض الاستماع إليه.

 

رابعاً: إذا قبلنا القول إنَّ هذه الحروف صيغ نداء، ألم يجد محمدٌ في المعجم العربي صيغة يعرفها السامعون. وهل كان يجب على محمد استعمال صيغ لا معنىً لها ليسمع المسلمون له؟ ثم لو كانت هذه الفواتح صيغ نداء ألقاها محمد، فلماذا أدرجها محررو القرآن في «الوحي» عندما دوّنوا القرآن؟

 

وأخيراً: لو كانت الحروف المقطعة للتنبيه فمعنى ذلك أنّ دورها انتهى ولم يعد من حاجة لها اليوم، وهذا يتعارض مع فكرة صلاح القرآن لكل زمان ومكان.

 

ثانياً: إنها سرٌّ

 

قالت مجموعة من العلماء إن الفواتح «سرُّ الله في القرآن، وأنه لا يجوز أنْ يُتكَلَّم فيها». ورُوي أن خلفاء محمد الأربعة، إضافة لابن مسعود، كانوا من أنصار هذا الرأي، وأنهم قالوا: «الحروفُ المقطَّعةُ من المكتومِ الذي لا يُفَسَّر» (القرطبي).

 

نقد حجة السّر الإلهيّ

 

ليس القرآنُ نصاً صوفياً أو سريالياً، بل هو كتاب عملي يعالج قضايا يومية ومسائل تشريعية، وهذا مناط فخر المسلمين. وإدخال عبارات ومفردات من شاكلة فواتح السور يتعارض مع طبيعة النص القرآني؛ وبالتالي، إن صح ما يقوله أنصار هذا الرأي من أن فواتح السور «سرٌّ إلهيٌّ»، فإن محمداً أراد أنْ يضيف مسحة سرية على القرآن.

 

على أيّ حال، إنَّ الرأي الذي يقول إن الحروف المُقَطَّعة «سرُّ الله في القرآن» يشير إلى أنّ أصحابه يعتقدون ضمنا بوجود اللامعنى في فواتح السور.

 

ثالثاً: التفسير الرمزي

 

التأويل الثالث، وهو يحتل حيزاً واسعاً في المصادر التفسيرية، يقول إن الحروف المُقَطَّعة الواردة في الآيات هي رموز وإشارات. ومن الأمثلة على هذا التأويل ما ورد في <كهيعص>: «إنه ثناء من الله على نفسه، والكاف يدل على كونه كافياً، والهاء يدل على كونه هادياً، والعين يدل على العالم، والصاد يدل على الصّدق» (الرازي).

 

ويشمل هذا التأويل الحقول التالية:

 

أ. بعض الفواتح يدل على أسماء الله، وبعضها على صفة من صفاته. إذ يُروى عن ابن عباس إنّ <ألم>: أنا الله أعلمُ؛ و<ألر>: أنا الله أرى؛ و<ألمص>: أنا الله أَفْضِلُ (الرازي). ولدينا تأويلات أخرى، مثل: <ألم>: الألف إشارة إلى أن الله أحد أو أزلي أو أبدي، واللام إشارة إلى أنه لطيف، والميم إشارة إلى أنه ملك، مجيد، منان.

 

وقال آخرون إنَّ فواتح السور أسماء الله، فقال سعيد بن جبير إن مجموع «ألر، حم، ن» هو «الرحمن»، ولكنه أقرّ بأنه عاجز عن تركيب الفواتح الباقية (الرازي).

 

في حين نُسب لابن عباس وعلي القول «إنَّ الحروف المُقَطَّعة في القرآن اسمُ الله الأعظمُ، إلاّ أنَّا لا نعرفُ تأليفُه منها» (القرطبي).

 

ب. بعضها يدل على أسماء الله وبعضها يدل على أسماء غير الله، فالألف: الله، واللام: جبريل، والميم: محمد، «أي أنزل الله الكتاب على لسان جبريل إلى محمد» (الرازي).

 

ج. إن هذه الفواتح أسماء للقرآن: «هي أسماء للقرآن كالْفُرْقَانَ وَالذِّكْرِ» (تفسير المحرر الوجيز). ويتفرع عن هذا، القول إن هذه الحروف أسماء للسور (الرازي).

 

د. ثمة تأويل يقول إن الفواتح تحتوي على معرفة الأزمنة المتعلقة بالحوادث الكبرى في التاريخ، ويُسمّى بـ «حساب الجُمَّلِ». وتقوم حجة أصحاب حسابِ الجُمَّلِ على أساس إنه لا يمكن اكتناه معاني الحروفِ المُقَطَّعةِ إلا بهذه الطريقة. وقالوا بأنهم لو أسقطوا هذه الوسيلة فلا يمكن فهم معاني الحروف المُقَطَّعةِ (الطبري). والجدير ذكره أن أغلب المفسرين لا يميلون إلى هذه المقولة (مثلاً: الطبري وابن كثير).

 

نقد التفسير الرمزي

 

من الواضح أن التفسير الرمزي مسعى لتفادي المعضلات الناشئة عن مقولة إن الأحرف المُقَطَّعة سرٌّ إلهيٌّ لا يجوز تناوله. ولكن هذا التفسير يتعارض مع وصف القرآن لنفسه بأنه ذو لغة واضحة بينة: <بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ> (الشعراء: 26/ 195). كما أن فواتح السور وجميع تأويلاتها تتعارض أيضاً مع قول القرآن: <قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُّبِيناً> (النساء: 4/ 174)، والتي يقول المتكلمون بشأنها: «كيف يكون القرآن برهاناً ونوراً إنْ كانت معانيه عصية على الفهم؟»

 

ينفي المتكلمون المسلمون أن يكون في القرآن ما ليس في متناول الناس، إذا قالوا إنّ من يوجه خطاباً «لا سبيل إلى العلم به» كان كمن يتحدث إلى العربي باللغة الحبشية. وقالوا أيضاً: «إن المقصود من الكلام الإفهام، فلو لم يكن مفهوماً لكانت المخاطبة به عبثاً وسفهاً» (الرازي).

 

ألا ينطبق هذا الكلام على فواتح السور وجميع مقاربات التأويل الواردة في التفسير الرمزي؟

 

 

معلومات عن فواتح السّور

 

عدد الحروفِ المُقَطَّعة أربعة عشر حرفاً: (أ ـ ح ـ ر ـ س ـ ص ـ ط ـ ع ـ ق ـ ك ـ ل ـ م ـ ن ـ هـ ـ ي).

 

تُجمع هذه الأحرف في قول: «نصٌّ حكيمٌ قاطعٌ لهُ سرٌّ» (ابن كثير)؛ وثمة عبارات مختلفة جمعاً لهذه الأحرف في كتب علوم القرآن.

 

الحروفُ المُقَطَّعةُ ومواضعها في السور

 

عدد الحروف

الفاتحة

تكرارها

اسم السورة

هل تُعتبر آية*

1

ص

1

ص

لا

ق

1

ق

لا

ن

1

القلم

لا

 

2

طه

1

طه

نعم

طس

1

النمل

لا

يس

1

يس

لا

حم

6

غافر، فُصِّلت، الزخرف، الدخان، الجاثية، الأحقاف

نعم

 

3

ألم

6

البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة

نعم

الر

5

يونس، هود، يوسف، إبراهيم، الحجر

لا

طسم

2

الشعراء، والقصَص

نعم

 

4

ألمص

1

الأعراف

نعم

ألمر

1

الرعد

لا

 

5

كهيعص

1

مريم

نعم

حم عسق

1

الشورى

تُعتبر آيتان

 

* لم تحسب المدرسة البصرية الحروفِ المُقَطَّعة آيات مستقلة، بل عدّتها جزءاً مما يليها. أمّا تقسيم بعضها إلى آيات مستقلة أو جزء من آيات، فيعود إلى المدرسة الكوفية (البرهان للزركشي).

 

قراءة مقترحة

 

حاول مستشرقون مختلفون تقديم مقاربات لفهم فواتح السور؛ ومع أنها محاولات لم تصل إلى نتائج مقنعة، لكنها جديرة بالقراءة؛ ومقال أرثر جِفري يستعرض هذه المحاولات:

 

The Mystic Letters of the Koran by Arthur Jeffery

 

 

  • غموض
البقرة:30

تخبرنا الآية أنّ اللهَ أعلمَ الملائكة إنّه سيخلق الإنسان، فأجابوا باعتراض ضمني، قائلين: <أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا، وَيَسْفِكُ الدِّمَاء؟>.

 

تؤكد التفاسير الاعتراض الضمني في جواب الملائكة. نقرأ لدى الطبري: «وهذا الخبرُ من اللّهِ ـ تعالى ذكرُه ـ يُنبيءُ عن أن ملائكته التي قالت: <أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ> استَفْظَعَت أنْ يكونَ للهِ ـ جلَّ ثناؤه ـ خَلْقٌ يَعْصيه، وعَجبت منه إذْ أخْبِرت أنّ ذلك كائنٌ».

 

من الجدير ذكره أنّ الطبري يقول، «فاستشار الملائكةَ في خلق آدمَ»، وترد هذه الجملة أيضاً في تفسير ابن كثير: «وقال السّدي: استشار الملائكةَ في خلق آدمَ».

 

الآية تصوّر الله يستشير الملائكة، والآخيرين يعترضون عليه. وحتى الزمخشري، وهو المعتزلي، يقول: «<أتجعلُ فيها؟>: تعجب من أنْ يستخلف مكان أهل الطّاعة أهل المعصية؛ وهو الحكيم الذي لا يفعل إلاّ الخير، ولا يريد إلاّ الخير».

 

والسؤال، كيف يستقيم تنزيه الله مع صورته وهو يستشير الملائكة؟

 

هامش:

 

لاحظ أغلب المفسرين أنّ الملائكة اعترضوا علماً منهم بما سيقوم به الإنسان، مع أنهم لا يحوزون على قدرة معرفة الغيب، ولهذا فإن المفسرين أبدعوا تفسيرات من عندياتهم لإبعاد الآية عن نقد النقاد.

 

 

  • السؤال
البقرة:31-33

تتابع الآيات 31 ـ 33 مجريات الحوار بين الله والملائكة بشأن خلق الإنسان، وتقول إنَّ الله علّم آدَم أسماء كل ما في العالم، ثم طلب من الملائكة إخباره عن تلك الأسماء إنْ كانوا <صَادِقِينَ> [الآية 31]. ويشرح الجلالان: «<إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ>: في أني لا أخلق أعلم منكم أو أنكم أحق بالخلافة». فيُسقط بأيدي الملائكة، ويعلنون: <لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا. إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ> [الآية 32]. عندها يقول الله: <يَا آدَمُ أَنبِئْهُم [أي الملائكة] بِأَسْمَآئِهِمْ!> [الآية 33].

 

يقول المفسرن إنَّ الأسماء التي علمها اللهُ لآدَم هي: أسماء الخليقة؛ وبعضهم قال: أسماء كل شيء في العالم؛ وآخرون قالوا: أسماء الملائكة؛ بينما قال شارحون آخرون: أسماء ذُرَّيَّته.

 

والسؤال، هل قصة تعليم الله لآدم ثم طلبه من الملائكة إخباره عمّا علّمه، رغم معرفته بجهلها بالأسماء، يتناسب مع التنزيه؟ ثم إنّ الآيات لا تخبرنا أن الملائكة أدّعت أنها أعلم من الإنسان أو أنها أحق بالخلافة، فلماذا جاء القول: <إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ>.

 

من أمثلة التناول غير اللائق للذات الإلهية ما نقرأه في تفسير الطبري:

 

«حدَّثنا علي بنُ الحسنِ، قال: حدَّثنا مسلمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ مُصْعبٍ، عن قيسٍ، عن عاصمِ بن كُلَيْبِ، عن سعيدِ بنِ مَعْبَدٍ، عن ابنِ عباسٍ في قول اللهِ: <وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا>. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيء، حتى الهَنَةِ والهُنيَّةِ، والفَسْوةِ والضَّرْطةِ».

 

  • السؤال
البقرة:34

في قصة التكوين القرآنية، وبعد خلق الإنسان الأوّل، طلب الله من الملائكة السجود لآدم، فامتثل الملائكة للأمر، غير أن إِبْليسَ عصى واستكبر (سورة البقرة: 2/ 34).

 

جاء الطلب في القصة فجائياً؛ ولما لم تشرح الآياتُ غاية الأمر بالسجود لآدم، دخل الغموض في الحكاية هنا، فنتج عن ذلك مفارقتيْن:

 

أولاً، أمر الملائكة بالسجود لآدم هو الذي يسبب المفارقة الأولى، لأنَّ السجود طقس عبادة، وبالتالي يُصور الله هنا كمن يدفع باتجاه الشرك؛ وهو أمر يتنافى مع التنزيه.

 

ثانيا، تقول الآية: <قُلْنَا لِلْمَلآئِكَةِ: «اسْجُدُواْ لآدَمَ»، فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ>، والآية واضحة بأنّ الأمر كان لِلْمَلآئِكَةِ، ويُفهم من الآية إنّ إبليس من جنس الملائكة، فلماذا رفض إبليس السجود وهو من الملائكة، والملائكة يُوصفون بأنهم <لَا يَعْصُونَ اللَّهَ> (سورة التّحريم: 66/ 6). إذاً، الآية تتعارض مع ما هو معروف عن الملائكة في القرآن نفسه.

 

كيف وقع محمد بهذه المعضلة؟

 

سنقدم إجابة مختصرة:

 

تؤكد شواهد كثيرة أن محمداً سمع قصصاً من «الكتاب المقدس»، ولكنه تعلمها بغير دقة، لأنه أطلع عليها بشكل ناقص، وأحياناً لأنه أطلع على نصوص من الأناجيل المنحولة. وبالتالي كان محمد يدمج في القرآن هذه النصوص التي تعوزها الدقة.

 

رواية السجود لآدم في الآية جاءت ـ على الأغلب ـ من فهم محمد الخاطئ لما ورد في «العهد الجديد»، «وَأَيْضاً مَتَى أَدْخَلَ الْبِكْرَ إِلَى الْعَالَمِ يَقُولُ: "وَلْتَسْجُدْ لَهُ كُلُّ مَلاَئِكَةِ اللهِ"» (الْعِبْرَانِيِّينَ: 1/ 6). من الواضح أن النص تناهى إلى محمد، فظن أنّه ينطبق على آدم، وليس على المسيح.

 

الخلاصة، سوء الفهم هو الذي أوقع محمداً بالتباس بخصوص السجود لآدم. وهذا الأمر سيوقعه في تناقضات آخرى تتعلق بتحديد جنس إبليس، سنشير إليها في مواضعها.

 

هامش

 

وردت قصة إبليس في: (الأعرَاف: 7/ 11 ـ 19؛ الحِجْر: 15/ 31 ـ 33؛ الإِسْرَاء: 17/ 61 ـ 63؛ الكهْف: 18/ 50؛ طه: 20/ 116 ـ 117؛ ص: 38/ 71 ـ 86).

 

  • تاريخي
  • غموض
البقرة:35

يقول اللهُ لآدَمَ وزوجته إنه بوسعهما تناول ما يحلو لهما مما في الجَنَّة، ولكن يضيف القول: <وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ> (سورةالبقرة: 2/ 35).

 

الآية تورد الاسم بالتعريف، فتقول: <الشَّجَرَة>، مما يوحي أن السامع يعرف ماهية الشجرة، في حين أنها غير معروفة إلاّ للمُخاطبيْن في النص، أيْ لآدَمَ وزوجته.

 

ماهية الشجرة غامضة رغم وجود اسم الإشارة والتعريف (<هَذِهِ الشَّجَرَةَ>)، فأين البيان في الغموض؟

 

لربما ذُكرت الشَّجَرَة في آية أخرى، ولكن سقطت أثناء كتابة المصاحف. وقصص ضياع آيات من القرآن، متواترة في المصادر الإسلامية؛ فمثلاً تروي لنا عائشة أنَّ سورة الأحزاب كانت مئتيْ آية «فلما كتب عثمان المصاحف، لم نقدر منها إلاّ ما هو الآن» (القرآن المجيد لمحمّد عزّة دروزة). وسورة الأحزاب في المصحف مؤلَّفة من (73) آية، أيْ بعد كتابة عثمان للمصحف ضاعت (أو حُذفت) من سورة الأحزاب (127) آية!

 

الشَّجرة عند المفسرين:

 

في سعيهم لإزالة الغموض عن الآية، قدم المفسرون أقوال مختلفة بشأن <الشَّجَرَة>، فقالوا إنها:

 

1. السُّنْبلة: «والحَبَّة منها كَكُلى البقرة، أحْلَى من العسل، وألْيَن من الزُّبْد».

2. البُرُّ؛

3. الكَرْمَة؛ ولذلك حُرِّمت الخمر. [وهذا تفسير آخر لعلة تحريم الخمر في الإسلام].

4. التِّينة؛

5. شجرة كان لها ثمر تأكله الملائكة لتبقى خالدة. ومن يقول بذلك، يضيف القول: «وهي الثمرة التي نهى الله عنها آدم وزوجته» (الزمخشري وابن كثير).

 

  • غموض
البقرة:55

تروي لنا الآيةُ (55) من سورة البقرة مشهداً من مسيرة موسى. يصوّر المشهدُ موسى مع مجموعة من اليهود، الذين قالوا له: «يا موسى لن نُصَدِّقَك ولن نُقِرَّ بما جئْتنا به حتى نرى اللهَ عِياناً، برفعِ السّاتر بينَنا وبينَه، وكشف الغِطاءِ دونَنا ودونَه حتى نَنْظرَ إليه بأبصارنا» (الطبري)؛ فجاء ردّ الله على طلبهم صاعقةً مميتةً.

 

فمن هم هؤلاء الذين جاء ذكرهم في هذه الآية؟

 

يقدم المفسرون آراء مختلفة بشأنهم، إلاّ إنّ الرازي في تفسيره يقول بوضوح إنهم: «السّبعون المختارون».

 

وعندما نعود إلى المصادر المتعلقة بحياة موسى، لا نجد ما يؤيد القصة الواردة في الآية (55)، كما إنه ليس لدينا في العهد القديم ذكر لهذا الحدث. والواضح إن الآية القرآنية تحريف لرواية واردة في الكتاب المقدس عن حلول روح الرّبِّ على السبعين شيخاً:

 

24 فَخَرَجَ مُوسَى وَكَلمَ الشَّعْبَ بِكَلامِ الرَّبِّ وَجَمَعَ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنْ شُيُوخِ الشَّعْبِ وَأَوْقَفَهُمْ حَوَاليِ الخَيْمَةِ. 25 فَنَزَل الرَّبُّ فِي سَحَابَةٍ وَتَكَلمَ مَعَهُ وَأَخَذَ مِنَ الرُّوحِ الذِي عَليْهِ وَجَعَل عَلى السَّبْعِينَ رَجُلاً الشُّيُوخَ. فَلمَّا حَلتْ عَليْهِمِ الرُّوحُ تَنَبَّأُوا وَلكِنَّهُمْ لمْ يَزِيدُوا (سِفْرُ العَدَدِ: 11/ 24 ـ 25).

 

أما بخصوص ما ورد في الآية عن مطالبة اليهود رؤية الله جهرةً، فهو يتعارض مع التاريخ، إذ نقرأ في العهد القديم إن اليهود سألوا موسى أن يكلمهم هو، وأنهم عبروا عن خشيتهم من أنْ يكلمهم الرَّبِّ: «وَقَالُوا لِمُوسَى: "تَكَلَّمْ أَنْتَ مَعَنَا فَنَسْمَعَ. وَلاَ يَتَكَلَّمْ مَعَنَا اللهُ لِئَلاَّ نَمُوتَ"» (سِفْرُ الْخُرُوجِ: 20/ 19).

 

إذاً، الآية تصوّر حلول روح الرَّبَّ «عَلى السَّبْعِينَ رَجُلاً» صاعقةً قاتلةً؛ ثم تقلب ما هو مدوّن في (الخروج: 20/ 19). ويعود الخلط في الآية بين الصاعقة ورح الرَّبِّ إلى أن المعلومات الكتابية التي وصلت محمداً كانت منقوصة. وأما بشأن اختلاق القرآنُ لحكاية طلب اليهود رؤية الله جهرةً، فالراجح أن هذا التفصيل ناتج لا عن جهل، بل تحريف مقصود هدفه تقويض هيبة اليهود بين المسلمين، ذلك أن سورة البقرة من سور المدينة، وفي المدينة تبين لمحمد استحالة اقناع اليهود به نبيّاً. وفي آية أخرى ـ موازية لآيتنا الحالية [البقرة: 55] ـ يرد محمد على مطالبة اليهود بالبرهنة على صحة نبوته، فيقول لهم إنّ جدلهم معه سيجعلهم عرضة لغضب الله، ويكرر تفصيل طلب رؤية الله جَهْرَةً: <يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ. فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ، فَقَالُواْ: "أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً!"، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ> (سورة النساء: 4/ 153).

 

سؤال عقلاني:

 

يطرح الرازي في تفسيره سؤالاً بخصوص الحدث الوارد في (البقرة: 2/ 55). نقرأ:

 

«كيف استحقوا القتل وهم قد تابوا من الرّدة، والتائب من الرّدة لا يُقتل؟

 

الجواب على ذلك مما يختلف بالشرائع، فلعل شرع موسى ـ عليه السلام ـ كان يقتضي قتل التائب عن الرّدة إما عاماً في حق الكلّ، أو كان خاصاً بذلك القوم».

 

جواب لا يرقى لمستوى السؤال.

 

  • تاريخي
البقرة:60

تخبرنا الآيةُ إنّ مُوسَى طلب السّقيا لِقَوْمِهِ؛ فأمره الله أنْ يضرب بعصاه <الحَجَرَ>، فانشق وخرجت منه <اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً> (البقرة: 2/ 60 والأعراف: 7/ 160).

 

الآية تخلط بين حادثتيْن، فموسى ذهب مع بني إِسْرَائِيلَ إلى «إِيلِيمَ وَهُنَاكَ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنَ مَاءٍ» (الْخُرُوجِ: 15/ 27)؛ أما ضرب موسى للصَّخْرَةِ فكان فِي حُورِيبَ، وقد خرج منها ماءٌ (الْخُرُوجِ: 17/ 5 ـ 6)، وليس اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً.

 

راجع التفاصيل في سِفْرِ الْخُرُوجِ، الإِصْحَاحُ الْخَامِسُ عَشَرَ واَلإصْحَاحُ السَّابِعُ عَشَرَ.

 

  • تاريخي
البقرة:61

يذكر العهد القديم إنّ بني إسرائيل وبينما كانوا هاربين من فرعون وجنوده، وصلوا إلى مشارف البحر، وهناك في غمرة يأسهم قالوا لموسى: «خَيْرٌ لَنَا أَنْ نَخْدِمَ الْمِصْرِيِّينَ مِنْ أَنْ نَمُوتَ فِي الْبَرِّيَّةِ» (سِفْرُ الْخُرُوجِ: اَلإِصْحَاحُ الرَّابِعُ عَشَرَ)، ولكن عندما أعاد القرآن سرد الرواية، قام بتحريفها، فقال إنَّ بني إسرائيل طلبوا من موسى أن يدعو الله كي يخرج لهم <مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا> (البقرة: 2/ 12).

 

وتضيف الآية اتهاماً لليهود يقول إنهم <يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ> بدون تحديد أسماء النبيين، وعلى خلاف المعتاد فإن المفسرين الكبار لا يجتهدونهم لمعرفة من هم الأنبياء، غير أن تفسير الجلالين، يذكر إن منهم يحيى بن زكريا ـ أيْ: يوحنّا المعمدان ـ. والجلالان يتابع في قوله هذا التحريف التاريخي الذي بدأه القرآن، لأن يوحنا لم يكن معاصراً لموسى.

 

تعليقان لغويان:

 

ـ 1 ـ

 

في الآية نقرأ: <وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ>. وعبارة <بِغَيْرِ الْحَقِّ> تربك القارئ الواعي للقرآن، إذ كيف يمكن أنْ يُقتل نبيّ بحق؟ وإذْ تجاهل أغلب المفسرين الإشارة إلى العبارة، إلاّ إن بعضهم تناولها باقتضاب، نقرأ:

 

«<بِغَيْرِ الْحَقِّ>: تعظيم للشنعة والذنب الذي أتوه، ومعلوم أنه لا يقتل نبي بحق، ولكن من حيث قد يتخيل متخيل لذلك وجهاً، فصرح قوله: <بِغَيْرِ الْحَقِّ> عن شنعة الذنب ووضوحه» (المحرر الوجيز، لابن عطية الأندلسي).

 

فهل هذا جواب شاف لا بل واضحٌ؟

 

ـ 2 ـ

 

تقول الآية: <مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا ... وَفُومِهَا>

 

قدم المفسرون لمفردة «فُوم»، معنيين:

 

القول الأول إن الفُومُ: الحِنْطة وتدل على الخبز؛ وقال المفسرون إنها تعنى الحبوب بأنواعها. ويقول الفرّاء: «هي لغة قديمة يقول أهلها: "فَوِّموا، أيْ اختَبِزُوا"» (تفسير غريب القرآن لابن قتيبة).

 

القول الثاني: الفُومُ: الثُّومُ. وتوجد قراءة لابن مسعود تقول: «مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا ... وَثومِهَا» (الطبري والقرطبي).

 

للقارئ الحكم إنْ كان وجود مفردة لا يعرف المفسرون معناها بدقة هو من البيان أم لا.

 

  • تاريخي
البقرة:62

تضع الآية اليهود والمسيحيين وَالصَّابِئِينَ والمسلمين في مجموعة واحدة، هي مجموعة المُؤْمِنِينَ بالله، وتعدهم بالثواب الآخروي (البقرة: 2/ 62)؛ وتعيد آية أخرى، هي (المائدة: 5/ 69)، هذا الوعد حرفياً. ولكن ما إن نمضي قدماً في قراءة سورة المائدة حتى نجد القرآن يتهم المسيحيين بالكفر، ويتوعدهم بالنار (المائدة: 5/ 72 ـ 73). وفي آية أخرى يوسّع دائرة أهل النار، لتشمل كل من لا يعتنق الإسلام: <وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ> (آل عمران: 3/ 85).

 

فما مصير اليهود والمسيحيين وَالصَّابِئِينَ حسب القرآن: الجنة أم النار؟

 

 

  • تناقض قرأنى
البقرة:65

في الآية (65) نقرأ عن أهالي قرية يهودية خرقوا حرمة السبت، وقد شرح المفسرون إن التدنيس كان بقيامهم بصيد السمك ذاك اليوم «فمسخهم اللهُ قِرَدةً بمعصيتهم» (الطبري). وقد خاض علماء الإسلام نقاشاً بشأن مصير أولئك الممسوخين، هل بقوا بعد ذلك أحياءً أم آل أمرهم إلى الفناء؛ فافترق المفسرون على قوليْن:

 

ينص القول الأول على أنّهم عاشوا وتناسلوا، وأنّ لمن المحتمل إنَّ القردة الحالية تنحدر منهم.

 

ويقول الثاني ـ ويناصره جلّ العلماء المسلمين ـ إنّ المسخ لا يتناسل، وإنّ المجموعة التي مُسخت، هلكت بعد ثلاثة أيامٍ. وابن عباس من أنصار هذا الرأي، إذْ يقول: «لم يَعِشْ مَسْخٌ قطٌ فوقَ ثلاثةِ أيَّامٍ، ولم يأكُلْ، ولم يَشرَبْ، ولم يَنسُلْ» (القرطبي).

 

الرازي، يعتبر كلا الأمرين «جائز عقلاً» لكنه يميل لترجيح كفة الرواية عن ابن عباس بشأن هلاكهم بعد ثلاثة أيامٍ.

 

باستثناء القرآن، لا نجد هذه الحكاية في أي مصدرٍ، كما لا تذكرها أي من الحوليات التاريخية القديمة.

 

إذاً، لماذا يقوم القرآن بنسج هذه الأسطورة؟

 

للإجابة على السؤال، يجب النظر إلى وظيفة الآية؛ فالآية هدفت إلى زرع الخوف في قلوب يهود المدينة كي يتبعوا محمداً، حتى أنها أعلنت إنَّ الله لم يمسخ أهل القرية قردةً فحسب، بل قردة وضيعين: <كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ>. وقد أدرك مفسرٌ كلاسيكيٌ غاية القصة، فقال:

 

«أنه تعالى لمّا أخبرهم بما عامل به أصحاب السّبت فكأنّه يقول لهم أما تخافون أنْ ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب؟ فلا تغتروا بالإمهال المدود لكم!» (الرازي).

 

إنَّ الآية قدمت بياناً يهدف إلى ترهيب يهود المدينة، والوظيفة الدنيوية التي كانت نصب عيني محمدٍ جعلته ينسج هذه القصة.

 

 

  • تاريخي
البقرة:97

تقول الآية إنَّ جِبْريل هو من ينزّل القرآن على محمد (البقرة: 2/ 97)، وفي آية أخرى نقرأ إنّ رُوح الْقُدُسِ هو من يقوم بهذه المهمة: <قُلْ [يا محمد] نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ> (النحل: 16/ 102). وجاء في نص ثالث إنَّ: <الرُّوحُ الْأَمِينُ> هو من ينزل القرآن (الشعراء: 26/ 193).

 

قد لا يبدو هذا تناقضاً لأن الرأي الذي يسعى الأدب الإسلامي لنشره يقول إن رُوح الْقُدُسِ هو جبريل. لكن في الواقع، إنّ اسم رُوح الْقُدُسِ ورد في القرآن أربعة مرات، ثلاث منها مقترنة بالمسيح، إذا تقول الآية: <وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ> (البقرة: 2/ 87)، وتُعاد هذه العبارة حرفياً في الآية (253) من سورة البقرة، وبشكل مقارب في سورة المائدة (آية 110).

 

لدى تناولها معنى رُوح الْقُدُسِ تقولُ المصادر التفسيرية إنه: جبريل، أو الإنجيل، أو «إنّه الاسم الذي كان يحيي به [المسيح] الموتى»، أو «إنّه الروح الذي نُفخ فيه والقدس هو الله» (تفسير الرازي على البقرة: 97، قارن تفسير الطبري).

 

أربعة أقوال بشأن ماهية رُوح الْقُدُسِ. وعندما يتناول الطبري في تفسيره آية (102) من سورة النحل، يقول: «وقد بينت في غير هذا الموضعِ معنى رُوح الْقُدُسِ، بما أغنَى عن إعادتِه»؛ وبالتالي فالسؤال: هل فعلاً تقصد الآية (النحل: 16/ 102) جبريلَ؟ ولماذا قالت آية أخرى إن القرآن ينزل به <الرُّوح الْأَمِين>؟

 

لفهم منشإ التناقض، علينا أن نلاحظ السياق التاريخي لهذه المصطلحات، فاسم <الرُّوح الْأَمِين> الوارد في سورة الشعراء، جاء في منتصف دعوة محمد في مكة. وفيما بعد، وربما مع تعرفه أكثر على بعض المفاهيم المسيحية، وإن بشكل ضبابي، أضاف محمدٌ اسم <رُوح الْقُدُس> إلى معجمه، ونسب إليه في سورة النحل تنزيل القرآن، وسورة النحل من السور المكية المتأخرة.

 

وأما في المدينة، فإنّ محمداً ذكر اسم <جِبْرِيل> (البقرة: 2/ 97 و98؛ التحريم: 66/ 4). ومن الواضح إن أسماء: الرُّوح الْأَمِين، ورُوح الْقُدُس، وجِبْرِيل، لم تكن تعنى شيئاً واحداً في ذهن محمد. لقد كان محمد يلائم بين ظروفه اليومية واللغة القرآنية، فكان ينوع في استعمال المصطحات الدينية. وقد عكست هذه المصطلحات التبدلات البيئة في حياة محمد.

 

وإسرافيل أيضاً!

 

لدينا حديث صحيح يقول إن إسرافيل كان موكلاً بمحمد، «فكان يأتيهِ بالكلمة والكلمة، ثم نزلَ عليه جبريلُ بالقرآن». وفي نص آخر نقرأ إنّ الذي أنزل على محمد سورة الفاتحة «مَلَكٌ لم يَنزِل إلى الأرضِ قَطُّ» (القرطبي على سورة النحل: 102).

 

 

  • تناقض قرأنى
البقرة:106

في المدينة، وفي خضم الجدل العقائدي بين محمدٍ واليهود، لاحظ اليهود أنَّ محمداً كان يبطل مراراً وتكراراً أحكاماً سنّها، فصارت هذه المسألة مادة نقدهم، وقالوا: «ألا ترون إلى محمّدٍ يأمر أصحابه بأمرٍ، ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولاً ويرجع عنه غداً؟» (الرازي).

 

رد محمّدٌ على نقدهم بالآية (106) من سورة البقرة، قائلاً لهم إنّ النسخ [الإبطال/ الإلغاء] أو نسيان الآيات دليل على قدرة الله. وبذلك أشارَ محمدٌ إلى ظاهرتيْن قرآنيتيْن:

 

الظاهرة الأولى: النّسخ

 

والمقصود بها إبطال حكمٍ وسنّ آخر. ويحدد الطبري في تفسيره مجال النسخ بأنّه: «وذلك أنْ يحوِّلَ الحلالَ حراماً، والحرامَ حلالاً، والمباحَ محظوراً، والمحظور مباحاً، ولا يكونُ ذلك إلاَّ في الأمرِ والنّهيِ، والحظرِ والإطلاقِ، والمنع والإباحة. فأما الأخبارُ فلا يكونُ منها ناسخٌ ولا منسوخٌ».

 

النّسخ في القرآن محل إجماع العلماء المسلمين، وإنْ كان بعض الشارحين يقول إنَّ النسخ المقصود بهذه الآية هو نسخ [نقل/ كتابة] كتاب. وهذا القول تأويل متعسف لمفردة «نسخ» ولا ينسجم مع سياق الآية التي يُفهم منها بجلاء إنّ المقصود هو إبطال تشريعٍ؛ ولهذا فإن القرطبي في تفسيره يرفض هذه الدعوى ويقول: «لا مَدْخل له في هذه الآية».

 

وفي آية أخرى أكد القرآنُ على النسخ وسمّاه تبديلاً، فقال: <وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ، قَالُواْ: «إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ»، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ> (سورة النحل: 16/ 101).*

 

الظاهرة الثانية: النَّسْيانُ

 

يعلن النصّ إن الآيات يمكن إن تتعرّض للنَّسْيانُ أيضاً: <أَوْ نُنسِهَا>. والخطاب هنا لمحمد، بمعنى: «نُنْسِكَها: أيْ نمحها من قلبك» (الجلالان). واعتبر المفسرون أن تعرض الآية للنسيان يندرج في عملية النسخ، فقالوا: «ويقرأ النبي الآيةَ أو أكثرَ مِن ذلك ثم يُنَسَّى وتُرْفَعُ». وفي حديث آخر: «كان الله تعالى يُنْسِي نبيَّه ما شاءَ، ويَنْسَخُ ما شاءَ» (الطبري).

 

وفي مصحف ابن مسعود قُرِئت الآية: «ما نُنْسِكَ من آيةٍ أو نَنْسخْها». في حين أنّ سعد بن أبي وقَّاصٍ كان يقرأها: «ما نَنْسَخْ من آيةٍ أو تَنْسَها»، وهذه القراءة تعتبر أن الخطاب موجه لمحمد «كأنه عنَى: أوْ تَنْسَها أنت يا محمدُ» (الطبري).

 

وقال المفسرون إنَّ من معاني <نُنسِهَا>: نَمْحُها. والمحو أقرّه القرآن في آية أخرى، فقال: <يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ> (سورة الرعد: 13/ 39).

 

مثلما سعى بعض الشارحين لتفادي الإحراج الناشيء عن النسخ، فأوّلوا النسخ بمعنى نقل الكتاب، فإن آخرين أيضاً قرأوا «نَنْسأها» بدلاً من <نُنسِهَا>. وتعنى «نَنْسأها: نؤخِّرُها فلا نُنزِلُ حكمَها ونَرْفَعُ تلاوتَها، أو نؤخِّرُها في اللوحِ المحفوظ» (الجلالان). وهذا التأويل، وإنْ كان لا يتسق مع فكرة الآية إلاّ أنه يبرهن حقيقة خضوع القرآن للمتطلبات الواقع المحمدي.

 

إشكالية أخرى

 

إضافة لظاهرتيْ النّسخِ والنَّسْيانِ، فإنّ الآية تشير إلى تفاوت مستوى الآيات، إذ تقول: <نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا> (البقرة: 2/ 106). أيْ: إن الآية البديلة تكون خيراً من المنسوخة أو المنسية، أو على الأقل، مثل التي أُبطلت أو نُسيت. وهنا ينشأ سؤال: لماذا لم تُنزّل التي <بِخَيْرٍ مِّنْهَا> مباشرةً ما دام القرآن موجوداً في اللوح المحفوظ؟ ثم إذ أُتي بـ <مِثْلِهَا>، فما الجديد في هذه الحالة؟

 

هذه الإشكاليات المحتواة في الآية [البقرة: 106] تدحض جملة مفاهيم يتدوالها المسلمون بشأن عصمة القرآن وحفظه في اللوح المحفوظ.

 

 

 

النَّسْيانُ المحمّديّ

 

كُتُبَ الحديثِ والسنّة تعترفُ بظاهرةِ النَّسْيان المحمّديّ بما لا يبقى لدينا أيُّ شكّ في ذلك:

 

لقد نَقَل الطبري عن قتادة قوله: «يَقرأُ نبيُّ اللهِ الآيةَ أو أكثرَ من ذلك، ثم تُنْسَى وتُرْفَع». وأيضاً: «كانَ الله يُنسِي نبيَّه ما شاء». وعن مجاهِد: «كان عُبيدُ الله بن عَمير يقول: «نُنْسِهَا، نرفَعُها من عندكم». وعن الحَسَنِ: «إنّ نبيَّكم أُقرِئَ قرآنًا ثم نَسِيَهُ». وعن الربيع: «نُنْسِها، نرفَعُها. وكانَ الله أنزلَ أموراً من القرآن ثم رَفَعَهَا».

 

والحقيقة إنَّ ما ورد على لسان المفسّرين من معانٍ لفعل «نُنْسِهَا» تتقارب: فَرَفْعُ أحكامِ آيةٍ ما من آياتٍ القرآن، أو تأخيرُها، أو نسيانُها، أو محوُها من قلبِ النبي ... كلُّها تدلّ على طَعْنٍ في صميم العصمة. إنّ الله الذي عَصَمَ نبيّه لِيَعصِمَ بعصمتِه القرآنَ «يَرْفَعُ» الآنَ عصمَتَه، وذلك بسببِ تبدّلِ ظروفِ النبيِّ وأحوالهِ وأحداثِ التّاريخ (عالم المعجزات لأبي موسى الحريري، ص 112).

 

 

 

 

احتجاج المعتزلة بالآية (106) من سورة البقرة على خلق القرآن

 

استدلّت المعتزلة بهذه الآية على أنّ القرآن مخلوق من وجوه: أحدها إنّ كلام الله لو كان قديماً لكان الناسخ والمنسوخ قديميْن، لكن ذلك محال لأنّ الناسخ يجب أن يكون متأخراً عن المنسوخ، والمتأخر عن الشيء يستحيل أن يكون قديماً، وأما المنسوخ فلإنه يجب أن يزول ويرتفع، وما ثبت زواله استحال قدمه بالاتفاق؛ وثانيها: إنَّ الآية دلّت على أنَّ بعض القرآن خيرٌ من بعضٍ، وما كان كذلك لا يكون قديماً؛ وثالثها: إنّ قوله <أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ> يدلّ على أنّ المراد أنّه تعالى هو القادر على نسخ بعضها والإِتيان بشيءٍ آخر بدلاً من الأوّل، وما كان داخلاً تحت القدرة وكان فعلاً كان محدثاً .... (تفسير الرازي).

 

 

* الآية: <وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ> (النحل: 101) تناقض آية أخرى: <لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ> (يونس: 64). راجع التعليق على (سورة يونس: 10/ 64).

 

 

  • السؤال
البقرة:124

<قَالَ: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ> (سورة البقرة: 2/ 124).

 

حينما نقرأ الآية، نلاحظ أن القراءة التي تبعد العبارة عن اللبس يجب أن تكون برفع <الظَّالِمِينَ>، أيْ: «لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِون». ولكن المفردة مكتوبة في المصحف الحالي بالنصب: <الظَّالِمِينَ>؛ ولهذا يدافع الكتاب المسلمون عن هذه الصيغة، فمثلاً، يقول الطبري:

 

«وإنما جاز الرفعُ <الظَّالِمِينَ> والنصبُ ... لأنّ كلَّ ما نالَ المرءَ فقد ناله المرءُ. كما يقالُ: نالني خيرُ فلانٍ، ونِلْتُ خيرَه. فيُوجَّهُ الفعلُ مرةً إلى الخيرِ، ومرةً إلى نفسه».

 

في الواقع، نجد أنّ صيغة الرفع كانت في مصاحف آخرى، ففي مصحف ابن مسعود، وهو من أصحاب محمد رفيعي الشأن، وردت المفردة بصيغة الرفع:

 

«"قَالَ: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِون". بمعنى أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهدَ اللهِ» (الطبري).

 

والقراءة بالرفع ثبتها آخرون أيضاً: «قرأ بعضهم "قَالَ: لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِون" أي من كان ظالماً من ذريتك فإنه لا ينال عهدي» (تفسير الرازي).

 

وثمة من اعترف بخطإِ الصيغة الموجودة في المصحف المتداول ـ أي «الظَّالِمِينَ» ـ، لنقرأ:

 

«قرأ أبو رجاء وقتادة والأعمش وابن مسعود وطلحة بن مصرّف «الظالمون» بالرفع، لأن العهد لا يُنال، أي عهدي لا يصل إلى الظّالمين أو لا يصل إليه الظّالمون.

 

قال الزجاج: "قراءة جيدة بالغة إِلاّ أني لا أقرأ بها، ولا ينبغي أن يُقْرَأ بها لأنّها خلاف المصحف"». (معجم القراءات للدكتور عبد اللطيف الخطيب).

 

  • لغوي
البقرة:125-129

تخبرنا القصة القرآنية الواردة في (البقرة: 2/ 125 ـ 129) أنّ إِبْرَاهِيم وإسماعيل رفعا بنيان الكعبة، وأنّهما سألا الله أن يبعث في أهل مكة <رَسُولاً مِّنْهُمْ>، وتضرعا إليه أن يوفر لهذه المدينة شتى موارد الرزق. ولكن عندما نقارن الرواية القرآنية مع المصادر الأصلية، يتبين عدم وجود أساس تاريخي لحكاية القرآن؛ إذْ ترسم سيرة إِبْرَاهِيم الواردة في الكتاب المقدس خريطة تنقله على الشكل التالي:

 

1. اختيار الله لإِبْرَاهِيم الذي كان يعيش في بيئة وثنية (يشوع: 24: 2) في بلاد ما بين النهرين؛

 

2. مغادرة عشيرة إِبْرَاهِيم «أُورِ الْكِلْدَانِيِّينَ لِيَذْهَبُوا إِلَى أَرْضِ كَنْعَانَ» حيث أقام في شَكِيمَ [نابلس الحالية]. وكان ذلك حوالي (1850) ق. م؛

 

3. مغادرة إِبْرَاهِيم إلى مصر بسبب مجاعة حلّت بأرض كنعان (التّكوين: 12/ 1 ـ 10). ومن مصر اتجه إلى الجنوب، إلى بَيْتِ إِيلَ، وهناك أنشأ مذبحاً للرب (التّكوين: 13/ 1 ـ 4).

 

ثلاث مناطق ذُكرت في رواية إِبْرَاهِيم الكتابية: ما بين النهرين ـ كنعان ـ مصر. في حين لا يرد ذكر شبه الجزيرة العربية، كما لا يُذكر أي صلة بين إِبْرَاهِيم والكعبة. ولو كان إِبْرَاهِيم باني الكعبة، لرأينا اليهود يقدسونها، أو على الأقل لكانت الحوليات التاريخية روت توقيرهم إياها.

 

أما فيما يخصّ الكَعْبَة، فإن المصادر التاريخية الإسلامية الكلاسيكية تخبرنا:

 

الكَعْبَة: البناء المُرَبَّعُ الشكل؛ ولهذا أُطلق على البيت المقدس الموجود في مكة اسم الكَعْبَة. وعبادة الكَعْبَة مرتبطة بالوثنية العربية، فكان عرب الجزيرة العربية يقدسون الكَعْبَة قبل الإسلام. وتخبرنا المصادر التاريخية إن العرب الوثنيين كانوا يبجلون بيوت أخرى، والتي كانت تُسمَّى كعبات: الكَعْبَة اليمانية، وكَعْبَة نجران، وكَعْبَة شدّاد، وكَعْبَة غطفان. وقد رُوي أن عدد الكعبات بلغ (23) كعبة. وبغض النظر عن دقة الرقم، إلاّ أن الثابت وجود كعبات أخرى إلى جانب كَعْبَة مكة.

 

هل يمكن ربط إِبْرَاهِيم بالكَعْبَة، وهو لم يزر شبه الجزيرة العربية، علاوة على أنّ الكَعْبَة تقع في صميم الوثنية العربية؟

 

قراءات إضافية:

 

قصة إِبْرَاهِيم الكتابية. راجع سيرته في سِفر التّكوين: 11/ 26 إلى 25/ 18.

 

معلومات غنية عن الكعبة، تجدها في كتاب د. جواد علي، المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، المجلد السادس.

 

 

  • تاريخي
البقرة:158

تستكمل الآية (158) من سورة البقرة المسار الذي بدأه محمد في (البقرة: 144) عندما قام بتحويل قبلة المسلمين من بيت المقدس إلى مكة. كان محمد قد توصل إلى قناعة مفادها إن الأفق مسدود مع يهود المدينة، وإنه لا فرصة لكسبهم؛ علاوة على ذلك، صار محمّد يطمح إلى توسيع قاعدة أتباعه، فقرر أن يغازل العرب الوثنيين. وإذْ شرع محمّد بخطوات التقرّب من وثنيي بلاد العرب من خلال تحويل القبلة صوب كعبة مكة، فإنه انتهى إلى دمج طقوس الْحَجّ الوثنية في الإسلام. وكان السّعي [الطّواف] بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ أحد طقوس الْحَجّ الوثنية، لكن طقس الطواف كان طقساً خاصاً بقريش وحدها دون سائر العرب(1).

 

الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ تلاّن قرب الكعبة من جهة الشرق، كانا يحويان صنميْن: إسَاف في الصَّفَا؛ ونائلة في الْمَرْوَةَ(2).

 

وبعد سنوات من قرار تحويل القبلة، قام محمّد بأداء العُمرة، وكان ذلك قبل فتح مكة. وبينما كان محمّدٌ يؤدي الشعائر، توجه للقيام بطقس السّعي بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ اتباعاً للمنسك الوثني القرشي. ولمّا لم يكن هذا الطقس محل إجماع من كافة العرب، فإن مسلمين من خلفيات غير قرشية قالوا له: «وكيف نطوف بهما، وقد علِمْنَا أنّ تعظيم الأصنامِ وجميع ما كانَ من ذلك يُعبدُ من دون اللهِ شِركٌ؟»(3). ولهذا السبب أيضاً، فإنَّ فئةً من المسلمين كرهت «الطواف في الإسلام بالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ»(4). ويقول أنس بن مالك: «كنّا نَكرَه الطوافَ بينهما، لأنّهما من شعائرِ الجاهليةِ» حتى جاءت الآية: <إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ>(5).

 

ولدينا رواية تحكي عن مسلمين نصحوا محمداً عدم أداء طقس الطواف، قائلين له: «يا رسولَ اللهِ! لا تَطُوفَنَّ بينَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فإنه شِرْكٌ كنّا نَصْنَعُه في الجاهليةِ»، فجاء رد القرآن: <فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا>(6).

 

وتخبرنا رواية أن الأنصار هم الذين عبَّروا عن خشيتهم، لأنهم كانوا يقدسون الآلهة مُناة قبل الإسلام، «وكانوا يتحرجون أنْ يطوفوا بين الصَّفَا وَالْمَرْوَة»(7)، لوجود إسَاف ونائلة. وجاء في المصادر إنهم نقدوا طلب الطواف، فقالوا لمحمَّدٍ: «إن السعيَ بينَ هذينَ الحَجَريْن من أمرِ الجاهليةِ»(8). في حين تقول روايات إن الآية متعلقة بمسلمين منحدرين من تهامة، ذلك إنّ أهل تهامة كانوا لا يمارسون طقس الطواف قبل الإسلام، فلما أمرَ محمّدٌ بأداء هذا الطقس، تخوفوا من القيام به(9).

 

والمصادر لا تبيّن إنْ كان تحرّج هؤلاء المسلمين يعود إلى أنه كان كان طقساً وثنياً قرشيَّاً، وبالتالي كان رفضهم تعبيراً عن مناوئة لقريشٍ، لكن الأمر الذي لا خلاف فيه، إنَّ حجة الرافضين قامت على أساس وثنية شعيرة الطواف.

 

ويبدو أنّ بعض الشخصيات بقي متحرجاً من شعيرة الطواف بين الصَّفَا وَالْمَرْوَة، فقال إنَّ منطوق الآية يقول إن الطواف ليس شرطاً لازماً، وهؤلاء يستندون إلى قراءة مدونة في مصحف ابن مسعود: «فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا»(10)، ويُروى أن ابن عباس كان يقرأ بها أيضاً(11). وفي مصدرٍ آخر «أن ابن عباس وأنس بن مالك وشهر بن حوشب ... قرؤوا "أن لا يتطوف"»(12).

 

ونحن نضم صوتنا لصوت المسلمين المتحرجين، ونسأل معهم: كيف شرّع الله منسكاً وثنياً، لا بل أقرّ بوجه الحصر طقساً وثنياً قرشياً؟

 

تناقض في الآية

 

تحتوي الآية (158) على تناقضٍ داخلي، إذْ يقول الجزء الأول: <إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ>، وهذا يعني وجوب الطواف؛ في حين يقول القسم الثاني منها إنّ من يطوف بالصَّفَا وَالْمَرْوَة لا يعتبر آثماً: <فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا>.

 

 

(1) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، جواد علي: 6/ 380.

(2) نفسه.

(3) تفسير الرازي.

(4) المفصل: 6/ 380 ـ 381.

(5) تفسير الطبري.

(6) نفسه.

(7) تفسير البحر المحيط لأبي حيان الأندلسي.

(8) تفسير الطبري.

(9) نفسه.

(10) تفسير الرازي.

(11) تفسير الطبري.

(12) تفسير المحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي.

 

 

  • السؤال
  • تاريخي
  • تناقض قرأنى
البقرة:194

يسنُ البشر قوانين لأجل تحقيق العدالة، وهم لا يأخذون مفهوم التسامح بعين الاعتبار، ولكن غياب فكرة التسامح عن المدونات الحقوقية لا يعني أبداً أن القانون عملية انتقام. وإذا كان القانون البشري يرفض فكرة الانتقام، فهل من الطبيعي أن نجد كتاباً يُعتبر كتاباً منزلاً من السماء يسمح بالرد على الاعتداء بالاعتداء.

 

هل يمكن لمبدإ: <فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ> أن يكون تشريعاً إلهياً؟

 

 

  • السؤال
البقرة:196

تأمر الآية المسلمين بأداء الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وتحدد بعضاً من الطقوس الواجب القيام بها. وتتألف القواعد الرئيسة لشعائر الْحَجّ الإسلامية من: لبس الإحرام ـ حلق الرأس ـ السّعي بن الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ـ الطّواف حول الكعبة ـ تقبيل الحجر الأسود ـ رمي الجمرات ـ تقديم ذبيحة.

 

ما يلفت النظر في شعائر الْحَجّ الإسلامية تطابقها ـ لحد مذهل ـ مع طقوس الْحَجّ الوثنية؛ وللبرهنة على ذلك، سنتناول شذرات من الْحَجّ الوثني:

 

يقع موعد الْحَجّ في شهر «ذي الحجة»، ولهذا يُسمَّى «شهر الحج». وشهر ذي الحجة آخر شهر في التقويم الإسلامي، لكنه كان اسماً معروفاً قبل الإسلام، فقد ذكرت النصوص القديمة اسم شهر «ذ حجتن» أيْ: «ذو الحجة»، مما يشير إلى أنه كان شهرَ حَجٍّ لعرب قبل الإسلامِ.

 

تذكر المصادر أنه بسبب تعدد المزارات المقدسة (الكعبات) في شبه الجزيرة العربية، فإن الْحَجّ لم يكن يجري بمكان واحد، أيْ لم يكن الْحَجّ إلى مكة فحسب، بل كان إلى مختلف المزارات المقدسة. وبسبب تعدد الكعبات، واختلاف أماكن الْحَجّ فإن مناسك الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لم تكن واحدة، بل كانت تختلف من قبيلة إلى أخرى. وكان لقريش مناسك تميزها عن غيرها، فلما قرر محمد اعتبار الْحَجّ ركناً إسلامياً، تبنى صيغة الْحَجّ القرشية، وأبرز الشعائر القرشية التي تبناها كان الطّواف بين الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.

 

عندما نقارن الشعائر الوثنية والإسلامية نجد الاشتراك التام فيما بينهما، فعلى سبيل المثال، تنقل إلينا المصادر صيغ مختلفة للتلبية، إذْ كانت كل قبيلة تلبي لصنمها الخاص بصيغتها الخاصة، وكان لأهل مكة تلبية ينفردون بها. ويورد ابن حبيب في كتابه المحبر، صيغة تلبية قريش لإسَاف، والتي كانت على الشكل التالي: «لبيك اللهم لبيك، لبيك، لا شريك لك إلاّ شريك هو لك، تملكه وما ملك». ونجد أنّ الصيغة الإسلامية تماثلها كثيراً: «لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إنّ الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك».