ادب واغاني وشعر
 
 


 قصص قصيرة من امريكا اللاتينية


آدم وحواء 
وقصص أخرى
من
أمريكا اللاتينية
 
ماشادو ده أسيس
جابرييلا ميسترال
خ.  ل. بورخيس
چوان جيمارانس روزا
دينا سيلڤيرا ده كيروس
خوليو كورتاثر
موريلو روبياون
أرمونيا سومرز
إليسيو دييجو
دالتون تريڤيزان
كلاريس ليسپكتور
إيسابيل أيّيندى
لويس ڤيليلا
 
 
ترجمة: خليل كلفت
 
 
 
 
 
المحتويات
 
المرآة                          ماشادو ده أسيس        البرازيل ...............
آدم وحواء                      ماشادو ده أسيس        .......................
لماذا البوص مجوَّف            جابرييلا ميسترال        تشيلى ..................
سيرة تاديو إيسودورو كروث    خ. ل. بورخيس         الأرچنتين ..............
الانتظار                        خ. ل. بورخيس         .......................
الشاطئ الثالث للنهر             چوان جيمارانس روزا     البرازيل ...............
تارسيزو                         ديناى سيلڤيرا ده كيروس   البرازيل ...............  
كوابيس                          خوليو كورتاثر             الأرچنتين .............
لا تلم أحدا                       خوليو كورتاثر             ........................
الساحر السابق من مطعم مينيوتا  موريلو روبياون            البرازيل ...............
جنون                            أرمونيا سومرز             أوروجواى ............
السنيور ده لاپينيا                 إليسيو دييجو               كوبا ...................
الفراشة البيضاء                  دالتون تريڤيزان            البرازيل ...............
أضأل امرأة فى العالم             كلاريس ليسپكتور         البرازيل ................
مس ألجريڤ                      كلاريس ليسپكتور        ..........................
قرود الماموزيت                  كلاريس ليسپكتور         .........................
ضيف المعلمة                     إيسابيل أيّيندى           تشيلى ..................
جرأة                              لويس ڤيليلا                البرازيل ...............
الله وحده يعلم                      لويس ڤيليلا               .........................
 
 
 
 
 
 
 
 
 
هذه ترجمة عن الإنجليزية لمجموعة مختارة من القصص القصيرة من مصادر شتى:
 *قصة "المرآة" مترجمة عن:
Machado de Assis: The Psychiatrist and other stories, Translated by William L. Grossman & Helen Caldwell, University of California press / Berkeley & Los Angeles, USA, 1973.                                             * قصة "آدم وحواء" مترجمة عن:
Machado de Assis: The Devil’s Church and Other Stories, Translated by Jack Schmitt and Lorie Ishimatsu, University of Texas press, USA, 1977.                                                                                     * قصة "سيرة تاديو إيسيدورو كروث" مترجمة عن:
Jorge Luis Borges: A Personal Anthology, Edited by Anthony Kerrigan, Grove Press, Inc. / New York, USA, 1967.
* قصة "الانتظار" مترجمة عن:
Jorge Luis Borges: Labyrinths,Selected Stories & Other Writings, Edited by Donald A. Yates & James E. Irby, New Directions, USA, first published 1964 (Twenty-first Printing).
* قصص "لماذا البوص مجوَّف"، و"الشاطئ الثالث للنهر"، و"تارسيزو"، و" جنون"، و" السنيور ده لاپينيا"، و"أضأل امرأة فى العالم"، و"قرود الماموزيت" مترجمة عن:
The Eye of the Heart, Short Stories from Latin America, edited by Barbara Howes,                                  Avon Books, USA, 1974.
* قصتا "كوابيس" و"لاتلم أحدا" مترجمتان عن:
Julio Cortázar: Unreasonable Hours,Translated by Alberto Manguel, Coach House Press, Toronto, 1995.
* قصة: "الساحر السابق من مطعم مينيوتا"مترجمة عن:
A Hammock Beneath the Mangoes, Stories from Latin America, edited by Thomas Colchie, A Plume Book, USA, 1991.                               * قصص: "الفراشة البيضاء"، و"جرأة"، " الله وحده يعلم" مترجمة عن:
Latin American Literature Today, edited by Anne Fremantle, A Mentor Book, New American Library, USA, 1977.
* قصة "مس ألجريڤ" مترجمة عن:
Clarice Lispector: Soulstorm, Translated by Alexis Levitin, New Directions Book, New york, 1989.
* قصة "ضيف المعلمة" مترجمة عن:
Isabel Allende: The Stories of Eva Luna, Translated by Margaret Sayers Peden, eal Books, Toronto, 1991.
 


 
 
 
1- ماشادو ده أسيس  (البرازيل)
المرآة
(مسوَّدة لنظرية جديدة عن روح الإنسان)
    
جلس أربعة أو خمسة سادة يتناقشون، ذات ليلة، حول مسائل متباينة ذات طبيعة ترانسندنتالية عليا ـ ولكن دون أن يكون لأىّ آراء يعبرون عنها أدنى تأثير على أمزجتهم. وكان المنزل يرتفع فوق تل سانتا تريزا؛ وكانت حجرة الجلوس الصغيرة المضاءة بشموع ضاع لمعانها بصورة مبهمة فى ضوء القمر الذى أتى من الخارج. وبين المدينة باضطرابها الشديد الذى لا يهدأ ومغامراتها، والسماء حيث كانت النجوم تومض، فى جو صاف هادئ، جلس باحثونا الأربعة أو الخمسة فى الأمور الميتافيزيقية يحلون بكل مودّة أعقد المشكلات الشائكة للكون.
لماذا أربعة أو خمسة؟ الواقع أن أربعة كانوا يتكلمون، غير أنه بالإضافة إليهم كان يوجد فرد خامس فى الحجرة، وكان يجلس صامتا، مستغرقا فى التفكير، ونصف نائم. ولم تتجاوز مساهمته فى المناقشة شهقة موافقة من وقت لآخر. وكان فى نفس عمر رفاقه ـ بين الأربعين والخمسين، وكان ريفيا، رأسماليا، ذكيا، لا ينقصه التعليم، وكان، كما قد يبدو، فطنا وساخرا. ولم يكن يشترك مطلقا فى مناقشات، معتذرا بمفارقة. كان يقول إن المناقشة هى الشكل المهذب لغريزة القتال التى تترسخ بعمق فى الإنسان كميراث وحشى، وكان يضيف أن ملائكة الشيروبيم والسيرافيم لم تدخل مطلقا فى مجادلات، وأنها كانت آيات الكمال الروحى والأبدى.
ولأنه قدم هذا العذر نفسه فى تلك الليلة ذاتها فقد هاجمه أحد أولئك الحاضرين وتحداه أن يدعم موقفه بمثال ـ لو استطاع. فكّر چاكوبينا (وكان هذا اسمه) لحظة وأجاب:
- إذا أخذنا كل شيء فى الاعتبار فربما كان ما تسأل عنه، يا سيدى، معقولا فى النهاية.
وعندئذ حدث فجأة، فى منتصف الليل، أن هذا الشخص الغريب الانطوائى بدأ يتحدث ليس دقيقتين أو ثلاث دقائق بل على مدى ثلاثين أو أربعين دقيقة.
وأخيرا انتهى الحديث، فى سياق تعرجاته، إلى طبيعة الروح، وهذا موضوع جعل الأصدقاء الأربعة يختلفون جذريا. "رؤوس كثيرة جدا، آراء كثيرة جدا". وليس فقطأىّ آراء يعبرون عنها أدنى تأثير على أمزجتهم. ة ذات طبيعة ترانسندنتالية عليا ـ ولكن دون الاتفاق بينهم بل حتى النقاش صار صعبا، إن لم يكن مستحيلا، بسبب الكثرة من الأسئلة التى تفرعت من الجذع الرئيسى للمناقشة ـ وربما، جزئيا، بسبب عدم تماسك الحجج. وتوسل أحد المتجادلين إلى چاكوبينا أن يعطى رأيا من نوع ما، أىّ نوع ـ حدسا، على الأقل. رد قائلا:
- لا حدس ولا رأى. فأىٌّ منهما يمكن أن يقود إلى الخلاف، وأنا، كما تعرف، لا أجادل مطلقا. ولكن إذا أردتم أن تسمعونى فى صمت، يمكننى أن أقص عليكم حادثا من حياتى سوف يوضح كل طبيعة المسألة المطروحة للبحث. أولا، ليس هناك روح واحد، بل اثنان...
- اثنان؟
- ليس أقل من روحين اثنين. كل كائن بشرى يحمل معه روحين: روح ينظر من الداخل إلى الخارج وآخر ينظر من الخارج إلى الداخل... اندهشوا كما شئتم، افغروا أفواهكم، هزّوا أكتافكم، أىّ شيء... ولكنْ لا تحاولوا أن تردوا علىّ. إذا حاولتم أن تجادلوا حول هذا الموضوع، سأنتهى من سيجارى وأعود إلى البيت لأنام. والروح الخارجى يمكن أن يكون شبحا، سائلا، رجلا، رجالا كثيرين، شيئا، نشاطا. وهناك حالات، على سبيل المثال، يكون فيها مجرد زرار قميص كل الروح الخارجى لشخص ـ وقد يكون رقصة الپولكا، لعبة ورق الأومبر، كتابا، آلة، زوجا من البوت، لحنا، طبلة، إلخ.. ومن الواضح أن وظيفة هذا الروح الثانى هى، مثل وظيفة الروح الأول، أن تبثّ الحياة. وهما كلاهما يكملان الإنسان، الذى هو، إذا تحدثنا من الناحية الميتافيزيقية، برتقالة. إنّ مَنْ يفقد أحد النصفين، يعانى بطبيعة الحال فقدان نصف وجوده. وهناك حالات ـ وهى ليست نادرة على الإطلاق ـ كان فقدان الروح الخارجى فيها يعنى فقدان الوجود بأكمله. شايلوك، مثلا، كان الروح الخارجى لذلك اليهودى يتمثل فى دوقاته*؛ وكان فقدانها يساوى الموت. وهو يقول لتوبال: "لن أرى ذهبى مطلقا مرة أخرى" و"أنت تغرز خنجرا فى قلبى". فكروا فى هذا التعليق بعناية: فقدان الدوقات، روحه الخارجى، كان الموت بالنسبة له. ويجب أن تفهموا، بالطبع، أن الروح الخارجى لا يبقى دائما نفس الشيء...
- لا؟
- لا، يا سيدى. إنه يمكن أن يغير طبيعته وحالته. أنا لا أتحدث عن بعض الأرواح المستحوذة، مثل وطن المرء، الذى أعلن كامونس أنه يموت معه، أو السلطة الدنيوية، التى كانت الروح الخارجى لقيصر وكرومويل. فهذه أرواح فعالة مستأثرة؛ غير أن هناك أخرى مع أنها مليئة بالنشاط فهى ذات طبيعة متغيرة غير ثابتة. وهناك أشخاص، مثلا، روحهم الخارجى فى سنواتهم الأولى شُخْشيخة أو حصان خشبى، وفيما بعد، لنفترضْ، كان يتمثل فى الرئاسة الشرفية لمؤسسة خيرية. ومن ناحيتى، أعرف سيدة ـ فتاة فاتنة حقا ـ تغير روحها الخارجى خمس، ست مرات فى السنة. أثناء موسم الأوپرا يتمثل فى الأوپرا. وعندما ينتهى هذا الموسم يتم تبديل هذا الروح الخارجى بآخر ـ حفلة موسيقية، حفلة رقص فى الكازينو، فى شارع أوڤيدور، فى پتروپوليس...
- اعذرونى، ولكن هذه السيدة... مَنْ هى؟ هذه السيدة من أقارب الشيطان، ولها نفس الاسم. اسمها ليچياون... وهناك حالات كثيرة مماثلة. أنا نفسى مررت بمثل هذه التغيرات فى الروح. ولن أحاول أن أصفها هنا، لأن هذا سوف يستغرق وقتا طويلا جدا. وسأكتفى بالحدث الذى ذكرته لكم. وقد جرى وأنا فى الخامسة والعشرين من عمرى...
ومتلهفين على سماع القصة الموعودة، نسى الأصدقاء الأربعة جدالهم. أيها الفضول المبارك! أنت لست فقط روح الحضارة بل أيضا تفاحة الانسجام، ثمرة إلهية وبمذاق مختلف للغاية عن التفاحة الميثولوچية الشهيرة! الحجرة التى كانت إلى الآن صاخبة بالفيزياء والميتافيزيقا، صارت الآن ساكنة سكون الموت. كل العيون كانت على چاكوبينا، الذى نفض الرماد عن سيجاره فيما كان يستجمع ذكرياته. ثم بدأ يروى:
- كنت فى الخامسة والعشرين من عمرى فى ذلك الحين، وكنت فقيرا، وكانت قد تمت ترقيتى قبل فترة قصيرة إلى رتبة الملازم الثانى فى الحرس الوطنى. ولا يمكنكم أن تتصوروا أىّ حدث كان هذا فى منزلنا. كانت أمى فخورة جدا! وسعيدة جدا! وظلت تنادينى ملازمها. أبناء وبنات العم والخال، الأعمام والعمات، والأخوال والخالات... كانت فرحة صافية خالصة تماما. صحيح أنه فى القرية كان هناك بعض الأشخاص الناقمين، والنحيب، والعويل، وصرير الأسنان، كما فى الكتاب المقدس. ولم يكن من الصعب التوصل إلى الدافع: كان هناك مرشحون كثيرون لهذا المنصب وقد فقده هؤلاء الأشخاص. وأنا أفترض، أيضا، أن جانبا من استيائهم كان مجانيا تماما، ليس وليد أىّ شيء أكثر من مجرد التميز. وأتذكر أن بعض الشبان من معارفى كانوا، لفترة ما، ينظرون إلىّ بارتياب عند مرورهم بى فى الشارع. ومن ناحية أخرى كان هناك كثيرون سعداء بالتعيين، والدليل هو أن بعض الأصدقاء أهدوا إلىّ زيا عسكريا كاملا... وحدث عندئذ أن إحدى خالاتى، دونا ماركولينا، أرملة الكاپتن پيسانيا، وكانت تعيش على بعد فراسخ عديدة من القرية فى منطقة ريفية بعيدة منعزلة، أرادت أن ترانى وتوسلت إلىّ أن آتى إلى مكانها وأن أحضر زيِّى الرسمى. ذهبتُ يرافقنى أحد العبيد، وقد عاد إلى القرية بعد ذلك بأيام قليلة لأن الخالة ماركولينا، بمجرد أن أتت بى إلى بيتها، كتبت إلى أمى أنها لن تتركنى أذهب لمدة شهر على الأقل. وكيف عانقتنى! وهى، أيضا، ظلت تنادينى ملازمها. وأصدرت حكما بأننى شيطان وسيم (كانت امرأة مرحة، خالتى) وأعلنت أنها تحسد الفتاة التى ستصير زوجتى ذات يوم. وأقسمتْ أنه لا يوجد رجل فى الإقليم كله يمكن مقارنته بى. وكان هناك دائما "الملازم": الملازم هنا، الملازم هناك، الملازم فى كل ثانية. توسلت إليها أن تدعونى چوازينيو، كما اعتادت أن تفعل. هزت رأسها، صارخة، "لا"، قائلة إننى "السنيور الملازم". أخ لزوجها، أخ للمرحوم پيسانيا، وكان يعيش هناك، لم يخاطبنى مطلقا بأىّ طريقة أخرى. إنه "السيد الملازم"، ليس بمزاح، بل بجدية، وأمام العبيد، الذين فعلوا بالطبع نفس الشيء. وعلى المائدة كان يخصصون لى مكان الصدارة وكنتُ أول من يقدَّم إليه الطعام. لا يمكنكم أن تتصوروا! إذا كان لى أن أروى لكم أن حماس الخالة ماركولينا ارتفع إلى درجة أنها جعلتهم يركّبون فى حجرة نومى مرآة ضخمة! وكانت قطعة أنيقة وفخمة برزت متنافرة مع أثاثات باقى المنزل، التى كانت بسيطة ومتواضعة... وكانت مرآة كانت قد أعطتها إياها أمها فى العماد، التى كانت قد ورثتها من أمها، التى كانت قد اشترتها من إحدى النبيلات البرتغاليات اللائى جئن إلى البرازيل مع حاشية دون چوان السادس فى 1808. ولا أعرف نصيب الحقيقة فى كل هذا: كان هذا هو التراث العائلى. وعلى كل حال كانت المرآة قديمة جدا؛ لكنْ كان مايزال بإمكانك أن ترى الذهب، متآكلا جزئيا بفعل الزمن، وبعض الدرافيل المنقوشة فى الأركان العلوية للإطار، وبعض الزخارف بعرق اللؤلؤ، وبعض النزوات الفنية. وكلها قديمة، ولكن جيدة...
- مرآة ضخمة؟
- ضخمة. وكانت، فى الواقع، بادرة هائلة من خالتى لأن المرآة كانت فى حجرة الاستقبال، وكانت أجمل قطعة أثاث فى المنزل. غير أنه لم يكن من الممكن زحزحتها عن هدفها. قالت إنه لن يفتقدها أحد، وإن ذلك كان فقط لمدة أسابيع قليلة، وإن "السنيور الملازم" يستحق أكثر كثيرا، مع كل هذا. والأمر الأكيد دون أدنى شك هو أن كل هذه الأشياء ـ التدليل، الملاطفة، المراعاة ـ أحدثت تحولا فى داخلى، زادته وأكملته المشاعر الطبيعية للشباب. أنتم تفهمون ما أقصد، أليس كذلك؟
- لا...
- الملازم ألغى الإنسان. ولأيام عديدة، كانت الطبيعتان تتأرجحان إلى الوراء وإلى الأمام، ولكن لم يمض وقت طويل قبل أن تستسلم الطبيعة الأصلية للأخرى، وصرت متروكا مع جانب تافه فقط من إنسانيتى الكاملة التطور. ما حدث هو أن روحى الخارجى، الذى كان يتمثل قبل ذلك الحين فى الشمس، والهواء، والريف، وعيون السيدات الشابات، غير طبيعته وصار يتمثل فى الانحناء والتملق فى بيت المزرعة ـ  كل شيء ذكرنى بالضابط ولا شيء بالإنسان. وكان الجانب الوحيد الذى بقى معى من المواطن هو الجانب الذى يتعلق بممارسة الامتياز العسكرى، أما الجانب الآخر فقد ذاب فى الهواء والماضى. من الصعب عليكم أن تصدقوا هذا، هه؟
- من الصعب علىّ حتى أن أفهمه... رد أحد سامعيه بسرعة.
- ستفهم. أفعالى سوف تفسر أحاسيسى. الأفعال هى كل شيء. وأفضل تعريف للحب فى العالم لا يساوى قبلة واحدة من الفتاة التى تحبها، وإذا كنت أتذكر جيدا فإن فيلسوفا قديما أثبت حقيقة الحركة بالمشى. فلننظر إلى الأفعال. فَلْنَرَ كيف أنه فى نفس الوقت الذى كان يجرى فيه محو وعى الإنسان من الوجود جاء وعى الملازم حيًّّا بشدة. إن الأحزان البشرية، والأفراح البشرية، عندما تكون كذلك فى حد ذاتها، قلما تحصل منى على أكثر من شفقة فاترة أو ابتسامة متعطفة. وفى نهاية ثلاثة أسابيع كنتُ كيانا مختلفا، مختلفا تماما. كنت ملازما ثانيا على وجه الحصر. ثم، ذات يوم، تلقت الخالة ماركولينا أنباءً سيئة: ابنة، متزوجة من مالك أرض وتعيش على مسافة خمسة فراسخ من هناك، سقطت مريضة وكانت على شفا الموت. استودعك الله يا ابن أختى! استودعك الله يا ملازم! كانت أُمًّا مُحبة. حزمت حقيبتها، وطلبت من أخى زوجها أن يرافقها، وطلبت منى العناية بالمزرعة. وأعتقد أنها لولا اضطرابها البالغ لقامت بترتيب الأمور على عكس ما فعلت، كانت ستترك أخا زوجها للعناية بالمزرعة، وتأخذنى معها. ومها يكن من شيء فقد بقيت هناك وحدى باستثناء العبيد. وفى الحال أصابنى إحساس خانق بالاضطهاد، وكأن أربعة جدران لسجن قد انغلقت فجأة حولى. والواقع أن روحى الخارجى هو الذى كان قد بدأ ينكمش. وكان الآن مختزَلا إلى حفنة من العقول الجاهلة الجلفة التى كان بمستطاعها بالكاد أن تتكلم اللغة. وواصل الملازم سيطرته بداخلى، غير أن قوة حياته كانت أقل حدة، وكان وجوده الواعى ضعيفا. وقد وضع العبيد سمة من التواضع فى عنايتهم بى وهو ما عوض، وإنْ كان هذا على نحو غير مُرْضٍ، عن تدليل الأقارب والألفة العائلية اللذين كانا قد انقطعا فجأة. وحتى فى تلك الليلة، لاحظتُ، أنهم ضاعفوا احترامهم، ومرحهم، وتأكيداتهم. وكل ثانية كان يتردد "نيو*انيا على وجه الحصر. ثم ختلفا، مختلف تماما. بتسامة متعطفة.  بشدة. تذكر جيدا فإن فيلسوفا قديما أثبت حقيقة الحركة بالمشى. و الملازم": "نيو الملازم وسيم جدا"، "نيو الملازم سرعان ما سيكون عقيدا"، "نيو الملازم سيتزوج فتاة جميلة، ابنة چنرال..." وابل من الثناء والتنبؤات السعيدة التى تركتنى منتشيا. آه! الخونة! كيف كان لى أن أرتاب فى نيتهم الخفية؟
- على أن يقتلوك؟
- ليتها كانت كذلك!
- شيء أسوأ؟
- اصغوا إلىّ. فى الصباح التالى وجدت أننى كنت وحيدا. كان الأوغاد، بإغراء من آخرين، أو بروح تمرد عفوى، قد تآمروا على الهروب أثناء الليل؛ وهذا ما فعلوه. كنتُ وحيدا، لا أحد غيرى، وحيدا بين أربعة جدران. الشرفة الكبيرة مهجورة، الحقول غودرت. ما من نَفَس حياة بشرية فى أىّ مكان. أخذت أجرى عبر مختلف أنحاء المنزل، ومساكن العبيد، وكل مكان. لا شيء، لا أحد، ما من طفل زنجى واحد متروك وراءهم. بعض الديكة والدجاج، هذا كل شيء، وزوج من البغال يتفلسفان حول الحياة فيما كانا يهزان جسميهما لطرد الذباب، وثلاثة ثيران. حتى الكلاب كان العبيد قد نقلوها بالقوة. ما من كائن بشرى واحد! هل تعتقدون أن هذا كان أفضل من القتل؟ كان أسوأ. ليس معنى هذا أننى كنت خائفا، أقسم لكم أننى لم أكن خائفا. بل كنت حتى شجاعا إلى حد ما... لم أقلق فى الساعات القليلة الأولى. كنت حزينا بسبب الخسارة التى لحقت بالخالة ماركولينا، وكنت فى حيرة حول ما إذا كان ينبغى أن أذهب إليها لأبلغها النبأ المحزن، أم ينبغى أن أبقى لأحرس المزرعة. واخترت الطريق الثانى، لكى لا أترك المكان بدون حماية؛ وإذا كانت ابنة خالتى مريضة بصورة خطيرة فإننى كنت سأزيد ألم الأم دون جدوى. إلى جانب هذا، كنت آمل فى عودة أخى العم پيسانيا فى ذلك اليوم أو اليوم التالى، نظرا لأنه كان قد مضى بالفعل على رحيلة ست وثلاثون ساعة. غير أن الصباح انتهى دون أىّ أثر له. وفى العصر بدأت أشعر بأن أعصابى لم تعد تعمل وبأننى فقدت سيطرتى على عضلاتى. ولم يعد أخو العم پيسانيا فى ذلك اليوم ولا فى اليوم التالى، ولا حتى فى ذلك الأسبوع كله. واتخذت عزلتى أبعادا هائلة. لم تكن الأيام من قبل طويلة إلى ذلك الحد مطلقا، ولم تكن الشمس قبل ذلك تحرق الأرض بمثل ذلك العناد المرهق مطلقا. وكانت الساعات تدق من قرن إلى قرن على ساعة الحائط القديمة فى حجرة الاستقبال، وكان تيك ـ توك، تيك ـ توك بندولها يضرب روحى الداخلى مثل نقر متواصل للأبدية. وبعد ذلك بسنوات عديدة، فيما كنت أقرأ قصيدة أمريكية ـ أعتقد أنها كانت من قصائد لونجفيلو Longfellow ـ وصادفتنى تلك اللازمة الشهيرة Never, for ever! For ever never ، [مطلقا، إلى الأبد! إلى الأبد، مطلقا!] أقول لكم، جعلت بدنى يقشعر، وقد تذكرت تلك الأيام المفزعة. كان الأمر بهذه الطريقة بالضبط مع ساعة حائط الخالة ماركولينا، Never, for ever! For ever never ولم تكن ضربات بندول: كانت حوارا من جهنم، همسا من الفراغ. ثم فى الليل! ليس لأنه كان أكثر صمتا. كان صمته مثل صمت النهار تماما. ولكن الليل كان الظل، كان العزلة حتى الأضيق أو الأوسع، من عزلة النهار. تيك ـ توك، تيك ـ توك. لا أحد فى الغرف الواسعة، ولا فى الڤراندا، لا أحد فى الصالات، لا أحد فى الشرفة الكبيرة، لا أحد فى أى مكان... أتضحكون؟
- بلى، يمكن أن أقول أنك كنت فقط خائفا قليلا.
- أوه! كان سيكون أفضل لو أننى أحسست بالخوف! كنت سأبقى حيا. غير أن الشيء الغريب هو أننى لم يكن بوسعى أن أشعر بالخوف ـ الخوف، أىْ، بالمعنى المعتاد للكلمة. لقد سيطر علىّ إحساس غير قابل للتفسير ـ وكأننى كنت رجلا ميتا يمشى، شخصا يسير نائما، دمية ميكانيكية. النوم، النوم الحقيقى، كان أمرا مختلفا: كان يجلب لى الراحة ـ ليس للسبب المعتاد، وهو أنه أخ للموت ـ بل لسبب آخر. أعتقد أنه يمكننى أن أفسر بصورة أفضل بهذه الطريقة. النوم، بإلغائه الحاجة إلى روح خارجى، كان يسمح للروح الداخلى بأن يعمل. ففى الليل، فى أحلامى، كنت ألبس زيى الرسمى، بفخر، وسط العائلة والأصدقاء، الذين كانوا يثنون على أناقتى، وكانوا يدعوننى الملازم. وعندئذ جاء صديق للعائلة ووعدنى برتبة الملازم الأول، وآخر برتبة النقيب أو الرائد. كل هذا نفخ الحياة فىّ. ولكن عندما استيقظت فى الضوء الساطع لرابعة النهار، ونظرا لأن الحياة الواعية لكينونتى الجديدة ذات الروح الوحيد تبخرت مع الحلم، لأن روحى الداخلى كان قد فقد قدرته الوحيدة على العمل وكان الآن معتمدا على الآخر، على الروح الخارجى، الذى أصر بعناد على أن لا يعود. وواصل عدم العودة. وكنت أذهب إلى الخارج، وأنظر فى هذا الاتجاه وذاك، لأرى ما إذا كان بإمكانى أن أكتشف علامة على عودته Soeur Anne, soeur Anne, ne vois-tu rien venir? [الأخت آن، الأخت آن، ألا تريْن شيئا آتيا؟] لا شيء، ما من شيء ـ تماما مثل حكاية الجنيات الفرنسية. فقط التراب على الطريق والحشائش تنمو على التل. وأعود إلى داخل البيت، عصبيا ومحبطا، وأتمدد على الأريكة فى حجرة الاستقبال. تيك ـ توك، تيك ـ توك. وأستيقظ، وأتمشى، وأقرع نوبة الرجوع على اللوح الزجاجى للنافذة، وأصفر. وفى مرحلة قررتُ أن أكتب شيئا ما... مقالا سياسيا، رواية، أنشودة: لم أذهب بعيدا إلى حد القيام باختيار محدد. جلستُ وخربشتُ بعض الكلمات والجمل غير المترابطة على الورق، لأخلق أسلوبى. غير أن أسلوبى، مثل الخالة ماركولينا، لم يأت Soeur Anne, soeur Anne.... لا شيء مطلقا. وعلى الأكثر، رأيتُ الحبر يسودّ والورق يبيضّ.
- ألم تأكل؟
- قليلا جدا، فاكهة، وجبة منيهوت، أطعمة محفوظة، بعض الجذور المشوية فى النار، ولكننى كنت سأتحمل كل شيء بسعادة لولا الحالة الذهنية المرعبة التى كنتُ فيها. تَلَوْتُ أشعارا، أحاديث، شذرات لاتينية، قصائد حب لجونساجا، مقاطع شعرية لكامونس، قطع من سونيتات ـ مختارات فى ثلاثين مجلدا. وأحيانا زاولتُ تمارين رياضية، وفى أحيان أخرى كنت أقرص رِجْلىّ؛ ولكن النتيجة كانت فقط إحساسا جسمانيا بالألم، أو بالإجهاد، لا أكثر. وفى كل مكان: صمت هائل، لا حدّ له، لا نهائى، يؤكده التيك ـ توك الأبدىّ لبندول ساعة الحائط القديمة. تيك ـ توك، تيك ـ توك...
- كافٍ لإصابة شخص بالجنون.
- لكنكم لم تسمعوا الأسوأ بعد. يجب أن أخبركم بأننى منذ أن صرت وحيدا، لم أنظر مرة واحدة فى المرآة. ولم أتجنب هذا عن عمد؛ لم يكن عندى سبب لأن أفعل هذا. كان دافعا غير واع، فَزَعا من اكتشاف أننى فى ذلك البيت المهجور كنت واحدا واثنين فى آن معا. وإذا كان هذا التفسير هو الصحيح، فليس هناك برهان أفضل على التناقض البشرى، لأننى بعد نهاية أسبوع قررت أن أنظر فى المرآة بالهدف المحدد المتمثل فى أن أجد نفسى منقسما إلى اثنين. نظرتُ، وأجفلت متراجعا. لقد بدا أن المرآة ذاتها، جنبا إلى جنب مع باقى الكون، تآمرت ضدى. فهى لم تطبع صورتى واضحة وكاملة، بل مبهمة، ضبابية، مشتتة، كانت ظلا لظل. ولا تسمح لى حقيقة قوانين الفيزياء بإنكار أن المرآة نسختنى طبق الأصل بنفس هيئتى وملامحى. لابد من أنها فعلت هذا. غير أن هذا لم يكن ما رأيته. ولهذا ملأنى الرعب. أرجعت الظاهرة إلى الاهتياج العصبى. وكنت خائفا إذا بقيت وقتا أطول أن يصيبنى الجنون. "سأغادر"، قلتُ لنفسى. ورفعت ذراعى فى بادرة كانت غاضبة. وكانت فى الوقت نفسه بادرة إصرار. نظرتُ فى المرآة: كانت البادرة هناك، ولكنْ محطمة، ممزقة، مشوهة... بدأت أرتدى ملابسى، مغمغما لنفسى فيما كنت أفعل هذا، متنحنحا، نافضا ملابسى بضوضاء، فيما كنت أبث شكواى لأزرارى لمجرد أن أقول شيئا ما. ومن حين لآخر كنت ألقى نظرة عجلى مختلسة نحو المرآة: كان الانعكاس هو نفس تشتت الخطوط، نفس الخطوط الخارجية المتداخلة... واصلتُ ارتداء ملابسى. وفجأة، بإلهام لا يمكن تفسيره، بدافع مفاجئ، خطرت الفكرة ببالى... لن تخمنوا مطلقا ماذا كانت فكرتى...
- ماذا؟ ماذا كانت؟
- كنتُ أنظر فى المرآة بإصرار مستميت، متأملا ملامحى المفككة والناقصة، التى كانت سحابة من خطوط سائبة مشوهة، عندما جاءتنى الفكرة... لا، لا يمكنكم مطلقا تخمين ماذا كانت.
- استمر، قلْ لنا! ماذا كانت؟
- تذكرتُ أن أرتدى زىّ الملازم. ارتديته، زيا رسميا كاملا. ولأننى كنت واقفا أمام المرآة، رفعتُ عينىَّ و... (لا شك فى أنكم خمنتم) عندئذ نسخت المرآة الصورة الكاملة، دون نقص خط واحد، ودون انحراف ملمح واحد. كنت أنا حقا، الملازم الثانى، الذى عثر أخيرا على روحه الخارجى. هذا الروح، الذى رحل مع سيدة المكان، والذى تبعثر وهرب مع العبيد، كان هناك، كاملا من جديد فى المرآة. تخيلوا إنسانا يخرج شيئا فشيئا من غيبوبة، يفتح عينيه دون أن يرى، ثم يبدأ يرى، ويميز الأشخاص من الأشياء لكنه لا يستطيع بعد تمييزهم كأفراد، ثم أخيرا يعرف أن هذا فلان، وأن ذلك عِلان، هنا كرسى، وهناك أريكة. ويعود كل شيء إلى ما كان عليه قبل أن يغرق فى النوم. هذا ما حدث لى. حملقت فى المرآة، تحركت من جانب إلى الآخر، ورجعت إلى الوراء، وأومأت، وابتسمت، وكانت المرآة تكشف كل شيء. كنتُ لم أَعُدْ آلة أوتوماتيكية؛ كنت حيا. ومنذ ذلك الحين فصاعدا كنت شخصا آخر. وكل يوم، فى وقت بعينه، كنت أرتدى الزى الرسمى الكامل للملازم وأجلس أمام المرآة، أقرأ، وأنظر، وأتأمل. وبعد ساعتين أو ثلاث ساعات، كنت أخلع الزى من جديد. وبالاتباع الصارم لهذا الروتين، كنت قادرا على أن أتحمل ستة أيام أخرى من العزلة دون أن أحسّ بها...
وعندما عاد الآخرون فى الحجرة إلى وعيهم، كان راوى القصة قد وصل إلى أسفل السلالم فى طريقه إلى الشارع.
 
 
 
2- ماشادو ده أسيس  (البرازيل)
آدم وحواء
 
فى وقت ما خلال العقد الأول من القرن الثامن عشر، دعت زوجة صاحب مزرعة فى باييا عدة أصدقاء حميمين إلى العشاء، وأعلنت تقديم نوع خاص من "الحلو" لأحد الضيوف، وكان معروفا بأنه فى غاية الشره. وأراد فى الحال أن يعرف نوع الحلو، فوصفته سيدة البيت بأنه شخص فضولى. ولم تكن هناك حاجة إلى أىّ شيء آخر ـ بعد ذلك بقليل، كان الجميع يتناقشون حول الفضول، وما إذا كان سمة ذكورية أم أنثوية وما إذا كان آدم أم حواء هو المسؤول عن السقوط من الجنة: قالت السيدات إنه كان خطأ آدم، وقال السادة إنه كان خطأ حواء. لم يقل القاضى شيئا وأجاب الأب بنتو، وكان راهبا كرمليًّا، بابتسامة عندما سألته مضيفته، دونا ليونور، عن رأيه: "أنا، يا سيدتى العزيزة، أعزف الڤيولا". وكان يكذب، لأنه لم يكن أكثر شهرة كعازف ڤيولا وعازف قيثار منه كلاهوتىّ.
وعندما دُعى القاضى إلى الكلام، أجاب بأنه لا يوجد أساس لتكوين رأى، لأن السقوط من الجنة لم يحدث بالطريقة التى رُوى بها فى الكتاب الأول من أسفار موسى الخمسة [التوراة]، فهى أسفار مشكوك فى صحتها. ووسط الدهشة العامة، ارتفع ضحك الكرملىّ، الذى كان يعرف أن القاضى كان أحد أتقى الرجال فى المدينة وأنه أيضا كان مرحا، وصاحب خيال مبدع، وحتى كثير المزاح حقا، طالما بقيت الأمور فى الحدود الكهنوتية ومهذبة. أما فى الأمور الجادة فقد كان جادًّا جدًّا.
"أيها الأب بنتو"، قالت دونا ليونور، "اطلبْ من السنيور ڤيلوسو أن يلزم الصمت".
"لن أطلب منه أن يلزم الصمت"، أجاب الراهب، "لأننى أعرف أن كل شيء يقوله مقصود تماما".
"لكن الكتاب المقدس..." قال الآمر بالجيش، چوان باربوسا".
"فلنتركْ الكتاب المقدس فى سلام"، قاطع الكرملىّ. "السنيور ڤيلوسو مطلع على كتب أخرى، بالطبع..."
"أنا أعرف الرواية الحقيقية للقصة"، أصرّ القاضى، فيما كان يتناول طبق "الحلو" الذى قدمته إليه دونا ليونور، "وأنا مستعد لأن أقول لكم ما أعرف، طالما كنتم لا تطلبون منى أن أفعل شيئا آخر".
"تفضَّلْ، قلْ لنا من فضلك!"
"هذه هى الطريقة التى حدث بها الأمر فعلا. فى المقام الأول، لم يكن الرب هو الذى خلق العالم، بل الشيطان..."
"يا للسماء!" صرخت السيدات.
"لا تذكر هذا الاسم"، رجته دونا ليونور.
"أجل، يبدو أن..." تدخّل الأب بنتو.
"نسميه الشرير، إذن. كان الشرير هو الذى خلق العالم، لكن الرب، الذى استطاع أن يقرأ أفكاره، سمح له بأن يتصرف بحرية لكنه احتاط لتصحيح وصقل عمله، بحيث لا يترك الخلاص أو المحبة عرضة لأذى قوى الشر. وسرعان ما ظهر الفعل الإلهى، لأنه بعد أن خلق الكائن الشرير الظلام، خلق الرب النور، وهكذا خُلق اليوم الأول. وفى اليوم الثانى، عندما خُلقت المياه، وُلدت العواصف والأعاصير، ولكن أنسام الأصيل الرقيقة هبطت من الفكر الإلهى. وفى اليوم الثالث، خُلقت الأرض، ومنها طلعت النباتات، لكن فقط تلك التى لا تحمل ثمارا أو أزهارا: النباتات الشوكية والنباتات القاتلة، مثل الشوكران. ولكن الرب خلق الأشجار المثمرة والنباتات التى تغذى أو تسرّ الإنسان. ولأن الكائن الشرير كان قد قام بتجويف الأغوار والكهوف فى الأرض، خلق الرب الشمس، والقمر، والنجوم ـ وهكذا كان عمل اليوم الرابع. وفى اليوم الخامس، خُلقت حيوانات اليابسة والماء والجو. ونحن نقترب الآن من اليوم السادس، وهنا ألتمس انتباهكم الكلى".
ولم يكن بحاجة إلى أن يلتمس ذلك، إذ أن الجميع كانوا يحملقون إليه بفضول.
استمرّ ڤيلوسو، قائلا إنه فى اليوم السادس خُلق الرجل، وبعده فى الحال المرأة. وكان كل منهما جميلا، ولكنهما كان يملكان فقط غرائز دنيئة ويفتقران إلى الروحيْن، اللذين لم يكن بوسع الكائن الشرير أن يمنحهما إياهما. ونفخ الرب فيهما روحيْن بنَفَس واحد، وعواطف نبيلة وطاهرة بنَفَس آخر. ولم تقف النعمة الإلهية عند ذلك الحدّ ـ جعل الرب جنة عَدْن تطلع هناك وقاد إليها آدم وحواء، مانحاً إياهما امتلاك كل شيء. كل منهما خرّ ساجدا عند أقدام الرب، يذرفان دموع العرفان بالجميل.
"سوف تعيشان هنا"، قال لهما الرب، ". لكما أن تأكلا من كل الفواكه ما عدا تلك التى من هذه الشجرة، التى هى شجرة معرفة الخير والشرّ".
أصغى آدم وحواء مطيعيْن، وعندما تـُركا وحدهما، حملق كل منهما إلى الآخر فى ذهول ـ وبدا أنهما كليهما صارا شخصين مختلفين. وقبل أن يهبها الرب مشاعر نبيلة، فكرت حواء فى تكتيف آدم بحبل، ورغب آدم فى أن يضربها. غير أنهما الآن استغرقا فى تأمل كل منهما الآخر وكذلك المشاهد الطبيعية الرائعة. ومن قبل لم يعرفا مطلقا الجو بمثل هذا النقاء، أو الماء بمثل هذه العذوبة، أو الزهور بمثل هذا الجمال والشذا، ولم يحدث أن صبّت الشمس مثل هذه الشلالات من الضوء فى أىّ مكان آخر. ويدًا فى يدٍ أخذا يهيمان على وجهيهما، ضاحكين من قلبهما فى البداية، لأنهما حتى تلك اللحظة لم يعرفا كيف يضحكان. ولم يكن لديهما أىّ تصور عن الزمن، ولهذا فإن كسلهما لم يفسح مجالا للضجر ـ وعاشا فى حالة من التأمل. وفى الأمسيات كانا يذهبان ليشاهدا غروب الشمس وطلوع القمر وكانا يُحصيان النجوم. ونادرا ما كان بوسعهما أن يُحصيا حتى ألف نجمة، لأنهما فى العادة كان يسقطان نائمين وينامان مثل اثنين من الملائكة.
وبطبيعة الحال فإن الشرير صار فى منتهى الغضب عندما اكتشف كل هذا. ولم يكن يستطيع الذهاب إلى الفردوس لأن كل شيء هناك كان منفرا له، كما أنه لم يكن يستطيع أن يأتى للمثول بنفسه ليواجه الرب. ثم إنه سمع حفيفا لأوراق الشجر الجافة على الأرض فنظر إلى أسفل ورأى حية. أثاره هذا الاكتشاف فناداها: "تعالى هنا، أيتها الأفعى، يا سرعة الغضب الزاحفة، سُمّ السموم، هل تكونين سفيرة أبيك وتُصلحى أعماله؟"
بذيلها، قامت الحية ببادرة غامضة بدا أنها إيجابية. منحها الشرير القدرة على الكلام، وأجابت هى بالإيجاب، إنها ستذهب إلى أىّ مكان قد يرسلها إليه ـ إلى النجوم، إذا أعطاها جناحىْ نسر؛ إلى البحر، إذا كشف لها عن سرّ التنفس تحت الماء؛ إلى أعماق الأرض، إذا علمها مواهب النملة. أخذت الخبيثة تتلوى بلا توقف، راضية بصورة مسرفة بكلامها، غير أن الشرير قاطعها: "لا شيء من هذا القبيل، ليس إلى الجو، أو البحر، أو أعماق الأرض، فقط إلى جَنَّة عَدْن، حيث يعيش آدم وحواء".
"آدم وحواء؟"
"نعم، آدم وحواء".
"المخلوقان الجميلان الذان رأيناهما ذات مرة، يسيران مستقيمين. وطويلين مثل أشجار النخيل؟"
"هما ذاتهما".
"أوه، أنا أمقتهما! آدم وحواء؟ لا، لا، أرسلنى إلى مكان آخر. أنا أمقتهما! مجرد رؤيتهما تصيبنى بالغثيان. أنت لا تريد أن أصيبهما بأىّ أذى..."
"لكننى أريد!"
"حقا، إذن سأذهب، سأفعل ما تشاء، يا سيدى ويا أبى. الآن أسرعْ وقلْ لى ماذا تريدنى أن أفعل. أن ألدغ كعب حواء؟ سألدغ..."
"لا"، قاطع الشرير. "أريد العكس بالضبط. هناك شجرة فى الجنة، شجرة معرفة الخير والشر، التى من المحظور عليهما لمسها ومن المحظور عليهما أن يأكلا من ثمارها. اذهبى، وتكوَّرى فى أعلى هذه الشجرة، وعندما يمرّ بك أحدهما، ناديه بلطف، واقطفى واحدة من ثمارها، وقدميها له، قائلة إنها ألذ ثمرة فى العالم. وإذا رفض، سوف تُصِرِّين على أن يأخذها، قائلة إنه يحتاج فقط إلى أن يأكلها ليكتشف سرّ الحياة ذاتها. اذهبى، اذهبى..."
"سأذهب، لكننى لن أتكلم مع آدم، سأتكلم مع حواء. سأذهب، سأذهب. هل تعنى حقا سرّ الحياة ذاتها؟"
"نعم، هذا صحيح. انطلقى، يا أفعى لحمى، يا زهرة الشرّ، وإذا نجحتِ، أقسم أنك سوف تمتلكين الجانب البشرى من الكون، وهو الجانب الأفضل، لأنه ستكون لديك كعوب كثيرات من بنات حواء لتلدغيها ودم عدد هائل من بنى آدم لتحقنى فيه ڤيروس الشر. اذهبى، اذهبى، ولا تنسى..."
تنسى؟ لقد حفظت بالفعل كل شيء عن ظهر قلبها. ذهبت ودخلت الفردوس الأرضية، وسَعَتْ متسلقة إلى أعلى شجرة المعرفة، وتكوّرت، وانتظرت. ظهرت حواء بعد ذلك بوقت قصير، تمشى برشاقة ومنفردة، بثقة ملكة تعرف أنه لا أحد سيسرق منها تاجها. وممزقة بالحسد، كانت الحية على وشك استدعاء السُّمّ إلى لسانها، لكنها تذكرت أنها كانت هناك بأوامر من الشرير ونادت حواء بصوت معسول. وأصيبت حواء بالذهول.
- "مَنْ ينادينى؟"
- "أنا التى أناديك، أنا آكل هذه الثمرة...
- "أيتها البائسة! هذه شجرة معرفة الخير والشر!"
- "هذا صحيح. أنا أعرف كل شيء الآن، أصْل الأشياء وسرّ الحياة. واصلى، خذى قضمة، وسوف تفوزين بقدرات عظيمة على الأرض".
- "لا، أيتها الحية الغادرة!"
- "أيتها الحمقاء! كيف يمكن أن ترفضى عَظمة العصور؟ استعمى إلىّ، وافعلى كما أقول، وسوف تصبحان عددا هائلا من البشر، سوف تشيدون مُدنا، وسيكون اسمك كليوپاترا، دايدو، سميراميس. الأبطال سيولدون من رحمك وستكونين كورنيليا. وسوف تسمعين صوتا من السماء وستكونين ديبورا. وستغنّين وسوف تصيرين سافو. وذات يوم، إذا رغب الرب فى النزول إلى الأرض، فسوف يختار جسمك، وسيكون اسمك مريم الناصرية. فيم يمكن أن ترغبى أكثر؟ الملكية، الشِّعر، الألوهية ـ أنت تتنازلين عن كل شيء بسبب طاعة حمقاء. وليس هذا كل شيء. الطبيعة ستجعلك حتى أكثر جمالا. الألوان المشرقة وكذلك الباهتة لأوراق الشجر، والسماء، والليل، سوف تنعكس فى عينيك. الليل، فى تنافس مع الشمس، سوف يعربد فى شَعْرك. أطفال رحمك سوف ينسجون لك أروع الملابس، ويبتكرون أزكى العطور، والطيور سوف تعطيك ريشها، والأرض أزهارها، وكل شيء، كل شيء، كل شيء..."
استمعت حواء بفتور. وصل آدم، واستمع إلى الحية، وأكد إجابات حواء: لا شيء يستحق المخاطرة بفقدان الفردوس، لا المعرفة، ولا القوة، ولا أىّ وهم دنيوى آخر. وحالما قالا هذا، تصافحا واستدارا بعيدا عن الحية، التى غادرت مندفعة لتخبر الشرير بما حدث...
الرب، الذى كان قد سمع كل شيء، قال لجبريل: "اذهب، يا رئيس ملائكتى، واهبط إلى الجنة الأرضية التى يعيش فيها آدم وحواء، وخذهما إلى النعيم الأبدى، الذى يستحقانه على مقاومتهما لغوايات الشرير".
عندئذ وضع رئيس الملائكة على رأسه الخوذة التى تألقت مثل ألف شمس، وعبر السماوات فى لحظة، ووصل إلى آدم وحواء، وقال لهما: "مرحبا، آدم وحواء. تعاليا معى إلى الفردوس التى فزْتما بها لمقاومتكما غوايات الشرير".
مندهشيْن ومرتبكيْن، أحنى آدم وحواء رأسيهما فى طاعة، وأخرج جبريل لهما يديه. وصعد الثلاثة إلى المثوى الأبدى، حيث كان فى انتظارهما حشود من الملائكة يغنون.
"ادخلا، ادخلا. الأرض التى غادرتماها متروكة الآن لمخلوقات الشرير، الحيوانات الضارية والحاقدة، النباتات الضارة والسامة، الجو غير النقى، المستنقعات. الحية الزاحفة، الكريهة، اللادغة سوف تسيطر على الأرض، وما من مخلوقات مثلكما ستجلب بصيصا من الأمل والتقوى إلى مثل هذا الشيء البغيض".
كانت تلك هى الطريقة التى دخل بها آدم وحواء الجنة ـ على صوت كلّ آلات القانون الموسيقية فيها، التى وحدت ألحانها فى ترنيمة للمرتديْن عن العالم...
... انتهت قصته، وأعطى القاضى طبقه لدونا ليونور لكى تقدم له مزيدا من الحلو، فيما كان الضيوف الآخرون يحملقون الواحد فى الآخر بدهشة ذلك أنهم، بدلا من تفسير، سمعوا سردا ملغزا، أو على الأقل قصة بدون معنى ظاهر. وكانت دونا ليونور أول من تكلم: "كنتُ على حق عندما قلت إن السنيور ڤيلوسو يعبث بنا. فهو لم يفعل ما طلبنا منه أن يفعل، كما أن الأمر لم يحدث بالطريقة التى قال إنه حدث بها. أليس هذا صحيحا، أيها الأب بنتو؟"
"القاضى الجليل سيعرف الرد على ذلك"، أجاب الكرملى، مبتسما.
وبمجرد أن رفع القاضى ملعقة من الحلو إلى فمه، قال: "عند إعادة النظر، لا أعتقد أن أىّ شيء من هذا قد حدث بالفعل، لكنْ، يا دونا ليونور، إذا كان قد حدث فإننا لم نكن لنوجد هنا مستمتعين بهذا الحلو، فهو بكل إخلاص لذيذ تماما! هل هو من صنع طباخ حلوياتك القديم من إتاپاچيپى؟"
   
 
 
 
 
 
3- جابرييلا ميسترال  (تشيلى)
لماذا البوص مجوَّف
 
-1-
 
 حتى فى عالم النباتات الذى يسوده السلام، وقعت ذات يوم ثورة اجتماعية. ويُرْوَى أن الزعامة فى هذا الحدث كانت لأعواد البوص المغرورة تلك. بثتْ الريح، وكانت من الأدوات الرئيسية للعصيان، الدعاية، وفى غمضة عين ليس غير لم يكن هناك حديث عن شيء آخر فى الأوساط النباتية. وتآخت الغابات العذراء مع الحدائق البلهاء، فى نضال مشترك فى سبيل المساواة.
المساواة فى ماذا؟ فى سُمْك جذوعها، جودة ثمارها، حقها فى المياة النقية؟
لا، لا، بل المساواة فى الارتفاع لا غير. وكان المثل الأعلى هو أن ترفع كافة النباتات رؤوسها بطريقة متماثلة. فالذرة لم تفكر مطلقا فى أن تجعل نفسها قوية كالسنديانة، بل فقط فى أن تهزّ شواشيها الكثيفة الشعر على نفس الارتفاع. ولم يكافح الورد كفاحا شديدا ليكون نافعًا كنبات المطاط، بل رغب فقط فى أن يصل إلى تلك القمة العالية، وأن يجعل منها وسادة يهدهد عليها زهوره لتنام.
باطل! باطل! لقد رسمت أوهام العظمة، وإنْ خالفت الطبيعة، صورة كاريكاتورية لأهدافها. وعبثا تكلمت بعض الزهور المتواضعة ـ زهرة البنفسج الحيية وزهرة الزنبق الفطساء الأنف ـ عن القانون الإلهى وشرور الغرور. وبدتْ أصواتها بلهاء.
شاعر عجوز، له لحية كلحية إله النهر، شجب المشروع باسم الجمال، وكانت لديه بضعة أشياء حكيمة يقولها عن التماثل، الذى يمقته من كل النواحى.
 
-2-
 
كيف انتهى كل ذلك؟ يحكى الناس عن عوامل مؤثرة غريبة تفعل فعلها. هبّتْ أرواح الأرض على النباتات بحيويتها المريعة، وهكذا وقعت معجزة قبيحة.
ذات ليلة ازداد ارتفاع عالم الحشائش والشجيرات دزينات من الأقدام، كأنما طاعة لنداء عاجل جدا من النجوم.
فى اليوم التالى، أفزع أهالى البلاد ـ عندما خرجوا من أكواخهم ـ أن يجدوا البرسيم فى ارتفاع كاتدرائية وحقول القمح تموج متوحشة بالسنابل الذهبية!
كان الأمر مثيرا للغيظ. صرخت النباتات من الفزع، ضائعة فى ظلام مراعيها. وسقسقت الطيور فى يأس، ذلك أن أعشاشها ارتفعت إلى ارتفاعات لم يُسمع بمثلها. كما لم يعد يمكنها أن تطير هابطة بحثا عن الحَبّ: كان قد مضى عهد التربة التى تستحم فى الشمس، عهد بساط العشب الأخضر المتواضع.
تلكأ الرعاة طويلا بقطعانهم بجوار المراعى المظلمة؛ رفضت أغنامهم دخول أىّ شيء بمثل تلك الكثافة، خشية أن يتم ابتلاعها تماما.
فى الوقت ذاته، قهقهت أعواد البوص، مزهوّة بالانتصار، وأخذت تسوط بأوراقها الثائرة القمم الزرقاء لشجر الكافور.
-3-
 
 يُقال أنه مرّ شهر على هذا الحال. ثم بدأ التدهور.
وقد حدث على هذا النحو: أزهار البنفسج، التى تبهج فى الظل، جفت عندما تعرضت رؤوسها القرمزية لضوء الشمس الساطع.
"هذا لا يهمّ"، سارعتْ إلى القول أعواد البوص. "أزهار البنفسج لا تساوى شيئا على الإطلاق".
(لكن فى بلد الأرواح، لبسوا عليها ثوب الحداد.)
أزهار الزنبق، التى وصلت بارتفاعها إلى خمسين قدما، انفلقتْ. ومثل رؤوس الملكات، تبعثرت مقطوعة فى كل جهة رؤوس بيضاء كالرخام. جادلت أعواد البوص كما فعلت من قبل. (لكن إلاهات الحُسْن أخذن يجرين هائجات فى الغابة، وهُنّ يُعْولن.)
فقدت أشجار الليمون وهى فى ذلك الارتفاع كل زهراتها التى اكتسحتها الرياح العنيفة. وداعا للمحصول!
"هذا لا يهمّ"، أكدت أعواد البوص مع ذلك من جديد. "كانت ثمارها أكثر مرارة مما ينبغى".
يبس البرسيم، وكانت سيقانه تتلوّى مثل خيوط فى نار.
وتدلّت كيزان الذرة، لكن لم يعد ذلك نتيجة الذبول التدريجى. ورغم ارتفاعها المسرف سقطتْ على الأرض، ثقيلة كطيور السمان.
البطاطس، لتقوية سيقانها، أثمرت درنات ضعيفة؛ وكانت هذه الأخيرة أكبر قليلا من بذور التفاح.
عندئذ لم تعد أعواد البوص تضحك؛ أخيرا صارت جادة.
لم يعد يتم تلقيح زهرات الشجيرات والأعشاب: الحشرات لم يكن بمستطاعها أن تصل إليها دون تسخين أجنحتها إلى درجة الخطر.
علاوة على هذا، قيل إن الإنسان كان لم يعد لديه لا خبز ولا فاكهة ولا علف لماشيته؛ وكان الجوع والحزن سائدين فى البلاد.
فى مثل تلك الأحوال، بقيت الأشجار الطويلة وحدها سليمة، وارتفعت جذوعها بقوة كما كانت دائما: لم تستسلم للإغراء.
كانت أعواد البوص آخر ما سقط، وكان ذلك شاهدا على الكارثة النهائية لنظرية مستوى ارتفاع الشجرة التى نادتْ بها؛ فالجذور تعفنت نتيجة الرطوبة الزائدة، وحتى شبكة أوراق النبات لم يكن بمستطاعها أن تحول دون جفافها.
حينئذ صار واضحا أن أعواد البوص، بالمقارنة مع جسمها المصمت من قبل، صارت مجوّفة. كانت تمتد فراسخ إلى أعلى وهى جائعة، لكنها، لأن داخلها كان فارغا، كانت تدعو إلى الضحك، مثل عرائس أو دُمًى.
وفى مواجهة دليل كهذا، لم يكن بمستطاع أحد أن يدافع عن فلسفة أعواد البوص؛ ولم يقل أحد عنها شيئا على مدى آلاف من السنين.
الطبيعة ـ السخية دائما ـ أصلحت التلف فى غضون ستة أشهر، مقدّرةً أن كافة النباتات البرية سوف تنمو من جديد بالطريقة المعتادة.
الشاعر، الذى له لحية كلحية إله النهر، ظهر بعد طول غياب وتغنىّ، مبتهجا، بالعهد الجديد.
"فليكن الأمر كذلك، أيها الأعزاء. جميل البنفسج بفضل ضآلة حجمه، وشجرة الليمون بفضل هيئتها اللطيفة. جميلة كافة الأشياء كما خلقها الرب: السنديانة المهيبة والشعير الهشّ".
أخرجت الأرض الثمر من جديد؛ وسمنتْ القطعان، وتغذى الناس.
لكن أعواد البوص ـ زعامة التمرد تلك ـ حملتْ على مرّ الزمان وصمة عارها: كانت مجوّفة، مجوّفة...
 
 
 
 
 
 
 
خ. ل. بورخيس  (الأرچنتين)
سيرة تاديو إيسيدورو كروث
(1829-1874)
 
                                            إنى أبحث عن الوجه الذى كان لى
                                         قبل خلق العالم.
                        -Yeats, A Woman Young and Old.
 
فى السادس من فبراير، 1829، توقفت القوات غير النظامية التى كانت تتقدم زاحفة من الجنوب لتنضمّ إلى الفرق العسكرية بقيادة لوپيث، والتى كانت قد وقعت بالفعل فريسة مناوشات لاڤال، للاستراحة عند أثييندا التى كان اسمها غير معروف لهم، على بعد ثلاثة أو أربعة فراسخ من پيرجامينو. وعند الفجر، كان أحد الرجال ضحية كابوس عنيد: فى أعماق ظلمة كوخ أيقظ صراخه المضطرب امرأة كانت تنام معه. ولا أحد يعرف بماذا حلم، لأنه فى اليوم التالى، فى الساعة الرابعة، دحر الخيالة بقيادة سواريث الجنود غير النظاميين، واستمرت المطاردة على مسافة تسعة فراسخ، حتى نهاية الحشائش العالية، حيث كانت الحقول قد أعتمت بالفعل، وهلك الرجل فى خندق، وكانت جمجمته مشقوقة ممزقة بسيف من حروب الپيرو والبرازيل. وكانت المرأة تُسمَّى إيسيدورا كروث. وتم تعميد الابن الذى حملت به باسم تاديو إيسيدورو.
وليس هدفى أن أعيد رواية تاريخه. ومن الأيام والليالى التى تؤلف ذلك التاريخ تهمنى ليلة واحدة فقط؛ ولن أروى عن بقية الأيام والليالى أكثر مما لا يمكن الاستغناء عنه لجعل تلك الليلة الواحدة مفهومة. والمغامرة مسجلة فى كتاب شهير؛ أعنى فى كتاب ربما كان موضوعه "صرتُ للكلِّ كلَّ شيء" (الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس 9 : 22)، لأنه قابل لتكرارات، وتعديلات، وتحريفات، لا تنفد تقريبا. وقد شدّد من قاموا بشرح تاريخ تاديو إيسيدورو ـ وهم كثيرون ـ على تأثير السهول على تكوين طبعه، غير أن آخرين مشابهين له من الجاوتشو وُلدوا وماتوا على الضفتين المقفرتين لنهر پارانا وعلى المراعى الشرقية. لقد عاش حقا فى عالم من البربرية الرتيبة. وعندما مات، فى 1874، مصابا بالجدرى الخبيث [الأسود]، لم يكن قد رأى مطلقا جبلاً، ولا قنديل غاز، ولا طاحونة. وكان لم ير مدينة من قبل. وفى 1849، ذهب إلى بوينوس آيرس بقطيع من المواشى من مؤسسة فرانسيسكو خابيير أثيبيدو؛ ودخل تجار المواشى المدينة لإفراغ أحزمة نقودهم؛ ولم يذهب كروث، العديم الثقة، إلى أبعد من نُزُل صغير فى أحواش المواشى. وقضى أياما كثيرة هناك، صموتـًاً، ينام على الأرض، ويشرب شاى الماتيه، ويستيقظ فى الفجر، ويذهب إلى الفراش فى ساعة صلاة العصر. وأدرك (فيما وراء نطاق الكلمات أو حتى العقل) أن المدينة لا تجمعها به صلة. أحد جنود المشاة، وكان مخمورا، سخر منه. ولم يردّ كروث بشيء، غير أنه خلال ليالى رحلة عودته، كرر جندى المشاة سخرياته حول نيران المعسكر، فما كان عندئذ من كروث (الذى كان لم يُبد إلى ذلك الحين أىّ ضغينة، أو حتى انزعاج) إلا أنه صرعه بطعنة سكين واحدة. وخلال هربه اللاحق، لجأ الهارب إلى منطقة مستنقعات. وبعد عدة ليال نبهّه صراخ طائر صيّاح ذى عُرف إلى أن الشرطة قد أحاطت به. وجرّب سكّينه على شجيرة؛ وليعطى نفسه حرية أوسع إذا صار عليه أن يقاتل مترجلا، قام بحركة سريعة بتثبيت مهمازيْه على كعبىْ الجزمتين. لقد آثر أن يدافع عن نفسه على أن يستسلم. وأصيب بجروح فى ساعده، وكتفه، ويده اليسرى؛ وأصاب أشرس خصومه بجروح بالغة؛ وعندما بدأ الدم يسيل بين أصابعه، قاتل بشجاعة أكبر من أىّ وقت مضى. وقرب الفجر، عندما أصابه الدوار مع فقدان الدم، تم تجريده من السلاح. وفى تلك الأيام، كان الجيش يؤدى وظيفة عقابية: تم إرسال كروث إلى الخدمة فى مخفر أمامى صغير على الحدود الشمالية. وقد اشترك فى الحروب الأهلية كمواطن عادى؛ وحارب أحيانا من أجل إقليمه الأصلى، وأحيانا ضده. وفى الثالث والعشرين من يناير 1856، كان أحد المسيحيين الثلاثين الذين حاربوا، عند لاجوناس دى كاردوسو، تحت قيادة الرقيب أول أوسيبيو لاپريدا، ضد مائتين من الهنود. وفى هذه المعركة تلقَّى طعنة رمح.
وهناك فجوات كبيرة فى قصته الغامضة والباسلة. ونحن نعلم أنه فى سنة 1868 تقريبا كان قد عاد إلى منطفة پيرجامينو: وسواء أكان متزوجا أو كان يعيش مع عشيقة، كان أبًا لطفل ومالكًا لحقل صغير. وفى سنة 1869 تم تعيينه مأمور للشرطة الريفية. وكان فى ذلك الحين قد صحح ماضيه. وفى ذلك الوقت لابد أنه كان قد اعتبر نفسه سعيدا، مع أنه فى أعماقه لم يكن كذلك. (إن ليلة جوهرية كاشفة، مخبوءة فى رحم المستقبل، كانت ماتزال فى انتظاره: الليلة التى رأى فيها وجهه أخيرا، الليلة التى سمع فيها أخيرا اسمه. والحقيقة أن ليلة واحدة تستنفد قصته؛ أو بالأحرى، لحظة واحدة فى تلك الليلة، عملا واحدا فى تلك الليلة، فالأعمال هى رمزنا). والواقع أن كل قدَر على الإطلاق، مهما كان طويلا أو معقدا، يتألف من لحظة واحدة: اللحظة التى يعرف فيها رجل مرة وإلى الأبد مَنْ هو. ويقال إن الإسكندر المقدونى رأى مصيره المحتوم منعكسا فى التاريخ الخرافى لأخيل؛ ورأى تشارلز الثانى عشر ملك السويد مصيره فى تاريخ الإسكندر. ولم تنكشف هذه المعرفة فى كتاب لتاديو إيسيدورو كروث، الذى لم يعرف كيف يقرأ؛ وقد رأى نفسه وهو يشهد قتالا يلتحم فيه فرسان ورأى نفسه فى فارس منهم. وجرت الأحداث بالطريقة التالية:
فى الأيام الأخيرة من يونيو، 1870، تلقىَّ أوامر بأن يلقى القبض على خارج على القانون يدين للعدالة بجريمتىْ قتل. وكان هذا الخارج على القانون هاربا من الخدمة العسكرية فى صفوف قوات الحدود الجنوبية بقيادة الكولونيل بنيتو ماتشادو؛ وكان قد قتل خلاسيـًّّا فى ماخور خلال نوبة سكر؛ وفى حادث آخر مثله قتل أحد المقيمين بمنطقة روخاس؛ وأضاف التقرير المكتوب عنه أنه فى الأصل من أبناء لاجونا كولورادا. وهذا هو المكان الذى كانت القوات غير النظامية قد تجمعت فيه قبل ذلك بأربعين سنة قبل أن تخوض المغامرة التى جعلت لحم أجسادهم طعاما للطيور والكلاب؛ ومن هنا كان قد جاء مانويل ميسا، ليتم إعدامه فى النهاية فى ميدان پلاثا دى بكتوريا فيما كانت الطبول تقرع لتغطى على صوت غضبه الشديد؛ ومن هنا كان قد جاء ذلك المجهول الذى أنجب كروث ومات داخل خندق، وكانت جمجمته مشقوقة ممزقة بسيف من معارك پيرو والبرازيل. وكان كروث قد نسى ذلك الاسم؛ وبقلق طفيف لكن لا يمكن تفسيره استطاع أن يتعرف عليه الآن.... وأخذ المجرم الذى كان الجنود يتعقبونه عن كثب، يرسم متاهات طويلة وملتوية بخطوط ذهابه وإيابه وهو على ظهر حصانه؛ غير أن الجنود، فى ليلة 12 يوليو، ضيقوا عليه الخناق. وكان قد لاذ بحقل تغطيه حشائش عالية. وكان الظلام دامسا تستحيل الرؤية فيه تقريبا. تقدَّم كروث ورجاله، بحذر وعلى الأقدام، نحو الشجيرة التى كان الرجل الغامض يتربص أو ينام فى أعماقها المرتجفة. وصرخ طائر صيّاح ذو عرف. وغمر تاديو إيسيدورو كروث إحساس بأنه كان قد عاش هذه اللحظة من قبل. وظهر الهارب خارجا من مخبئه ليقاتل. لمحه كروث، وكان مرآه مفزعا: بدا أن الشعر المفرط الطول وراء رقبته واللحية الشيباء يلتهمان وجهه. ويمنعنى دافع جلىّ تماما من أن أسرد تفاصيل القتال. ويكفى التذكير بأن الهارب جرح بشدة، أو قتل، العديد من رجال كروث. أما هذا نفسه، ففيما كان يقاتل فى الظلمة (فيما كان جسده يقاتل فى الظلمة)، بدأ يدرك. أدرك أنه ما من قَدَر أفضل من قَدَرَ آخر، غير أن كل رجل ينبغى أن يُبجِّل القَدَر الذى يحمله بداخله. أدرك أن الخيالة الآخرين وحتى زيّه عبء عليه الآن. أدرك قَدَره الحميم، قَدَر الذئب وليس قَدَر الكلب الأليف. أدرك أنه هو نفسه الرجل الآخر. وطلع الفجر على السهل الشاسع. ألقى كروث قبعته العسكرية على الأرض، وصرخ قائلا إنه لن يكون طرفـًا فى جريمة قتل رجل شجاع، وبدأ يقاتل الجنود جنبا إلى جنب مع طريد العدالة مارتن فييرو*.
 
 
 
 
 
خ. ل. بورخيس (الأرچنتين)
الانتظار
 
 
تركته سيارة الأجرة عند رقم أربعة آلاف وأربعة فى ذلك الشارع الكائن بالناحية الشمالية الشرقية فى بوينوس آيرس. كان الوقت قبل التاسعة صباحا؛ ولاحظ الرجل باستحسان أشجار الدلب المتناثرة، قطعة الأرض المربعة أسفل كل شجرة منها، البيوت المحترمة بشرفاتها الصغيرة، الصيدلية بجوارها، "سنبوكسات" الديكور الباهتة فى دكان الحدايد والبويات. وأطلّ حائط مستشفى طويل بلا نوافذ على الرصيف على الجانب الآخر من الشارع؛ وانعكست الشمس، إلى أسفل على مسافة أبعد، من بعض البيوت الزجاجية. فكر الرجل فى أن هذه الأشياء (التى كانت فى تلك اللحظة عشوائية وعرضية ولم تكن تتخذ أىّ نظام بعينه، مثل الأشياء التى نراها فى الأحلام) ستصير فى الوقت المناسب، إن شاء الرب، ثابتة وضرورية ومألوفة. وعلى نافذة الصيدلية كانت حروف من الپورسلين تؤلف اسم "بريسلاور"؛ كان اليهود يحلون محلّ الإيطاليين، الذين سبق أن حلوا محلّ الكريوليين. كان ذلك أفضل؛ فالرجل كان يفضل ألا يختلط بأناس من نوعه.
ساعده سائق السيارة على إنزال بدنه؛ أخيرا فتحت الباب امرأة ذات مظهر ذاهل أو مرهق. ومن مقعده، أعاد إليه سائق السيارة إحدى القطع النقدية، كانت قطعة عملة من أوروجواى قيمتها عشرون سنتاڤو ظلت فى جيبه منذ تلك الليلة فى الفندق فى ميلو. أعطاه الرجل أربعين سنتاڤو وأحسّ فى الحال: "ينبغى أن أتصرف بطريقة تجعل الجميع يغفرون لى. أنا ارتكبتُ خطأين: استخدمت قطعة نقدية أجنبية وأظهرت اهتماما بهذه الغلطة".
عبر، والمرأة تتقدمه، المدخل والباحة الأولى. وكانت الغرفة التى حجزوها له تطلّ، لحسن الحظ، على الباحة الثانية. وكان السرير من الحديد، وقد عدّل الصنايعى شكله إلى منحنيات رائعة تمثل أغصانًا وخيوط نباتات متسلقة؛ وكان هناك أيضا دولاب ملابس طويل من خشب الصنوبر، وكومودينو بأباچورة، ورفّ رُصَّتْ عليه الكتب على مستوى الأرضية، وكرسيان من نوعين مختلفين، ومنضدة اغتسال بحوضها، وجرّة، وطبق للصابون، وزجاجة من زجاج معكر اللون. وكانت الجدران مزينة بخريطة لمنطقة بوينوس آيرس وصليب؛ وكان ورق الحائط قرمزى اللون، برسوم لطواويس ضخمة مبسوطة الذيول. وكان الباب الوحيد مفتوحا على الباحة. وكان من الضرورى تغيير وضع الكراسى لإدخال البدن. استحسن نزيل الغرفة كل شيء؛ وعندما سألته المرأة عن اسمه، قال بيّارى، ليس كتحدٍّ خفىّ، وليس لتخفيف الإذلال الذى لم يشعر به فى الواقع، بل لأن ذلك الاسم كان يزعجه، لأنه كان من المستحيل عليه أن يفكر فى أىّ اسم آخر. ولم يُغره بالتأكيد ذلك الخطأ الأدبى المتمثل فى الاعتقاد أن انتحال اسم العدوّ قد يكون مناورة ذكية.
فى البداية، لم يغادر السيد بيّارى المنزل؛ وبعد أسابيع قليلة أخذ يخرج لفترة قصيرة ساعة الغروب. وذات ليلة دخل دار السينما على مبعدة ثلاثة صفوف من المبانى. ولم يذهب مطلقا إلى ما بعد صف المقاعد الأخير؛ وكان ينهض دائما قبل نهاية الفيلم بقليل. وكان يرى قصصا مأساوية من عالم الجريمة؛ كانت تلك القصص تنطوى، دون شك، على أخطاء؛ كانت تلك القصص تنطوى، دون شك، على صور كانت أيضا صور حياته السابقة؛ ولم ينتبه بيّارى إلى هذه الأشياء لأن فكرة وجود تطابق بين الفن والواقع كان غريبة عليه. وكان يحاول بخضوع أن يحب تلك الأشياء؛ وكان يود أن يحدس مغزى عرضها. وعلى خلاف الأشخاص الذين يقرأون روايات، لم ير نفسه مطلقا شخصية فى عمل فنى.
لم تصل من أجله لا رسائل ولا حتى نشرة عمومية، غير أنه كان يقرأ دائما بأمل مبهم أحد أقسام الجريدة. وكان، فى الأصائل، يضع أحد الكرسيين بجوار الباب فيصنع ويشرب "الماتيه"* بوقار، وعيناه مثبتتان على النبات المتسلق الذى يغطى حائط المبنى المجاور المتعدد الطوابق. كانت سنوات من العزلة علمته أن كل الأيام تميل، فى ذاكرة المرء، إلى أن تكون نفس الشيء، لكنها علمته أنه ليس هناك يوم واحد، لا فى السجن أو المستشفى، لا يأتى بمفاجآت، أو لا يمثل شبكة نصف شفافة من المفاجآت التافهة. وكان استسلم، فى حبسات أخرى، لإغراء عَدّ الأيام والساعات، لكن هذه الحبْسة كانت مختلفة، لأنه لم تكن لها نهاية ـ ما لم تأت الجريدة ذات صباح بأنباء عن موت أليخاندرو بيّارى. كما أن من الممكن أن يكون بيّارى قد مات بالفعل وفى تلك الحالة كانت هذه الحياة حلما. أزعجه هذا الإمكان، لأنه لم يستطع مطلقا أن يفهم تماما ما إذا كان ذلك يتراءى فَرَجًا أم بلاءً؛ وقال لنفسه أن ذلك مُحال فأسقطه من حسابه. وفى أيام بعيدة، وهى ليست بعيدة بسبب مرور الزمن بقدر ما هى كذلك بسبب عمليْن أو ثلاثة أعمال لا رجعة فيها، وكان قد رغب فى أشياء كثيرة بولع معدوم الضمير؛ وكانت هذه الإرادة القوية، التى سبق أن أثارت كراهية الرجال وحبّ بعض النساء، لم تعد تريد أىّ شيء بذاته: كانت تريد فقط أن تدوم، ألا تنتهى. نكهة "الماتيه"، نكهة التبغ الأسود، الخط المتطاول للظلال التى تغطى الباحة بالتدريج ـ كانت هذه حوافز كافية.
كان فى البيت كلب "وُولف"، وكان مُسنـًّا آنذاك. وتصادق بيّارى معه. كان يحادثه بالإسبانية، بالإيطالية، بكلمات قليلة كان لايزال يحتفظ بها من لهجة طفولته الريفية. وحاول بيّارى أن يعيش فى الحاضر الخالص، بلا أية ذكريات أو توقعات؛ وكانت الأولى لا تعنيه بقدر الأخيرة. وبطريقة غامضة، اعتقد أن بوسعه أن يرى أن الماضى هو المادة التى صُنع منها الزمن؛ ولهذا يستحيل الزمن إلى ماض فى الحال. وذات يوم كان ضجره أشبه بشعور بالرضا؛ وفى لحظات كهذه، لم يكن أكثر تعقيدا بكثير من الكلب.
ذات ليلة أبقاه تحرُّر حميم من الألم فى الجزء الخلفى من فمه ذاهلا مرتجفا. تكررت هذه المعجزة المرعبة خلال دقائق قليلة ثم مرة أخرى عند الفجر. وأرسل بيّارى، فى اليوم التالى، فى طلب سيارة أجرة تركته عند عيادة طبيب أسنان فى القسم رقم واحد. هناك تم خلع ضرسه. وفى سياق هذه المحنة لم يكن لا أكثر جبنا ولا أكثر هدوءًا من بقية الناس.
فى ليلة أخرى، وفيما كان عائدا من السينما، أحسّ بأن هناك من يدفعه. بغضب، باستياء، بارتياح خفىّ، واجه الشخص الوقح. وتلفظ بإهانة فظة؛ تمتم الرجل الآخر، مندهشا، باعتذار. كان طويلا، شابا، أسود الشعر، تصحبه امرأة تبدو ألمانية؛ فى تلك الليلة، كرّر بيّارى لنفسه أنه لا يعرفه. مع ذلك، مرت أربعة أو خمسة أيام قبل أن يخرج إلى الشارع.
بين الكتب على الرف كانت هناك نسخة من الكوميديا الإلهية، بالتعليق القديم بقلم أنديولى. ومدفوعا ليس بالفضول بقدر ما كان ذلك بشعور بالواجب، شرع بيّارى فى قراءة هذا العمل العظيم؛ قبل الغداء كان يقرأ نشيدا ثم، بترتيب صارم، الإشارات. ولم ير أن عقوبات الجحيم لا تصدَّق أو مفرطة ولم يعتقد أن دانتى كان يمكن أن يحكم عليه بالدائرة الأخيرة، حيث تقضم أسنان أوجولينو رقبة روجييرى إلى ما لا نهاية.
بدا أن الطواويس على ورق الحائط القرمزى مقدّر لها أن تكون موضوعا لكوابيس ملحّة، لكن السيد بيّارى لم يحلم مطلقا بشجرة رهيبة منسوجة بطريقة لا فكاك منها من طيور حية. وعند الفجر كان يحلم حلما جوهره هو نفسه، مع ظروف متغيرة. يدخل رجلان وبيّارى الغرفة بمسدسات أو يهاجمانه بعد مغادرته لدار السينما أو يصبحون ثلاثتهم جميعا دفعة واحدة الغريب الذى كان قد دفعه أو ينتظرانه بحزن فى الباحة ويبدو أنهما لا يتعرّفان عليه. وفى نهاية الحلم، يأخذ مسدسه من درج الكومودينو (وصحيح أنه كان يحتفظ بمسدس فى ذلك الدرج) ويفتح النار عليهما. وكانت توقظه ضوضاء السلاح، لكنه كان دائما حلما وفى حلم آخر كان يمكن أن يتكرر الهجوم وفى حلم آخر كان عليه أن يقتلهما مرة أخرى.
وفى صباح كثير الضباب فى شهر يوليو، أيقظه حضور شخصين غريبين (لا ضوضاء الباب عندما فتحاه). طويليْن وسط ظلال الغرفة، وبسيطيْن بصورة لافتة بفعل تلك الظلال (وكانا فى الأحلام المفزعة من قبل أكثر وضوحا دائما)، وحذريْن، وساكنيْن، وصبوريْن، وخافضيْن أعينهما وكأنها مجذوبة إلى أسفل بثقل أسلحتهما، كان أليخاندرو بيّارى ومعه غريب قد فاجآه أخيرا. بإشارة، طلب منهما أن ينتظرا وأدار وجهه إلى الحائط، كأنما ليستأنف نومه. هل فعل ذلك ليثير شفقه مَنْ قتلاه، أم لأن تحمـُّل حادث مفزع أقل صعوبة من تخيّله وانتظاره إلى ما لا نهاية، أم ـ وربما كان هذا هو الأرجح ـ حتى يصير القاتلان حلما، تماما كما سبق أن كانا مرارا، فى نفس المكان، فى نفس الساعة؟
كان تحت تأثير هذا السحر عندما أزاله الانفجار من الوجود.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
چوان جيمارانس روزا
الشاطئ الثالث للنهر
 
كان أبى رجلاً منقادًا، مطيعًا، مستقيمًا. ووفقـًا لأشخاص موثوقين عديدين استفسرتهم عنه، كان يتصف بهذه السجايا منذ المراهقة وحتى منذ الطفولة. وفى حدود ذكرياتى، لم يكن لا أكثر مرحًا ولا أكثر سوداوية من بقية الرجال الذين عرفناهم. ربما كان أهدأ قليلاً. وكانت أمى، وليس أبى، هى التى تحكم البيت. كانت توبّخنا كل يوم ـ أختى وأخى وأنا. غير أنه حدث ذات يوم أن أمر أبى بصُنع قارب له.
كان جادّا تماما بهذا الخصوص. وكان ينبغى صنعه من أجله خصيصا، من خشب الميموزا. وكان ينبغى أن يكون متينا بما يكفى للصمود عشرين أو ثلاثين سنة وألا يكون كبيرا إلا بما يكفى لأن يتسع لشخص واحد. وتذمرت أمى كثيرا لذلك. هل سيصبح زوجها صياد سمك فجأة؟ أو صيادا؟ ولم يقل أبى شيئا. وكان بيتنا على مسافة تقل عن ميل من النهر، الذى كان فى تلك الناحية عميقا، وهادئا، وعريضا حتى أنه لم يكن بوسعك أن ترى الشاطئ الآخر.
لا يمكننى أن أنسى اليوم الذى تم فيه تسليم القارب ذى المجدافين. لم يُظهر أبى ابتهاجا أو أىّ انفعال آخر. كل ما هناك أنه لبس قبعته كما كان يفعل دائما وقال لنا مع السلامة. لم يأخذ معه أىّ طعام أو ربطة من أىّ نوع. وتوقعنا من أمى أن توبّخ وتهاجم، لكنها لم تفعل. بدت شاحبة للغاية وعضّت على شفتها، وكان كل ما قالت: "إذا ذهبتَ بعيدا، ابْقَ بعيدا. لا تعُدْ أبدا!"
لم يردّ أبى أىّ ردّ. نظر إلىّ برقّة، وبإشارة طلب منى السير برفقته. خشيتُ أن تثور أمى غاضبة، لكننى أطعتُ بتلهف. اتجهنا معا إلى النهر. وأحسستُ بمزيد من الجرأة والبهجة فقلت: "أبى، هل ستأخذنى معك فى قاربك؟"
فقط نظر إلىّ، ودعا لى بأن يباركنى الرب، وبإشارة طلب منى أن أعود. تظاهرتُ بأننى سأفعل ما طلب لكننى، عندما أدار ظهره، تواريتُ وراء بعض الشجيرات لأراقبه. ركب أبى القارب وأخذ يجذَف مبتعدا. وزحف ظل القارب على الماء مثل تمساح، طويلا وهادئا.
لم يعد أبى. كذلك لم يذهب فى الواقع إلى أىّ مكان. فقط كان يجذّف ويطفو هنا وهناك فى عرض النهر. وارتاع الجميع. ما لم يحدث، ما لا يجوز أن يحدث، كان يحدث. وأقبل أقاربنا وجيراننا وأصدقاؤنا ليتشاوروا حول ذلك الحدث الخارق.
كانت أمى خجلة. ولم تقل سوى القليل وتصرفت برزانة بالغة. وبالتالى، اعتقد الجميع تقريبا (مع أن أحدا لم يقل ذلك) أن أبى أصابه الجنون. لكن قلة لـمّحوا إلى أن أبى ربما كان يفى بنذر نذره للرب أو لأحد القديسين، أو أنه ربما أصيب بمرض رهيب، ربما الجذام، وأنه رحل خوفا على الأسرة، راغبا فى الوقت ذاته فى أن يبقى قريبا منهم إلى حدّ ما.
وروى المسافرون بمحاذاة النهر والناس الذين يعيشون قرب الشاطئ على هذا الجانب أو ذاك أن أبى لم يضع قدمه على البر، فى نهار أو ليل. فقط كان يتنقل هنا وهناك فى النهر، متوحدا، هائما بلا هدف، مثل منبوذ. واتفق أقاربنا وأمى على أن الطعام الذى لا شك فى أنه كان خبّأه فى القارب سينفد فى القريب العاجل وعلى أنه عندئذ إما أن يغادر النهر ويرحل بعيدا إلى مكان ما (الأمر الذى سيكون على الأقل أكثر احتراما بعض الشىء) أو أن يندم ويعود إلى البيت.
وكم كانوا بعيدين عن الحقيقة! كان لأبى مصدر سرى للإمداد بالطعام: أنا. فكل يوم كنت أسرق الطعام وأحمله إليه. وفى الليلة الأولى بعد رحيله، أوقدنا جميعا النار على الشاطئ وصليْنا وظللنا ننادى عليه. كنت بالغ الحزن وأحسست بحاجة إلى أن أفعل شيئا أكثر. وفى اليوم التالى نزلتُ إلى الشاطئ برغيف من خبز الذرة، وسباطة من الموز، وبعض قوالب السكر الخام الأسمر. وانتظرتُ بتلهف ساعة طويلة طويلة. ثم رأيت القارب، بعيدا جدا، وحيدا، ينساب بهدوء لا تكاد تدركه العين فوق السطح الهادئ للنهر. كان أبى يجلس فى قاع القارب. رآنى لكنه لم يجذّف نحوى ولم يأت بأى بادرة. أظهرت له الطعام ثم وضعته فى صخرة مجوفة على شاطئ النهر؛ فكان هناك بمأمن من الحيوانات، والمطر، والندى. وفعلت ذلك كل يوم، وظللت أفعله بلا انقطاع. وعلمتُ فيما بعد، لدهشتى، أن أمى كانت تعرف ما كنت أفعل فكانت تترك الطعام هنا وهناك حيث يمكننى أن أسرقه بسهولة. كان لديها الكثير من المشاعر التى لم تفصح عنها.
وأرسلت أمى فى طلب أخيها ليأتى ويساعد فى المزرعة وفى شئون العمل. وأتت بالمدرّس ليدرّسنا نحن الأطفال فى البيت لتعويض الوقت الذى أضعناه. وذات يوم، وبناء على طلبها، ارتدى القسيس أرديته ونزل إلى الشاطئ، وحاول أن يطرد الشياطين التى حلت بأبى. وصرخ بقوله إن من واجب أبى أن يكف عن عناده الأثيم. وفى يوم آخر رتبتْ للمجىء بجنديَّيْن ليحاولا تخويفه. كل ذلك بلا طائل. ذلك أن أبى كان يمر بعيدا، وأحيانا بعيدا جدا حتى أنه كان يُرى بالكاد. ولم يردّ على أحد ولم يقترب منه مطلقا أحد. وعندما أتى بعض رجال الصحافة فى لَنش ليلتقطوا له صورة، وجّه أبى قاربه إلى الجانب الآخر للنهر وإلى داخل المستنقعات، التى كان يعرفها مثل كفّ يده لكن التى سرعان ما كان يتوه فيها غيره. وهناك فى متاهته الخصوصية، التى امتدّت على مدى أميال، بأوراق النبات الثقيلة التى ترتفع إلى ما فوق الرأس وبالحَلْفاء على كل جانب، كان آمنا.
وكان علينا أن نعتاد فكرة أن أبى هناك فى عرض النهر. كان علينا لكننا لم نستطع، لم نستطع مطلقا. وأعتقد أننى الشخص الوحيد الذى فهم إلى حدّ ما ما أراده وما لم يُردْه أبى. الشىء الذى لم أفهمه مطلقا هو كيف صمد لكل ذلك العناء. نهارا وليلا، فى الشمس والمطر، فى الحرّ وفى زمهرير الشتاء المفزع، بقبعته القديمة على رأسه وبقليل جدا من الملابس الأخرى، أسبوعا بعد أسبوع، شهرا بعد شهر، سنة بعد سنة، دون أن يُبالى بالفراغ والخواء اللذين كانت تنزلق إليهما حياته. لم يضع قدمه مطلقا على أرض جرداء أو معشوشبة، على جزيرة أو شاطئ برّ. ولا شك فى أنه كان يربط قاربه أحيانا فى مكان خفىّ، ربما عند رأس جزيرة ما، ليغفو قليلا. لم يوقد نارا قط أو حتى يشعل ثقابا ولم يكن لديه حتى بطارية صغيرة. وكان لا يأخذ سوى جانب ضئيل من الطعام الذى كنت أتركه فى الصخرة المجوفة ـ ولم يكن كافيا، فيما بدا لى، لمجرّد البقاء على قيد الحياة. ماذا كان يمكن لحالته الصحية أن تكون؟ وماذا عن الاستنزاف المتواصل لطاقته، وهو يشدّ ويدفع المجذافين ليتحكم فى القارب؟ وكيف نجا من الفيضانات السنوية، عندما كان النهر يفيض فيجرف معه كل أنواع الأشياء الخطرة ـ أغصان الشجر، جثث الحيوانات ـ التى كان يمكن أن ترتطم فجأة بقاربه الصغير؟
لم يتحدث مطلقا مع كائن حىّ. ولم نتحدث عنه مطلقا. كنا فقط نفكر. لا، لم نستطع قط أن نُخرج أبانا من رأسنا. وإنْ بدا لفترة قصيرة أننا نفعل، فإن ذلك لم يكن سوى خمود مؤقت كان لابد أن يُفيقنا منه بحدّة إدراك وضعه المريع.
تزوجت أختى، غير أن أمى رفضت إقامة حفل زفاف. كان ذلك سيغدو أمرا حزينا، ذلك أننا كنا نفكر فيه كلما أكلنا طعاما شهيّا بوجه خاص. تماما كما فكرنا فيه ونحن فى فراشنا الحميم الدافئ فى ليلة عاصفة باردة ـ هناك فى الخارج، وحيدا وبلا رعاية، يحاول أن ينزح الماء من القارب بيديه وبقرعة مجوفة لا غير. ومن حين لآخر كان يقول شخص ما إننى أزداد شبها بأبى أكثر فأكثر. لكننى كنت أعرف أنه فى ذلك الوقت كان لابد أن شعره ولحيته أصبحا أشعثيْن وأظافره طويلة. وتخيّلته نحيلا وعليلا، أسود بالشعر وبلفحة الشمس، وعاريا تقريبا رغم الملابس التى كنت أتركها له من حين لآخر.
كان لا يبدو أنه يهتم بنا على الإطلاق. لكننى أحسستُ نحوه بالمحبة والاحترام، وكلما امتدحونى لأننى فعلت شيئا ما طيبا، كنت أقول: "علمنى أبى أن أتصرّف بهذه الطريقة."
ولم أكن دقيقا تماما لكنه كان نوعا صادقا من الكذب. وكما قلت، كان لا يبدو أن أبى يهتم بنا. لكن لماذا إذن يبقى هناك بالقرب منا؟ لماذا لم يرحل صاعدا فى النهر أو هابطا فى النهر، بعيدا عن إمكانية أن يرانا أو نراه؟ كان وحده يعلم الإجابة.
رُزقتْ أختى بمولود. وأصرّتْ على أن ترى أبى حفيده. وذات يوم جميل نزلنا جميعا إلى شاطئ النهر، وكانت أختى فى فستان زفافها الأبيض، ورفعتْ المولود عاليا. وكان زوجها يمسك بشمسية فوقهما. نادينا صائحين على أبى وانتظرنا. لم يظهر. بكت أختى؛ وبكينا جميعا كلٌّ منا بين ذراعىْ الآخر.
رحلتْ أختى وزوجها بعيدا. ورحل أخى ليعيش فى مدينة. تغيّر الزمن، بسرعته المعتادة غير الملحوظة. وأخيرا رحلتْ أمى، كانت عجوزا وذهبت لتعيش مع ابنتها. وبقيتُ أنا، فضلة متخلفة. لم يكن بوسعى على الإطلاق أن أفكر فى الزواج. فقط بقيتُ هناك مع أثقال حياتى. كان أبى، وهو يطوف وحيدا ويائسا فى عرض النهر، يحتاج إلىّ. كنتُ أعلم أنه يحتاج إلىّ، رغم أنه حتى لم يخبرنى مطلقا لماذا يفعل ما كان يفعل. وعندما طرحتُ هذا السؤال على الناس بصراحة وإلحاح، كان كل ما قالوه لى هو أنهم سمعوا أن أبى شرح السبب للرجل الذى صنع القارب. لكن هذا الرجل كان فى ذلك الحين قد مات ولا أحد كان يعلم أو يتذكر شيئا. فقط كان هناك كلام أحمق، خاصة عندما كانت الأمطار تسقط ثقيلة ومتواصلة، مؤداه أن أبى كان حكيما مثل نوح وأنه أمر بصُنع القارب تحسُّبا لطوفان جديد؛ وأنا أتذكر تذكـُّرا باهتا أشخاصا كانوا يقولون هذا. وعلى أية حال، أنا لن أدين أبى على ما كان يفعل. وكان شعرى بدأ يشيب.
لم يعد لدىّ سوى أشياء حزينة أقولها. ماذا كنتُ قد فعلت، ماذا كان ذنبى الكبير؟ أبى دائما بعيد وغيابه دائما معى. والنهر، النهر دائما، يجدّد نفسه دائما أبدا. النهر، دائما. وكنت بدأت أعانى من الشيخوخة، التى تكون فيها الحياة مجرد نوع من التلكؤ. أصابتنى نوبات من المرض ومن القلق. أصابنى روماتيزم مزمن مزعج. وهو؟ لماذا، لماذا كان يفعل ما كان يفعل؟ لابد أنه كان يعانى معاناة مفزعة. وكان عجوزا للغاية. وربما خذلته قواه، ذات يوم، ليترك القارب ينقلب؛ أو ربما ترك التيار يحمله مع مجرى النهر، فيظل يجرفه، إلى أن يندفع من فوق الشلال فيغوص فى الخضمّ الهائج تحته. ضغط كل هذا على قلبى. كان هو هناك فى عرض النهر وكنت أنا قد سُرقتْ منى طمأنينتى إلى الأبد. إننى مذنب لا أدرى بماذا، وألمى جرح مفتوح بداخلى. وربما كنتُ عرفت ـ لو كانت الأمور مختلفة. لقد بدأت أخمّن أين كان مكمن الخطأ.
قلها! أصابنى الجنون؟ لا، تلك الكلمة لم تنطق فى بيتنا أبدا، أبدا على مرّ السنين. لا أحد وصف أحدا بأنه مجنون، لأنه لا أحد مجنون. أو ربما الجميع. كان كل ما فعلت هو أننى ذهبت إلى هناك ولوّحت بمنديل حتى يكون من المحتمل أكثر أن يرانى. كنتُ كامل السيطرة على نفسى. انتظرت. أخيرا ظهر من بعيد، هناك، ثم هنالك، شبحا معتما يجلس فى مؤخرة القارب. ناديتُ عليه مرارا. وقلتُ ما كنت شديد التلهف على قوله، لأعلنه رسميا، وأُقسم عليه. قلته بصوت عال بأقصى ما استطعت:
"أبى، بقيتَ عندك طويلا بما فيه الكفاية. أنت الآن عجوز .. .. عُدْ، لا ينبغى أن تستمر فيما تفعل .. .. عُدْ وسأذهب أنا بدلا منك. الآن فورا، إن شئت. فى أىّ وقت. سأركب القارب. سآخذ مكانك."
عندما انتهيت من قول هذا خفق قلبى بمزيد من العزم.
سمعنى. هبّ واقفا. ناور بمجذافيْه ووجّه القارب نحوى. لقد قبل العرض. وفجأة ارتجفت، فى أعمق أعماقى. ذلك أنه رفع ذراعه ولوّح ـ للمرة الأولى منذ سنين طويلة جدا، طويلة جدا. ولم أقدر .. فى فزع، وشعرى واقف، جريت، فررت بجنون. ذلك أنه بدا أنه آت من عالم آخر. وأنا ألتمس الصفح، ألتمس، ألتمس.
ذقتُ الإحساس المريع بالبرد، الذى يأتى من الخوف القاتل، ومرضت. لا أحد رآه أو سمع عنه مطلقا بعد ذلك. هل أنا رجل، بعد كل هذه الخيبة؟ أنا ما كان لا ينبغى أبدا أن يكون. أنا ما يجب أن يبقى صامتا. أعرف أنه فات الأوان. ينبغى أن أبقى فى صحارى حياتى وسهولها التى لا تراها العين. وأخشى أننى سأقصّر هذه الحياة. لكنْ عندما يأتى الموت أريد أن يأخذونى ويضعونى فى قارب صغير فى هذه المياه الأبدية بين الشاطئيْن الطويليْن؛ وأنا، فى قاع النهر، ضائعا فى النهر، بداخل النهر ... النهر ...
  
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
ديناىْ سيلفيرا ده كيروس
تارسيزو
 
 
كانت ضيعة آل ڤيلارس تبدأ بعد الجسر الرمادى مباشرة. وكانت هناك أشجار صفصاف بابيلون قليلة تميل نحو الحائط، متدلية إلى الأرض الترابية وكأنها تلتمس الراحة من معاناتها. وأثارت ريح مهدهدة دافئة أوراق الشجر فى الأغصان العليا وهزّت نوافذ البيت وكأنها أرادت أن تفتحها عنوة.
كان البستانى يقتلع بعض الأعشاب الضارة، منحنيا على الأرض. وكان يقوم بذلك بعناية فائقة لكى لا يؤذى الزهور. ومن حين لآخر كان ينظر إلى السماء. وكانت الأرض بحاجة ماسة إلى الماء، ولم يكن هناك شىء سوى تلك الريح المدمرة الجافة التى هبّت بلا رحمة على النباتات وعلى البشر.
انفتح الباب الأمامى للبيت وظهرت مانينيا، رقيقة، طويلة، شاحبة، وكان شعرها يتطاير وفستانها الأبيض يرفرف فى الريح مثل جناح.
"إذا رأيت سيارة تعبر الجسر"، قالت، "اصرخْ وحذرهم من المصرف".
"حاضر"، أجاب البستانى، "سأحذرهم. انتظرى عندك قليلا، يا آنسة!"
ونهض واقفا، ممسكا بباقة من الزهور الحمراء. وكانت الزهور كبيرة ومنتفخة وغضة حتى أنها بدتْ صناعية تقريبا.
"إنها متينة، يا آنسة. ليست هناك ريح قوية بما يكفى لاقتلاعها".
ابتسمت مانينيا شاكرة، وأخذت الزهور، وأسرعت عائدة إلى البيت. وعندما دخلتْ حجرة الجلوس، أحسّتْ بنفس الجو المزعج المتوتر كما كان عندما غادرتها قبل ذلك بدقائق قليلة. ذلك أن أمها وأباها كانا لا يزالان يتجادلان بطريقتهما الخاصة. كان يجرحان بعضهما بصفة مستمرة فى سياق حرب كانت فى آن معا رهيبة ومكبوحة على نحو غريب. لا صياح، لا بكاء، لا انفجارات غضب مفاجئة. بل معركة منهجية باردة كانت كل إشارة فيها مدروسة، وكل كلمة محسوبة، لا طائشة أو انفعالية بحال من الأحوال. مرّتْ مانينيا عبر الحجرة، بأثاثها الثقيل الداكن، كنسمة خفيفة كلها بيضاء لولا البقعة الحمراء من الزهور فى يدها. صعدت على السلم الحديدى. وهناك فى الأسفل، قال كارلوس ڤيلارس لزوجته، وعيناه على ابنته:
"أنا أعرف الغرض من تلك الزهور، طبعا. الصبى مريض، ربما مرضا خطيرا جدا، وكل ما يمكنك أن تفكرى فيه هو أن ترسلى ابنتك لاسترضاء القديسين بهبة. وربما شُفى الصبى على الرغم منك".
قال كارلوس هذا بلهجة ساخرة، وسحبتْ شفتاه الرفيعتان ما كان المقصود به ابتسامة. وبالنسبة لزوجته، لويزا، كانت هذه الكلمات نوعا من الخيانة. رفعتْ وجهها النحيل وتفرّستْ فيه من زاوية عينها مثل طائر يوشك على مهاجمة فريسته بمنقاره.
"إنها زهور من أجل المذبح الذى صنعه تارسيزو بنفسه عندما كان صبيا صغيرا. كان ابنك مؤمنا؛ وكان مطمئن البال. أنت الذى دفعته إلى الشك، أنت بماديتك وبخُطبك المبتذلة. لم يكن إيمانى، ولم تكن الزهور التى وضعناها مانينيا وأنا عند قدمىْ السيدة العذراء، ما شوّش عقل الصبى، وأضله. إنه أنت! ›أريد أن يكون ابنى أسعد مما كنتُ أنا، أن يحصل من الحياة على سعادة أكبر. خُذ كل النقود التى تريدها، يا بنى! لم تكن لدىّ أية نقود على الإطلاق عندما كنتُ فى عمرك. اذهبْ وتمتع بوقت طيب. افلتْ من هذا الالتصاق بأمك‹. تذكّرْ فقط ... تذكّرْ فقط، أنت الذى خلقت هذه الأزمة لتارسيزو ـ أنت ونصائحك الرائعة".
فكّ كارلوس ڤيلارس أزرار جاكتته وأخذ يذهب ويجىء بخطى واسعة. وكانت خطاه هادئة ومحسوبة.
"نعم، شرحتُ له بعض الأمور. طبعا. لم يكن بوسعى أن أترك ابنى يصبح .. مخنثا. ما أكثر ما نظرت إلى الصبى ـ وهو فى مثل طولى تقريبا، رجل ناضج تقريبا ـ وخجلتُ منه، من جبنه الذى لا يُصدّق".
عندئذ أدارت لويزا وجهها النحيل نحو زوجها وحدجته بنظرة قاسية.
"لقد ضحّيتَ بالصبى لإرضاء غرورك أنت. الحقيقة هى أنك أحسست فجأة بأن تارسيزو متعلق بى. كان ينتمى إلىّ! لا شىء من فصاحتك، لا شىء من ماديتك الفظة، كان من شأنه أن يقنعه. كان ما فعلته أنت ... إجراميا. نعم! أنا أقولها واضحة وجلية وأنا أتحمل مسئولية ما أقول: أنت أمرضت الصبى، ربما لبقية عمره!"
"ليس هناك جنون فى أسرتى. هل يمكنك أن تقولى نفس الشىء؟ عمك ذلك الذى ارتدى رداء الكهنوت وخرج إلى الشارع يتسول المحبة من أجل الفقراء! لقد بدّد ماله، منحه لأى متشرد كان بوسعه أن يلقاه. الناس فى أسرتى أسوياء".
اختلج وجه لويزا غير أن صوتها كان حازما وقاسيا.
"أنتَ؟ … أنت لم تتصرف مطلقا كما ينبغى لأب. لقد أطلعته على الكتب الفاضحة ... صحيح أنك لم تطلعه عليها مباشرة، لقد اكتفيت بتركها حوله هنا وهناك حيث كنت تعلم أنه سيراها. بالنسبة لتارسيزو، بالنسبة لصبى فى براءته، كان كل سلوكك صدمة مستمرة. هذه هى كل مشكلة الصبى".
مرّ كارلوس بيده على رأسه الوسيم ذى الشعر الأشيب.
"عندما يصل الدكتور لايرتس إلى هنا، نادينى فى الحال".
لم يحدث مطلقا من قبل أن بدتْ لويزا شبيهة إلى هذا الحد بطائر عدوانى. ارتفع صوتها درجة: "أنا طلبت الأب نيكولاو. حقوقى مساوية لحقوقك. أنت تعتقد أن تارسيزو يحتاج إلى طبيب. أنا أعتقد أنه يحتاج إلى قسيس".
كان زوجها يوشك على صعود السلالم.
"يا للصبى المسكين! يؤسفنى لجوئك إلى حشر الأب نيكولاو فى هذا الموضوع. طريقته تلك ـ ولا أدرى أهو الحرص أم الغباء ـ فى التفكير نصف ساعة قبل أن يقول أىّ شىء. اطلبى أىّ شخص تشائين، اطلبى البستانى إن شئت ـ ما دام الدكتور لايرتس سيأتى. هذا هو الشىء المهم".
صعد كارلوس ببطء على السلالم، ومرّ بمانينيا، التى كانت تنزل مسرعة إلى أمها. ولو أنه نظر إليها لرأى أنها كانت منزعجة. وبمجرّد أن دخل أبوها حجرة تارسيزو، قالت مانينيا: "ماما، أقسمتُ أننى لن أخبر أحدا ولكننى سأخبرك على أىّ حال. الآن أعرف الأمر برمته. لقد أخبرنى!"
"هل فعل شيئا ما ... مخيفا عندما خرج؟ ما هو؟ أخبرينى، لكن تكلمى بصوت خافت حتى لا يسمع أبوك".
"شىء مرعب، يا ماما. لا أعتقد أنه فعل هذا حقا. لا أدرى. لكنه أراد أن يفعله".
رفعت مانينيا عينيها ونظرت إلى باب تارسيزو. كان مغلقا، لم يكن هناك خطر.
"بدأ الأمر كله ببعض الأحلام التى رآها. هل تتذكرين عندما اعتاد البقاء فوق يستذكر، ليلة بعد ليلة؟ أنت كنت غاضبة منه، أما هو فقال إنه لم يكن ميالا إلى النوم. حسنا، الحقيقة هى ... أنه لم يرغب فى النوم. كان يخشى أن يرى كوابيس. ماما، لماذا يتعين على شخص طيب مثل تارسيزو أن يعانى هكذا؟"
دق جرس الباب.
"لابد أنه الدكتور لايرتس"، قالت لويزا. "أخبرينى بالباقى فيما بعد".
سارت مسرعة إلى واجهة البيت. ولدهشتها كان الأب نيكولاو هو القادم.
"جئتُ بأسرع ... ما أمكننى". كان يتوقف كل ثانيتين ليتنفس. "وصّلنى الكولونيل جوليانو ... بسيارته ... ما المشكلة؟"
غاص متثاقلا فى كرسى مريح قبل أن تجد لويزا فرصة لتدعوه إلى الجلوس.
"هذه الريح ... ليست طيبة بالنسبة لى ... السيارة كادت ... تقع فى مصرف ... بعد ذلك مباشرة ... حذرنا منه ... بستانيكم".
"أنا آسفة جدا. لكن لحسن الحظ كان كل ما هناك مجرّد ‹خَضَّة‹، أليس كذلك؟ لم يُصب أحد بسوء".
"هذا صحيح. والآن أخبرينى ... ما الأمر؟ … هناك مشكلة؟ ... هذه السيدة الشابة ...؟"
"المشكلة لا تخصنى"، قالت مانينيا. "إنها تخصّ أخى تارسيزو".
قاطعتها لويزا بإشارة خشنة.
"تارسيزو يتصرف منذ بعض الوقت بطريقة غريبة"، قالت للقسيس بصوت خافت. "يعتقد زوجى أنه مريض. أحيانا يفرّ من البيت دون أن يقول لنا إلى أين هو ذاهب، وبعد أن يعود لا يتكلم مع أحد لعدة ساعات".
"آه!" قال الأب نيكولاو. "هكذا، إذن، تارسيزو ... الذى اعتاد أن يلعب القداس ... عندما كان صغيرا ... يفرّ بطريقة غامضة؟"
"نحن نعتقد ... أنه ربما كانت هناك فتاة".
"نحن نعتقد أنه ربما كانت له علاقة غرامية"، قالت مانينيا برزانة أخت كبرى.
ابتسم القسيس.
"لابد أن الأمر كذلك ... إفراط فى الحب المراهق ... ربما دلع ... دلع زيادة عن اللزوم".
"ماما، هل يمكننى أن أتكلم الآن؟ هل يمكننى أن أخبر الأب نيكولاو؟"
"طبعا، يا مانينيا، لكن بصوت خافت. قد يسمعك أبوك".
"أيها الأب نيكولاو"، بدأت مانينيا، "إنه شىء فظيع. لا أدرى كيف أبدأ".
"طفلتى، تخيّلى ... أنك على كرسى الاعتراف .... لا تخافى".
"إنها كوابيس تارسيزو. فى البداية كان دائما يبذل جهدا ويوقظ نفسه .... لكنه بعد فترة أصبح يترك نفسه ليستمر فى النوم ويحلم. كان ذلك مريعا".
نظرت عيناها المرتعبتان إلى القسيس، ثم إلى أمها، ثم إلى القسيس من جديد.
"رأى رجالا تغطى القروح أجسادهم. رجالا بلا وجوه. بعضهم يتدلى اللحم من عظامهم العارية مثل خرق بالية. رأى أرجلا متورمة، أرجلا مصابة بالغرغرينة. رأى شفاها أكلتها القروح. رأى دمامل يقطر منها الصديد. والأسوأ ...."
كانت عينا مانينيا فى تلك اللحظة تغشاهما الدموع.
"... أسوأ ما فى الأمر هو أن تارسيزو أحب كل ذلك. ليتنى أفهم. قال لى: ›مانينيا، لا أريد أن أخفى عنك أية أسرار‹. هل يمكننى أن أخبرك بما قال بالضبط، أيها الأب نيكولاو، هل يمكننى أن أخبرك مهما كان الأمر فظيعا؟ قال: › لم تجذبنى بهذا القدر ولا واحدة من تلك الصور التى فى الكتب والتى يعدّ النظر إليها خطيئة. وبدلا من الإحساس بالاشمئزاز، رغبتُ فى أن ألمس تلك القروح … أن أقبّلها ... أن أغمس أصابعى فى الصديد‹."
ساد صمت. ثم واصلت مانينيا: "يقول تارسيزو أن إحساسه لم يكن هكذا فى البداية. لقد رأى أولئك الرجال المرعبين أمامه ..."
زمّت لويزا شفتيها. ثم قالت بصوت ذاهل خافت: "ولدى الصغير المسكين!"
احمرّ وجه الأب نيكولاو. كان يتنفس بصعوبة وبدا أنه على شفا الإصابة بالسكتة الدماغية.
"ثم ماذا؟" قال بصعوبة.
كان من الممكن أن يُسمع صوت باب يُفتح.
"بعد ذلك، بدأت الأحلام توغل فى التخليط والتشوّش: أولئك الرجال الذين تغطى القروح أجسادهم أخذوا يتحولون إلى صغار جدا، صغار جدا، وأحسّ تارسيزو بأنه ضخم وقوى. كانوا يضعون أذرعة هياكلهم العظمية حوله ويطلبون المحبة أو شيئا ما. لم يعرف تارسيزو ما هو بالضبط. ›لا تتركنا! لا تتركنا!‹ هكذا كانوا يصيحون. وكان تارسيزو سعيدا بأن يدعهم يحضنونه ويقبّلونه، ورغب فى أن يقبّلهم بدوره. كانت لديه رغبة مجنونة فى أن يكون مثلهم، أن يكون واحدا منهم. لم يستطع أخى أن يشرح كيف كان إحساسه بالضبط، ماذا كان بالضبط ذلك الانجذاب المفزع ... غير أنه أصيب فجأة بالخوف، وولى الأدبار. وجرى الرجال القصار ذوو القروح وراءه مثل جمع من الأقزام المفزعين. وظلوا يمسكون برجليْه ..."
"هكذا كان الأمر إذن!" كان كارلوس يقف ممتقع الوجه للغاية، أمام مانينيا.
"أخبرى أباك"، قال. "كان ينبغى أن أعرف. كان ينبغى ... لن يحدث شىء. لن أفعل شيئا. لكن ينبغى أن أعرف. لماذا ينبغى أن يعرف الأب نيكولاو ما يدور فى هذا البيت أكثر مما أعرف؟ لماذا تخفون جميعا أشياء عنى؟ هيا، تكلمى!"
"هذا كل ما هناك، يا بابا. باستثناء أنه كل صباح بعد تلك الأحلام المفزعة، أراد تارسيزو ... أن يذهب إلى الكنيسة".
هزّ كارلوس رأسه غاضبا.
"أنا لست مندهشا. استمرّى".
"عندما وصل إلى سلالم الكنيسة، ما كان منه إلا أن وقف هناك ينظر إلى الشحاذين. كان مفتونا بهم. أنت تعرف تلك المرأة المصابة بالحُمْرة [مرض جلدى]، ذات الساق المتورّمة؛ والرجل ذا القرحة الضخمة بدلا من أنف … وقف تارسيزو هنالك ينظر إليهما. وأحسّ فى دخيلة نفسه بأنه يرغب فى أن يقبلهما، أن يتحسس القرحة بأصابعه، أن يربّت على الساق المتورمة. ثم كان يستدير ويجرى وهو يقول: › يا لطيف، أنقذنى! سأجَنّ!‹ وذات ليلة ظل يحلم طول الليل، أحلاما كانت كلها مشوّشة، بأصوات مبهمة تناديه. لا أدرى ... وعندما جاء الصباح واصل أحلامه، وعيناه مفتوحتان، وهو يدور حول نفسه وكأن شخصا ما كان يدفعه".
نظر كارلوس إلى لويزا بوجه تعلوه سيماء تعبّر فى آن معا عن الظفر واليأس.
"ألم أقل لك؟ ألا يزال رأيك أننى الملوم؟" ثم مستديرا إلى الأب نيكولاو: "اعتقدتْ لويزا أن أشياء بعينها قلتها أنا لابنى صدمته وأضلته. اعتقدتْ ـ هل تتصور؟ ـ أن ما أسمته مادّيتى كان وراء كل متاعب الصبى. قل لها إن هذا الشىء الذى حدث لتارسيزو مرض، مرض، وأننى لستُ مسئولا عنه. يمكنك أن تدرك هذا!"
كان الأب نيكولاو مضطربا.
"أحيانا"، قال، "كلٌّ من ... الأب والأم ... من فرط الحب ... يمكن أن يؤذى ... يمكن أن يُسبّب اضطرابا فى عقل طفل ... إنهما يريدان أن يطبعا روحيْهما ... على روح الطفل ... كل منهما يحاول أن يطبع صورته على قلب الطفل .... إنهما يريدان أن يدمرا روحه ... هذه أنانية طبيعية، لكنْ أحيانا ..."
خفضت لويزا عينيها. "أيها الأب نيكولاو"، قالت. "لنذهبْ إلى الصبى".
"تارسيزو نائم"، قال كارلوس. "إنه مرهق للغاية. لا ينبغى أن توقظوه".
"لماذا لم يأت الدكتور!" قالت مانينيا. "قال لى تارسيزو إنه يحس بداخله بقوة هائلة. وهو يقول إنه سيرحل ولا يعلم إلى أين، وهو خائف .. لقد أقفلتُ بابه بالمفتاح".
الأب نيكولاو، مبلبل الفكر بصورة ملحوظة، أخذ يطلق الكلمات كيفما اتفق: "الصبى كان يبدو دائما ... هادئا ... سويًّا ..." ثم مستديرا إلى لويزا: "ابنتى، الرب هو الخير، هو اللطف .... بدلا من أن تتجادلى مع زوجك ... ينبغى أن تحاولى الاتفاق معه على حل وسط ... أنت وزوجك لا ينبغى أن تظهرا لتارسيزو أنكما على خلاف .... لابد أن هذا أضرّ بالصبى بالتأكيد .... يا للمسكين، لم يعرف إلى جانب أيكما يقف .... وفى غمار حيرته ... أصبح عقله مشوشا .... هذا ما حدث .... هل توافق يا كارلوس؟ … ألا توافق؟ … كما أن من الأهمية بمكان … ألا تنسى فى هذه اللحظة … قوة الصلاة ...."
غير أن كارلوس حدج لويزا بنظرة ملؤها الاتهام. وبدا أنها تعنى: "ألم أقل لكِ هذا؟"
فتحت مانينيا الباب الأمامى. أخذ الوقت يتأخر. وكانت الريح لا تزال تهبّ. وكانت تفكر فى أن الدكتور لايرتس لابد أن يصل فى أىّ لحظة.
كانت السيارة تتحرك ببطء شديد. انحنى رجل إلى الخارج من نافذة المقعد الأمامى.
"الزمْ هذه الناحية"، صاح البستانى. "هذه الجهة".
بعد أن عبرتْ السيارة الجسر توقفتْ وخرج منها الرجل.
"أنا عرفتك"، قال، "بمجرّد أن ..."
شحب وجه البستانى.
"دكتور لايرتس!"
"نعم، إنه أنا. هل ظننت أن بوسعك أن تهرب من المستشفى ثم لا يُقبض عليك؟"
كانت الحالة البدنية للدكتور تعبّر عن السلطة والاختصاص، مثل حالة ضابط جيش.
"لماذا فعلت هذا؟ أنت تستحق العقاب. ينبغى أن أرسل سيارة الإسعاف إلى هنا وأضعك بداخلها، بلا تردد وأمام الجميع، ثم أحبسك، أحبسك فى زنزانة".
"دكتور ... أنا لستُ مريضا ..."
نظر إلى الطبيب متوسلا ووضع يديه خلف ظهره.
"أنت مريض. أنت تعرف هذا كما أعرف أنا. لا تـُخْفِ يديك. هل تظن أنه يمكنك أن تخدعنى؟"
ارتجف البستانى من فرط الانفعال.
"أنا الآن أكبر سنا من أن أعتاد العيش فى مستشفى .... ثلاثون سنة وأنا أفلح الأرض وأعتنى بالزهور. أوه، يا دكتور، يالها من حياة حزينة لشخص مسكين مثلى لا يعرف القراءة ولا يحب الاستماع إلى الراديو طوال اليوم. يا دكتور لايرتس ... أستحلفك بالرب الذى فى السماء، لا تجبرنى على العودة!"
وانفجر الرجل باكيا، مثل طفل. ثم واصل: "لا ينبغى أن تخشى شيئا. أنا لا أعيش فى الواقع مع الأسرة. لى حجرتى الخاصة بعيدا خلف البيت. لى أطباقى الخاصة. وأنا أطبخ وجباتى الخاصة ..."
"لا فائدة"، قال الدكتور. "إذا لم تذهب معى الآن، سيكون هذا أسوأ لك. سأرسل فى طلب سيارة الإسعاف!"
مسح الرجل المريض عينيه بكـُمَّىْ قميصه.
"لستُ هنا من أجل النقود التى يدفعونها لى. لستُ هنا حتى لكونى حرّا فى أن أتجول فى أىّ مكان شئت ... أنا هنا لأننى أحب النباتات الصغيرة التى خلقها الرب. ومن أجل الصبى. إنه يخرج إلى هنا ونتحادث .... ورحمة أمى، لم أر مطلقا طفلا مثل هذا! إننى أحبه مثل ... ابن. لكن، يا دكتور، صدّقنى، نحن نتحادث فقط، تماما كما أتحادث معك الآن. وأنا لا ألمسه أبدا بيدىّ".
نظر الدكتور إلى ساعته وتجهّم.
"استعدّ ودعنا نذهب. أنا أعنى ما قلت. إن شئت، اخترع ذريعة من نوع ما للرحيل. لكن أسرع!"
ثم سار الدكتور لايرتس بصرامة نحو البيت.
عندما وصل البستانى إلى باب حجرته، تردد. ثم استدار وشرع فى صعود السلالم الخلفية.
أحسّ البستانى بالعرق يسيل على وجهه وكأنه كان يحمل حِملا ثقيلا للغاية. طرق الباب برفق. ثم وضع يده على الأكرة، لكنْ قبل أن يجد الوقت ليديرها انفتح الباب. ربما كانت الريح السبب. وأشرق نوع غامض من النور على السرير الخشبى من النافذة العليا نصف المغلقة.
اقترب البستانى ببطء من السرير. كان جبينه يختلج. "الصبى نائم"، فكر. "ربنا يحميه، ربنا يحميه!"
فتح تارسيزو عينيه لكنه ظل ساكنا بلا حراك فيما عدا ذلك. نظر حوله فى الحجرة ورأى البستانى.
"أوه، أنت. ادخلْ ... اجلسْ. لم أكن نائما كنت أغمض عينىّ فقط."
اقترب البستانى من السرير.
"لم آت إلا ... لأقول وداعا".
"سترحل؟ لماذا؟ ألم تعد تحبنا؟".
"أتمنى أن أبقى هنا ... دائما. علىّ أن أذهب لأنّ ... يصعب علىّ أن أخبرك. لكننى لن أعرف كيف أكذب مع تارسيزو".
"لعلّ السبب أنهم لا يدفعون لك ما فيه الكفاية. هل تودّ أن أتحدث مع بابا؟"
"لا، يا بنى. لا حاجة إلى الحديث مع أبيك. السبب أننى ... أننى ... مريض ..."
"أنت ... مريض؟" هبّ تارسيزو جالسا على فراشه وقال: "أنت فى أتمّ صحة. قوى للغاية! أعتقد أن الحقيقة هى أنك لم تعد تريد أن تعيش معنا".
"أريد، لكن هذا خطر على الجميع. أمرنى الدكتور ـ وهو الآن تحت ـ بالعودة إلى المستشفى. يجب أن أبقى هناك .... ألم تلاحظ قط القروح على يدىّ؟ لا أظن. من الصعب رؤيتها من خلال كل هذه القذارة".
تسرّب شعاع من الضوء المصبوغ بلون برتقالى خفيف من الشمس الغاربة عبر الغبار وسقط مباشرة على وجه تارسيزو. تغيرت سيماؤه فجأة. كانت بشرته مشدودة لامعة وملساء كالفخار الصينى.
"كنت أظن أن عملك هو السبب. لكن ... دعنى أرَ يديْك". كان فى صوته لهجة آمرة على نحو غريب.
"يا بنى ..."
اقترب الرجل من النور الساطع عند السرير، لكنه عندما وصل إليه توقف وضم يديْه خلف ظهره، لأنه أحس بالخزى. ارتجف. وتلعثم بقوله "لا" بصوت هياب واهن مثل صوت طفل.
"أريد أن أرى يديْك. يديْك! تعال!"
كان الرجل يبدو وكأنه منوَّم. قاوم دقائق قليلة، ثم مدّ يديْه. اخترقتا النور الساطع، واكتسبتا نوعا من التجسيم السحرى. كانتا مزركشتيْن، ومشوهتيْن، ومغطاتيْن بالكدمات، وأرجوانيتيْن، ومتورمتيْن. والواقع أن تارسيزو لم يلاحظهما من قبل. كانتا هناك فى تلك اللحظة أمام عينيه، قطعتين من اللحم موسومتيْن بسمة الموت الوشيك، تتلوّيان مثل حيوانيْن مصابيْن بجرح قاتل.
عندئذ أحسّ الصبى بموجة حنان تجتاحه مثل نار الحب العذبة. وفيما وقف البستانى وكأنه مشلول، أمسك تارسيزو باليديْن المريضتيْن المسكينتيْن، ووضع عليهما ببطء شفتيه، وقبّلهما.
عندما أخبر كارلوس الدكتور لايرتس بمرض ابنه من قبل، قال الدكتور، بنوع من الخطورة العطوفة: "فى الخامسة عشرة من عمره. همّ! من المحتمل أن الأمر ليس بالخطورة التى تظنها. يبدو أنه نوع من الأزمة العاطفية التى يمرّ بها الأطفال أحيانا فى فترة البلوغ. أنا لم أفحص الصبى. لكننى أعتقد، مما رويته لى، أن مشكلته يمكن تشخيصها بسهولة فى ضوء السيكولوجيا الحديثة. إن خوفه الدينى، الذى غرسته فيه أمه ـ معذرة، أيها الأب نيكولاو ـ انحرف ببعض ميوله الجنسية السوية. والقروح المفتوحة والتشويهات التى يحلم بها ليست شيئا آخر سوى غريزته الجنسية متنكرة. إن مخاوفه الجنسية تجعل من المستحيل عليه أن يدع هذه الغريزة تعبر عن نفسها مباشرة".
تبادل الأب نيكولاو ولويزا نظرات عجلى. ونظرت مانينيا إلى الدكتور مستفسرة.
نظر الدكتور لايرتس إلى ساعته مرة أخرى.
"حسنا، فلنذهب لنلقى نظرة على المريض الصغير".
غير أن صيحة عالية، صيحة رجل، شقـَّتْ الجو. فتح البستانى باب حجرة تارسيزو، وهبط السلالم مندفعا، ووقف أمامهم، يضحك ويصيح مثل مجنون.
"الرب فى السماء! الرب فى السماء!"
نظر إليه الدكتور لايرتس بحزم وسأل: "ما هذا، يا رجل؟ ماذا جرى لك؟ لماذا لا تزال هنا؟ هل تريد أن أرسل فى طلب سيارة الإسعاف لتنقلك؟"
"دعنى أحكى لك، يا دكتور، دعنى أحكى لك! … حدث شىء ... أريد أن أحكى لك ـ لكنه صعب! ذهبت لأقول وداعا للصبى، هناك فوق فى حجرته". كانت الدموع تسيل غزيرة على خديه. "لم أكن اقصد سوى أن أودعه. لم أكن أريد أن يعرف شيئا عن يدىّ. لكنه اكتشف، رآهما".
فتحت لويزا فمها كأنما لتتكلم لكنها، مذعورة، ظلت صامتة.
"يا دكتور، ما حدث ... ما حدث هو أنه عندما اكتشف تارسيزو أمر يدىّ، تغيّر وجهه بكامله. كان مختلفا للغاية، وبدا وكأنه شخص آخر. وكنتُ مرتعبا".
وقفوا جميعا حول البستانى فى دهشة وخوف. أحسـُّوا بأن شيئا مفزعا حدث. وواصل الرجل كلامه.
"أمسك تارسيزو بيدىّ. أردت أن أسحبهما بعيدا، لكننى والرب على ما أقول شهيد عجزت عن الحركة. كان ذراعى أشبه بحجر! وبدأ تارسيزو يقبّل يدىّ. فعل هذا بنوع من الحزم لكنه كان فى الوقت ذاته حانيا ورقيقا ... من الصعب أن أصف كيف فعل ذلك .... وبعد ذلك ... حدث".
اختنق صوت البستانى قليلاً ولم يستطع أن يواصل. ثم استردّ صوته وراح يتكلم كما اتفق: "معجزة! معجزة! دكتور لايرتس، انظر إلى يدىّ! ملاك سيدتنا العذراء هذا، فيما كان يقبّل يدىّ بدأتْ البُقع تختفى. حتى القروح .... لقد ذهبتْ! انظر!"
ومدّ الرجل يديْه ليراهما الدكتور. كانتا صافيتيْن، ملساويْن، رقيقتيْن، مثل يدَىْ طفل حديث الولادة.
وفيما كان الجميع يحملقون، قال الأب نيكولاو بصوت خفيض، وكأنه يرثى: "ولم أفهم قط .... لم أرَ قط ..."
اندفعتْ مانينيا صاعدة السلالم، وهى تصرخ، "تارسيزو!" وفتحتْ الباب وبعد ذلك بلحظة اندفعتْ هابطة.
"لقد رحل"، قالت. لكننى كنت أقفلت الباب بالمفتاح. إننى أتذكر أننى فعلت هذا".
اندفعت مانينيا، يتبعها والداها، إلى الحديقة. جرتْ بخفة، وفستانها الأبيض يرفرف مثل شراع فى البحر. عبرتْ الجسر. كان تارسيزو سبقهم بمسافة، وكان يُسرع خطاه.
"تارسيزو، لا ترحل! انتظرْ، تارسيزو ـ انتظرْ من أجلى!"
ورغم محاولتها المستميتة، عجزت عن اللحاق به. ومن بعيد لوّح بهدوء، مودّعا. أحسّتْ مانينيا بأن الأرض تميد من تحتها. فكرتْ فى الدنيا الواسعة للفقراء، المرضى، المشوّهين، التى رحل إليها أخوها فى غمرة حب، إلى غير رجعة. وبدا أن الشفق الأحمر بلون الدم يتركز على شبح الصبى، الذى بدا أنه يزداد جلالا فيما كان ينطلق مبتعدا أكثر فأكثر.
 
 
خوليو كورتاثر  (الأرچنتين)
كوابيس
 
انتظرْ، الجميع قالوا هكذا، عليك أن تنتظر لأنه فى حالات كهذه الحالة لا يمكنك أبدا أن تعرف، حتى الدكتور رايموندى قال هكذا، عليك أن تنتظر، فى بعض الأحيان يكون هناك رد فعل وهذا يحدث أكثر فى حالة شخص فى عمر ميتشا، عليك أن تنتظر، يا سيد بوتو، نعم، يا دكتور، ولكن مرّ الآن أسبوعان وهى مازالت لا تفيق، أسبوعان وهى راقدة هناك وكأنها ميتة، يا دكتور، أعرف، يا مدام لويزا، إنها حالة غيبوبة كلاسيكية، وكل ما يمكننا أن نفعل هو أن ننتظر. لاورو أيضا انتظر، ففى كل مرة عاد فيها من الجامعة كان يتوقف للحظة فى الشارع بالخارج قبل أن يفتح الباب، وكان يفكر، اليوم، اليوم سأجدها أفاقت، ستكون قد فتحت عينيها وستكون منهمكة فى الحديث مع ماما، فلا يمكن أن يستمر الأمر كل هذا الوقت الطويل، لا يمكن أن يكون الأمر أنها ستموت فى العشرين، من المؤكد أنها ستكون جالسة فى الفراش تتحدث مع ماما، ولكن كان عليهم فقط أن يظلوا منتظرين، لا تغيير، يا بُنَىَّ، سيعود الدكتور بعد الظهر، إنهم جيمعا يقولون أنه لا يمكنهم أن يفعلوا شيئا. تعالَ كُلْ شيئا، يا بنى، أمك ستبقى مع ميتشا، عليك أن تدخل بعض الطعام فى جوفك، لا تَنْسَ أن أمامك امتحانات، سنشاهد الأخبار معا. لكن كل شيء مرّ وتغيّر، أما الثابت الوحيد غير المتغير، الشيء الوحيد الذى ظل كما هو بالضبط يوما بعد يوم، فلم يكن سوى ميتشا، أثر ميتشا على الفراش، ميتشا النحيلة والهزيلة، الراقصة الشعبية ولاعبة التنس، ميتشا المسحوقة والساحقة للجميع طوال أسابيع عديدة إلى الآن، عملية ڤيروسية معقدة، حالة غيبوبة، يا سيد بوتو، من المستحيل عمل أية تكهنات، يا مدام لويزا، فقط أن نقف إلى جانبها وأن نعطيها كل فرصة، إن الشباب فى ذلك العمر أقوياء جدا، وراغبون جدا فى الحياة. ولكنها لا تستطيع أن تساعد نفسها، يا دكتور، إنها لا تلاحظ أىّ شيء، إنها تشبه، آه يا إلهى، اغفرْ لى، أنا لا أدرى ماذا أقول.
ولا كان لاورو يصدق ذلك تماما، كان الأمر أشبه ما يكون بمقلب من مقالب ميتشا، لقد كانت دائما تقوم بأسوأ أنواع المقالب، تتنكر كشبح على السلم، وتخفى منفضة من الريش داخل الفراش، ويضحكان كلاهما بأعلى صوت، وينصب كل منهما للآخر فخاخا، ويعبثان بتمثيل أنهما عادا طفلين من جديد. عملية ڤيروسية معقدة، ثم قطعت القوة المباغتة ذات أصيل بعد الحمى والآلام، دفعة واحدة، الصمت، البشرة الشاحبة شحوب الموتى، التنفس المتباعد والهادئ. الشيء الوحيد الهادئ فى ذلك المكان الملئ بالدكاترة والأجهزة والتحليل والاستشارات، إلى أن سيطر على الموقف بالتدريج مقلب ميتشا، معلـَّقا فوقهم جميعا ساعة بعد ساعة، حيث تفسح صرخات السيدة لويزا اليائسة المجال لبكاء مكتوم تقريبا، للكمد فى المطبخ وفى الحمام، أما شتائم الأب فتقاطعها الأنباء ونظرة عجلى على الجريدة الصباحية، وثورة لاورو المتشككة تقاطعها رحلات إلى الجامعة، وفصول، واجتماعات، وبصيص الأمل فى كل مرة عادة فيها من وسط المدينة، سأعود إليك، يا ميتشا، لا يمكنك أن تفعلى شيئا كهذا، أنت أيتها الحمقاء، سأعود إليك، وستريْن. وبصرف النظر عن الممرضة التى ظلت عاقدة الحاجبين بهدوء، كانت ميتشا هى الشخص الوحيد الذى بقى هادئا؛ وكانوا قد أرسلوا الكلب إلى منزل أحد الأعمام، ولم يعد الدكتور رايموندى يأتى مع زملائه، فقط كان يمرّ فى الأمسيات وكان لا يكاد يقضى أىّ وقت هناك؛ وبدا أنه هو أيضا يحسّ بثقل جسم ميتشا يسحقهم أكثر فأكثر كل يوم، فيعوِّدهم على الانتظار، فذلك كل ما يمكنهم أن يفعلوا.
***
بدأت الكوابيس فى الأصيل الذى عجزت فيه السيدة لويزا عن العثور على الترمومتر وعندئذ نزلت الممرضة، مندهشة، إلى الصيدلية على الناصية لتشترى ترمومترا آخر. وكانتا تتحدثان عنه، لأنه لا يمكنك أن تفقد ترمومترا بتلك الطريقة، ليس وأنت تستخدميه ثلاث مرات فى اليوم. وقد أصبحوا معتادين على الكلام بصوت مرتفع بجوار فراش ميتشا، فالهمسات التى استخدموها فى البداية لم تعد تعنى شيئا لأن ميتشا كانت غير قادرة على سماعهم، وكان الدكتور رايموندى على يقين من أن الغيبوبة جردتها من كل حساسية، فكان بوسعك أن تقول أىّ شيء دون أن يتغير مطلقا تعبير وجه ميتشا اللامبالى. وكانتا لاتزالان تتحدثان عن الترمومتر عندما سمعتا طلقات الرصاص عند الناصية، وربما فى مكان أبعد، فى ناحية "جاؤونا". نظرت كل منهما إلى الأخرى، وهزت الممرضة كتفيها لأن إطلاق الرصاص لم يكن بالشيء الجديد أبدا فى الحى أو فى أىّ مكان آخر بالمدينة، وكانت السيدة لويزا على وشك أن تقول شيئا آخر عن الترمومتر عندما رأتا يَدَىْ ميتشا تهتزان برعشة طفيفة. ولم يستغرق ذلك سوى ثانية واحدة غير أن كل واحدة منهما لاحظته، وصرخت السيدة لويزا وغطت الممرضة فمها، ودخل السيد بوتو قادما من حجرة المعيشة، ورأوا ثلاثتهم كيف تكررت الرعشة على طول جسم ميتشا بأكمله، كثعبان سريع ينزلق من العنق إلى القدمين، ارتعاشة للعينين تحت الجفون، حيث بدّل التقلص الطفيف ملامحها وكأنها تبذل جهدا للتكلم، لتئنّ، ثم إسراع النبض، والعودة البطيئة إلى الجمود. التليفون، رايموندى، فى الحقيقة ليس هناك تغيير بالفعل، ربما أمل أكثر قليلا رغم أن رايموندى لا يعبر عن ذلك بصراحة، أيتها العذراء الطاهرة، خَلـِّيها تشفى، خَلـِّى بنتى تفيق، خَلـِّى هذا العذاب الأليم ينتهى، ياربّ. لكنه لم ينته، وبدأ من جديد بعد ذلك بساعة، وصار متكررا أكثر فأكثر؛ كان يبدو وكأن ميتشا تحلم وكأن حلمها أليم محزن، ويعود الكابوس دون أن يكون أحد قادرا على الهرب منه، حيث يكون الواحد إلى جوارها، يراقبها ويكلمها دون أن يصل إليها أىّ شيء من العالم الخارجى، مغزوَّة بالفعل بذلك الشيء الذى كان يُواصل بطريقة ما ذلك الكابوس الطويل الذى ظلوا يعيشونه، دون أىّ اتصال ممكن، أوه نَجِّها ياربّ، لا تتركها هكذا، ويعود لاورو من أحد الفصول، ويقف مثل الآخرين بجوار الفراش، واضعا يدًا على كتف أمه وهى تصلى.
***
فى تلك الليلة كانت هناك استشارة أخرى؛ أحضروا معهم جهازا جديدا بضمادات ماصة وإلكترودات وقاموا بتثبيتها فى الرأس والرِّجْلين، وتناقش طبيبان صديقان لرايموندى الحالة لفترة طويلة فى حجرة المعيشة، سيكون علينا أن نواصل الانتظار، يا سيد بوتو، الصورة العامة لم تتغير بعد، ولن يكون من الحكمة أن نفكر فى هذا على أنه أحد الأعراض الإيجابية. ولكن هناك مشكلة أنها بدأت تحلم، يا دكتور، إنها تتعرض لكوابيس، لقد رأيت هذا بنفسك، وسيبدأ من جديد أن تحس بشيء ما وتعانى، تعانى بشدة، يا دكتور. إنها فى حالة خاملة، يا مدام لويزا، كل هذا فى اللاوعى، صدِّقينى، ينبغى أن ننتظر وألا ندع أنفسننا ننخدع، ابنتك لا تعانى، أعرف أن هذا مؤلم لك، سيكون من الأفضل أن تتركيها فى رعاية الممرضة إلى أن تظهر علامات على التقدم، حاولى أن تستريحى، يا مدام لويزا، خُذى الحبوب التى أعطيتها لك.
ظلّ لاورو ساهرا بجوار ميتشا حتى منتصف الليل، وكان يقرأ مذكرات امتحانه من وقت لآخر. وعندما سمع صفارة الإنذار، تذكَّر أنه كان عليه أن يتصل تليفونيا بالرقم الذى كان قد أعطاه لوثيرو له، لكن ليس من البيت وكان من غير الوارد أن ينزل إلى الشارع بعد صفارة الإنذار. رأى أصابع يد ميتشا اليسرى تتحرك ببطء، ومرة أخرى بدا وكأن العينين تدوران تحت الجفون. ونصحته الممرضة بأن يغادر الحجرة، فليس هناك ما يمكن عمله، سوى الانتظار. "لكنها تحلم"، قال لاورو، "إنها تحلم من جديد، فقط انظرى إليها". واستمرّ ذلك طوال فترة استمرار صفارة الإنذار فى الخارج، اليدان اللتان بدا وكأنهما تبحثان عن شيء ما، والأصابع وهى تحاول العثور على مَسْكة على الملاءات. والآن كانت السيدة لويزا فى الحجرة أيضا، غير قادرة على النوم. لماذا لم تأخذ حبوب الدكتور رايموندى؟ سألت الممرضة غاضبة تقريبا. "لا أجدها، كانت على الكومودينو الخاص بى، لكننى لا أجدها"، قالت السيدة لويزا، وكأنها غير متأكدة. ذهبت الممرضة تبحث عن الحبوب، وحملق لاورو وأمه كل منهما فى الآخر، وكانت ميتشا تحرك أصابعها الآن بصعوبة وأحسَّا أن الكابوس استمر، متواصلا بعناد إلى الأبد وكأنه يعارض الوصول إلى النقطة التى يمكن فيها لنوع من شفقة، من رحمة أخيرة، أن يوقظها كما فعل مع كل شخص آخر، أن ينقذها من هذا الرعب. لكنها ظلت تحلم، وفى غضون لحظة ستبدأ الأصابع فى الارتعاش من جديد. "لا أجدها فى أىّ مكان"، قالت الممرضة. "لقد ضعنا تماما، نحن لم نعد نعرف أين تختفى الأشياء فى هذا البيت".
***
وصل لاورو متأخرا فى الأمسية التالية، وسأله السيد بوتو سؤالا غامضا وسط التعليق على كأس كرة القدم مباشرة، دون أن يرفع عينيه عن التليڤزيون. "التقيتُ بقليل من الأصدقاء"، قال لاورو، وهو يبحث عن شيء ما يصنع به ساندويتشا لنفسه. "ذلك الهدف كان جميلا"، قال السيد بوتو، "الحمد لله أنهم يعيدون عرض المباراة، يمكننا الآن أن نشاهد تلك التصويبات الرئيسية بالتفصيل". وبدا أن لاورو غير مهتم بإحراز الهدف، وكان يأكل وهو ينظر إلى أسفل نحو الأرضية. "أنا متأكد أنك تعرف ماذا تفعل، يا بُنَىّ"، قال السيد بوتو، وهو لايزال يشاهد الكرة، "لكن كن حذرا، أليس كذلك". رفع لاورو عينيه ونظر إليه بدهشة، وكانت هذه هى المرة الأولى التى سمح فيها الأب لنفسه بمثل تلك الملاحظة الشخصية. "لا تقلق، أنا بخير"، قال، وهو ينهض واقفا ليضع حدّا للحوار.
كانت الممرضة قد جعلت ضوء حجرة النوم خافتا، وكان يمكن بالكاد رؤية ميتشا. وعلى الفراش، أبعدت السيدة لويزا يديها عن وجهها وقبَّلها لاورو على جبينها.
"إنها كما هى"، قالت السيدة لويزا. "إنها هكذا طول الوقت. انظرْ، انظرْ كيف يرتعش فمها، يا للمسكينة، ما الذى تراه؟ ياربّ، كيف يمكن لهذا أن يستمر ويستمر، هذا..."
"أمى".
"لكن هذا لا يمكن أن يكون، يا لاورو، أنا الشخص الوحيد الذى يبدو أنه يلاحظ، لا أحد يدرك أنها فى كابوس طول الوقت وأنها لن تفيق منه..."
"أمى، أنا أعرف، أنا أيضا أدرك هذا. لو كان هناك شيء يمكن عمله فإن رايموندى كان سيعمله. لا يمكنك أن تساعديها بالبقاء هنا، عليك أن تذهبى وأن تنامى قليلا، خُذى حبة ونامى".
ساعدها على النهوض واقفة ورافقها فى المشى حتى الباب.
"ماذا كان هناك، يا لاورو؟" سألت، وهى تتوقف فجأة. "لا شيء، يا أمى، طلقات رصاص قليلة فى مكان بعيد، أنت تعرفين". لكن ما الذى كانت تعرفه السيدة لويزا؟ لماذا يقول أىّ شيء أكثر؟ الآن نعم، كان الوقت متأخرا؛ بعد أن يرافقها إلى حجرة نومها، سيكون عليه أن ينزل إلى المحلّ الذى فى الناصية وأن يتصل تليفونيا بلوثيرو.
لم يجد المعطف الجلدى الأزرق الذى كان يحب أن يلبسه فى الليل؛ وفتش بدقة فى الدواليب التى فى الصالة ظنّا منه أن أمه علـَّقته هناك، وفى النهاية لبس أىّ چاكت قديم لأن الجو مائل إلى البرودة فى الخارج. وقبل أن يغادر البيت، دخل حجرة ميتشا للحظة؛ وتقريبا قبل أن يراها فى الظلام أحسَّ بالكابوس، بارتعاش اليدين، بالساكن الخفىّ ينزلق تحت الجلد. فى الخارج، صفارة الإنذار من جديد؛ لا ينبغى أن يخرج إلا فيما بعد، لكن عندئذ سيكون المحلّ مغلقا ولن يكون قادرا على الاتصال تليفونيا. وتحت الجفون، تحركت عينا ميتشا وكأنها تحاول أن تهرب، أن تنظر إليه، أن تعود إلى جانبه. وربّت على جبينها بإصبع واحد؛ كان خائفا من ملامستها، من المساهمة فى الكابوس بحافز خارجى. وظلت العينان تدوران فى محجريهما وتحرك لاورو مبتعدا؛ لم يعرف لماذا، لكنه أحس أكثر فأكثر بأنه خائف؛ إن فكرة أن ميتشا قد تفتح عينيها وتنظر إليه جعلته يتراجع إلى الوراء. ولو كان أبوه قد ذهب إلى الفراش لكان بوسعه أن يتصل تليفونيا من حجرة المعيشة، محتفظا بصوته خفيضا، لكن السيد بوتو كان لايزال يتابع التعليقات الرياضية. "نعم، هذا شيء يعلقون عليه حقا"، قال لاورو لنفسه. سوف يستيقظ مبكرا ويتصل تليفونيا بلوثيرو قبل أن يذهب إلى الجامعة. ومن بعيد، رأى الممرضة تخرج من حجرة النوم، حاملة شيئا لامعا، سرنجة أو ملعقة.
***
حتى الزمن صار ضائعا أو واقعا فى شرك ذلك الانتظار المتواصل: ليالى الأرق ونهارات النوم لتعويضها، الأقارب والأصدقاء وهم يأتون فى أية لحظة ويتناوبون على إلهاء السيدة لويزا أو يلعبون الدومينو مع السيد بوتو؛ ممرضة بديلة لأن الأخرى كانت بحاجة إلى مغادرة بوينوس آيرس لمدة أسبوع؛ فناجين القهوة التى لم يعثر عليها أحد لأنها كانت مبعثرة فى كل أنحاء البيت؛ لاورو وهو يعود فجأة كلما استطاع ويغادر فى كل الأوقات؛ رايموندى الذى لم يعد يرنّ الجرس قبل أن يدخل ليتبع نفس الروتين، لا تغيُّر إلى أسوأ، يا سيد بوتو، إنها عملية طويلة لا يمكنك خلالها أن تفعل أكثر من الوقوف بجوارها، إننى أقوم الآن بتعزيز التغذية بالأنبوبة، وينبغى أن ننتظر. لكنها تحلم طول الوقت، يا دكتور، انظرْ إليها، إنها لم تعد تحصل على أىّ راحة. الأمر ليس كذلك، يا مدام لويزا، أنت تتصورين أنها نائمة لكن ليس هناك سوى مجرد ردود أفعال بدنية، ومن الصعوبة بمكان شرحها لأنه فى حالات كهذه الحالة هناك عوامل أخرى، أعنى، لا تتصورى أنها واعية بما تصفينه بأنه حلم، وربما كانت كل تلك الحيوية علامة جيدة، كل تلك الانعكاسات اللاإرادية، صدقينى، إننى أتابعها بدقة، أنت التى عليك أن ترتاحى، يا مدام لويزا، تعالى هنا، سأقيس ضغط دمك.
بالنسبة للاورو أصبح من الصعب أكثر فأكثر أن يعود إلى البيت، فماذا يفعل مع التحرك من قلب المدينة وكل ما كان يجرى فى الجامعة، ومع ذلك، بسبب أمه أكثر مما بسبب ميتشا، سيحضر فى كل الأوقات ويبقى مدة قصيرة، يسمع نفس القصص القديمة، ويتحدث مع والديه، مبتكرا موضوعات للنقاش لكى ينتزعهما إلى خارج الحفرة التى وقعا فيها. وفى كل مرة ذهب فيها إلى جانب فراش ميتشا، كان ينتابه نفس الإحساس باتصال مستحيل، ميتشا القريبة منه إلى هذا الحد، وكأنها تستنجد به، الإشارات المبهمة للأصابع وتلك النظرة الداخلية التى تحاول أن تخرج، شيء ما استمر وتواصل، رسالة سجين عبر جدران الجلد، صرختها العديمة الجدوى بصورة لا تحتمل طالبة العون. ومن حين لآخر، استحوذت عليه الهستيريا، يقينه بأن ميتشا تعرفت عليه أكثر مما تعرفت على أمهما ذاتها، أو على الممرضة، وبأن الكابوس وصل إلى أسوأ لحظاته عندما كان هو هناك، يراقبها، وبأن أفضل شيء هو أن يغادر على الفور مادام لا يوجد أىّ شيء يمكنه أن يفعله، وبأن الحديث معها عديم الجدوى، أنت أيتها البلهاء، أيتها البلهاء العزيزة، كـُفـِّى عن هذا، أرجوك، افتحى عينيك مرة وإلى الأبد وكـُفـِّى عن هذه الدعابة الغبية، ميتشا أيتها الحمقاء، أيتها الأخت الصغيرة، يا أختى الصغيرة، إلى متى ستظلين تضحكين علينا، أيتها المرأة المجنونة، اِنْسَىْ هذه التمثيلية اللعينة وعودى إلينا، عندى أشياء كثيرة أحكيها لك، يا ميتشا، ولأنك لا تستطعين أن تفهمى ما أقوله فسأروى لك كل شيء. كل شيء تم التفكير فيه بكل وضوح، خلال فورات الخوف، رغبةً فى التشبث بميتشا، لم تنطق كلمة واحدة بصوت مرتفع لأن الممرضة أو السيدة لويزا لم تتركا ميتشا بمفردها، وهو، واقفا هناك، بحاجة إلى أن يكلمها عن أشياء كثيرة للغاية، تماما ربما كما كانت ميتشا تكلمه من جانبها، من وراء عينين مغمضتين وأصابع رسمت حروفا عديمة الجدوى على الملاءات.
***
كان ذلك اليوم هو الخميس، ليس لأنهم كانوا يعرفون ما هو اليوم الذى كانوا يعيشون فيه أو حتى لأنهم يهتمون بذلك، لكن الممرضة كانت قد ذكرت ذلك بينما كانوا يشربون القهوة فى المطبخ؛ وتذكّر السيد بوتو أنه ستكون هناك نشرة أخبار خاصة، كما تذكرت السيدة لويزا أن أختها كانت قد اتصلت تليفونيا من "روزاريو" لتقول إنها ستأتى من هناك يوم الخميس أو الجمعة. ولابد أن امتحانات لاورو قد بدأت، فقد غادر البيت فى الساعة الثامنة دون أن يقول إلى اللقاء، تاركا رسالة قصيرة فى حجرة المعيشة، لم يكن متأكدا ما إذا كان سيعود للغداء، لكن لا ينبغى أن ينتظروه، على سبيل الاحتياط. ولم يأت للغداء؛ ونجحت الممرضة فى إقناع السيدة لويزا بأن تذهب إلى الفراش مبكرا هذه المرة فقط؛ وكان السيد بوتو يُطلّ وقد أخرج رأسه من نافذة حجرة المعيشة بعد برنامج المسابقات؛ وكان بوسع المرء أن يسمع المدفع الرشاش يصب وابلا من الطلقات دفعة واحدة من مكان ما قرب "پلاثا إيرلاندا"؛ وفجأة ساد هدوء، هدوء أكثر مما ينبغى تقريبا، ولا حتى سيارة شرطة؛ من الأفضل الذهاب للنوم؛ تلك المرأة التى أجابت على كافة الأسئلة فى البرنامج كانت ساحرة، كانت تعرف تاريخها القديم معرفة تامة، تقريبا وكأنها كانت تعيش فى أيام يوليوس قيصر، ورغم كل شيء، يمكن للثقافة أن تجعلك أغنى من سمسار. ولم يعرف أحد أن الباب لن يُفتح على الإطلاق طوال الليل. وأن لاورو لن يعود إلى حجرته؛ وفى الصباح ظنوا أنه كان لايزال نائما بعد امتحان أو أنه كان مستيقظا يستذكر قبل الإفطار؛ فقط فى حوالى الساعة العاشرة أدركوا أنه لم يكن هناك. "لا تقلقى"، قال السيد بوتو، "من المؤكد أنه سهر إلى وقت متأخر احتفالا بشيء ما مع أصدقائه". بالنسبة للسيدة لويزا، كان قد حان الوقت الذى تساعد فيه الممرضة على تحميم ميتشا وتغيير ملابسها. الماء الدافئ وماء الكولونيا، القطن الطبى والملاءات. كان الوقت منتصف النهار ولاورو لم يظهر بعد، "لكن هذا غريب، يا إدواردو، إنه حتى لم يتصل تليفونيا، وهو لم يفعل هذا قط، وفى المرة التى بقى فيها فى الخارج فى حفل نهاية الفصل الدراسى اتصل تليفونيا فى التاسعة، تذكَّروا، كان خائفا من أن نقلق عليه، ورغم هذا كان أصغر فى ذلك الحين". "الولد متحمس لامتحاناته"، قال السيد بوتو. "سترون، سيكون هنا فى غضون أية دقيقة من الآن؛ إنه يكون هنا دائما من أجل نشرة أخبار الساعة الواحدة". ولكن لاورو لم يكن هناك فى الساعة الواحدة، وفاتته إذاعة الرياضة وكذلك النبأ الهام حول هجوم إرهابى آخر تمت الحيلولة دونه لحسن الحظ بفضل التحرك السريع للشرطة، لا شيء جديد، درجة الحرارة تنخفض ببطء، والأمطار متوقعة على جبال الأنديز.
كانت الساعة بعد السابعة مساءا عندما جاءت الممرضة لتأخذ السيدة لويزا، التى كانت لاتزال تتصل تليفونيا بأشخاص يعرفونهم؛ وكان السيد بوتو يتوقع مكالمة من صديق فى الشرطة، لمعرفة ما إذا كان قد أمكنه اكتشاف أىّ شيء؛ وكان يطلب كل دقيقتين من السيدة لويزا أن تترك الخط غير مشغول ولكنها كانت تقلب بسرعة فى دفتر العناوين بحثا عن اسم آخر أيضا، ربما كان لاورو قد بقى فى بيت العم فرناندو، أو عاد إلى الجامعة من أجل امتحان آخر. "من فضلك أقفلى التليفون"، طلب السيد بوتو مرة أخرى، "ألا تدركين أن الولد ربما كان يتصل بنا فى هذه اللحظة وهو مشغول دائما، كيف يمكنه أن يتكلم من تليفون عمومى؟ فعندما تكون هذه التليفونات غير معطلة يكون عليك أن تدعى الآخرين الذين ينتظرون يأخذون أدوارهم". أصرت الممرضة ولهذا ذهبت السيدة لويزا لترى ميتشا، كانت قد بدأت تحرك رأسها فجأة، وكانت من حين لآخر تديره على مهل إلى جانب ثم إلى الآخر، وكان عليهما إبعاد شعرها عن وجهها، فقد انسدل على جبينها فيما كانت تستدير. وكان ينبغى أن يخبروا الدكتور رايموندى فى الحال؛ ومن الصعب الوصول إليه فى المساء، لكن زوجته اتصلت تليفونيا فى التاسعة لتقول إنه سيكون هناك بعد قليل. "إنه سيجد صعوبة فى الوصول إلى هنا"، قالت الممرضة، عائدةً من الصيدلية بعلبة مَصْل. "لقد أغلقوا الحىّ بأكمله، ولا أحد يعرف السبب، فقط اصغوا إلى صفارة الإنذار تلك". وهى تتراجع مبتعدة عن ميتشا، التى ظلت تحرّك رأسها وكأنما بإنكار بطئ عنيد، صرخت السيدة لويزا تستنجد بالسيد بوتو، لا، لا أحد يعرف أىّ شيء، من المؤكد أن الولد لم يكن بإمكانه أن يصل إلى هنا أيضا، لكن رايموندى سيكون بإمكانه أن يصل إلى هنا بفضل الشارة التى تميزه كطبيب.
"ليس الأمر كذلك، يا إدواردو، ليس الأمر كذلك، أنا متأكدة من أن شيئا ما حدث له، لا يمكن أن يصل الأمر إلى حد أنه ليست لدينا أية أخبار إلى الآن، لاورو دائما..."
"انظرى، يا لويزا"، قال السيد بوتو. "انظرى كيف تحرِّك يدها. وذراعها، هذه هى المرة الأولى التى حركت فيها ذراعها، يا لويزا. ربما..."
لكن الأمر أسوأ مما كان من قبل، يا إدواردو، ألا ترى، إنها لاتزال تتعرض لتلك الهلاوس، ويبدو وكأنها تدافع عن نفسها ضدّ لا أدرى ماذا... افعلى شيئا ما، يا روزا، لا تتركوها هكذا؛ سأذهب لأطلب آل روميرو، وربما كانوا يعرفون، فقد اعتادت ابنتهم أن تدرس مع لاورو. أرجوك، أعطيها حقنة، يا روزا، سأعود. أو من الأفضل أيضا، أن تتصل بهم أنت، يا إدواردو، اسألْهم،آل روميرو، وربما كانوا يعرفون، فقد اعتادت ابنتهم أن تدرس مع لاورو. ى تميزه  اذهبْ الآن".
فى حجرة المعيشة بدأ السيد بوتو يتصل برقم تليفون معين، ثم توقف، وأقفل خط التليفون. ماذا لو أن لاورو فى تلك اللحظة... ماذا يمكن لآل روميرو أن يعرفوا عن لاورو، من الأفضل أن ننتظر قليلا. ولم يصل رايموندى، لابد أنهم أوقفوه عند الناصية، ومن المحتمل أنه كان هناك، يقدم تفسيرات. ولم تستطع روزا أن تعطى ميتشا حقنة أخرى، كان العقار قويا للغاية، ومن الأفضل انتظار مجئ الدكتور. وفيما كانت تنحنى على ميتشا، وتبعد الشعر الذى غطى عينيها العديمتى الجدوى، أحسَّت السيدة لويزا بإعياء، وبالكاد وجدت روزا وقتا كافيا لتأتى لها بكرسى ولتساعدها على الجلوس مثل حمل ثقيل جامد. وارتفعت صفارة الإنذار أعلى من ذى قبل، آتية من ناحية "جاؤونا"، عندما فتحت ميتشا فجأة عينيها، تغطيهما الغشاوة التى تكونت على مرّ الأسابيع، وثبَّتتهما على نقطة على السقف، ثم تركتهما تتنقلان ببطء إلى أن التقتا بوجه السيدة لويزا، السيدة لويزا التى تصرخ، تقبض بيديْها بشدة على صدرها وتصرخ. وجاهدت روزا لتأخذها بعيدا، وهى تنادى بيأس على السيد بوتو الذى أتى ووقف بلا حراك عند قدم الفراش، يحملق فى ميتشا، وعيناه مثبتتان على عينىْ ميتشا وهما تتنقلان بالتدريج من السيدة لويزا إلى السيد بوتو، من الممرضة إلى السقف، ويدا ميتشا تصعدان بنعومة إلى خصرها، تزحفان إلى أعلى لتلتقيا عند صدرها، وبدنها يهتزّ متشنِّجا لأن أذنيها ربما كان يمكنهما الآن سماع صفارت الإنذار المتزايدة، والطرق على الباب والذى جعل البيت كله يرتجف، والصيحات الآمرة، وطقطقة كسر الخشب، ثم زخّة المدفع الرشاش، وصرخات السيدة لويزا، وترنـُّح سيل الأبدان التى اندفعت داخلة، كل شيء وكأنما تم توقيته على إفاقة ميتشا، كل شيء على الجدول فى سبيل أن ينتهى الكابوس وأن تعود ميتشا إلى الواقع فى نهاية المطاف، إلى جمال الحياة.
 
 
 
 
 
 
 
خوليو كورتاثار
 
لا تَلمْ أحدا
 
دائما يُعقـِّد الطقس البارد الأمور بعض الشيء، ففى الصيف تكون قريبا جدا من العالم، الجلد لِصْق الجلد، أما الآن فى الساعة السادسة والنصف فإن زوجته تنتظره فى محل تجارى لاختيار هدية زفاف، الوقت متأخرا جدا وهو يدرك أن الجو بارد، عليك أن تلبس البلوڤر الصوف الأزرق، أو أىَّ شيء يتناسب مع البذلة الرمادية، فالخريف ليس سوى لبْس وخلع البلوڤرات، وحبْس النفس بداخلها، وتحاشى الاختلاط بالغير. ودون أن يشعر فعلا برغبة فى ذلك، يصفر لحن تانجو فيما يتحرك مبتعدا عن الشباك المفتوح، ويفتش عن البلوڤر فى الدولاب ويبدأ فى لبسه أمام المرآة. وهذا ليس سهلا، ربما بسبب القميص الذى يلتصق بصوف البلوڤر، ويجد متاعب فى إدخال ذراعه من خلال الفتحة، وشيئا فشيئا تزحف يده إلى أن يظهر أخيرا إصبع من طرف الكمّ الصوف الأزرق، غير أن الإصبع يبدو فى ضوء المساء مجعدا وملتويا إلى الداخل، مثل ظفر أسود بطرف حاد. وبحركة واحدة سريعة ينتزع ذراعه من الكمّ ويحملق فى يده وكأنها ليست يده هو، لكنه الآن وقد صارت اليد خارج البلوڤر يرى أنها نفس يده كما كانت دائما ويدعها تسقط فى نهاية ذراعه المجهد. ويخطر بباله أنه ربما كان من الأفضل أن يبدأ بوضع الذراع الآخر فى الكمّ الآخر، لمجرد أن يرى ما إذا كان الأمر سيصبح أسهل بتلك الطريقة. ولا يبدو أن الأمر كذلك، لأنه بمجرد أن يلتصق صوف البلوڤر بقماش القميص فإن عدم الاعتياد على البداية بالكمّ الآخر يجعل العملية أصعب مرتين، ومع ذلك بدأ يصفر مرة أخرى ليظل عقله منشغلا، ويحسّ بأن يده لا تكاد تتقدم وبأنه لن ينجح بدون مزيد من المناورة فى أن يجعلها تصل إلى فتحة الخروج. إذن من الأفضل أن يحاول كل شيء دفعة واحدة، أن يُحنى رأسه ليجعله فى ارتفاع رقبة البلوڤر فيما يقوم بإدخال الذراع الحر فى الكمّ الآخر، مُعَدِّلا وضعه، ويشدّ بقوة فى نفس الوقت كلا الكمَّيْن والياقة. وفى الظلام الأزرق المفاجئ الذى يلفّ به يبدو من العبث أن يواصل التصفير، ويبدأ فى الإحساس بشيء أشبه بالحرارة على خديه مع أن جانبًا على الأقل من وجهه لابد أنه بالخارج، لكن الجبهة تظل مغطاة وكذلك يظل وجهه بأكمله مغطى واليدان بالكاد فى منتصف المسافة داخل الكمَّيْن. ومهما شدّ بقوة فلا شيء يخرج من الفتحة، ويخطر بباله الآن، بنفس ذلك النوع من الغضب المتهكم الذى بدأ به المهمة بأكملها من جديد، أنه ربما ارتكب خطأ وأقحم رأسه بغباء فى أحد الكمَّيْن ويدًا واحدة فى ياقة البلوڤر. وإذا كان ذلك كذلك، ينبغى إذن أن تخرج يده بسهولة، لكنه لا ينجح فى دفع أىٍّ من اليدين إلى الأمام رغم أنه يشدّ بكل قوته، غير أنه يبدو الآن أن رأسه على وشك الظهور لأن الصوف الأزرق يشدّ بعضه بعضا بقوة مزعجة تقريبا أمام أنفه وفمه، ويخنقه أكثر مما كان يمكنه أن يتخيل، فيُجبره على أن يتنفس بعمق فيما يبتلّ الصوف أمام فمه، ومن المحتمل أنه سيسيل ويصبغ وجهه بالأزرق. ولحسن الحظ، فى نفس تلك اللحظة تخرج يده اليمنى من الفتحة إلى الخارج البارد، هناك إذن على الأقل خارجٌ حتى وإنْ كانت اليد الأخرى ماتزال محبوسة داخل الكمّ، وربما كان صحيحا أن يده اليمنى كانت داخل ياقة البلوڤر، وهذا هو السبب فى أن ما ظن أنه الياقة يضغط بمنتهى الشدة على وجهه، فيخنقه أكثر فأكثر، واستطاعت اليد بدلا من ذلك أن تخرج بسهولة. وعلى كل حال، من المؤكد أن كل ما يمكنه أن يفعل هو أن يستمر فى حشر نفسه فيه، بينما يأخذ نَفَسًا عميقا ثم يُخرجه قليلا قليلا، ومع ذلك فهذا غباء لأنه لاشيء يمنعه من أخذ النفَس عميقا للغاية سوى واقع أن الهواء الذى يَعُبُّهُ مختلط بزغب من ياقة أو كمّ البلوڤر، وهناك أيضا مذاق البلوڤر، مذاق الصوف الأزرق ذلك الذى يُحتمل أنه يصبغ وجهه الآن إلى حدّ أن تمتزج رطوبة تنفسه بالصوف بصورة متزايدة، ورغم أنه لا يمكن أن يرى، لأنه إذا فتح عينيه فإن رموشه ترمش بصورة مؤلمه أمام البلوڤر، وهو واثق من أن الزرقة تلتف حول فمه المبتل، إلى داخل منخريْه، فوق خَدَّيْه، ويملأه كل هذا بالقلق ويتمنى أن يستطيع مرة واحدة وإلى الأبد أن يلبس البلوڤر، دون أن يأخذ فى اعتباره حتى واقع أن الوقت لابد قد تأخر وأن زوجته لابد أن صبرها قد أخذ ينفد خارج المحل التجارى. ويقول لنفسه إن أعقل شيء يفعله هو أن يُركز على يده اليمنى، لأن تلك اليد خارج البلوڤر تـُلامس الجو البارد للحجرة، إنها أشبه بعلامة تخبره أن المسافة لم تعد طويلة، ويمكنها أن تساعده، ويمكنها أن تتسلق ظهره إلى أن تصل إلى وسط البلوڤر بتلك الحركة الكلاسيكية التى تساعد المرء على أن يلبس أىّ نوع من البلوڤرات عن طريق الجذب بقوة إلى أسفل، ولسوء الحظ فرغم اليد التى تُحسِّس على الظهر باحثة عن الحافة الصوفية يبدو أن البلوڤر التف تماما حول الياقة والشيء الوحيد الذى يمكن أن تجده اليد هو القميص، الذى يزداد تجعُّدًا، بل حتى يتدلى جزء منه خارج البنطلون، ويغدو لا فائدة من أن يحرك اليد إلى الأمام لأنه يستطيع أن يحسّ على صدره بالقميص، ولابد أن البلوڤر قد مرّر الكتفين بالكاد ومن المحتمل أن يكون هناك، متكوّرا مشدودا وكأن كتفيه أعرض من أن يتسع لهما هذا البلوڤر، الأمر الذى يُثـْبت حقا أنه ارتكب خطأ بالفعل وأنه وضع يدًا فى الياقة والأخرى فى أحد الكمَّيْن، بحيث تكون المسافة من الياقة إلى أحد الكمَّيْن مساوية بالضبط لنصف المسافة من أحد الكمَّيْن إلى الآخر، وذلك يفسّر كوْنَ رأسه مائلا قليلا إلى اليسار، من ناحية اليد التى لا تزال محبوسة فى الكمّ، إنْ كان هو الكمّ حقا، وكذلك كَوْنَ يده اليمنى التى بالخارج يمكنها بدلا من ذلك أن تتحرك بحرية فى الهواء، رغم أنها لم تنجح فى أن تجذب البلوڤر المتكوّر فى أعلى جسمه إلى أسفل. وبصورة ساخرة يخطر بباله أنه لو كان هناك كرسى قريب لكان بإمكانه أن يستريح وأن يتنفس بسهولة أكثر إلى أن ينجح فى أن يلبس البلوڤر بأكمله، غير أنه فقد إحساسه بالاتجاه بعد أن دار فى دوائر مرات كثيرة جدا بذلك النوع من التمارين الرياضية المرحة التى تبدأ أىَّ لبْس لأىّ قطعة من الملابس والتى تشبه خطوة رقص مختلسة، لا عيب فيها فى نظر أىّ شخص لأنها تنبع من حاجة نفعية وليس من ميول كوريوجرافية آثمة. وعلى كل حال سيكون الحل الواقعى هو أن يخلع البلوڤر، نظرا لأنه عجز عن أن يلبسه، وأن يتأكد من الفتحة الصحيحة لكل يدٍ فى الكمَّيْن، وللرأس فى الياقة، غير أن اليد اليمنى تظل تذهب وتجئ بطريقة عشوائية، وكأن من السخف الانسحاب عند هذه النقطة، وذات مرة تذهب إلى حدّ أن تطيع فتتسلق إلى قمة الرأس وتشدّ إلى أعلى، دون أن يفهم هو فى الوقت المناسب أن البلوڤر قد التصق بوجهه، لأن البلل اللزج لتنفسه امتزج بزرقة الصوف، وعندما تجذب اليدُ إلى أعلى فإنها تؤلم وكأن هناك شيئا يشق أذنيْه ويريد أن ينتزع رموشه. ثم ببطء أكثر: حاولْ استعمال اليد التى بداخل الكمّ الأيسر، إذا كان هو الكمّ حقا وليس الياقة، وللقيام بهذا، ساعِدْ اليد اليسرى باليد اليمنى بحيث يكون بإمكان اليد اليسرى إما أن تذهب أعمق داخل الكمّ أو أن تنسحب وتخلـِّص نفسها، ومع ذلك فمن المستحيل تقريبا تنسيق حركات اليدين، وكأن اليد اليسرى فأر محبوس فى قفص ومن الخارج يحاول فأر آخر أن يساعده على الهرب، إلا إذا كان بدلا من المساعدة يعُضُّهُ، لأن اليد السجينة تؤلمه فجأة وفى الوقت ذاته تقبض اليد الأخرى بقوة على ما لابد أن يكون يده، يده التى تـُؤْلم، تؤلمه بشدة إلى حدّ أنه يتخلى عن محاولة خلع البلوڤر، ويفضّل أن يقوم بمحاولة واحدة أخيرة ليدفع رأسه إلى خارج الياقة، وليدفع الفأر الأيسر إلى خارج قفصه، ويحاول عن طريق الكفاح بكل جسمه، مائلا إلى الأمام ثم إلى الخلف، دائرا حول نفسه فى دوائر وسط الحجرة، إذا كان فى وسط الحجرة حقا، لأنه يعتقد الآن أن الشباك تـُرك مفتوحا وأن من الخطر أن يظل يدور حول نفسه فى دوائر معصوب العينيْن، فمن الأفضل أن يتوقف رغم أن يده اليمنى تذهب وتجئ دون أن تـُعير انتباها للبلوڤر، رغم أن يده اليسرى تؤلم أكثر فأكثر، وكأن أصابعه عُضَّتْ أو أحرقت، ومع ذلك تطيعه تلك اليد، مقلصة الأصابع الممزقة قليلا قليلا، وينجح فى أن يقبض من وراء الكمّ على وسط البلوڤر المتكوّر على الكتف، وهو يشدّ إلى أسفل بالقوة التى يكاد لم يبق له منها شيء، إنها تؤلمه للغاية وسيحتاج إلى مساعدة اليد اليمنى، بدلا من التسلق غير المجدى إلى أعلى وأسفل رجليْه، بدلا من قَرْص فخديْه كما تفعل الآن، حيث تخربشه أو تقرصه من وراء ملابسه دون أن يكون قادرا على منعها، لأن كل قوة إرادته محصورة فى يده اليسرى، وربما كان قد سقط على ركبتيه، وهو يحسّ الآن وكأنه معلق من يده اليسرى التى تشدّ البلوڤر مرة أخرى ويحسّ فجأة ببرودة على حاجبيْه وجبهته، وعلى عينيْه، وبصورة عبثية لا يريد أن يفتح عينيْه غير أنه يعرف أنه بالخارج، فتلك المادة الباردة، تلك المادة المبهجة هى الهواء الطلق، وهو لا يريد أن يفتح عينيْه وينتظر ثانية واحدة، ثانيتين، ويسمح لنفسه بأن يعيش فى زمن بارد ومختلف، الزمن خارج البلوڤر، وهو الآن على ركبتيْه وجميل أن يكون المرء كذلك، إلى أن يفتح عينيْه قليلا قليلا شاكرًا متخلصا من خيوط العنكبوت الزرقاء من الصوف بالداخل، يفتح عينيْه باحتراس ويرى أظافر الأصابع الخمسة تتأرجح فوق عينيْه، وكان لديه بالكاد الوقت الكافى لأن يُسقط جفنيْه، ولأن يردّ نفسه إلى الوراء، مُغَطـِّيًا نفسه باليد اليسرى التى هى يده، كانت تلك كل ما بقى للدفاع عنه من داخل الكمّ، لشدّ ياقة البلوڤر إلى أعلى، وتُنْسَجُ خيوط العنكبوت الزرقاء حول وجهه من جديد، فيما ينشّط نفسه ليهرب إلى مكان آخر، ليصل أخيرا إلى مكان بدون اليد، بدون البلوڤر، مكان ليس فيه سوى الجو العطر يطوّقه ويصحبه ويلاطفه اثنى عشر طابقـًا إلى أسفل.
 
  
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
موريلو روبياون (البرازيل)
الساحر السابق من مطعم مينيوتا
 
أَمِلْ يا ربُّ أُذُنَك. استجبْ لى.
                                                  لأننى مسكين وبائس أنا.
سفر المزامير ـ 86 : 1
 
 
أعمل فى الوقت الحالى موظفا حكوميا، وليس هذا أسوأ مصائبى.
وحتى أكون أمينا، لم أكن مستعدا للمعاناة. إن كل إنسان، عندما يصل إلى عمر بعينه، يكون مهيأ تماما لمواجهة سيل من الضجر والمرارة، ما دام قد اعتاد منذ طفولته على تقلبات الحياة اليومية عبر عملية تدريجية من الاضطراب المتواصل.
لم يحدث هذا لى. لقد قذف بى إلى الوجود بدون أبوين، بدون طفولة أو مراهقة.
وجدت نفسى ذات يوم، بشعر أشيب خفيف، فى مرآة مطعم مينيوتا، ولم يفزعنى هذا الاكتشاف أبدا، بقدر ما أدهشنى أننى أخرجت صاحب المطعم من جيبى. أما هو فقد سألنى، متحيّرا إلى حدّ ما، كيف أمكننى أن أفعل شيئا كهذا.
بماذا كان يمكننى أن أجيب، وأنا فى وضعى هذا، كشخص لا يملك أدنى تفسير لوجوده فى هذا العالم؟ أخبرته أننى متعب، أننى مولود متعبا وضجرا.
ودون أن يفكر مليا فى إجابتى أو يسألنى أكثر، قدم إلىّ عرض عمل، وهكذا بدأت، منذ ذلك الوقت فصاعدا، فى تسلية عملاء تلك المنشأة بنشاطى السحرى.
غير أن الرجل ذاته فاته إدراك أهمية اعتيادى أن اقدم للمشاهدين تشكيلة من وجبات الغداء المجانية التى كنت أنتزعها بطريقة خفية من داخل جاكتتى. ولأنه ارتأى أن أفضل  الصفقات لا تتمثل فى مجرد زيادة عدد الزبائن ـ بدون نمو مقابل فى الأرباح ـ فقد قدّمنى لمدير حديقة السيرك الأندلسى، الذى عرض أن يستأجرنى عندما حدثه عن قدراتى. غير أنه نصحه أوّلا بأن يتخذ بعض التدابير الاحتياطية ضد حيلى، لأن من المحتمل أن أقرر على الفور توزيع تصاريح لدخول العروض.
وعلى النقيض من التوقعات المتشائمة لصاحب عملى الأول، كان سلوكى نموذجيا. ولم تقم التزاماتى العامة بإثارة الجماهير فقط، بل عادت على أصحاب الشركة بأرباح خيالية أيضا.
وبصفة عامة، استقبلنى الجمهور بشىء من الفتور، ربما لأننى أحجمت عن تقديم نفسى مرتديا بدلة فراك وقبعة رسمية. لكن بمجرد أن بدأت لا إراديا فى إخراج أرانب، وثعابين، وسحالى، من قبعة، ارتعش المشاهدون من فرط الإثارة، وخاصة فى النمرة الأخيرة حيث أجعل تمساحا أمريكيا يظهر من بين رؤوس أصابعى. ثم، بالضغط على ذلك الحيوان من كلا الطرفين، قمتُ بتحويله إلى أكورديون وأنهيت الفصل بعزف النشيد الوطنى للدجاج الصينى. وينفجر التصفيق من كل ناحية، تحت نظرتى المحدّقة من بعيد.
وكان مدير السيرك، الذى راح يراقبنى من بعيد، مستفزًّا من عدم اكتراثى بتهليل الجمهور، خاصة عندما كان يأتى من الأطفال الصغار الذين كانوا يحضرون ليصفقوا لى فى الحفلات الصباحية أيام الأحد. فلماذا تهتز مشاعرى، مع ذلك، إذا كانت هذه الوجوه البريئة، التى قدر عليها أن تعانى العذاب الذى يصيب أىّ إنسان يبلغ سن الرشد، لم تحرك بداخلى أىّ شفقة، ولا أىّ غضب من باب أولى، إزاء امتلاكهم لكل شىء تلهفت عليه لكن لم أمتلكه: الميلاد، وماضٍ يخصنى.
وعندما صرتُ أكثر شعبية، أصبحت حياتى لا تطاق.
وفى بعض الأحيان، وأنا جالس فى مقهى ما، أراقب عامة الناس بعناد وهم يسيرون عابرين صفوفا على الأرصفة، كان الأمر ينتهى بى إلى أن أخرج من جيبى حماما، ونوارس، وظرابين. وكان الناس من حولى يتصورون أن سلوكى مقصود فينفجرون دائما فى ضحكات صاخبة مدوية. فكنت أحدق فى الأرض مغتمًّا، وأغمغم ضد العالم والطيور.
وكلما حدث أن فتحت يدىّ، شارد الذهن، كانت تنسلّ منهما أشياء غريبة. وفى إحدى المناسبات أدهشت نفسى بسحب شكل غريب بعد شكل غريب آخر من كمىّ. وفى النهاية كنت محاطا تماما بأشكال غريبة، دون أدنى فكرة عن أىّ هدف أعزوه إليها.
ماذا كان بإمكانى أن أفعل؟ نظرت فى كل اتجاه حولى، وكانت عيناى تلتمسان نوعا من العون، عبثا، وكان وضعا معذبا للغاية.
ودائما تقريبا، كنتُ إن أخرجت منديلى لأتمخط أدهشتُ أولئك الذين بجوارى بسحب ملاءة سرير بكاملها من جيبى. وإنْ تململت ضجرا بياقة معطفى، ظهر صقر ضخم فى الحال. وفى مناسبات أخرى، فيما كنت أحاول ربط رباط حذائى، أخذت الثعابين تنزلق خارجة من بنطلونى. النساء والأطفال أجفلوا يصرخون. الحراس أتوا مهرولين من بعيد، المتفرجون تزاحموا حولى، فضيحة. وكان لا مناص من اقتيادى إلى مقر الشرطة للمثول أمامها وأصغيت بصبر فيما كانت السلطات تحظر علىّ القيام مرة أخرى بإطلاق ثعابين فى الطرق العامة.
لم أبد أىّ اعتراض. وبجبن، ذكرت متذللا صفتى كساحر، وأكدت نيتى على ألا أضايق أحداً.
وصرت معتاداً ، ليلا، على الاستيقاظ فجأة فى منتصف نوم عميق ، على طائر مرتفع الصوت يرفرف بجناحيه وهو يطير خارجا من أذنى .
وفى إحدى هذه المناسبات، وقد استولى على الغضب تماما، عاقدا العزم على ألا أمارس السحر مرة أخرى أبدا، قمت بقطع يدىّ. عبثا. فبمجرد أن تحركتُ، ظهرت اليدان من جديد، ناضرتين كاملتين، على الطرف المبتور من كل ذراع!
وكان علىّ أن أبدد يأسى بطريقة ما. وبعد أن أطلت التفكير فى الموضوع بعناية، انتهيت إلى أن الموت وحده سيضع نهاية مناسبة لمحنتى.
وعاقدا العزم على تنفيذ قرارى، أخرجت دزينة من الأسود من جيوبى، وانتظرت مكتوف اليدين اللحظة التى ستقوم فيها الأسود بالتهامى. لكنها لم تلحق بى أذى. ومحيطة بى، شمت الأسود ملابسى، ثم وهى تراقب المشهد انسلت خلسة.
وفى الصباح التالى عادت الأسود من جديد وربضت بطريقة استفزازية أمامى.
"ماذا تتوقعين منى، أيتها الحيوانات الغبية؟" زأرتُ باستياء.
هزت الأسود لِبَدَها بحزن وناشدتنى أن أجعلها تختفى.
"هذا العالم ممل بصورة مفزعة"، أعلنت الأسود.
فشلت فى كبح جماح غضبى العارم. ذبحتها جميعا، وبدأت أنا نفسى فى التهامها. وراودتنى آمال فى أن أموت ضحية عسر هضم قاتل.
مصيبة المصائب! عانيت مغصا هائلا فى المعدة، وبقيت على قيد الحياة.
ولم يؤد هذا الفشل إلا إلى مضاعفة إحساسى بخيبة الأمل. تركت ورائى تخوم المدينة ورحلت باحثا عن الجبال. وعندما وصلت إلى أعلى قمة، وكانت تطل على الهوة المظلمة، تركتُ جسمى للفضاء.
لم أحسّ بأكثر من إحساس طفيف باقتراب الموت ـ ودفعة واحدة تقريبا وجدت نفسى متدليا من باراشوت. وبصعوبة، وأنا أرتطم بعنف بالصخور، مشوّها وملطخا، عدت أخيرا إلى المدينة، حيث كانت الخطوة الأولى التى قمت بها هى الحصول على مسدس.
فى البيت من جديد وراقدا على فراشى، رفعت السلاح إلى أذنى. وضغطت على الزناد، متوقعا انفجارا مدويا وألم الرصاصة وهى تشق طريقها داخل رأسى.
لم تكن هناك طلقة، ولا موت: تحول السلاح النارى الصغير إلى قلم رصاص.
تدحرجتُ على الأرض، منتحبا. أنا الذى كنت أستطيع أن أخلق كائنات أخرى لم أملك وسيلة لتخليص نفسى من الوجود.
تعبير سمعته بالمصادفة، وأنا فى الشارع ذات يوم، منحنى أملا جديدا فى قطع صلتى بالحياة بصفة نهائية. فقد سمعت من رجل حزين أن العمل موظفا حكوميا يعنى الانتحار بالتدريج.
ولم أكن فى وضع يسمح لى بأن أقرر ما هو شكل الانتحار الذى يناسبنى على أفضل صورة: البطىء أو السريع. ونتيجة لذلك، عملت بوظيفة بحكومة الولاية.
سنة 1930، سنة مريرة، أطول من تلك السنوات التى أعقبت التجلى الأول الذى عرفته لوجودى، هناك فى مرآة مطعم مينيوتا.
لم أمت، كما كنت آمل. وكلما عظمت بلاياى، كانت تعظم محنتى.
وحينما كنت ساحرا، كانت صلتى بالناس ضئيلة للغاية ـ كانت خشبة المسرح تحتفظ بى على مسافة كافية منهم. والآن وقد أصبحت مجبرا على أن أكون على اتصال مستمر مع أمثالى من الكائنات البشرية، كان من الضرورى أن أفهمهم، وأن أخفى الكراهية التى يثيرونها فى نفسى.
ولأن مهام وظيفتى كانت تافهة، كان أسوأ ما فى الأمر هو أننى وجدت نفسى فى وضع يضطرنى إلى أن أتسكع بلا هدف ساعات متواصلة بلا توقف. وأدى الفراغ إلى استيائى من افتقارى إلى ماضٍ يخصنى. فلماذا كنت وحدى، بين كل أولئك الذين يعيشون أمام عينىّ، من لم يكن لديه شىء يتذكره؟ كانت أيامى تطفو فى فوضى، مختلطة بقليل من الذكريات التافهة، المقدار الإيجابى الصغير المتمثل فى ثلاث سنوات فى الوجود.
الحب، الذى جاءنى عن طريق موظفة حكومية معى، مكتبها بالقرب من مكتبى، ألهانى لفترة عن همومى.
إلهاء لحظىّ. وسرعان ما عاد قلقى، وتصارعت مع شكوكى. وكيف كان لى أن أتقدم لخطبة زميلتى هذه إذا كان لم يصدر منى قط أىّ تصريح بالحب، ولا كانت لى تجربة حب واحدة وحيدة؟
سنة 1931 بدأت كئيبة، بتهديدات بتسريحات جماعية من العمل وبرفض من جانب موظفة الآلة الكاتبة النظر فى طلبى ليدها. وأمام احتمال فصلى من الخدمة، حاولت أن أعتنى بمصالحى الخاصة. (كانت الوظيفة لا تعنينى تقريبا. كنت ببساطة خائفا من أن أترك ورائى امرأة رفضتنى، غير أن وجودها صار بالتدريج أمرا لا غنى عنه بالنسبة لى.)
ذهبتُ إلى المشرف على القسم الذى نعمل فيه وأعلنت أنه لا يمكن فصلى لأننى، بعد عشر سنوات فى الحكومة، أتمتع الآن بضمان العمل.
أخذ يحملق فى وجهى بعض الوقت فى صمت تام. ثم قال، عابسا فى وجهى، إنه مندهش لحديثى الساخر. فهو لم يكن ليتوقع أبدا من شخص له سنة واحدة فقط فى الخدمة أن يملك الجرأة على أن يدعى أن له عشر سنوات.
ولأثبت له أن موقفى لم يكن مستهترا، أخذت أفتش فى جيوبى عن أية وثائق تؤيد صحة ادعائى. ومذهولا، نجحتُ فقط فى إخراج قطعة ورق مجعدة، وكانت شذرة من قصيدة من إلهام صدر موظفة الآلة الكاتبة.
وبقلق، قمت بتقليب كل جيوبى، لكننى لم أعثر على شىء آخر .. ..
كنت مجبرا على التسليم بالهزيمة. والحقيقة أننى كنت قد أصبحت واثقا أكثر كثيرا مما ينبغى بقدراتى على عمل السحر، تلك القدرات التى قضت عليها البيروقراطية.
والآن، مجردا من موهبة السحر الخارقة السابقة الذكر، غدوت غير قادر على الاستغناء حتى عن أسوأ المهن البشرية. وينقصنى حب زميلتى موظفة الآلة الكاتبة كما ينقصنى وجود أصدقاء، الأمر الذى يرغمنى على التردد على الأماكن المهجورة. وفى كثير من الأحيان يفاجئنى الناس وأنا أحاول أن أنتزع، من داخل ملابسى بأصابعى، أشياء ضئيلة لا يلمحها أحد منهم على كل حال، مهما قاموا بالتحديق باهتمام.
وهم يظنون أننى مجنون، خاصة عندما أقذف إلى الهواء بتلك الأشياء الضئيلة جداً.
ويأتينى انطباع بأن عصفورا يوشك على أن يخلص نفسه من بين رؤوس أصابعى. وأتنهد بصوت مرتفع، بعمق.
وبالطبع لا يمنحنى الوهم أىّ راحة. إنه لا يقوم إلا بزيادة حدة أسفى على أننى لم أخلق عالما سحريا بالكامل.
وفى بعض اللحظات أتخيل كم سيكون رائعا أن أنتزع مناديل حمراء، وزرقاء، وبيضاء، وخضراء، من جسمى، وأن أملأ الليل بألعاب نارية، وأن أدير وجهى إلى السماء فأجعل قوس قزح يتدفق من بين شفتىّ، قوس قزح يغطى الأرض من أقصاها إلى أقصاها. ثم التصفيق من الرجال المسنين بشعرهم الأبيض، ومن الأطفال اللطفاء.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
  
أرمونيا سومرز  (أوروجواى)
جنون
 
عندما سقط لورنثو، وقد ثقبته كالغربال رصاصات اللامپنيو (وكما سبق لك أن عرفت، كان لورنثو هو سكّير ميركادو بييخو المقمِّل الذى أصيب منذ فترة قصيرة بعدوى مرض الكلب من اللانيودو، الكلب الصغير الذى كان يحرسه والذى كان هو ذاته سكّيرا بنفس القدر)، مرّت الصورة النحاسية المفضّضة لأصيل مونتڤيديو المعدنى ذلك بأوّل تغيُّر يعتريها. أوّلا: صناديق التعبئة، التى هدّد لورنثو، الهارب، من داخلها، جلاديه بأظافره، ولُعابه، وأسنانه، فقدتْ مَنْ كان يشغلها. وثانيا: لورنثو، الذى كان واقفا منذ دقائق على قدميْه يشنّ حربا عنيفة، سقط فى الحال بعد أن دار حول نفسه من قوّة الرصاصات وَوَجْهُهُ إلى أعلى فوق فراش من الموز العفن كانت تغطيه سحابة من الذباب المجنون بالحلاوة.
عائدا إلى النفاية مرة أخرى، وضع اللامپنيو سلاحه المرخّص فى مكانه المعتاد، ونظر إلى السائق، الذى كان لايزال يفرك عينيه بسبب ما رآه لتوّه، وقال له: "إنها حالة دفاع مشروع لتفادى مزيد من الخطر. لقد سمعه الجميع وهو يصرخ بأنه سيعضّنى إنْ لمسته، ولا أشعر بأىّ تأنيب ضمير بسبب إطلاق الرصاص عليه كما يُجيز القانون. بالتالى تتعلق المسألة بمهمّة تم إنجازها، فلننتقلْ إلى موضوع آخر".
مهمّة تم إنجازها... أدار السائق المحرّك وقاد السيارة مندفعا عارقا الخوف فى الشارع القذر. ولارتباطهما معا بعملهما المشترك، كان قلباهما يدقان ببلادة متوافقيْن فى الأسس والمبادئ.
"... أجل، الجنون، عليك أن تقمع الجنون لدى الآخرين لتنتقم لجنونك أنت".
"جنون الأجور المنخفضة والحياة المتضخّمة".
"جنون الحُبّ القليل والأطفال الكثيرين".
"جنون السفن الكثيرة دون رحلة واحدة".
"لكنْ، ما نوع جنون سكّير ميركادو".
"جنون يمكنه أن يُفجِّر كل شيء دفعة واحدة".
"يمكنه أن ينفجر انفجارا واحدا كبيرا بدلا من أن يتلاشى شيئا فشيئا فى دفقات صغيرة، كما يتعيَّن على جنوننا أن...".
لكنْ، لحسن الحظ، لم تتجسّد كافة هذه الخواطر. ذلك أنها ظلتْ مشتبكة فى شبكة خواطرهما، فى الإدراك العرضىّ للمشاهد التى مرّا بها، وللفرامل الغاضبة عند نواصى الشوارع، وللوحات الإعلانات التى تعلن عن المباراة الكبرى التالية لكرة القدم. كان لورنثو، وقد اتحد مع موزه وذبابه، هو الشيء الواقعى الوحيد، كان هو الشيء الوحيد المجسد. وكان واقعيا أيضا ذلك الفزع الشديد الذى أحدثه اللانيودو، عندما ركض مسرعا نحو الحشد مثل ساعى بريد مجنون، يحمل بريده القاتل بين أسنانه. وتشتت الحشد فى أنحاء المشهد. وحالما انعطف الساعى حول ناصية، عاد باعة ميركادو، وأولئك الذين يتوقفون لمشاهدة أىّ شيء يحرك الهواء أقلّ حركة، إلى عيشهم. سار الزمن متشامخا لا يرحم، وكان على عبيده أن يُديروا العجلة.
رقد لورنثو هناك ينتظر أن يجرى انتشاله مثل كلب ميت. وبدأ الجو حوله ـ والذى كان بنفس زُرقة عينى اللانيودو قبل أن تصبحا محتقنتيْن بالدم ـ يتلبّد.
"أنا أليخو، أتعرف؟ يا صديقى لورنثو..."
حوّل مُرافق الرجل الميت عينيه عن الجثة ونظر إلى الولد الأشقر الصغير الخائف. وكان من الصعب طرده بعيدا وكأنه ذبابة أخرى. كان هذا أيضا أكثر صلابة بكثير. كان له مركز ثقل حقيقى. وأربك وجوده الحارس. أحسّ الرجل الذى عُيِّن لحراسة الميت إلى أن تأتى سيارة الإسعاف بأنه ليس هناك أىّ أساس مشترك ولا جسر واحد بينه وبين هذا الصبى الذى فى السابعة من عمره وذى الصوت الأبحّ والعينيْن الزرقاويْن والذى شرع فى توجيه الأسئلة وتاه بعيدا فى أجوبته هو.
"أنا أليخو"، كرّر قوله. "صديق لورنثو. ماما لم ترغب فى أن..."
"بسبب القمل، صحيح؟"
"كان قد أبحر فى سفن القراصنة..."
"لأنه اعتاد أن يسكر على الشراب النارىّ الأزرق المغلىّ مع الذرة البيضاء، صحيح؟"
"وكان يمكنه أن يعزف الهارمونيكا..."
"ولهذا فإن ابن الزنا الكسول هذا، لم يعمل قط، صحيح؟"
"كل الكلاب فى الحىّ أحبته..."
فجأة، وربما بسبب ذلك الطباق اللحنى الغريب بين نغمتىْ الصوت، نغمة الجرأة على الحب، ونغمة المساومة، هاتين العقيدتين المختلفتين للغاية، بدا وكأن الشفة العليا للرجل الصريع ارتدّت إلى الوراء فى ابتسامة أخيرة، كاشفة عن أسنانه البيضاء بصورة لا تصدَّق بين حافتيْن ضاربتيْن إلى لون الأرجوان. عندئذ، ولسبب ما لم يكن بوسعه تفسيره، تحرّك الرجل الذى يحرس الجثة فركلها باشمئزاز، مُحاولا أن يغيّر التكشيرة الجديدة الموحية بجمجمة. كما لم يكن بوسعه أن يفسِّر لماذا كره لورنثو، الذى لم يفعل شيئا أكثر من أن يموت بسبب اللانيودو المجهول. عندئذ، وكأنه يخرج من امتداد لا نهاية له من القطوع الهندسية المتكافئة، سمع صوت أليخو:
"وكانت له أسنان جميلة..."
 
إليسيو دييجو  (كوبا)
بخصوص السنيور دى لاپينيا
 
-1-
برز القصر ـ المهجور منذ عشرين سنة ـ فوق جرْف صخرى خارج القرية، حيث كانت الرياح تدور حوله ويطارد بعضها بعضها الآخر لتواصل ألعابها الوحشية، وحيث كان البحر يحطم قبضات لا تنتهى فى تذمر لا ينتهى.
انتهى العمال من ترميمه منذ شهر وبعد ذلك مباشرة وصلت حمولة عشرين سيارة شحن من الأثاث لحجراته العشرين، وكانت الممرات إلى كثير منها قد تهدّمت وأصبحت بحاجة إلى ترميم.
أخذ البواب، والطباخة، والبستانى، والخادمة، الذين استأجرهم المالك الجديد من قبل، يرقبون مجيئهم، مسندين ظهورهم إلى جدار رواق المدخل. تنهدت الطباخة: "لابد أنهم فوج من الجنود". أومأ الآخرون برؤوسهم بأسى.
غير أنه فى نهاية الموكب لم يكن هناك سوى سيارة واحدة، ولم يكن بداخلها سوى السنيور الجديد دى لاپينيا. قال البستانى بحسرة: "قد يكون هذا أسوأ".
وافقت الخادمة بحماس: "قد يكون، بلاشك".
 
-2-
 
"إنه ولد، مجرد طفل"، قالت الخادمة، وهى ترتب شعرها وتحاول أن ترى نفسها من الجانب فى زجاج دولاب الفضّيّات.
"طيب"، قال البستانى، وهو يضع البيريه المبتلّ بالعرق على منضدة المطبخ ويمسح جبهته بمنديل ضخم، أحمر وأصفر، "ولد بوجه رجل عجوز. من يتصوّر...". وأخذ يروى لهم كيف أصرّ على إخفاء زهريات الورد بين سعف النخيل. وأضاف بنظرة ذات معنى إلى الخادمة: "بالإضافة إلى ذلك، يمكنه أن يقف على قدميه بجهد جهيد".
"طبعا"، أجابت الخادمة، غاضبة، "وماذا يفعل المسكين مع وجع الظهر الذى يعانى منه".
 
-3-
 
"إنه رجل متدين طيب"، أكّد البواب، الذى كان أيضا الخادم الخصوصى للسنيور دى لاپينيا. "مدفونا فى كتبه هنا، بتلك الملابس التى تبدو مثل ملابس كاهن، ودائما بعبارته تلك (هل تتفضّل علىّ بـ...)، (أرجو أن تتعطف علىّ بـ...)، (أشكرك جدا جدا جدا...). بل إنه رجانى أن أسامحه عندما دَلَقتُ القهوة كلها عليه".
وضعتْ الطباخة يديْها على شفتيْها: "ملابس كاهن! كان ينبغى أن تراه عائدا من ركوب حصانه! قذرا جدا والبُوت مغطىًّ بـ... إنه متوحش، هذا رأيى. ثم طلب منى "شرابا"، واللغة القذرة التى استعملها، كل هذا بلا سبب. إيه، حتى زوجى الميّت لم...!".
"اهدئى، اهدئى"، قال البواب، وهو يعدّ بعض النقود المعدنية شارد الذهن، "كلّ إنسان قد يمرّ بلحظة سيئة".
 
-4-
 
"رجل عجوز" قال البستانى، وهو يقرع المنضدة بقبضته. "أنا أقول أنه رجل عجوز، ومن العار أن نتحدث عنه من وراء ظهره".
"استعموا إليه"، صرخت الخادمة. "رجل عجوز! أنت تحلم! إذا كنت تفكر بصوت عال وحسب، لابأس، لكنْ أىّ شيء آخر...".
"حسن جدا"، قاطع البواب، فى محاولة لإحلال السلام، "إنه أصلع قليلا وعنيد، لكنه ليس رجلا عجوزا فى واقع الأمر. ولأنه أشقر...".
"أصلع وأشقر؟ أسود، هندى!" قاطعتْ الخادمة وطلبت من السماء أن تشهد. وكانوا على وشك اللجوء إلى القوة عندما قبض البواب (الذى كان قد حصل على قسطه الضئيل من الاطلاع، والذى هو باختصار مثقف) على ذراع الطباخة وهو يمتدّ مستعدّا للقتال وطالب بالهدوء.
"شيء غريب جدا"، قال. "من الواضح أننا نتكلم عن أربعة أشخاص مختلفين. وإذا فكرنا فى الأمر دقيقة واحدة نجد أننا نحن الأربعة رأيناه كلنا معا مرة واحدة فقط، عندما وصل، وكان ملفوفا تماما بالفرو بحيث يمكن حتى أن يكون دُبّا. وأتساءل ما إذا كان فى هذا البيت ثلاثة دجالين؟ وأقترح أن نذهب نحن الأربعة ونراه فورا. إنه فى حجرة مكتبه، تركته هناك منذ قليل".
غير أن الطباخة اقترحتْ أن يُرسلوا أوّلا إلى نسيبها، الشرطى القروى، ومن الأفضل أن يختلس إليه الخمسة النظر عبْر نافذة حجرة المكتب.
 
-5-
 
كان السنيور دى لاپينيا جالسا إلى مكتبه، غير أنه لم يكن يكتب. وكان يسند رأسه إلى المسند العالى لكرسيّه، بلا حراك فى الوهج الثقيل لضوء الشمس. "أجل، هذا هو السنيور ـ إنه ولد"، قال البستانى ذاهلا.
غطت الخادمة وجهها بيديْها: "إنك كنتَ على حق، إنه رجل عجوز بغيض".
تراجع البواب خطوة، وهو يرسم على نفسه إشارة الصليب، وهمس: "إنه شيطان دون أدنى شك".
حملقت الطباخة بسعادة بالغة، ويداها معقودتان على مريلتها، فى السنيور دى لاپينيا. عندئذ أمسك الشرطى بكُمّها غاضبا، وقد بدتْ عليه أمارات نفاد الصبر. "إلام تنظرون؟ ليس هناك شيء على الإطلاق سوى كرسىٍّ خالٍ".
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
دالتون تريڤيزان (البرازيل)
الفراشة البيضاء
 
 
 
 
"هى منتهية تقريبا. فالرئة متعفنة تماما".
كان أوان إجراء عملية أو علاج بالكوبالت قد فات تماما.
"فلماذا لا تشتكى من ألم؟"
"ليس هناك أىّ ألم أو ارتفاع فى الحرارة".
ويتعذر عليها التنفس، والنافذة مفتوحة على مصراعيها.
"لم يبق لها سوى مزقة من الرئة".
وأنت تعاتبها لأنها تحب التدخين وتشعل ـ هى الأم المبتلاة ـ سيجارة من أخرى؟ ودائما السعال، الذى يجبرها على النهوض جالسة، ملتوية فوق فراشها.
"لا أستطيع أن أنام، يا ابنى. الجو خانق، هذه الغرفة لا هواء فيها".
ويذهب الشاب إلى فراشه وهو يسمع السعلة الخفيفة التى تكتمها فى وسادتها حتى لا تزعجه.
"هل هو مرض خطير، يا ابنى؟"
"أمى، ما هذا الكلام الفارغ."
"لماذا لم يعطنى الطبيب دواء ما؟ كل ما فعله هو أنه منع السجائر!"
وكل أسبوع يطلب الابن روشتة جديدة من الطبيب. وببعض الڤيتامينات، تقفز هى إلى خارج الفراش، وتطبخ الطبق المفضل للابن، وتنزل إلى الشارع من أجل شلتين من الصوف الأزرق.
"متعبة جدا استندتُ إلى الحائط".
ورغم إدراكها كم يكلفها، هى الأرملة الفقيرة، أن تربِّى ابنين، كانت مضطرة إلى أن تأخذ سيارة أجرة.أما الآن فهى لم تعد تخرج، هادئة فى ركنها، وهى تلفّ خيطا على إصبع صغير مرتعش، وفمها فاغر أمام النافذة.
"نَفَسُها مقطوع ويمكن أن تسقط من النافذة"، يحذر الطبيب "أو تلقى بنفسها منها".
كل ليلة يعطيها الابن حقنة. وتغفو بالكاد وتشعر بآلام شديدة وتمزق قميص نومها فوق صدرها النحيل الضامر. وهى الممتلئة الجسم بنعومة دوما، تسعل وتزداد نحولا؛ يرقص شبشبها القطيفة على قدمها ودبلة زواجها على إصبعها.
"ماذا سيحدث لك؟ وعندما تكون سكران، من الذى سيمسك جبينك؟"
"هذه الحقنة ستجعلك على ما يرام".
وفى الأيام الأخيرة تعتنى بها ممرضة شابة حلوة. وهى لم تفق بعد تماما، وحقنة أخرى لتخديرها: إنها لا تشكو من ألم، فقط ذلك التلهف على ابتلاع الهواء كله.
ويندفع الصبى نازلا على السلالم، ويدخل أوّل حانة. وعندما يعود يرى وجه أمه الشاحب، وفمها الممصوص إلى الداخل خاليا من أسنانه، وتنفسها يفحّ قبيل الفجر. ونادرا ما تتكلم؛ وهى ترسم إشارة الصليب وتغطى وجهها بالملاءة.
"ليتها تصاب بسكتة قلبية"، تهمس الممرضة.
وصرخة فى منتصف الليل، ويستحم وجهه فى الدموع. مرة أخرى ذلك الحلم الذى يدخل فيه المصعد، ومهما ضغط على المفتاح بقوة، لا ينغلق الباب، وهو مسمّر فى قاع بئر المصعد ـ وهناك، فى الأعلى، سعال أمه، وهو لا يستطيع أن يساعدها.
وعلى جبينه الملتهب، ملاطفة الفتاة بحنان.
"نامى معى".
"حرارتك مرتفعة، ياچوان".
"أطلب منك معروفا. إنى أموت حزنا".
رغم أنها ترفض أن تستلقى، يأخذها على الواقف متكئة على الحائط. ثم تلك الراحة الكبرى، ويسقط نائما.
فى الثالثة صباحا تناديه الفتاة ـ الزبد الأسود يفور من أنف المرأة المحتضرة. يا أمى المسكينة: أكثر تعبا من أن تسعل، العينان مفتوحتان دون أن تريا، التشنجات التى تهزّ الفراش.
أنين خافت، ابتسامة، سكون تام.
"انظرْ يا چوان".
ومن خلال النافذة تطير فراشة كبيرة بيضاء.
 
 
 
 
 
كلاريس ليسپكتور (البرازيل)
أضأل امرأة فى العالم
 
 
فى أعماق أفريقيا الاستوائية، عثر الرحالة الفرنسى مارسيل پريتر، الصياد والرجل المحنك، بمحض الصدفة على قبيلة من الأقزام ذوى الحجم الضئيل إلى حدّ مدهش. ولهذا ازداد دهشة عندما أخبروه أن هناك شعبا أضأل حتى من ذلك، بعد اجتياز غابات ومسافات. وعلى هذا اندفع متوغلا أعمق فأعمق.
وفى شرقى الكونغو، بالقرب من بحيرة كيڤو، اكتشف بالفعل أضأل الأقزام فى العالم. ومثل علبة داخل علبة داخل علبة، وربما امتثالا للحاجة التى تشعر بها الطبيعة أحيانا إلى التفوق على نفسها ـ كان هناك بين أضأل الأقزام فى العالم أضأل أضأل الأقزام فى العالم.
وهناك وسط البعوض والأشجار اللامبالية، وسط أعشاب المروج الأكثر خصوبة وهدهدة، وجد مارسيل پريتر نفسه وجها لوجه أمام امرأة طولها سبع عشرة بوصة وثلاثة أرباع البوصة، ناضجة، سوداء، صامتة ـ "سوداء مثل قرد"، كما قال للصحافة ـ كانت تعيش فوق قمة شجرة مع قرينها الضئيل. ووسط أبخرة الأدغال الوبيلة الفاترة، والتى تنضج الفاكهة مبكرا جدا، وتكسبها حلاوة لا تطاق تقريبا، كانت حُبلى.
هكذا وقفت هناك، أضأل امرأة فى العالم. وبدا للحظة، فى قيظ الحر، وكأن الفرنسى بلغ بُغيته الأخيرة فجأة وبطريقة غير متوقعة. وربما فقط لأنه لم يكن مجنونا، فإن روحه لم يُصبها الوهن ولا هى تجاوزت حدودها. وأحسّ بحاجة مباشرة إلى النظام وإلى تسمية ما هو قائم فسمّاها الزهرة الصغيرة. ولكى يكون بوسعه تصنيفها بين الوقائع الملموسة، بدأ فورا فى جمع الحقائق عنها.
إن جنسها سينقرض فى القريب العاجل. ذلك أنه لم يتبقّ سوى نماذج قليلة لهذا النوع الذى كان من شأنه أن يتضاعف لولا الأخطار الخبيثة لأفريقيا. فإلى جانب المرض، وأبخرة الماء المهلكة، ونقص الطعام، والحيوانات المفترسة التى تطوف فى كل مكان، يتمثل الخطر الكبير على قبيلة الليكوالا فى قبيلة الباهوندا المتوحشين، وهو خطر يحيط بهم فى الهواء الساكن، مثل فجر المعركة. فالباهوندا يصطادونهم بواسطة شِباك، كالقرود. ويأكلونهم. هكذا: يُوقعونهم فى الشباك ويأكلونهم. وانتهى الأمر بهذا الجنس البالغ الضآلة، المتقهقر، المتقهقر دوما، إلى الاختباء فى قلب أفريقيا، حيث اكتشفهم الرحالة المحظوظ. ومن أجل الدفاع الإستراتيچى، يعيشون فوق أطول الأشجار. والنساء يهبطن لطحن وخبز الغلال وجمع الخضروات؛ والرجال للصيد. وعندما يُولد طفل يتركونه حرا طليقا فى الحال تقريبا. وصحيح أن الطفل لا يمكنه غالبا، بسبب الحيوانات المفترسة، أن يستمتع بهذه الحرية طويلا. لكنه صحيح بالتالى أنه لم يعد هناك عمل شاق من أجل هذه الحياة القصيرة. وحتى اللغة التى يتعلمها الطفل مختصرة وبسيطة، الأساسيات لا غير. ذلك أن الليكوالا يستخدمون أسماء قليلة، ويُسمّون الأشياء بالإشارات وأصوات الحيوان. أما بالنسبة للأمور الدينية فلديهم طبلة. وفيما يرقصون على صوت الطبلة، يقوم ذكر ضئيل الحجم بالحراسة ضدّ الباهوندا الذين يأتون من حيث لا يعلم أحد.
كانت تلك، إذن، الطريقة التى اكتشف بها الرحالة، واقفا على قدميه، أضأل الكائنات البشرية الموجودة. وكان قلبه يدق، لأنه ليست هناك زمردة فى العالم بمثل هذه الندرة. وتعاليم حكماء الهند ليست بمثل هذه الندرة. وأغنى رجل فى العالم لم تقع عيناه على مثل هذه الرقة الغريبة. حقا كانت هناك امرأة ما كان بوسع شراهة أروع حلم أن تتصورها قط. وكانت تلك هى اللحظة التى قال فيها الرحالة باستحياء، وبرقة شعور ما كان بوسع زوجته قط أن تتصور أنه قادر عليها: "أنت الزهرة الصغيرة".
فى تلك اللحظة، هرشت الزهرة الصغيرة جسمها حيث لا يهرش أحد. الرحالة ـ وكأنه كان يتلقى أسمى جائزة للعفة يجرؤ شخص صاحب مُثل عليا أن يطمح إليها ـ الرحالة، بكل تجارب حياته، نظر إلى الجهة الأخرى.
نُشرت صورة فوتوغرافية للزهرة الصغيرة فى الملاحق الملونة لجرائد الأحد، بالحجم الطبيعى. كانت ملفوفة فى قماش، وكان بطنها كبيرا جدا بالفعل. الأنف الأفطس، الوجه الأسود، القدمان العرجاوان. كانت أشبه بكلب.
فى ذلك الأحد، فى إحدى الشقق، شاهدت امرأة صورة الزهرة الصغيرة فى الجريدة فلم تشأ أن تنظر إليها مرة أخرى لأنها "تصيبنى بالقشعريرة".
فى شقة أخرى، أحسّت سيدة بحنان منحرف نحو أضأل نساء إفريقيا إلى حدّ أنه ـ حيث أن درهم وقاية خير من قنطار علاج ـ كان لا يمكن أبدا ترك الزهرة الصغيرة وحدها لحنان تلك السيدة. فمن يدرى إلى أىّ حب شنيع يمكن أن يقود الحنان؟ ظلت المرأة متكدرة طول اليوم، وكأنها تقريبا كانت تفتقد شيئا ما. إلى جانب ذلك، كان الوقت ربيعا، وكان فى الجو تسامح خطر.
فى بيت آخر، شاهدت الصورة بنت صغيرة فى الخامسة وسمعت التعليقات، فاندهشت للغاية. ففى بيت مملوء بالكبار، كانت هذه الفتاة الصغيرة أضأل كائن بشرى إلى ذلك الحين. وإذا كان هذا مصدر كافة الملاطفات فقد كان أيضا مصدر أول خوف من طغيان الحب. إن وجود الزهرة الصغيرة جعل البنت الصغيرة تحسّ ـ بانزعاج عميق لن ينقلب إلا بعد سنين وسنين، ولأسباب مختلفة للغاية، إلى فكر ـ جعلها تحسّ، فى بداية نضجها العقلى، بأن "الأسى لا نهاية له".
فى بيت غيره، فى مستهل الربيع، أحسّتْ فتاة توشك على الزواج بفيض من الشفقة: "ماما، انظرى إلى صورتها الضئيلة، يا لها من مسكينة ضئيلة! تصورى فقط كم هى حزينة!"
"لكن"، قالت الأم، قاسية ومحبطة ومزهوة: "إنه حزن حيوان. إنه ليس حزنا بشريا".
"أوه، ماما!"، قالت البنت، بخيبة أمل.
فى بيت غيره، كانت لدى صبى صغير ذكى فكرة ذكية: "مامى، ليتنى كنت أستطيع أن أضع هذه المرأة الضئيلة من أفريقيا فى فراش بول الصغير وهو نائم، ألم يكن سيرتعب عندما يستيقظ؟ ألم يكن سيولول؟ عندما يراها جالسة على فراشه؟ وعندئذ كنا سنلعب بها! كانت ستصبح لعبتنا!"
كانت أمه تصفف شعرها أمام مرآة الحمّام فى تلك اللحظة، وتذكرتْ ما قاله لها أحد الطباخين عن الحياة فى ملجأ يتيمات. لم يكن لدى اليتيمات أىّ لـُعَب، وبأمومة مفزعة كانت تنبض بالفعل فى قلوبهن، أخفت البنات الصغيرات موت طفلة عن الراهبة. احتفظن بالجثة فى دولاب وعندما تخرج الراهبة كُنَّ يلعبن بالطفلة الميتة، فيقمن بتحميمها ويقدّمن لها أشياء لتأكلها، ولا يعاقبنها إلا لتكون قادرة على التقبيل، وكُنَّ يواسينها. فى الحمام، تذكرت الأم هذا، وأسقطت يديها الحانيتيْن، المليئتين بالتجاعيد. كانت تفكر فى الحاجة القاسية إلى الحب. وفكرت فى خبث رغبتنا فى السعادة. وفكرت فى كم نحتاج احتياجا وحشيا إلى اللعب. كم من مرات سنقتل فى سبيل الحب. عندئذ نظرت إلى طفلها الذكى وكأنها تنظر إلى غريب خَطِر. وكان بداخلها فزع من روحها هى التى، أكثر من جسدها، أوجدتْ ذلك الكائن البارع فى الحياة والسعادة. نظرتْ إليه باهتمام وبكبرياء قلقة، ذلك الطفل الذى فقد اثنتين من أسنانه الأمامية، حيث يتواصل النمو، وتنخلع الأسنان لتفسح المكان لتلك التى يمكنها أن تعضُّ أفضل. "سأذهب لشراء بذلة جديدة له"، قررتْ، ناظرة إليه، مستغرقة فى التفكير. بعناد، كانت تزين ابنها المخلع الأسنان بالملابس الفاخرة؛ بعناد، كانت تريده نظيفا جدا، وكأنما كان بوسع نظافته أن تؤكِّد سطحية ملطفة، عاملة بعناد على الوصول بالجانب المهذب للجمال إلى حدّ الكمال. منتزعة بعناد نفسها وابنها بعيدا عن شىء ما "أسود مثل قرد". ثم، ناظرة إلى مرآة الحمام، ابتسمت الأم ابتسامة مهذبة وودودة عن عمد، محتفظة بمسافة من حاجز آلاف السنين الذى لا يمكن تخطيه بين الخطوط التجريدية لملامحها والوجه الفجّ للزهرة الصغيرة. لكنها كانت تعرف، بحكم سنين من العادة، أن هذا الأحد سيكون أحدا ينبغى أن تخفى فيه عن نفسها القلق والأحلام وآلاف السنين المفقودة.
فى بيت غيره، انهمكوا فى المهمة الساحرة، مهمة أن يقيسوا على الحائط طول الزهرة الصغيرة الذى يبلغ سبع عشرة بوصة وثلاثة أرباع البوصة. وكانت مفاجأة سارة حقا: كانت أضأل حتى مما كان بوسع أحدّ خيال أن يصوره. وفى قلب كل فرد من أفراد الأسرة تولدت الرغبة، جارفة الحنين، فى أن يمتلك ذلك الشىء الضئيل والذى لا يقهر فى حدّ ذاته، ذلك الشىء الضئيل الذى تفادى أن يُؤكل، ذلك النبع الدائم للمحبة. لقد رغبت الروح الأسرية الشرهة فى أن تكرس نفسها. وإذا شئنا الحقيقة، من ذا الذى لم يرغب فى أن يمتلك كائنا بشريا لنفسه فقط؟ الأمر الذى لن يكون ملائما دائما، هذا صحيح؛ فهناك أوقات لا يريد فيها المرء أن تكون لديه مشاعر.
"أراهن على أنها لو كانت تعيش هنا لانتهى الأمر إلى قتال"، قال الأب، جالسا فى الكرسى المريح وهو يقلب صفحة الجريدة بعزم وتصميم. "فى هذا البيت ينتهى كل شىء إلى قتال".
"أوه، أنت يا چوزيه ـ متشائم دوما"، قالت الأم.
"لكن، يا ماما، هل فكرت فى الحجم الذى سيكون لطفلها؟"، قالت كبرى البنات الصغيرات، وهى فى الثالثة عشرة، متلهفة.
تحرّك الأب منزعجا وراء جريدته.
"لابد أنه سيكون أضأل طفل أسود فى العالم"، أجابت الأم، وهى تذوب من فرط البهجة. "تصوروها تخدم على مائدتنا، ببطنها الضئيل الضخم!"
"كفى"، زمجر الأب.
"لكن عليك أن تسلم بأنها "تحفة" نادرة. إنك أنت المتبلد الشعور"، قالت الأم متضايقة بصورة غير متوقعة.
والتحفة النادرة نفسها؟
فى نفس الوقت، فى أفريقيا، كانت التحفة النادرة نفسها، تحمل فى قلبها ـ ومن يدرى ما إذا كان قلبها أسود، أيضا، حيث أنه حالما تكون الطبيعة أخطأت لا يعود بالإمكان أن نثق بها ـ كانت التحفة النادرة نفسها تحمل فى قلبها شيئا حتى أكثر ندرة، وكأنه سرّ سرّها: أضأل طفل ممكن. بطريقة منهجية، درس الرحالة ذلك البطن الضئيل لأضأل كائن بشرى كامل النمو. وهذه هى اللحظة التى أحسّ فيها الرحالة، لأول مرة منذ عرفها، بدلا من الإحساس بالفضول أو الغبطة أو الانتصار أو الحماس العلمى، أحسّ بالاشمئزاز:
كانت أضأل امرأة فى العالم تضحك.
كانت تضحك، بدفء، بدفء ـ كانت الزهرة الصغيرة تستمتع بالحياة. كانت التحفة النادرة نفسها تذوق الإحساس الذى لا يوصف المتمثل فى أنها لم تؤكل بعد. كان كونها لم تؤكل بعد شيئا من شانه فى أىّ وقت آخر أن يعطيها الحافز الرشيق للقفز من غصن إلى غصن. لكنها، فى لحظة الهدوء هذه، وسط الأعشاب الكثيفة لشرقى الكونغو، لم تكن تضع هذا الحافز موضع التنفيذ ـ كان مركـَّزا تماما فى ضآلة التحفة النادرة ذاتها. لهذا كانت تضحك. كانت ضحكة لا يضحكها سوى شخص لا يتكلم. كانت ضحكة لم يكن بوسع الرحالة، المرتبك، أن يُصنّفها. وظلت تستمتع بضحكتها الناعمة، هى التى لم تفترس بعد. إن كون المرء لم يُفترس بعد هو أكمل إحساس. إن كون المرء لم يُفترس بعد هو الغاية الخفية لحياة بكاملها. وما دامت لم تكن تؤكل فى تلك اللحظة، كانت ضحكتها الهمجية رقيقة رقة البهجة. وارتبك الرحالة.
ومن ناحية أخرى، إذا كانت التحفة النادرة ذاتها تضحك فإنما كان ذلك لأنه، بداخل ضآلتها، بدأ يتحرك ظلام دامس.
أحسّت التحفة النادرة ذاتها بدفء فى قلبها ربما أمكن أن يُسمَّى الحب. لقد أحبت ذلك الرحالة ذا الوجه الشاحب. ولو كان بمستطاعها أن تتكلم فأخبرته أنها أحبته لانتفخ غرورا. ذلك الغرور الذى كان سيتهاوى عندما تضيف أنها أحبت أيضا خاتم الرحالة حبًّا جمًّا، وكذلك حذاء الرحالة "البوت". وعندما يحدث هذا التهاوى، لم تكن الزهرة الصغيرة لتفهم لماذا. لأن حبها للرحالة ـ بل ربما أمكن القول "حبها العميق"، حيث أنها، لأنها لا تملك أىّ ملاذ آخر، كانت ستلوذ بالعمق ـ لم يكن لحبها العميق للرحالة أن ينتقص منه على الإطلاق واقع أنها أحبتْ أيضا حذاءه. وهناك سوء تفاهم قديم فيما يتعلق بكلمة "حب"، وإذا كان كثير من الأطفال وُلدوا من سوء التفاهم هذا فإن كثيرين آخرين فقدوا الفرصة الوحيدة لأن يُولدوا، فقط بسبب الحساسية التى تقتضى أن أكون أنا! أنا! المحبوب، وليس نقودى. غير أنه فى رطوبة الغابة لا توجد هذه التدقيقات القاسية، فالحب هو ألاّ يُؤكل المرء، الحب هو الحصول على حذاء جيد، الحب هو الميل إلى اللون الغريب لرجل ليس أسود، هو الضحك حبا لخاتم لامع. ولمعت عينا الزهرة الصغيرة حبًّا، وضحكت بدفْء، ضئيلة، حُبلى، دافئة.
حاول الرحالة أن يردّ بابتسامة، دون أن يدرى بالضبط لأىّ هاوية استجابت ابتسامته، ثم ارتبك كما لا يمكن إلا لرجل عظيم جدا أن يرتبك. وتظاهر بأنه يعدّل من وضع قبعة الرحالة التى يلبسها، واحمرّ وجهه خجلا، بمنتهى الاحتشام. وانقلب إلى لون فاتن، لون وردى ضارب إلى الخضرة، كلون الجير عند شروق الشمس. ولا شك فى أنه كان متكدرا.
ومن الجائز أن تعديل وضع الخوذة الرمزية ساعد الرحالة على أن يسيطر على نفسه، وعلى أن يستردّ بصرامة نظام عمله، وعلى أن يواصل تدوين ملاحظاته. وكان قد تعلم كيف يفهم بعض الكلمات القليلة الملفوظة التى تستخدمها القبيلة، وكيف يفسر إشاراتهم. وكان يمكنه، الآن، أن يوجه أسئلة.
أجابت الزهرة الصغيرة: "نعم". بأنه لطيف جدا أن تملك شجرة خاصة بها تعيش فوقها. لأنه ـ لم تقل هذا غير أن عينيها أظلمتا بحيث قالتاه ـ لأنه من الخير أن نملك، من الخير أن نملك، من الخير أن نملك. وغمز الرحالة بعينيه مرارا.
مرّ مارسيل پريتر بلحظات صعبة مع نفسه. غير أنه ظل مشغولا على أية حال بتدوين ملاحظاته. وكان على أولئك الذين لم يدونوا ملاحظات أن يتدبروا أمورهم بأفضل ما كان بوسعهم:
"حسنا"، أعلنت فجأة سيدة عجوز، وهى تطوى الجريدة بإصرار، "حسنا، كما أقول دائماً: الله وحده يعلم ماذا يفعل".
 
 
 
 
 
 
 
 
    
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كلاريس ليسپكتور  (البرازيل)
مس ألجريڤ
 
كانت حسّاسة للنقد. ولهذا لم تقل أىّ شىء لأىّ شخص. ولو تكلمت لما صدّقوها، لأنهم لم يكونوا يصدّقون الواقع. لكنها، هى التى تعيش فى لندن، حيث تسكن الأشباح فى الأزقة المظلمة، كانت تعلم علم اليقين.
كان يومُها فى يوم الجمعة مثله فى أىّ يوم آخر. ولم يحدث ما حدث إلا يوم السبت ليلا. لكنها فعلتْ كل شىء يوم الجمعة كالمعتاد. كانت لاتزال تعذبها ذكرى مفزعة: عندما كانت صغيرة جدا، فى حوالى السابعة من العمر، كانت قد لعبتْ لعبة الأسرة مع ابن عمها چاك؛ ففى الفراش الكبير للجدّ فَعَلا معا كل شىء كان بوسعهما أن يفعلاه للحصول على طفل صغير، لكنْ بدون نجاح. ولم تر چاك بعد ذلك أبدا، كما أنها لم تردْه أيضا. وإذا كانت هى مذنبة فقد كان هو أيضا كذلك.
عزباء، طبعا، عذراء، طبعا. كانت تعيش وحدها فى مبنى صغير ملحق فى حى سوهو. وفى ذلك اليوم كانت قد فرغت من إحضار مشترياتها من البقالة: الخضروات والفواكه. ذلك أنها اعتبرت أكل اللحم خطيئة.
عندما مرّتْ عبْر ميدان پيكاديللى ورأتْ النساء فى انتظار رجال على نواصى الشوارع، كادت تتقيأ. بل أسوأ ـ مقابل نقود! كان ذلك أكثر مما يمكنها أن تتحمل. وكان ذلك التمثال، هناك، لإيروس [إله الحب]، فى منتهى عدم اللياقة.
بعد الغداء ذهبتْ إلى العمل: كانت كاتبة ممتازة على الآلة الكاتبة. ولم يكن رئيسها يراجع عليها أبدا، وكان يعاملها، لحسن الحظ، باحترام، فيناديها "مس ألجريڤ". وكان اسمها الأول رُوث. وكانت من أصل آيرلندى. ولأنها حمراء الشعر، كانت تعقد شعرها فى عقدة قاسية وراء عنقها. وكان ينتشر على وجهها الكثير جدا من النمش وكانت بشرتها صافية وناعمة حتى أنها كانت تبدو من الحرير الأبيض. وكانت رموشها حمراء أيضا. كانت امرأة رائعة.
كانت فخورة للغاية بقوامها: الوافر المتانة والطول. لكنْ لا أحد لمس صدرها أبدا.
كانت تتغدّى عادة فى مطعم رخيص هناك فى سوهو. وكانت تأكل الإسپاجيتى بصلصة الطماطم. ولم تدخل أبدا حانة: كانت رائحة الكحول تصيبها بالغثيان كلما مرّت بمكان من هذا القبيل. وأحسّتْ أن الجنس البشرى يجرح مشاعرها.
كانت تزرع الچيرانيوم الأحمر الأمر الذى كان مفخرة فى الربيع. وكان أبوها قسّيسا بروتستانتيًّا، وكانت أمها لاتزال تعيش فى دبلن مع ابن متزوج. وكان أخوها متزوجا من داعرة حقيقية اسمها توتسى.
على فترات متباعدة، كانت مس ألجريڤ تكتب رسالة احتجاج إلى التايمز. وكانوا ينشرونها. وكانت تدوّن اسمها ببالغ السرور: "المخلصة، روث ألجريڤ".
كانت تأخذ حمّاما مرة فى الأسبوع بالضبط، يوم السبت. ولكى لا ترى جسدها عاريا، كانت تظل لابسة اللباس والسوتيان.
كان اليوم الذى حدث فيه ما حدث يوم سبت، ولهذا لم يكن عليها أن تذهب إلى العمل. استيقظت مبكرة جدا وشربت قليلا من شاى الياسمين. ثم صلتْ. ثم خرجتْ تبحث عن بعض الهواء النقى.
بالقرب من فندق ساڤوا كادت تدوسها سيارة. ولو حدث هذا وماتت لكان هذا رهيبا، لأنه لم يكن ليحدث لها شىء فى تلك الليلة.
ذهبتْ إلى تدريب لجوقة المرتلين. وكان لها صوت رخيم. أجل، كانت إنسانة محظوظة.
فى وقت لاحق، ذهبت لتتغدّى وسمحت لنفسها بأن تطلب الجمبرى: كان جيدا إلى حدّ أنه كان يبدو حتى خطيئة.
ثم أخذتْ سبيلها إلى هايد پارك وجلستْ على الحشائش. وكانت أحضرتْ معها الكتاب المقدس لتقرأ. لكنْ ـ وليغفر لها الله ـ كانت الشمس متوحشة وسخيّة وحارة إلى درجة أنها لم تقرأ شيئا، لكنها ظلت جالسة فقط على الأرض دون أن تملك الشجاعة لتستلقى. وحاولت ألا تنظر إلى الناس الذين كانوا اثنينات يقبّل ويعانق كل منهما الآخر بلا أدنى خجل.
ثم عادت إلى البيت، ورَوَتْ البيجونيا، وأخذتْ حمّاما. ثم ذهبت تزور مسز كابوت، التى كانت فى السابعة والتسعين من عمرها. أحضرتْ لها قطعة من الكيك بالزبيب، وشربتا الشاى. وأحسّتْ مس ألجريڤ بأنها سعيدة للغاية، ومع ذلك... ومع ذلك.
فى الساعة السابعة عادتْ إلى البيت. لم يكن لديها ما تفعل. ولهذا بدأت تحيك سترة من الصوف للشتاء. لون بديع: أصفر كالشمس.
قبل أن تذهب إلى الفراش، شربت مزيدا من شاى الياسمين بالبسكويت، ونظفت أسنانها بالفورشة، وغيّرتْ ملابسها، ودسّتْ نفسها فى الفراش. أما ستائرها البيضاء الشفيفة فكانت رتقتها وعلقتها بنفسها.
كان الوقت مايو. وكانت الستائر تهتزّ مع أنسام هذه الليلة الفريدة. فريدة لماذا؟ لم تكن تعلم.
قرأتْ قليلا فى الجريدة الصباحية ثم أطفأتْ اللمبة التى عند رأس سريرها. وعبْر النافذة المفتوحة رأتْ ضوء القمر. كانت ليلة البدر.
تحسّرتْ كثيرا لأنه كان من الصعوبة بمكان أن تعيش بمفردها. كانت الوحشة تسحقها. وكان من المفزع ألا يكون لها شخص واحد وحيد تتحادث معه. كانت أكثر مخلوق عرفته عُزلة. حتى مسز كابوت كانت لديها قطة. ولم يكن لدى مس ألجريڤ أىّ حيوان أليف تقوم بتدليله على الإطلاق: كانت هذه الحيوانات وحشية للغاية حسب ذوقها. ولم يكن لديها تليڤزيون. لسببيْن: لم تكن تقدر على شرائه، ولم تكن ترغب فى أن تجلس هناك لتشاهد اللاأخلاقيات التى تظهر على شاشة التليڤزيون. وعلى تليڤزيون مسز كابوت كانت رأتْ رجلا يقبّل امرأة فى فمها. وهذا بلا أىّ إشارة إلى خطر نقل الجراثيم. آه، لو كان باستطاعتها لكتبتْ رسالة احتجاج إلى التايمز كل يوم. لكن الاحتجاج لم يَعُدْ بأىّ فائدة، أو هكذا بدا. كانت قلـَّّة الحياء تتفشى. بل لقد رأت كلبا مع كلبة. وقد صدمها هذا كثيرا. لكن مادامت هذه مشيئة الرب فلابد لمشيئة الرب أن تكون. لكنْ لا أحد سوف يمسّها فى يوم من الأيام، هكذا فكرتْ. وراحت تصبر على عزلتها.
حتى الأطفال كانوا لا أخلاقيين. وتحاشتهم. وأسفتْ بشدّة على أنها وُلدتْ من انقياد أبيها وأمها للشهوة. وخجلتْ من كونهما لم يخجلا.
ومنذ أخذتْ تترك حبوب أرز على نافذتها، صار الحمام يزورها. وأخذ الحمام يدخل حجرتها أحيانا. كان الرب هو الذى يرسل الحمام. برئ للغاية. الهديل. لكنه ـ هديل الحمام ـ كان لا أخلاقيا أيضا، لكنه كان أقلّ لا أخلاقية من رؤية امرأة عارية تقريبا على شاشة التليڤزيون. وفى الغد، بلا أدنى شك، كانت ستكتب رسالة تحتج فيها على الممارسات الشريرة لتلك المدينة الملعونة، لندن. وكانت رأتْ ذات مرة طابورا من المدمنين خارج صيدلية، ينتظر كل منهم دوره لأخذ حقنة. كيف تسمح الملكة بهذا؟ لغز. ستكتب رسالة أخرى تشجب فيها الملكة ذاتها. كانت تكتب جيدا، بدون أية أخطاء نحوية، وكانت تكتب الرسائل على الآلة الكاتبة فى المكتب عندما كانت تجد بعض الوقت الخالى. وكان مستر كليرسون، رئيسها، يشيد بشدّة برسائلها المنشورة. بل قال أنها قد تغدو كاتبة ذات يوم. وكانت بالغة الاعتزاز والامتنان.
هكذا إذن كانت تستلقى فى فراشها مع عزلتها. ومع ذلك.
كانت تلك هى اللحظة التى حدث فيها ما حدث.
أحسّت بأن شيئا ما ولم يكن حمامة دخل من النافذة. كانت خائفة. صرختْ:
"مَنْ هناك؟".
وجاءت الإجابة فى صورة ريح:
"أنا عبارة عن أنا".
"مَنْ أنت؟" سألتْ، وهى ترتجف.
"جئتُ من كوكب زحل لأحبّك".
"لكننى لا أرى أىّ شخص!" صاحتْ.
"ما يهم هو أنه يمكنك أن تحسّى بى".
وقد أحسّتْ به بالفعل. أحستْ برعشة كهربائية.
"ما اسمك؟"، سألتْ فى رعب.
"لا يهم".
"لكننى أريد أن أنطق باسمك!".
"نادينى إكستلان".
كان تفاهمهما بالسنسكريتية. وكانت لمسته باردة، مثل لمسة سحلية، تصيبها بقشعريرة. وكان على رأس إكستلان تاج من الثعابين المتشابكة، التى روّضها الفزع من الموت. وكان الرداء بلا كمّيْن والذى يغطى جسده من الأرجوانى الأكثر إيلاما؛ كان ذهبيا رديئا وأرجوانيا غليظا.
قال:
"اخلعى ثيابك".
خلعتْ ثياب نومها. وكان القمر ضخما داخل المنزل. وكان إكستلان أبيض وصغيرا. واستلقى إلى جوارها على السرير المعدنى. ومرّ بيديه على صدرها. وردتان سوداوان.
لم تحسّ فى يوم من الأيام بما أحسّتْ به فى تلك اللحظة. كان شيئا لطيفا للغاية. وكانت تخشى أن ينتهى. كان يبدو وكأن شخصا مشلولا ألقى بعكازه فى الهواء.
وبدأتْ تتنهد وقالت لإكستلان:
"أحبك، يا حبييى! يا حبى!".
وـ أجل، حقا. لقد حدث. لم تكن تريده أن ينتهى أبدا. كم كان حسنا، يا إلهى. وأرادت أكثر، أكثر، أكثر.
فكرتْ: خُذنى! أو بطريقة أخرى: أقدّم لك نفسى. وكان انتصارا "للهنا والآن".
سألته: متى ستعود؟
أجاب إكستلان:
"فى ليلة البدر التالية".
"لكنْ لا يمكننى الانتظار طوال ذلك!".
"لا مناص من ذلك"، قال ببرود تقريبا.
"هل أتوقع طفلا؟".
"لا".
"لكننى سأموت من افتقادك! ماذا يمكننى أن أفعل؟".
 "اعتادى على هذا".
نهض، وقبّلها بعفة على الجبين. وخرج من النافذة.
بدأتْ تبكى بصوت خافت. بدتْ وكأنها كمان حزين بلا قوس. وكان الدليل على أن كل هذا قد حدث بالفعل الملاءة الملوثة بالدم. واحتفظتْ بها دون أن تغسلها وستكون قادرة على أن تريها لأىّ شخص قد لا يصدقها.
رأتْ النهار الجديد يبزغ غارقا كله فى الأحمر الوردى. وفى الضباب بدأتْ الطيور القليلة الأولى سقسقة حلوة، لم تكن بعدُ محمومة.
أشعل الرب جسدها.
 لكنها، وكأنها بارونة من بارونات فون بليش، مستلقية على غطاء سريرها الساتان بحنين إلى الماضى، تظاهرتْ بأنها تدق الجرس لاستدعاء كبير الخدم الذى سيأتيها بالقهوة، ساخنة وثقيلة، ثقيلة جدا.
أحبّته وكان عليها أن تنتظر ليلة البدر التالية بحماس متقد. وكان عليها أن تتجنب أخذ حمّام حتى لا تزيل مذاق إكستلان. ومعه لم يكن ذلك خطيئة، بل بهجة. ولم ترغب بعد ذلك فى كتابة أية رسائل احتجاج: كانت لم تعد تحتجّ.
ولم تذهب إلى الكنيسة. كانت امرأة متحققة. كان لها زوج.
وهكذا، ففى يوم الأحد، فى وقت الغداء، أكلتْ شرائح لحم البقر مع بطاطس مهروسة. كان اللحم اللعين رائعا. وشربتْ النبيذ الإيطالى الأحمر. كانت محظوظة فى الواقع. لقد اختارها كائن من كوكب زحل.
كانت سألته لماذا اختارها. وكان قد قال أن ذلك كان لأنها حمراء الشعر وعذراء. وأحسّتْ بوحشية. كانت لم تعد تجد الحيوانات منفِّرة. دع الحيوانات تمارس الجنس ـ كان أفضل شىء فى العالم. وكان عليها أن تنتظر إكستلان. سيعود: أعرف ذلك، أعرف ذلك، أعرف ذلك، هكذا فكرتْ. كما أنها لم تَعُدْ تشعر باشمئزاز نحو اثنينات هايد پارك. لقد عرفتْ بماذا كانوا يشعرون.
ما أجمل أن نحيا. ما أجمل أن نأكل اللحم اللعين. ما أجمل أن نشرب نبيذا إيطاليا لاذعا، يقلـِّص لسانك بمرارته.
وعندئذ لم يكن يُوصى به أحد للقصَّر تحت الثامنة عشرة. وكانت مبتهجة، وكان لعابها يسيل حرفيا عليه.
وحيث كان اليوم الأحد، ذهبتْ إلى جوقة ترتيلها ترتل. ورتلتْ أفضل من أىّ وقت مضى ولم تندهش عندما اختاروها مرتلة منفردة. ورتلتْ تسبيحة شكرها لله "هللويا". هكذا: هللويا! هللويا! هللويا!
بعد ذلك ذهبتْ إلى هايد پارك واستلقتْ على الحشائش الدافئة، فاتحة ساقيْها قليلا لتدع الشمس تدخل. كان كونها امرأة شيئا رائعا. يمكن لامرأة فقط أن تفهم. لكنها تساءلتْ: تـُُرى هل سيكون علىّ أن أدفع ثمنا عاليا مقابل سعادتى؟ ولم تنزعج. كانت راغبة فى دفع كل ما كان عليها أن تدفع. لقد دفعتْ دائما وكانت تعيسة دائما. والآن انتهت التعاسة. إكستلان! تعال بسرعة! لم يعد يمكننى الانتظار! تعال! تعال! تعال!
تساءلتْ: تـُرى هل أحبنى لأننى حولاء إلى حدّ ما؟ يمكنها أن تسأله فى ليلة البدر التالية. إنْ كان هذا صحيحا فلاشك عندها: ستدفع الأمور إلى الحدود القصوى، ستجعل نفسها حولاء تماما. إكستلان، أىّ شىء تريدنى أن أفعله، سأفعله. فقط أموت من الشوق. عُدْ إلىّ، يا حبيبى.
أجل. لكنها فعلتْ شيئا كان خيانة. إن إكستلان سيفهمها ويغفر لها. وعلى أية حال، أنت تفعل ما عليك أن تفعل، مضبوط؟
وإليك كيف سارت الأمور: عاجزة عن أن تتحمل ذلك وقتا أطول، مضتْ إلى ميدان پيكاديللى واقتربتْ من شاب طويل الشعر. صعدتْ به إلى حجرتها. قالتْ له أنه ليس عليه أن يدفع. لكنه أصرّ وترك، قبل أن ينصرف، ورقة بجنيه إسترلينى كامل على الكومودينو. والحقيقة أنها كانت بحاجة إلى النقود. على أنها استشاطتْ غيظا عندما رفض تصديق قصتها. وأظهرتْ له، تقريبا تحت أنفه، الملاءة الملوثة بالدم. وضحك منها.
صباح الاثنين عقدتْ عزمها: لن تستمر فى العمل كاتبة على الآلة الكاتبة، فلديها مواهب أخرى. ويمكن لمستر كليرسون أن يذهب إلى الجحيم. كانت عازمة على المشى فى الشوارع وجلب الرجال والصعود بهم إلى حجرتها. ولأنها كانت ممتازة جدا فى الفراش، سيدفعون لها جيدا جدا. وسيكون بمستطاعها أن تشرب النبيذ الإيطالى طوال الوقت. ورغبتْ فى شراء فستان أحمر فاقع بالنقود التى تركها لها الشخص الطويل الشعر. وجعلت شعرها ينسدل إلى حد أنه كان آية فى جمال الحمرة. وكانت أشبه ما تكون بعواء ذئب.
كانت قد علمت أنها ثمينة للغاية. وإذا أراد منها مستر كليرسون، ذلك المنافق، أن تستمر فى العمل لديه فسيكون هذا بطريقة مختلفة تماما.
أوّلا ستشترى لنفسها ذلك الفستان الأحمر الديكولتيه [المكشوف الصدر والكتفيْن] ثم تذهب إلى المكتب، وتصل متأخرة جدا، عن عمد، لأول مرة فى حياتها. وهذه هى الطريقة التى ستخاطب بها رئيسها:
"كفى نَسْخا على الآلة الكاتبة! وأنتَ، أيها المحتال، كـُفَّ عن أساليبك الزائفة. تريد أن تعرف شيئا؟ ادخلْ الفراش معى، أيها الجلف! وليس هذا كل شىء: ادفع لى راتبا عاليا جدا، أيها البخيل!".
كانت واثقة من أنه سيقبل. كان متزوجا من امرأة باهتة، تافهة، چوان، وكانت له ابنة مصابة بالأنيميا، لوسى. وسيمتع نفسه معى، ابن القحبة.
وعندما تأتى ليلة البدر ـ ستأخذ حمّاما، مطهرة نفسها من كل أولئك الرجال، لكى تكون مستعدة للاستمتاع للغاية مع إكستلان.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كلاريس ليسپكتور (البرازيل)
قرود المارموزيتّ
 
المرة الأولى التى حصلنا فيها على قرد من نوع المارموزيتّ كانت قـُبَيْلَ عيد الميلاد. وكنّا بدون ماء وبدون خادمة، وكان الناس يقفون فى الطوابير لشراء اللحم، وكان الطقس الحار قد بدأ فجأة ـ عندما شاهدتُ، مذهولة، القرد الهدية يدخل البيت، منهمكا فى أكل موزة، متفحصا كل شىء بسرعة بالغة، وبذيل طويل. كان يبدو قردا لم يكبر بعد؛ وكانت قدراته هائلة. تسلق الملابس المنشورة ليصل إلى حبل الغسيل، حيث أخذ يسبّ ويشتم مثل بحار، وسقط قشر الموز كيفما اتفق. وصرتُ مرهقة بالفعل. وفى كل مرة أنسى فيها وأخرج شاردة الذهن إلى الشرفة الخلفية، كنتُ أجفل: كان هناك ذلك الرجل السعيد. أدرك ابنى الأصغر، قبل أن أدرك أنا، أننى سأتخلص من هذا الغوريلا: "إذا بشّرتـُكِ بأن القرد سيصيبه المرض ذات يوم ويموت، هل ستدعينه يبقى؟ أو إذا علمتِ أنه سيسقط ذات يوم من النافذة، بطريقة ما، ويموت هناك فى الأسفل؟" وكانت أحاسيسى تنزاح جانبا. ذلك أن بذاءة القرد الصغير وغفلته المرحة جعلتانى مسئولة عن مصيره، حيث أنه لن تقع عليه أية مسئولية. أدرك أحد الأصدقاء كيف أننى رضختُ بمرارة، وأية نوايا شريرة كانت تتنامى تحت طبيعتى الحالمة، وأنقذنى بطريقة فظة: قدِمتْ جماعة مبتهجة من الأطفال الصغار من التل وحملوا الرجل الضاحك بعيدا. وكانت السنة الجديدة مسلوبة من الحيوية لكنها كانت على الأقل بلا قرود.
بعد ذلك بسنة، وفى وقت من أوقات السعادة، رأيتُ فجأة هناك فى كوپاكابانا ذلك الجمع الصغير. وفكرتُ فى أطفالى، فى المباهج التى منحونى إياها، بسخاء، غير مرتبطة بالهموم التى منحونى أيضا إياها، بسخاء، وفكرت فى سلسلة من البهجة: "هل سيقوم الشخص الذى يتلقى هذه بنقلها إلى شخص آخر"، وكل شخص إلى آخر، مثل شرارة على طول قطار بارود؟ فى تلك اللحظة وفى ذلك المكان اشتريتُ تلك التى سيكون اسمها ليزيتّ.
كانت بحجم يد واحدة تقريبا. وكانت تلبس جونلة، وقرطيْن، وعقدا، وسوارا من الخرز الزجاجى. وكانت لها هيئة مهاجرة تنزل لتوّها من السفينة، فى زيّها الوطنى. ومثل عينىْ مهاجرة، أيضا، كانت عيناها مستديرتيْن.
كانت هذه المارموزيتّ امرأة مصغرّة. عاشت معنا ثلاثة أيام. كانت عظامها رقيقة للغاية. وكانت حلوة للغاية. وأكثر من عينيها، كانت نظرتها مستديرة. ومع كل حركة، كان القرطان يهتزان؛ وكانت الجونلة أنيقة دائما، وكان العقد الأحمر يتلألأ. كانت تنام كثيرا، لكنها فيما يتعلق بالأكل كانت حذرة وكسولة. وكانت ملاطفتها النادرة مجرّد عضّة خفيفة لا تترك أثرا.
فى اليوم الثالث كنّا خرجنا إلى الشرفة يملؤنا الإعجاب بليزيتّ وبكيف كانت ملـْكا لنا. "لطيفة للغاية"، فكرتُ، مفتقدة الغوريلا. وفجأة قال قلبى بغلظة: "لكن هذا ليس لُطفا. هذا موت". تركنى جفاف الرسالة هادئة، وقلتُ للطفلين: "ليزيت تموت". أدركتُ، وأنا أنظر إليها، مرحلة الحب التى كنا بلغناها حينئذ. لففتها فى فوطة وذهبت بها مع الطفلين إلى أقرب مركز للإسعافات الأولية، حيث لم يكن بوسع الطبيب أن يعتنى بها لأنه كان يُجرى عملية عاجلة لكلب. تاكسى آخر ـ "تعتقد ليزيتّ أنها خرجت للقيام بنزهة فى السيارة، يا ماما" ـ مستشفى آخر. وهناك أعطوها الأكسچين.
ومع أنفاس الحياة، فوجئنا بليزيتّ أخرى لم نعرفها من قبل. العينان أقلّ استدارة، أكثر تحفظا، أكثر ضحكا، وفى الوجه البارز الفكيْن والعادى نوع من العجرفة الساخرة. ومع أكسچين أكثر قليلا رغبتْ ليزيتّ بشدة فى أن تتكلم إلى حدّ أنها لم تستطع أن تطيق كونها قردة؛ وكانت كذلك، ولابدّ أنه كان لديها الكثير لتقوله. مزيد من الأكسچين، ثم حقنة محلول ملح؛ وكان ردّ فعلها على الشَّكَّة بصفعة غاضبة، وكان سوارها يتلألأ. ابتسم الممرض؛ "ليزيتّ! على مهلك، يا عزيزتى!".
التشخيص: لن تعيش ليزيتّ ما لم يكن هناك أكسچين جاهزا للاستعمال وحتى فى هذه الحالة فليس هذا مرجّحا. "لا تشترى قرودا من الشارع"، وبّخنى، "أحيانا تكون مريضة أصلا". لا، ... ينبغى أن يشترى المرء قرودا مضمونة، وأن يعرف من أين جاءت، ليضمن خمس سنوات على الأقل من الحب، وأن يعرف كل ما فعلته وما لم تفعله هذه القرود، مثل الزواج. وتناقشتُ فى الأمر مع الطفلين دقيقة. ثم قلت للممرض: "يبدو أنك أحببت ليزيتّ كثيرا. ولهذا إذا جعلتها تبقى بضعة أيام بجوار الأكسچين، يمكنك أن تأخذها". كان يفكر. "ليزيتّ رائعة!" هكذا توسّلتُ إليه.
"إنها جميلة!" وافق، متفكرا. ثم تنهد وقال "إذا نجحتُ فى علاج ليزيتّ، فهى لكِ أنتِ". وانصرفنا بفوطتنا خالية.
فى اليوم التالى اتصلوا بنا تليفونيا، وأبلغتُ الطفلين أن ليزيتّ ماتت. سألنى الأصغر: "هل تعتقدين أنها ماتت لابسة قرطيْها؟" قلتُ نعم. بعد ذلك بأسبوع قال لى الأكبر: "يبدو أنك تحبين ليزيتّ كثيرا جدا!".
أجبتُ: "أحبك أنت، أيضا".
 
 
 
 
   إيسابيل أييندى  (تشيلى)
ضيف المعلمة
 
دخلتْ المعلمة إينيس دكان لؤلؤة الشرق الخالى فى مثل هذه الساعة، وسارت إلى الكاونتر حيث كان رياض حلبى يلفّ ثوبا من قماش منقوش بزهور زاهية، وأبلغته أنها منذ قليل قطعت رأس ضيف فى بنسيونها. أخرج التاجر منديله الأبيض ووضعه بسرعة على فمه.
"ماذا تقولين يا إينيس؟"
"ما سمعتَه بالضبط، أيها التركى"
"هل مات؟"
"طبعا"
"والآن ماذا ستفعلين؟"
"هذا ما جئت أسألك عنه"، ردّت, وهى تعيد إلى الوراء خصلة شعر شاردة.
"أعتقد أن من الأفضل أن أغلق الدكان"، قال رياض حلبى وهو يتنهد.
كان الاثنان يعرفان بعضهما البعض منذ وقت طويل إلى حد أنه لم يكن بوسع أحدهما أن يتذكر عدد السنين بالضبط، رغم أن كلا منهما ظل يتذكر كل تفاصيل اليوم الذى بدأت فيه صداقتهما. وفى ذلك الحين كان حلبى أحد أولئك الباعة الذين يتجولون فى الطرق الفرعية عارضين بضائعهم، كان تاجرا رحالة بدون بوصلة أو طريق محدد، وكان مهاجرا عربيا بجواز سفر تركى مزوّر، وكان متوحدا ومتعبا، وكان أشرم مثل أرنب وبالتالى ميالا إلى القعاد فى الظل. وكانت إينيس امرأة ماتزال شابة ذات ردفين مكتنزين وكتفين مفعمين بالحيوية، وكانت المعلمة الوحيدة بالبلدة، كما كانت أمًّا لابن فى الثانية عشرة من عمره مولود نتيجة لعلاقة غرامية عابرة. وكان الصبى محور حياة المعلمة، وكانت ترعاه بتفانٍ لا يتزعزع غير أنها، وهى تـُخفى بالكاد ميلها إلى تدليله، طبقت عليه نفس معايير الانضباط التى طالبت بها بقية أطفال المدرسة. كانت لا تريد أن يكون بوسع أحد أن يقول إنها أساءت تربيته، وفى الوقت نفسه كانت تأمل فى أن تمحو ميراث أبيه المشاكس وفى أن تنشئ ابنها على العكس من ذلك على أن يكون صافى العقل وسمح القلب. وفى نفس المساء الذى دخل فيه رياض حلبى أجوا سانتا من أحد طرفىْ البلدة راكبا عربة، دخلها من الطرف الآخر مجموعة من الصبية حاملين جثمان ابن المعلمة إينيس على نقالة تم إعدادها على عجل. وكان الصبى قد دخل أرضا يملكها شخص ما ليلتقط ثمرة مانجو سقطت على الأرض، فأطلق المالك، وكان غريبا لا يعرفه أحد جيدا، طلقة نارية من بندقيته بقصد تخويف الصبى وإبعاده، غير أنها أحدثت ثقبا أسود فى منتصف جبهته ومنه تسربت حياته بسرعة. وفى تلك اللحظة، اكتشف البائع المتجول موهبته فى القيادة، ودون أن يدرى كيف، وجد نفسه فى بؤرة الأحداث، مواسيا للمرأة، منظما للجنازة، وكأنه أحد أفراد الأسرة، ومهدّئا الناس ليمنعهم من أن يمزقوا مرتكب الجريمة إربا إربا. وفى الوقت ذاته، أدرك القاتل أن حياته لن تساوى شيئا إنْ بقى هناك فهرب قاصدا ألا يعود أبدا.
ورياض حلبى هو الذى كان فى الصباح التالى على رأس الجمهور الذى سار من الجبانة إلى المكان الذى سقط فيه الصبى. وقضى كل سكان أجوا سانتا ذلك اليوم ينقلون ثمار المانجو التى ظلوا يلقون بها من النوافذ إلى أن امتلأ المنزل من الأرضية إلى السقف. وبعد أسابيع قليلة أدت الشمس إلى تخمُّر الثمار التى كانت تنفجر مفتوحة فيسيل منها عصير لزج يلطّخ الجدران بدم ذهبى اللون، بقيح حلو إلى حد يبعث على الغثيان، أحال المسكن إلى حيوان متحجر ينتمى حجمه إلى ما قبل التاريخ، إلى حيوان ضخم آخذ فى التعفن، يعذبه الكدّ اللانهائى ليرقات وبعوض التحلل.
والحقيقة أن موت الصبى، والدور الذى لعبه رياض حلبى خلال تلك الأيام، والترحيب الذى لقية فى أجوا سانتا، حددت مسار حياته. ونسى أصله المترحل وبقى فى القرية. وهناك فتح محلا تجاريا، لؤلؤة الشرق. وتزوج، وترمل، وتزوج مرة أخرى، وواصل تجارته، فيما كانت سمعته كرجل مستقيم تذيع بثبات. وبدورها، علمت إينيس عدة أجيال من الأطفال بالعاطفة الصلبة التى كانت ستهبها لابنها، إلى أن وهنت طاقاتها، وعندئذ تنحّت جانبا لتفسح الطريق أمام معلمين جاءوا من المدينة بكتب دراسية أساسية جديدة، وتقاعدت. وبعد أن غادرت حجرة الدراسة، أحسّتْ وكأنها تقدمت فى العمر فجأة، وكأن الزمن أخذ يتسارع؛ ومرت الأيام سريعة إلى حد أنه لم يعد بوسعها أن تتذكر إلى أين ذهبت الساعات.
"إننى أدور دائخة، أيها التركى. إنى أموت ولا أعرف حتى أنى أموت"، قالت.
"إنتِ بصحة جيدة كما كنت دائما يا إينيس"، أجاب رياض حلبى. "المشكلة أنك ضجرة. يجب ألا تكونى كسولة". واقترح أن تضيف غرفا قليلة إلى بيتها وأن تستقبل نزلاء. "ليس لدينا فندق فى هذه البلدة".
"ليس لدينا سُيّاح أيضا"، أضافت.
"الفراش النظيف والإفطار الدافئ نعمة فى نظر المسافرين".
وهكذا كانا، خاصة لسائقى عربات النقل لدى شركة ناشونال پتروليوم، الذين كانوا يبيتون الليل فى بنسيونها عندما يملأ تعب الطريق وملله رؤوسهم بالهلاوس.
وكانت المعلمة إينيس أكثر امرأة مسنة هيبة واحتراما فى أجوا سانتا. فقد علمت أطفال البلدة عدة عقود من الزمان، الأمر الذى منحها سلطة التدخل فى كل شئون حياتهم والإمساك بهم من آذانهم عندما ترى فى ذلك ضرورة. وكانت البنات يجئن إليها بأصدقائهن لأخذ موافقتها، وكان الأزواج والزوجات يأتون إليها بخلافاتهم الزوجية، فكانت مستشارة، وحَكَما، وقاضية فى كافة مشكلات البلدة. والواقع أن سلطتها كانت أقوى من سلطة القسيس، أو الطبيب، أو الشرطة. ولم يوقفها أحد عن ممارسة السلطة. وفى إحدى المناسبات سارت متشامخة إلى داخل السجن، ومرت بالملازم الأول دون كلام، وانتزعت المفاتيح من مسمار على الحائط، وأخرجت من الزنزانة أحد طلبتها وكان محبوسا بعد إسراف فى الشراب. وحاول الضابط أن يقف فى طريقها، غير أنها دفعته جانبا وسارت بالصبى إلى الخارج ممسكة به من ظهر ياقته. وحالما صارا فى الشارع صفعته مرتين بقوة وأكدت له أنه فى المرة التالية إذا حدث هذا ستشلـِّح بنطلونه وتضربه على مؤخرته ضربة لن ينساها أبدا. وفى اليوم الذى جاءت إينيس لتخبر رياض حلبى بأنها قتلت أحد زبائنها فإنه لم يشك للحظة واحدة فى أنها جادة، لأنه عرفها جيد جدا. تناول ذراعها وقطع معها مسافة مجموعتىْ البيوت والمتاجر التى كانت تفصل بين لؤلؤة الشرق وبيتها. وكان هذا واحدا من أفخم المبانى فى البلدة، من الطوب اللبن والخشب، بڤراندة واسعة تتدلى فيها أرجوحات النوم أثناء القيلولات الأشدّ حرّا، ومراوح الأسقف فى كل غرفة. وفى تلك الساعة بدا البيت خاليا، نزيل واحد فقط جلس يشرب البيرة فى حجرة الاستقبال، مسحورا بالتليڤزيون.
"أين هو؟" همس التاجر العربى.
"فى إحدى الغرف الخلفية"، أجابت إينيس، حتى دون أن تخفض صوتها.
 وقادته إلى صف الغرف التى كانت تؤجرها ـ يضمها جميعا ممر بالبواكى تتسلق فيه نباتات نجمة الصباح الأرجوانية على الأعمدة وتتدلى فيه قصارى نبات الخنشار من العوارض ـ وكانت تصطف حول فناء مزروع بأشجار الزعرور والموز. فتحت إينيس الباب الأخير ودخل رياض حلبى غرفة غارقة فى عتمة كثيفة. وكان مصراعا النافذة مغلقين، ومضت لحظة قبل أن يرى على الفراش جثة رجل مسنّ ذى مظهر مسالم، وكان غريبا عاجزا يسبح فى بركة موته، بنطلونه ملطخ بالغائط، ورأسه معلق بشريحة من اللحم الشاحب، ويعلوه تعبير مفزع من الألم، وكأنه يعتذر عن كل الاضطراب والدم، وعن الإزعاج غير العادى الذى تسبب فيه بالسماح بقتله. وجلس رياض حلبى على الكرسى الوحيد بالغرفة، عيناه على الأرض، يحاول أن يسيطر على اضطراب معدته. وظلت إينيس واقفة، متشابكة الذراعين فوق صدرها. تتروى فى حساب أن إزالة البقع ستستغرق منها يومين بالإضافة إلى يومين آخرين على الأقل لتخليص الغرفة من رائحة البراز والخوف.
"كيف فعلت هذا؟" سأل رياض حلبى أخيرا، وهو يمسح العرق من جبهته.
"بمنجل حصد جوز الهند. جئت من خلفه وقطعت رأسه بضربة واحدة. ولم يعرف مطلقا ما الذى ضربه، يا له من رجل بائس".
"لماذا؟"
كان علىّ أن أفعل هذا. إنه القدر. هذا الرجل الهرم كان حظه سيئا للغاية. لم يقصد مطلقا أن يتوقف فى أجوا سانتا، كان يسوق عربته عبر البلدة فحطمت صخرة الواجهة الزجاجية للعربة. وجاء يقضى ساعات قليلة هنا إلى أن يجد الإيطالى الذى هناك فى الجراچ واجهة زجاجية غيرها. لقد تغير كثيرا ـ فقد كبرنا جميعا، فيما أظن ـ لكننى تعرفت عليه فى الحال. لقد ظللت أنتظره طوال هذه السنين، وكنت أعرف أنه سيأتى عاجلا أم آجلا. إنه الرجل صاحب المانجو".
"حمانا الله من كل شر"، غمغم رياض حلبى.
هل تعتقد أننا ينبغى أن نستدعى الملازم الأول؟"
"ليس أثناء حياتك، لماذا تقولين هذا؟"
"أنا صاحبة حق. لقد قتل ولدى".
"الملازم الأول لن يفهم هذا يا إينيس".
"العين بالعين والسنّ بالسنّ، أيها التركى. أليس هذا من تعاليم دينكم؟"
"ولكن القانون لا يعمل بهذه الطريقة، يا إينيس".
"طيب، إذن يمكننا أن نصلح من شأنه قليلا وأن نقول إنه انتحر".
"لا تلمسيه. كم عدد النزلاء عندك بالمنزل؟"
"فقط سائق عربة النقل هذا. سيكون فى طريقه حالما يعتدل الجو، عليه أن يسوق إلى العاصمة".
"عظيم. لا تقبلى أىّ نزلاء جدد. وأغلقى باب هذه الغرفة وانتظرينى. سأعود الليلة".
"ماذا ستفعل؟"
"سأعتنى بهذا بطريقتى".
كان رياض حلبى فى الخامسة والستين من عمره، غير أنه احتفظ بطاقة شبابه وبنفس الروح التى وضعته على رأس الحشد فى اليوم الذى وصل فيه إلى أجوا سانتا. غادر بيت المعلمة وسار بسرعة إلى أولى الزيارات العديدة التى كان عليه أن يقوم بها فى ذلك الأصيل. بعد ذلك مباشرة، بدأت تنتشر فى كل أنحاء البلدة همهمة ملحة. لقد استيقظ سكان أجوا سانتا من سبات السنين، بعد أن استفزتهم الأنباء التى لا تصدق التى أخذت تتردد من بيت لبيت، همهمة لا سبيل إلى كتمانها، معلومات توترت ليجرى التعبير عنها بالصرخات، إشاعات أضفت عليها الحاجة الماسة ذاتها إلى الاحتفاظ بها كدمدمة مكتومة مكانة خاصة. وقبل الغروب كان بوسعك أن تحس فى الجو بابتهاج لا يهدأ صار على مدى سنين عديدة سمة مميزة للبلدة، ابتهاج لا يسبر غوره الغرباء الذين يمرون بالبلدة، والذين لن يجدوا شيئا غير عادى فى هذه البلدة التى كان لها مظهر منطقة نائية منعزلة عديمة الأهمية كالكثير جدا من البلدات الأخرى التى تقع على حافة الأدغال. وفى أول المساء، بدأ الرجال يصلون إلى النزل، وحملت النساء كراسى مطابخهن إلى الطوار وجلسن يستمتعن بالجو الرطب المعتدل، وتجمع الشباب عن بكرة أبيهم فى الساحة العامة، وكأن اليوم يوم أحد. وبالمصادفة قام الملازم الأول ورجاله بجولاتهم ثم قبلوا دعوة البنات اللائى يعملن فى الماخور واللائى كن يحتفلن بعيد ميلاد، حسبما قلن. ومع هبوط الليل كان فى الشارع أناس أكثر ممن يكونون فيه فى عيد جميع القديسين، وكانوا جميعا مستغرقين بجدّ فى نشاطاتهم إلى حد أنه بدا وكأنهم يقومون بأدوار فى فيلم سينمائى: كان بعضهم يلعبون الدومينو، وآخرون يشربون الروم ويدخنون على نواصى الشوارع، وكان بعض الأزواج والزوجات قد خرجوا للتنزه، متشابكى الأيدى، وكانت الأمهات يجرين وراء أطفالهن، والجدّات يحدّقن بفضول من الأبواب المفتوحة. وأضاء القسيس مصابيح كنيسة الأبرشية ودق الأجراس معلنا بدء تاسوعية للقديس الشهيد إيسيدورو، غير أنه لا أحد كان فى المزاج الملائم لذلك النوع من العبادة.
وفى التاسعة والنصف تم عقد اجتماع فى بيت المعلمة إينيس: التركى، وطبيب البلدة، وأربعة شبان كانت قد علمتهم من أول صف مدرسى وكانوا الآن محاربين محنكين أقوياء عائدين من الخدمة العسكرية. وقادهم رياض حلبى إلى الغرفة الخلفية، حيث وجدوا الجثة مغطاة بالحشرات: كانت النافذة متروكة مفتوحة وكانت الساعة ساعة الناموس. قاموا بحشو الضحية فى جوال من قماش القنّب، وجرجروه إلى الشارع، وقذفوا به بفظاظة إلى مؤخرة عربة النقل التى يملكها رياض حلبى. وقادوا العربة عبر البلدة، فى الشارع الرئيسى مباشرة، وأخذوا يلوّحون كالعادة لأىّ شخص تصادف أن رأوه. وردّ بعض الجيران تحيتهم بأكثر من الحماس المعتاد، فيما تظاهر آخرون بأنهم لم يلاحظوهم، وهم يقهقهون بمكر، مثل أطفال فاجأتهم خدعة. وتحت ضوء القمر الساطع قاد الرجال العربة إلى الموضع الذى تكوّم فيه لآخر مرة ابن المعلمة إينيس منذ سنين عديدة لالتقاط ثمرة مانجو. واستلقت الأرض وسط أعشاب الإهمال الضارة التى كستها، خربة بفعل الزمن والذكريات السيئة، أكمة متشابكة صارت فيها أشجار المانجو متوحشة، وسقطت فيها الفاكهة من الأشجار ومدّتْ جذورا فى الأرض، فأدت إلى ظهور أجمات جديدة أنبتت بدورها غيرها، إلى أن صنعت دغلا كثيفا لا يُخترق كان قد ابتلع الأسيجة، والممر، وحتى خرائب المنزل، الذى لم يبق منه سوى أثر متخلف من رائحة الفاكهة المهروسة. وأشعل الرجال فوانيس الكيروسين التى يحملونها واندفعوا بسرعة إلى داخل الدغل الكثيف، فاتحين طريقا بالضربات المتوالية من مناجل حصد جوز الهند التى كانت معهم. وعندما أحسوا بأنهم توغلوا فى الدغل مسافة كافية، أشار أحدهم إلى موضع وهناك، أسفل شجرة عملاقة مثقلة بالفاكهة، حفروا حفرة عميقة أودعوها الجوال المصنوع من قماش القنب. وقبل إهالة التراب على الحفرة، قام رياض حلبى بتلاوة صلاة إسلامية قصيرة، لأنه لم يعرف غيرها. وعندما عادوا إلى البلدة فى منتصف الليل، وجدوا أنه لا أحد ذهب إلى فراشه، وكانت الأضواء تتوهج فى كل نافذة، وكان الناس يطوفون فى الشوارع.
وفى غضون ذلك، نظفت المعلمة إينيس الجدران والأثاث فى الغرفة الخلفية بالماء والصابون، وأحرقت أغطية السرير، وقامت بتهوية البيت، وكانت تنتظر أصدقاءها بعشاء ممتاز وإبريق من الروم وعصير الأناناس. وتم تناول الوجبة بمصاحبة الثرثرة المرحة عن آخر مصارعات الديكة ـ وهذه رياضة بربرية فى رأى المعلمة، لكنها أقل بربرية فيما ادّعى الرجال من مصارعات الثيران التى كان قد فقد فيها مصارع ثيران كولومبى كبده منذ فترة قصيرة. وكان رياض حلبى آخر من انصرف. وتناولت المعلمة إينيس يديه واستبقتهما للحظة فى يديها.
"أشكرك، أيها التركى"، قالت.
"لماذا جئتِ لرؤيتى يا إينيس؟"
"لأنك الشخص الذى أحبه أكثر من أىّ شخص فى هذا العالم، ولأنك كان ينبغى أن تكون والد ابنى".
 فى اليوم التالى عاد سكان أجوا سانتا إلى كدّهم اليومى المعتاد منتشين بتواطؤ رائع، بسرّ كتمه الجيران الطيبون، سرّ ظلوا يصونونه بحماس مطلق ويتناقلونه على مدى سنين عديدة كأسطورة للعدالة، إلى أن حرّرنا موت المعلمة إينيس، فصار يمكننى الآن أن أروى القصة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
لويس ڤيليلا (البرازيل)
جرأة
 
وضع الرجل المجلة على المنضدة دون أن يحدث صوتا. ثم أعاد توجيه ضوء اللمبة نحو الأرضية، تاركا الفراش فى الظل. الوسادة التى تركها كما هى، ظلت مسنودة إلى رأس السرير؛ وبقى هو، أيضا، فى نفس الوضع الذى كان فيه من قبل، ناظرا عندئذ إلى ما كان أمامه مباشرة، فى خط رؤيته: فقط الوضع الناتئ لقدميه تحت الملاءات. استدار قليلا لينظر إلى المرأة؛ كان وجهها نحو الاتجاه الآخر، وكانت الملاءة تصل إلى ذقنها. وبدت نائمة بالفعل.
"زازا"، قال برقة، بطريقة تجعلها تردّ إذا كانت لا تزال مستيقظة، لكن بطريقة لا تجعلها تستيقظ إذا كانت نائمة بالفعل.
"آه ..." تأوهت المرأة، دون أن تتحرك.
"هل أنت نائمة بالفعل؟" سأل الرجل بنفس النغمة.
"لا"، ردت المرأة، بنفس النغمة أيضا. ليس بعد، لكن بدا من صوتها، وكأنها نائمة تقريبا. ظلت بلا حراك، ولاحظ الرجل من خلال الملاءة التنفس الهادئ المنتظم لشخص على وشك أن يسقط نائما.
شبك يديه وراء رأسه، بين رأسه والوسادة .
"زازا"، كنت أفكر ..."
"ماذا؟" غمغمت المرأة.
استدار وانحنى نحوها، وواضعا يده على خاصرتها أخذ يربت عليها برقة من فوق الملاءة.
"هل أنت نائمة بالفعل، يا عزيزتى؟"
فتحت المرأة عينيها دون أن تحرك رأسها.
"لست نائمة ... فقط أغمضت عينى ..."
"لا تنامى، ليس بعد"، قال، وربّت على ردفها ربتة خفيفة.
حركت المرأة رأسها على الوسادة موافقة وأغمضت عينيها مرة أخرى. وعاد فأسند رأسه مرة أخرى على الوسادة وشبك يديه وراء رأسه، بعد أن تركهما مهجورتين لحظة على جسمه.
"كما تعلمين، كنت اليوم أفكر – هل تصغين، يا زازا؟"
"نعم"، غمغمت المرأة.
"كنت أفكر فى مجموعة هائلة من الأمور".
كان الرجل يتكلم فيما كان ينظر ناحية قدميه من فوق الملاءات؛ ومن وقت لآخر، وكأنما بمصاحبة حركة أفكاره، كان يلويهما لكن دون أن ينتبه إلى ذلك. "علينا أن نحرك حياتنا أكثر، يا زازا، علينا أن نفعل أشياء جديدة، مختلفة ... علينا أن نخرج من هذا الروتين. الروتين هو الذى يسمم حياة المرء. الروتين أحد أكبر الشرور فى الحياة. إنه هو الذى يقتلنا، الذى يجعلنا نشيخ قبل الأوان. دعينا نتركه للوقت الذى نشيخ فيه؛ نحن لم نشخ بعد، لا يزال أمامنا العديد من السنوات. تذكَّرى: الحياة تبدأ فى الأربعين. عمرنا سبع سنوات فقط. نحن ما نزال فى طفولتنا". ونظر إلى المرأة من الجانب: "زازا، هل تصغين إلىّ أم أنك نائمة بالفعل؟".
تأوهت المرأة لتقول إنها تصغى.
"علينا أن ندخل فى حياتنا بعض الحركة. علينا أن نبتكر، أن نخلق أشياء جديدة. أن نستخدم ما لا يزال من الشباب بداخلنا: الجوع إلى الجديد، إلى التنويع، إلى الأشياء الطريفة. توقف للحظة؛ بدا أنه يختار من بين مجموعة متنوعة من الأشياء ما سيقوله بعد ذلك. مرة أخرى نظر إلى المرأة، لكنه لم يقل لها شيئا هذه المرة.
"هذا، حتى فى أصغر الأشياء، أو حتى فى معظم ..."، تردد لأنه لم يستطع أن يعثر على الكلمات، أو لأنه اعتقد أن من الأفضل ألا يقولها؛ وبدأ جملة جديدة: "هذا ما يجعل الإنسان يعيش ويظل شابا دائما. على المرء أن يملك الشجاعة … على المرء أن يملك الجرأة ..." مرة أخرى بدا أنه لا يعرف ما أراد أن يقول أو أنه يخشى أن يقوله.
نظر إلى المرأة وظل يراقبها بعض الوقت، متفحصا بعناية جسدها، الذى كانت معالمه مرسومة بالملاءة البيضاء الرقيقة. ثم سحب نفسه إلى أعلى ليقوم ببادرة ما، غير أن تنفسا أعمق من المرأة أوقفه فى منتصف الطريق، تاركا إياه بيده معلقة فوق خاصرتها: غير أنها كانت مجرد تنهيدة، فلم تتحرك. ومع ذلك، عاد إلى وضعه السابق. وعندئذ حركت ساقيها قليلا، لكنها لم تستدر كما اعتقد وخشى أن تفعل؛ وارتخى وجهه وكأنه نجا للتو من خطر.
كان الآن ينظر بالفعل إلى قدميه، ويحركهما، بالعصبية الهائلة المكبوتة لقط يهز ذيله.
"زازا، هل تتذكرين مانويلينو؟" سأل.
لم تردّ المرأة. وأدار هو رأسه قليلاً على الوسادة وكرر بصوت موجّه مباشرة إلى المرأة. "زازا".
"ماذا؟"
"هل تتذكرين مانويلينو؟"
"مانويلينو؟" تريّثت لحظة، ثم قالت: "أتذكر"، وأكدت ذلك، من أجله أكثر مما لنفسها، لتعفيه من أن يسأل مرة أخرى عما إذا كانت نائمة، "صديقك ذاك ...." وأضافت سعيدة بأنها تذكرت: "ذلك الذى فى البنك ...."
"فى البنك؟ لا، يا زازا، كان ذلك ماركولينو. أنا أتحدث عن مانويلينو، الشخص الذى أتى إلى هنا فى تلك المرة، الشخص الذى يلبس القبعة؛ لقد أضحكك ذلك أيضا ...."
لم تقل المرأة شيئا.
"ألا تتذكرين؟ الشخص الذى يلبس قبعة، يا زازا".
"أتذكر .. نعم، أتذكر؛ الشخص الذى يلبس القبعة".
"حسنا، إذن. جرت بيننا من قبل مناقشة حول هذا، بالضبط حول ما أتحدث عنه الآن. شخص ممتاز مانويلينو ذاك". وابتسم الرجل. "صديق حقيقى. كنا نتحدث عن كل هذا، عن هذه الأشياء. ثم بدأتُ أفكر. أنت تعلمين يا زازا، هناك مجموعة هائلة من الأشياء التى لا نفعلها ـ أعنى بضمير "نحن" الذى أتحدث عنه هنا أنتِ وأنا ـ أشياء لم يفعلها المرء بعد فى هذه الحياة ويمكن للمرء أن يفعلها. نعم، يمكن للمرء أن يفعلها ـ هذه هى المسألة! لماذا توجد أشياء لا يمكن للمرء أن يفعلها، حتى إذا رغب فى هذا. مثلا، فيم يفيدنى أن أرغب فى الذهاب إلى الياپان إن لم يكن عندى المال اللازم لهذا؟"
"الياپان؟"، غمغمت المرأة.
"أنا أقول فقط: فيم يفيدنى أن أرغب فى الذهاب إلى الياپان إن لم يكن عندى المال اللازم لهذا؟" أو، من جهة أخرى، أن أرغب فى أن يكون عندى ظبى إفريقى. فيم يفيدنى ذلك؟ أو أن أرغب .." لم يستطع أن يتذكر فيم رغب أيضا. "وهكذا ـ أن يرغب المرء فى أشياء مستحيلة. هذا تخريف. كلام فارغ. صبيانية. أما ما هو ممكن، فإننى أستطيع أن أرغب فيه. الكلمة ذاتها تقول هذا: ممكن، بمعنى ما يمكن للمرء أن يملكه. مثل هذه الأشياء، يمكننى أن أرغب فيها، ليس فقط يمكننى، إننى مُجْبَر على أن أرغب فيها! هناك أشياء كثيرة جدا يمكن للمرء أن يفعلها ـ أشياء جيدة، هذا ما أقوله، هذا بديهى؛ أشياء كثيرة جدا لا يفعلها المرء. ولماذا؟ لماذا لا يفعلها؟ بسبب الخوف، الإهمال، العرف، الآراء المسبقة. تحدثنا كثيرا عن ذلك، أنا ومانويلينو ـ مانويلينو وأنا" صحّح نفسه كرجل  اعتاد مراعاة أدق قواعد آداب السلوك. "تحدثنا كثيرا عن ذلك ـ الآراء المسبقة، التحيزات. إنها هى التى تمنعنا من أن نفعل كثيرا من الأشياء. وهى أشبه بسلاسل تقيد حركتنا، كما يقول مانويلينو؛ أو بالأحرى، كما يقول أيضا، الآراء المسبقة تحكم حياتنا. هناك كل ضروب الآراء المسبقة: اجتماعية، سياسية، دينية، أخلاقية. عدد لا نهائى منها. هناك تحيزات من كل الأنواع، من أدناها إلى أسماها".
تحركت المرأة، وتوقف هو عن الكلام وأخذ يراقبها؛ لكنها، بدلا من أن تستدير كما اعتقد أنها ستفعل، لفتْ نفسها بإحكام أكثر حتى من ذى قبل، ومع ذلك ظلت فى وضع وسط بين الرقاد بالوجه إلى أسفل والرقاد على جانبها؛ وبرزت خاصرتها حتى بوضوح أكثر من ذى قبل.
بدأ الرجل يتكلم من جديد، غير أنه هذه المرة ظل ينظر إلى المرأة، إلى خطوطها الخارجية، "هناك حتى آراء مسبقة جنسية، فى الحقيقة، هناك تحيزات جنسية كثيرة ...." وبدا أنه عاد إلى العصبية كما كان حاله من قبل، وكأن شيئا ما أصابه، أخذ يمرر يده بصورة متكررة فوق رأسه، مسوِّيا شعره، الذى كان ناعما تماما والذى كان قد بدأ يخفّ.
"أحيانا توجد هذه الآراء المسبقة حتى عند "الأزواج والزوجات ـ أىْ حتى بين الأشخاص الذين لا ينبغى أن توجد بينهم أية آراء مسبقة، الذين ينبغى أن تكون الألفة مطلقة بينهم، الذين ينبغى أن تتوفر لديهم حرية كاملة ليفعلوا ما يريدون، ليفعلوا كل ما يطلبه الجسد".
مرة أخرى انحنى الرجل نحو المرأة، وبإصرار أكثر الآن أخذ يربت على فخذيها.
"أنا متعبة جدا اليوم يا حبيبى"، غمغمت المرأة دون أن تفتح عينيها.
ظل يربت عليها برقة. "ليس الأمر كذلك، إنه شىء آخر"، غمغم الرجل، وهو يمدد جسمه خلفها على طول جسمها، وعند هذه النقطة استدارت على ظهرها. "ما الأمر؟"، قالت، وهى تبذل جهدا حقيقيا لتستيقظ.
ظل فى الوضع الذى كان فيه، ناظرا إليها، ثم استدار بجفاء ليرقد على ظهره.
"ما الأمر؟"، سألت مرة أخرى.
"أنتِ لا تعيريننى اهتماما"، قال بضيق أكثر مما بررته الكلمات، غير أن المرأة كانت أكثر نعاسا من أن تلاحظ. "ظللتُ أتكلم معك طوال أكثر من نصف ساعة وأنتِ لا تصغين إلىّ، أنت لا تعيرين اهتماما".
"أنا لم أكن أعير اهتماما؟ لا، بل كنتُ، يا حبيبى. ألم أردّ على كل شىء قلته؟ فقط ظلت عيناى مغمضتين؛ لم أكن نائمة"، قالت المرأة، ناهضة فى الفراش ومتكئة على مرفقيها. "هل تريد منى أن أكرر كل شىء قلته، من البداية؟ أستطيع أن أقول كل شىء، من البداية، هل تريد منى أن أفعل؟"
"حسنا، يالها من فكرة"، قال متهكما.
"عملتُ اليوم عملا شاقا، يا حبيبى، إنى متعبة، عيناى تؤلمان من كثرة الخياطة. كنتُ أغمضهما فقط، لم أكن نائمة؛ كنتُ أصغى إلى كل ما كنتَ تقوله".
"حسنا"، قال، ليضع حدا للأمر. "حسنا، دعينا ننام الآن".
مدّ يده وأطفأ النور. ثم أعاد ترتيب الوسادة، ورقد على جنبه، وظهره إلى المرأة، التى كانت قد رقدت أيضا عندئذ من جديد.
لم يغمض عينيه بعض الوقت. وفى الظلام ظل يحملق فى المجلة التى كانت على المنضدة، متذكرا صورة فوتوغرافية ـ شقراء تلبس مايوه بيكينى، منحنية على نصف جنبها ونصف ظهرها، على أريكة قرمزية.
لويس ڤيليلا  (البرازيل)
الله وحده يعلم ماذا يفعل
 
     الله وحده يعلم ماذا يفعل وهذا هو السرّ فى أن الطفل وُلد أعمى، لكن الله وحده يعلم ماذا يفعل فقد نشأ قويا ومتين الصحة، فلم يُصب بالسعال الديكى أو بنزلة شعبية كالطفليْن الآخريْن ـ الابن البكر، فى أوائل عشريناته، كان يسرف فى الشراب آنذاك، وارتكب جريمة، ودخل السجن؛ وكبرتْ البنت الصغيرة، وصارت امرأة شابة، متزوجة، خدعت زوجها، وانفصلا، وصارتْ بغيّا؛ وكان للصبى الأعمى أذن حساسة وتعلم العزف على الجيتار وفى الخامسة عشرة عزف بالفعل كما لم يعزف شخص آخر، وصار فنانا حقيقيا، ولأن الله وحده يعلم ماذا يفعل فلكل شىء فى هذا العالم تعويض ما، وهكذا ففيما كان أخوه فى السجن وأخته فى بيت دعارة، كان الأعمى يحقق الشهرة والثروة بجيتاره وأذنه التى كانت أفضل من أذن أىّ شخص عادى، أما والداه، اللذان كانا من قبل فقيرين ولا يملكان فى بعض الأحيان حتى أىّ شىء يأكلانه، فكانا يملكان فى ذلك الحين نقودا تكفى لمنحهما ترف شراء راديو كان بوسعهما أن يسمعا فيه، مبثوثا من المدينة المجاورة، برنامج موتسارت الجيتار، كما عمّده قائد الفرقة الموسيقية المحلية الذى، بمجرد أن بدأ يعرف الصبى، صار متعهد حفلاته، تاركا فرقته الموسيقية لكى يقدّم لأربعة أركان الأرض أعظم عازف جيتار فى كل العصور، إلى أن اختفى ذات يوم عن أربعة أركان الأرض بكل إيرادات تلك الجولة الفنية، لكن الله وحده يعلم ماذا يفعل فرغم أن متعهد الحفلات هرب وقعت فتاة جميلة فى حب الشاب ووعدت بأن تسعده بقية عمره، وهكذا، فيما كان الاثنان، المتزوجان والمقيمان فى بيت صغير متواضع، يعيشان سعيديْن، كانت الأخت، التى وُلدت سليمة وجميلة، تشيخ قبل الأوان فى ماخورها والأخ، الذى وُلد سليما ووسيما، خرج من السجن ولم يجد عملا وكان يعيش يوما بيوم، إلى أن التقى بزوجة الأعمى ووقع فى حبها بجنون: عزف الأعمى بأعلى صوت ممكن حتى لا يسمع قبلات الاثنين فى حجرة الجلوس ـ إلى أن تمزقت الأوتار إرْبًا إرْبًا، إلى أن فجّر أذنه المذهلة إلى شظايا بطلقة واحدة.
    
 
 
 
 
 
 
المؤلفون:
 
چواكين ماريا ماشادو ده أسيس Joaquim Maria Machado de Assis (1839-1908) البرازيل
* روائى وقاص ولد وعاش فى ريو دى جانيرو. وهو الأب الحقيقى للأدب البرازيلى الحديث، ومؤسس الأكاديمية البرازيلية للآداب ورئيسها حتى وفاته.
* تربو مجلدات أعماله الكاملة على واحد وثلاثين مجلدا، غير أن شهرته العالمية تقوم على إنتاجه الروائى والقصصى والشعرى منذ 1880 وحتى وفاته، وتقوم بوجه خاص على رواياته الثلاث:
ـ مذكرات براس كوباس يكتبها بعد وفاته (1880).
ـ كينكاس بوربا - الفيلسوف أم الكلب؟ (1891).
ـ دون كازمورو (1900).
والروايتان الأخيرتان مترجمتان إلى العربية.
                            
جابرييلا ميسترال  Gabriela Mistral (1889-1957) تشيلى
* شاعرة شهيرة حصلت على جائزة نوبل للآداب فى 1945، فكانت أول كاتب أمريكى لاتينى يحصل على هذه الجائزة، واسمها الحقيقى لوثيلا جودوى دى ألكاياجا Lucila Godoy de Alcayaga.
* صدر ديوانها "الأسى" فى 1922 ويعتقد الكثيرون أنه يشتمل على أجمل أشعارها.
 
خورخه لويس بورخيسJorge Luis Borges  (1899 ـ 1984) الأرچنتين
* وُلد القاص والشاعر والناقد الأدبى والمفكر العظيم فى بوينوس آيرس.
* أشهر مجموعات قصصه القصيرة "قصص"، 1946  و "الألف"، 1949، وله أيضا مجموعات "التاريخ العام للعار"، 1935، و "تقرير برودى"، 1970، و "كتاب الرمل"، 1975.
* أول ديوان شعر له "وهج بوينوس آيرس"، 1923، وديوانه الثانى "القمر المقابل"، 1925، وديوانه الثالث "كراس سان مارتن"، 1929، وديوانه "أعمال شعرية 1923-1964"، 1964، ومن مجموعاته التى تضم أشعارا وقطعا نثرية قصيرة جدا "الصانع"، 1960، و "مديح للظلام"، 1969، "ذهب النمور"، 1972.
* أهم مجموعات مقالاته فى النقد الأدبى والفلسفة "استقصاءات أخرى"، 1952، وله "مناقشة"، 1925، و"استقصاءات"، 1932.
*  فى 1974، نشر الأعمال الكاملة التى تقع فى 1161 صفحة، وتشمل ثمانية مجلدات من الشعر (تضم أربعة منها قطعا نثرية قصيرة)، وخمس مجموعات من المقالات، وثلاثة مجلدات من القصص القصيرة.
 
چوان جيمارانس روزا Joāo Guimarāes Rosa         (1908-1967) البرازيل
 
* ولد ـ بصورة موحية ـ فى نفس سنة موت ماشادو ده أسيس. وقد وصفه كاتب القصة المكسيكى خوان رولفو بأنه "أعظم كاتب ظهر فى الأمريكتين فى هذا القرن".
* أتقن الفرنسية واللاتينية واليونانية والروسية والألمانية والإنجليزية والياپانية وعمل مع  مترجميه فى ترجمات أعماله إلى الإيطالية والفرنسية والإنجليزية والألمانية. ومثل جويس فى الإنجليزية، قام بابتكار لغته البرتغالية البرازيلية الخاصة.
* درس الطب وتنقل فى داخل البلاد كطبيب ريفى، كما درس الفلسفة والدين والعلوم الطبيعية (وخاصة علم النبات وعلم الحياة وعلم الحيوان) وهى عناصر مكونة للأبعاد الكونية لمرتكزاته الأدبية.
* كتب الرواية، والرواية القصيرة، والقصة القصيرة، والشعر، وتنطلق رائعته الروائية: "السرتون الكبير ـ دروب" من الأسطورة الفاوستية عن عقد اتفاق مع الشيطان، وتتخذ شكل مونولوج طويل يسرده ريبالدو تاتارانا الصوفى بغرابة، الذى يجد نفسه معلقا بين الرب والشيطان فيما كان يصارع التناقض بين ميل مذكر وميل مؤنث فى أعماق روحه.
* منذ وفاته، لم تعوض القصة البرازيلية بعد خسارتها لكاتبها الميتافيزيقى الأول والأعظم. وببطء ولكن بصورة لا يمكن تفاديها يجد چوان جيمارانس روزا مكانه الصحيح فى الأدب العالمى.
 
ديناى سيلڤيرا ده كيروس Dinah Silveira de Queiroz  (1911ـ ) البرازيل       
 
* كانت أول امرأة تفوز بجائزة ماشادو ده أسيس التى تمنحها الأكاديمية البرازيلية للآداب.
* عاشت فى الخارج وسافرت كثيرا جدا مع زوجها الدپلوماسى، قبل أن يستقرا فى مدينة برازيليا.
* كتبت روايات ومسرحيات وقصصا قصيرة كما كتبت للأطفال.
 
خوليو كورتاثر Julio Cortázar (1914-1984) الأرچنتين
* وُلد فى بروكسيل ونشأ وتعلم فى بوينوس آيرس.
* من مجموعاته القصصية "نهاية اللعبة"، 1956، و "الأسلحة السرية"، 1959، و "كل النيران النار وقصص أخرى"، 1966، و "انفجار وقصص أخرى"، 1968.  
* أشهر رواياته "الحجْلة" 1963، وله أيضا رواية "المنتصرون" 1962، ورواية "كتاب مانويل"، 1973.
ويعلق الناقد الأرچنتينى ألبرتو مانجيل على قصة "كوابيس" لخوليو كورتاثر (والتى يقول إنه لعلها آخر قصة كتبها قبل وفاته) بهذه الكلمات:
     "هى من نواح عديدة صِنْوٌ لقصته المبكرة "الاستيلاء على البيت"، وكل ما هنالك أن الوجود الغازى إنما يجرى هنا داخل عقل امرأة فى حالة غيبوبة بينما لا يمكن لغيرها ـ أسرتها ـ أن يشهدوا الغزو إلا من الأجنحة. وتتداخل لحظة الفهم مع لحظة الدمار الأخير، عندما تتوافق رؤيا المرأة الغائبة عن الوعى مع هجوم من العالم الواقعى. والحقيقة أن كل من اطلع على التقرير الذى يتناول من يسمون بـ "المختفين" فى الأرچنتين (والمنشور بعنوان "لآخر مرة") سيفهم تماما تداخُل كلتا هاتين النهايتين الشريرتين".
 
موريلو روبياون   Murilo  Rubiāo(1916ـ ) البرازيل
 
* مثل جيمارانس روزا، ولد موريلو روبياون فى ميناس چيرايس، وكان، مثل سكان ولايته المعروفين بشدة التحفظ، من أشد الكتاب عزوفا عن النشر.
* فى السابعة ترك روبياون بيئة المدينة البرازيلية الصغيرة التى تميز بها العديد من قصصه وانتقل إلى عاصمة الولاية، بيلو أوريزونته.
* كانت طفولته محاطة بكتاب (منهم جده وأبوه وعمه وعدد من أبناء عمومته) كما تغذت على القراءة وإعادة القراءة بلا انقطاع لحكايات الجنيات، والكتاب المقدس، وألف ليلة وليلة، مثل أستاذه المعترف به ماشادو ده أسيس.
* فى 1938، قام مع مجموعة من زملائه الطلاب فى جامعة ميناس چيرايس بتأسيس أول مجلة من عدد من المجلات الأدبية التى ظل مرتبطا بها طوال حياته الأدبية.
* وفى الوقت الذى نال فيه شهادته فى القانون فى 1942، بدأ روبياون فى نشر "الطبعات" الأولى لفانتازياته الفريدة التى كان عليه أن يجمعها ويعيد جمعها طوال العقود الثلاثة التالية، بادئا فى 1948، بمجموعة الساحر السابق وقصص أخرى.
* وفى 1945، حضر المؤتمر الأول لكتاب البرازيل والذى دعا إلى الوقف الفورى للرقابة وكان حاسما فى وضع حد لديكتاتورية فارجاس.
* فى الخمسينات عمل موظفا بالولاية، ثم من 1956 إلى 1960 عمل ملحقا بالسفارة البرازيلية فى مدريد، ولم يكتب خلال هذه السنوات الأربع سوى قصة واحدة بعنوان "الأرنب".
* عند عودته إلى البرازيل، وإلى ميناس، أسس الملحق الأدبى الواسع التأثير للجريدة اليومية "ميناس چيرايس"، ونشر أكمل طبعة إلى اليوم من قصصه المبكرة.
* فى 1974، أعيد اكتشاف قصص روبياون، وصارت الأكثر مبيعا.
* ضمنت له الحكايات القليلة "الكاملة الأوصاف" التى نشرها طوال حياته مكانة الأستاذ بلا منازع للفانتازيا فى الأدب البرازيلى المعاصر.
 
 
 
أرمونيا سومرز Armonía Somers (1918 ـ ) أوروجواى
* روائية وكاتبة قصة قصيرة.
* وُلدت فى 1918 وظهرت روايتها الأولى فى 1950.
* مشهورة جدا كمدرّسة وكمؤلفة فى حقل الپيداجوچيا (علم التدريس).
 
إليسيو دييجو Eliseo Diego (1920 ـ ) كوبا
شاعر وكاتب قصة قصيرة كوبى، درّس بجامعة هاڤانا. قام بأسفار عريضة إلى أوروپا والولايات المتحدة وله معرفة واسعة بالأدب الإنجليزى. وإنتاج إليسيو دييجو ساخر، مُشرق، وهو يستخدم فى كثير من الأحيان الخرافات والأساطير، كما فى الحكاية المترجمة.
 
دالتون تريڤيزان    Dalton Trevisan (1925ـ ) البرازيل
 
* بعد حادث قاتل تقريباً فى 1945، بدأ الكتابة، وفى 1946 أسس مجلة أدبية "چواكين".
* بعد سنوات من الكتابة ظهر عمله "روايات غير نموذجية مطلقاً" فى 1959 وجلبت له الشهرة فى الحال. والقصة المنشورة هنا مأخوذة من "ملك الأرض" (1972).
* ودالتون تريڤيزان "كاتب قصة قصيرة يتسم بعنف الحذف والإيجاز، ويستكشف، (…..) فى إطار حضرى معاصر، حياة الأشخاص العاديين ـ الذين يتضح فى النهاية أنهم استثنائيون، بطرق مرعبة".
 
 
كلاريس ليسپكتورClarice Lispector  (1925-1977) البرازيل
 
* ابنة أسرة من يهود أوكرانيا هاجرت إلى البرازيل وهى فى الشهر الثانى من عمرها.
* فى العقد التالى لموتها تم الاعتراف بها باعتبارها أعظم كتاب القصة القصيرة المحدثين فى اللغة البرتغالية.
* عاشت أسرتها فى فقر فى شمال شرق البرازيل ثم انتقلت، فى 1937، إلى ريو دى جانيرو، حيث قررت كلاريس، التى كانت فى الثانية عشرة من عمرها، أن تصير روائية.
* فى الأربعينات التحقت بمدرسة القانون وعملت محررة فى وكالة صحفية وفيما بعد مراسلة لصحيفة يومية فى ريو.
* تزوجت فى 1943 من طالب قانون زميل لها وبعد عام حصلت على شهادتها ونشرت أول رواية لها (1944).
* طوال الخمس عشرة سنة التالية، عاشت وكتبت فى الخارج حيث عمل زوجها دبلوماسيا فى إيطاليا وسويسرا وبريطانيا والولايات المتحدة. وعندما انتهى الزواج فى 1959، عادت كلاريس بطفليها إلى ريو.
* فى السنة التالية، نشرت مجموعة فريدة من القصص القصيرة بعنوان "روابط أسرية" (1960).
* ظهرت روايتها "التفاح فى الظلام" فى 1961 وجلبت لها ما تستحقه من اعتراف باعتبارها "كاتبة ذات دقة أسلوبية استثنائية وأهمية فلسفية هائلة".
* لها أيضا مجموعة قصصية بعنوان "الفرقة الأجنبية" (1964) واثنتان من أجمل رواياتها "عذابات ج. هـ." (1964) و"ساعة النجمة" (1977)، ولها عمل نشر بعد موتها: "تيار الحياة"" (1978).
 
إيسابيل أيّيندى Isabel Allende (1942- ) تشيلى
 
* روائية وكاتبة قصة تشيلية.
* نشرت عدة روايات :                بيت الأشباح (1982)
عن الحب والظلال (1985)
إيڤا لونا (1987)
* لها مجموعة قصص قصيرة بعنوان: قصص إيڤا لونا (1991)
 
 
لويس ڤيليلا  Luiz Vilela (1943ـ ) البرازيل
 
* ولد فى ولاية ميناس چيرايس.
* درس الفلسفة فى "بيلو أوريزونته"، عاصمة الولاية، حيث عمل فى مجلة "إستوريا"، والجريدة الأدبية "تكستو" (النصّ).
* فاز كتابه الأول، وكان مجموعة قصص قصيرة بعنوان "الزلزال" (1967) بجائزة قومية فى القصة.
* وكان كتابه الثانى ("فى الحانة") أيضا مجموعة قصص قصيرة.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
للمترجم
 
 
تأليف
 
 
* نشر العديد من المقالات والكتب فى مجالات النقد الأدبى واللغة والسياسة والفكر وله الكتب التالية:
 
النقد الأدبى واللغة:
 
ـ النموذج الثورى فى شعر عبد الوهاب البياتى، (بالاشتراك فى عمل جماعى) بغداد، 1972.
ـ خطوات فى النقد الأدبى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2005.
ـ معجم تصريف الأفعال العربية، (بالاشتراك مع حسن بيومى وأحمد الشافعى) دار الياس   العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 1989.
 
يصدر له قريبا:
 
ـ من أجل نحو عربى جديد، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.
ـ الازدواج اللغوى فى العالم العربى، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.
 
السياسة والفكر:
 
ـ القرن الحادى والعشرون: حلم أم كابوس؟، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.
 
* نشر (باسم قلم مستعار: صالح محمد صالح) العديد من المقالات والكتب فى مجالات الاقتصاد والسياسة والفكر، ومن كتبه باسم القلم المذكور:
 
ـ الإقطاع والرأسمالية الزراعية فى مصر ـ من عهد محمد على إلى عهد عبد الناصر [الاسم الأصلى للكتاب: تطور الرأسمالية الزراعية فى مصر قبل 1952]، دار ابن خلدون، بيروت، 1979.
ـ حول أسلوب الإنتاج الآسيوى، سلسلة دليل المناضل فى النظرية، دار ابن خلدون، بيروت، 1978.
 
 
ترجمة
 
 *  نشر فى الصحف والمجلات المصرية والعربية عشرات المواد المترجمة فى مجالات الأدب والنقد الأدبى والفكر والسياسة وقصص الأطفال، وله الكتب المترجمة التالية عن الإنجليزية والفرنسية (وقليلا عن الإسپانية فى مواضع مبينة):
 
أدب:
 
ـ ماشادو ده أسيس: السراية الخضراء ( روايـة قصيرة )، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 1991.
ـ ماشادو ده أسيس: دون كازمورّو ( رواية )، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 1991.
ـ خ. ل. بورخيس: مختارات الميتافيزيقا والفانتازيا (قصص، مقالات، أشعار، حكاية رمزية)، دار شرقيات، القاهرة، 2000.
ـ مجموعة من الكتاب البرازيليين: قصص برازيلية (بالاشتراك مع سحر توفيق)، إبداعات عالمية، المجلس الوطنى للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 2000.
 
يصدر له قريبا:
 
ـ ماشادو ده أسيس: حكاية سكندرية، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة.
ـ خ. ل. بورخيس: مختارات الفانتازيا والميتافيزيقا، الطبعة الثانية، الهيئة العامة للكتاب، القاهرة.
 
قصص الأطفال والناشئة:
 
ـ ريتا جولدن جيلمان: خرابيشو يخربش (قصة مصورة)، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 2006.
ـ آنى جروڤي، تيمور والتعبيرات،(بالاشتراك مع هويدا نور الدين)، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 2006.
ـ برنار كلاڤيل: أساطير البحيرات والأنهار، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2008.
ـ برنار كلاڤيل: أساطير البحر، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007.
ـ برنار كلاڤيل: أساطير الجبال والغابات، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2007.
 
يصدر له قريبا:
 
ـ آنا ماريا روميرو يبرا: دينو، الديناصور [Ufito, el dinosaurio]، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة.
ـ ميكيل بالبيردى: ملك الغابة [El rey de la selva]، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة.
 
 
نقد أدبي:
 
ـ يورى كارياكين: دوستويڤسكى ـ إعادة قراءة، كومبيونشر للدراسات والإعلام والنشر والتوزيع، بيروت، 1991.
ـ پول ب. ديكسون: الأسطورة والحداثة : حول رواية دون كازمورّو ، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 1998.
ـ مجموعة من الكتاب: عوالم بورخيس الخيالية، آفاق الترجمة، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1999.
ـ بياتريث سارلو: بورخيس: كاتب على الحافة، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، 2004.
                
سياسة واقتصاد وفكر وفلسفة:
 
ـ وثائق محكمة الشعوب الدائمة للرابطة الدولية لحقوق وتحرر الشعوب ـ جلسة بشأن أرتريا ميلانو، إيطاليا، 24-26 مايو 1980: قضية أرتريا، طبعة پاريس، 1985.
ـ سيرچ لاتوش: تغريب العالم: دراسة حول دلالة ومغزى وحدود تنميط العالم، الطبعة الأولى، دار العالم الثالث (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، 1992، طبعة ثانية، المغرب.
ـ توما كوترو وميشيل إسّون: مصير العالم الثالث، دار العالم الثالث(بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، 1995.
ـ راؤول چيرارديه: الأساطير والميثولوچيات السياسية، دار الفكر للدراسات والنشر والتوزيع(بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، 1995.
ـ كريس هارمان: العاصفة تهب ( حول انهيار النموذج السوڤييتى )، دار النهر، القاهرة، 1995.
ـ فيل سليتر: مدرسة فرانكفورت : نشأتها ومغزاها ـ وجهة نظر ماركسية، المشروع القومى للترجمة، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة، ط 1، 2000، ط 2، 2004. 
ـ فيديريكو مايور و چيروم بانديه: عالم جديد (بالاشتراك مع على كلفت)، دار النهار للنشر، بيروت، 2002.
ـ إينياسيو رامونيه: حروب القرن الحادى والعشرين : مخاوف وأخطار جديدة، الطبعة الأولى،  دار العالم الثالث (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)،  القاهرة، الطبعة الثانية، مكتبة الأسرة، القاهرة، 2006.
ـ إيڤ ميشو (إشراف) جامعة كل المعارف: ما الحياة؟ (بالاشتراك فى ترجمة جماعية) المجلس الأعلى للثقافة (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، 2005.
ـ إيڤ ميشو (إشراف) جامعة كل المعارف: ما الثقافة؟ (بالاشتراك فى ترجمة جماعية) المجلس الأعلى للثقافة (بالتعاون مع المركز الفرنسى للثقافة والتعاون بالقاهرة، قسم الترجمة)، القاهرة، 2005.
 
معاجم:
 
ـ الياس–هاراب القاموس التجارى إنجليزى-عربى، دار الياس العصرية للطباعة والنشر، القاهرة، 1996.
ـ چيرار سوسان و چورچ لابيكا: معجم الماركسية النقدى (بالاشتراك فى ترجمة جماعية)، دار محمد على للنشر، صفاقس، تونس، و دار الفارابى، بيروت (بالتعاون مع منظمة اليونسكو)، 2003.
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
كلمة الغلاف
 
فى هذه المجموعة المختارة من القصص القصيرة نعيش مع عدد من كبار كتاب أمريكا اللاتينية، بادئين مع ماشادو ده أسيس، رائد الحداثة الأمريكية اللاتينية، وقصة "المرآة – مسوّدة لنظرية جديدة عن روح الإنسان" وقصة "آدم وحواء" فى زيارة جديدة أيضا لقصتهما. ونواصل الرحلة الطويلة منذ أواخر القرن التاسع عشر إلى الآن مع تسع عشرة قصة لثلاثة عشر كاتبا من خمسة بلدان أمريكية لاتينية: مع مارتن فييرو النموذج الأصلى البطولى للجاوتشو الأرجنتينى فى قصة لبورخيس، إلى هزيمة ثورة حمقاء تقوم بها النباتات فى قصة لجابرييلا ميسترال (الحاصلة على جائزة نوبل عام 1945 قبل أىّ كاتب أمريكى لاتينى آخر)، إلى الصبى الذى عاش أسطورة انتقال أبيه إلى الشاطئ الثالث لنهر حياتنا وموتنا (روزا)، إلى "كوابيس" خوليو كورتاثر، إلى ساحر مطعم منيوتا، الساحر الخالد رغم أنفه (موريلو روبياون)، إلى امرأة أفريقية من قبائل الأقزام تفجر بداخلنا ينابيع الحب للإنسان فى كل تجلياته (كلاريس ليسپكتور)، مع كتاب كثيرين آخرين فى قصص الفانتازيا والميتافيزيقا والواقعية السحرية التى هى سمات أدب أمريكا اللاتينية. 
 


* دوقة ducat: عملة ذهبية أوروپية ـ المترجم.
* "نيو" nho نطق مشوه لكلمة "سنيور" ـ المترجم.
* مارتن فييرو: بطل القصيدة الملحمية التى تحمل اسمه (من تأليف خوسيه إيرنانديث)، وهو النموذج الأصلى البطولى للجاوتشو ـ المترجم.
* الماتيه: مشروب كالشاى فى أمريكا اللاتينية ـ المترجم.




مصادر:
قصص المصري اليوم