علم البيلوجيا
 
 

ذيك السنة يوم تزوجني مسيار الشيخ بريك السعد


(41)

أعطاني مروان ذلك المساء الهدية التي أعتبرتها في ذلك الحين هي الأغرب على الاطلاق .. ثلاث روايات .. الأولى عنوانها .. (جولييت فوق سطح القمر) .. والثانية (غصن الزيتون ) .. والثالثة (شجرة اللبلاب) .. وكلها كتب عليها اسم واحد .. محمد عبد الحليم عبدالله ..

قال وهو يقبلني قي عنقي ويحيطني بذراعيه:
حبيبتي هاذي قصص سهلة وحلوة .. المؤلف مات الله يرحمه من سنتين .. ضروري تقري حياتي .. يمكن ماتحبي في الأول .. بس شوي شوي ..

أخذتها مجاملة وكأني أتصورها ستنتهي ملقاة في زاوية من الدار .. وصوت ساخر قفز في رأسي:

وشلون يقول حبيبتي ويعطيني قصص بس ..

كانت هذه هي أول كتب أمسكها بيدي خارج شخبطات سنوات الدراسة الأولى ..

لكن المفاجأة التي لم أتوقعها وربما لم يتوقعها مروان نفسه وجاءت لتكشف لي مجهول نفسي أن محمد عبد الحليم عبد الله بلغته الصافية ورومانسيته الفائقة أوقعني مرة واحدة أسيرة عشقه .. ومن ثم أسيرة كل القصص الانسانية المشرقة ..

هل أقول اليوم بأن الروايات العربية الرومانطقية التي بدأت أتعرف عليها وأقرأها تضافرت مع التلفزيون ليبدأ وعيي الجديد في التشكل .. ؟!

لا أعلم .. لكنه الوعي الذي كان من المستحيل أن تمتلكه فتاة بائسة لولا أن القدر لم يضع في طريقها مروان الذي اصطفاها واحتواها وشذبها وهذبها فكان الحبيب والملهم والمعلم ..

لم أكن بحاجة إلى نظام التدريج أو (شوي شوي) كما قال مروان ..

أحببت القصص التي تدور حول الألم والحب والعدل والوفاء والتضحية .. كنت أتعذب مع الأبطال وأفرح لفرحهم .. وأعيش تفاصيل حياتهم أو يعيشون هم في تفاصيل حياتي .. وبدلا من أن أنتظر هدية جديدة منه .. قصة أو قصتين .. كنت أسأله أن يعطيني ..

أتذكر سؤالي الساذج الذي وجهته له في غمرة اندماجي مع الروايات وتقمصي للحيوات التي أقرأها:
مروان .. هم من وين يجبون هالقصص ؟ وشلون يكتبونها ؟

أجابني بكلام كثير ربما فهمت نصفه وجهلت نصفه .. الفن لايخرج إلا من رحم التجربة الإنسانية والعذاب الممض ..

حين ألتقي مجددا به مهما كان الأمد قد طال بين زيارة وزيارة يتعمد أن يسألني السؤال المخاتل ويده لاتتورع عن لمسي في كل مكان:
حبيتي القصة .. شو فهمتي منها ؟!

عرفت مع الوقت أنه لايريد مني أن أسرد له مجريات الأحداث .. الزواج والطلاق والغدر والموت .. بل يريد أن أعطيه قيمة أو مغزى أو معنى ما يقف خلف هذه الأحداث .. كنت أسأله مستغربة:
وشلون أنت ماقريت القصة ؟

لم أكن وقتها قادرة على الاستيعاب أن محمد عبدالحليم عبدالله مرحلة تجاوزها مروان منذ زمن طويل .. بل ربما ما مرّ بها من الأساس ..

أدركت بعد سنوات وأنا أسترجع تاريخي أن الشاب الشيوعي المثقف لم تكن لديه أدوات تسعفه ليبدأ في خلق وتشكيل وعي فتاة بسيطة سوى القصص .. كان يريد مني أن أغوص في عمق الحياة .. وأن أخرج من حدود دنياي الضيقة المهمشة .. كان يريد مني أن أفهم معنى الظلم والتهميش .. وأن أنحاز للمبادئ والقيم الانسانية النبيلة في العدالة والحب والخير .. فبدأ بدفعي نحو القراءة .. قراءة ماسأفهمه وأحبه .. القصص الأكثر سلاسة ورومانسية والأقرب لخيال وذوق البنات في عمري .. محمد عبدالحليم عبدالله ..

(42)

كانت نورة قد امتلأت قناعة أن زوجها لم يعد يقربها منذ أشهر طويلة لأنه (مربوط) بفعل سحر عقدته امرأة من معارفه كانت تريده لنفسها ..

وافقت على مضض في ذلك الصباح أن أصحبها لشيخ ذكر لها بعض الناس مقدرته على فك السحر مع أنه كان في واقع الحال مشعوذا دجالا ..

البيت الذي وصف لنا كان يقع في نهاية سكة ترابية مسدودة في غرب الديرة ..

في تمام التاسعة صباحا كان يفتح لنا الباب فتى في حدود الثالثة عشرة .. دعانا للدخول فنزلنا درجتين ترابيتين ومشينا بينما هو يتقدمنا حتى دخلنا في حجرة على الجهة اليسرى في زاويتها موقد نار صغير خلفه دكّة ..

دخل الشيخ علينا بعد دقائق فإذا له هيئة غير مريحة .. لحيته الطويلة تغطي وجهه .. ويلبس ثوبا صوفيا أسودا والوقت ذروة الصيف، استوحشنا، أو استوحشت أنا على الأقل لكن لم يعد الهرب ممكنا ..

انشغل فور جلوسه بوضع قطع معدنيه مع بعض الحشائش وقصاصات الورق في صحن صغير وبدأ يقلبها فوق النار والدكة الصغيرة تفصل بيننا ..

انطلقت نورة تحكي بعجل معاناة زوجها أو معاناتها معه خالطة الشكوى بظنونها وهواجسها.

قاطعها الرجل قائلا: تراها سمينت (ن) بيضا ..

شهقت نورة مستبشرة بقدرته الغيبية : إي بالله هي .. فكني من شرها وشر من به شر الله يجزاك خير ..

طلب منها بعد تأتأة خفيفة أن تخرج ثدييها وتقربهما من المعدن المنصهر الذي بدأ يشكل مع القصاصات والنباتات المحترقة سحابة خفيفة ذات رائحة كريهة ..

أذهلتني المفاجأة وأذهلتني أكثر استجابة نورة الفورية وهي تفتح جيب ثوبها ..

بدأ الخوف يسري في أوصالي وأنا أنظر في نار الشهوة المتقدة في عينيه المحمرتين بينما نورة قد كشفت عن صدرها وهي تردد متناسية أن المريض زوجها لا هي: يا الله أنت الشافي المعافي .. أنت الشافي لا إله إلا أنت ..

شعرت بأنني في حلم أو هاجس أو حمى. كنت أشبه بالمشلولة التي ترى وتعي مشمئزة لكنها بلا حراك .. بدأت أرى ساعده يهتز ويده تصعد وتنزل في حركة سريعة بينما الدكة تستر الباقي .. أقعدني الشلل تماما وأنا أنظر ولا يرمش لي جفن وأسمع دعاء نورة الأبله لنفسها ..

لحظات ثم علت أنفاسه وهو ينتفض ويغمض عينيه ..

أسرعنا للخارج وحين شممت غبار السكة، توجهت نحو جدار وتقيأت فطوري والحموضة تحرق حلقي ..

اخترت أن لا أكلمها بتاتا في الحادثة لا ونحن في طريقنا ولا فيما بعد ..

لكني كنت أعرف أن الشرخ بيني وبين هذا العالم يكبر كل يوم .. سأصبح في لحظة ما لا أنتمي له .

(43)

كنت أتجاذب أطراف الحديث مع أبي في تلك الظهيرة حين انطلقت من الراديو الموسيقى المميزة لأخبار الثانية والنصف ظهرا ..

ثم تلى بدر كريّم الخبر الأول بصوت متحمس ومتمهل:

"انطلاقا من البيان الذي صدر عن الديوان الملكي بتاريخ 22 رمضان 1393 والتي قررت فيه حكومة صاحب الجلالة تخفيض انتاجها من البترول بنسبة 10 بالمئة فورا، ومتابعتها لتطور الموقف، ونظرا لازدياد الدعم العسكري الأمريكي لاسرائيل، فإن المملكة العربية السعودية قررت ايقاف تصدير البترول للولايات المتحدة الأمريكية لاتخاذها هذا الموقف .."

حاولت أن أحدث أبي في تداعيات القرار في حدود فهمي البسيط لكنه النامي منذ تعلمت الانصات للنقاشات الدائرة في الفيلا .. ومنذ تعهدت نفسي بسماع نشرات الأخبار وقراءة الجريدة بين حين وآخر ..

لكن لم يظهر لي أن أبي وعى شيئا مما قلته، أو ربما كان الأقرب أن الأمر لايعنيه .. فقد انتقل يحدثني في شأن آخر وكأن أخبار الملك يجر بعضها بعضا:

ثمنوا بيت ابن شيحة بـ ميتين ألف .. ويبي ياصلون لنا في محاري السنة ..

شعرت بالفخر وأنا أستمع بعد أسابيع للنقاش الدائر بين مروان ومصطفى الآغا بخصوص قرار الملك فيصل ..

تلبستني للمرة الأولى وأنا بين يدي مروان مشاعر بالأفضلية أو بالزهو .. كأنني أنا من أصدر القرار أو كأنه تلي على العالم باسمي .. أو كأني قد أصبحت الملك والبلاط وأهل السعودية أجمعين لا تلك الفتاة الصغيرة الفقيرة الغارقة حتى أذنيها صبابة ..

كنت فرحة جدا ومتخلية عن قيود خجلي وارتباكي المعتاد .. أتحدث وأضحك بعفوية .. فقلت بدون تردد:

أكيد إن الملك يبي يكنس اليهود كنس ..

نسي مروان نفسه وقهقه حتى أدركت بأني ربما قلت شيئا لايمت للواقع ولا للسياسة بصلة، لكنه انتبه لحرجي فتناول من على الطاولة الجانبية مجلة انجليزية يتوسط غلافها وجه الملك المعروق .. ثم قال وهو يشدني إليه ويقبلني وكانت هذه طريقته في الاعتذار الصامت الرقيق :

أنا حبيبة قلبي بطلت أحلم من سنة ال 68

ثم أكمل وهو يمرر شفتيه على يدي مشيرا لعنوان الغلاف:

بيقولوا إنه رجل العام ..

أسرع مصطفى وقد تذكر شيئا:

هو فعلا هيك ... بس دخلك قولي شو صار عل المشروع اللي حكينا فيه ..

(44)

كانت المرة الأخيرة في حياتي التي رأيت فيها فرج في أخر عام 1394 هـ حين طرق باب بيتنا في أول أيام عيد الأضحى قائلا وهو يسمعني أسأل عن الطارق:
أنا فرج جاي (ن) أعايد الشايب ..

ظلت عينيه في الأرض وهو يجتاز إلى الديوانية، لم يقل شيئا، ولم ينظر إليّ، ولم أتبين تعابير وجهه، لكني كنت أدرك تماما عمق جرحه الغائر ..

حين أصبح أبي معه تعمدت أن أقف قريبة من الباب وقد دفعني الفضول لسماع حقيقة ما أتى إليه .. فقد انقطع فجأة عن زيارة والدي أو توصيله للخرج منذ فترة ليست بالقصيرة ..

قال فرج وفي صوته انكسار لاعهد لي به:
أنا أبسافر الثلاثا للطايف وأنزل فيها حول أختي، قلت أسلم عليك، الله العالم إن كان الحي يشوف الحي ..

نطق أبي ولا أظن استغرابه سوى مثل استغرابي:
وش الطاري .. ورزقك تتركه؟ أنت في شغل (ن) كل (ن) يتمناه ..

ضحك فرج ضحكة صغيرة مكتومة وقال:
معد هنا شغل .. راحت العمة لمصر تعالج كلاويها وخذت بناتها اللي مااعرسن.. وقالت حافظك الله ..

سأل أبي ساخرا متكدرا من صنيعهن معه:
ورا ماخذك معها عساها لـ الآخذة .. ماتبي من يسوق بها في مصر .. ؟

ردّ فرج وكأنه قد ضاق ذرعا بالموضوع:
عنز الشيوخ نطاحة ياعمي .. بس يليتها ولو شرهتني.. ماطلعت إلا بالضراط الحامي ..

وقبل أن ينطق والدي بأي شيء، تابع فرج:
عمي أبيك تحللني وتبيحني .. تكفى إنك تحللني وتبيحني ..

آآآه .. غاص قلبي من شدة الوجع .. أشفقت على فرج وقد عرفت الآن سبب قدومه الحقيقي ..

الشعور بالفقدان على كل صعيد .. الشعور بالخسارة وقد أعطته الدنيا ظهرها جعلت الأفكار السوداء تتسلل إلى قلبه الغض ..

أتى هنا حتى يريح ضميره المتعب بكلمة صفح أو غفران يسمعها من رجل طيب سيترك ذات يوم الدنيا خالي الوفاض إلا من طيبة تكنس الدنس من وجه الأرض ..

جاوبه أبي وهو أكثر استغربا:
أحللك وأبيحك .. ؟! والله يا وليدي ما شفنا منك إلا كل خير .. إلا أنت اللي استر ما واجهت ..

هذه الدنيا فيها من القسوة والفحش ما الله به عليم ..

طافت في رأسي بسرعة خاطفة عشرات الذكريات .. كم ضحكنا يا فرج ولعبنا وتخاصمنا وتراضينا وذهبنا وعدنا ..

إذهب يا حبيبي مطمئن القلب مغفور الذنب .. فالطيبين مثلك لايزلزلون عرش الرحمن .

(45)

في ظهيرة ذلك اليوم من سنة 1395 هـ خيم على الناس الصمت والوجوم والقلق.. كانت الأخبار قد نقلت حادثة إصابة الملك فيصل بطلق ناري .. لم ننتظر كثيرا حتى عرفنا أنه انتقل لجوار ربه ..

كان مروان مقتنعا في أعماقه بأنها مؤامرة أجنبية لإزاحة ملك أقلق الغرب .. سمعته يرددها مرارا ناسجا حولها الافتراضات ومقحما الشواهد ..

أما أنا فكنت مثل أبي والبندري ونساء الجيران وكل الذين أعرفهم نؤمن بأن الملك لقي مصرعه على خلفية تصفية حسابات عائلية .. وتحديدا على خلفية قصة مقتل الأمير خالد بن مساعد على يد الأمن وهو يقتحم محطة التلفزيون بالرياض .. القصة التي سمعتها همسا أو وشوشة وأنا طفلة صغيرة ..

باستثناء التلفزيون والراديو والجرائد لم يكن هناك طقوس حزن لا في البيوت ولا في الشوارع .. كل شيء في الدنيا سار على ذات منواله .. لكأن إيماننا الديني الخاص يلجم الاحساس العنيف إزاء الموت والموتى .. وفي أحيان أخرى فإن هذا الايمان الذي يحذرنا من النياحة او الاستغراق في الحزن إنما هو يعفينا أيضا مشكورا من تكلف أو افتعال أحاسيس غير صادقة ..

بعد يومين أو ثلاثة ظل أبي يطلب مني الاعادة مستحسنا وأنا أقرأ له من الجريدة قصيدة الأمير خالد في رثاء والده ..

لاهنت يا راس الرجاجيـل لاهنت .. لاهان راس (ن) في ثرى العود مدفون
و الله ما احطك بالقبـر لكـن آمنت .. باللي جعل دفـن المسلمين مسنون
منزلك يا عز الشـرف لـو تمكنت .. فوق النجوم اللي تعلت علـى الكون
سكنت دار المجد يا شيـخ و اسكنت .. شعبك معك في منزل العـز ممنون
صنت العهد يا وافي العهد ما خنت .. علمتهم وشلـون الاشـراف يوفون
كم ظالم(ن) عاداك واعفيت واحسنت .. واخلفت ظن جموع ناس(ن) يظنون

لكن (منزل العز) الذي أسكنه الملك الشعب على رأي الأمير لم يكن في السبالة طبعا .. فلجنة تثمين البيوت بلغتنا بعد بضعة أشهر وكانت مشاعري مثل مشاعر أبي مختلطة بين الغبطة والحزن ..

أن تحصل على مبلغ مالي جيد تبني أو تشتري به منزلا حديثا بدلا من الطين المتهدم كان موعدا مع القدر السعيد ينتظره كل شخص دقه الفقر حتى آخر عظم فيه .. لكن مغادرة البيت الصغير الذي عشنا فيه كل حياتنا وعرفنا فيه مرارة الحياة وحلاوتها لم يكن بالأمر السهل .. إنها المفارقة التي تخلقها الحياة دوما وكأنها تتسلى بلعبتها المفضلة.. لعبة (الفرجة) على مشاعر البشر المتأرجحة بين الجذل والحزن وبين الانبهار والخشية ..

تألمت كثيرا وأبي يقول :
أنا كسرة شايب ولا عد في الدنيا شي (ن) يهمني .. بس أنتي يا شدين تستاهلين وانا أبوك الخير ..

بعد رحيل الملك فيصل سيتغير تدريجيا وجه الرياض التي بدأت تتحول إلى ورشة أشغال كبيرة في الرصف والبناء والتعمير ..
ستتغير الرياض إلى درجة أن تسلخ جلدا وتلبس آخر .

(46)

أعطينا مبلغ الـ 280 ألف ريال (كاش) وطلب منا إخلاء الدار خلال مدة قصيرة .. أدار المبلغ رأسينا، وحملنا الهمّ كأن مصيبة حلّت بنا ..

تلك كانت من بين المرات القليلة التي تمنيت فيها لو كان فرج معنا ليمد لنا المساعدة، أو يقدم لنا المشورة ..

لم اكن أطلب من مروان أي عون .. لم أكن أطلب أي شيء لنفسي.. بل على العكس كلما تعمقت علاقتنا كلما جنحت أكثر إلى تنحية فقري أو جهلي أو قلة حيلتي بعيدا عن مجال حسه وسمعه .. صنيع العاشق حين يخشى أن تنجرح الذات أو تنخدش الصورة في حضرة المعبود ..

قال أبي بعد طول تفكير وكأن ربه قد أوحى له من السماء السابعة:
مالنا إلا ابن شيحة ..

كان الرجل الذي يشتغل مراسلا في رئاسة تعليم البنات كريما معروفا بالنخوة وصاحب (فزعات) محمودة، فضلا عن حيويته وخفة نفسه، وهو ذاته قد ثمن بيته قبل سنة فاكتسب خبرة نجهلها ..

اشترى لنا ابن شيحة في بضعة أيام فيلا مساحتها 300 متر بجوار فيلته التي عمّرها في السويدي، وهو حي جديد بدأنا نسمع به حديثا .. وكان الانتقال له من بعد طين السبالة ورثاثتها أشبه بوثبة حضارية واسعة جاءت من غير ترقب ولا ميعاد ..

لاشيء بعيد على الله ..!

فقد صارت لنا حديقة صغيرة .. ومطبخ بخزانات متعددة .. وحمامات (افرنجية) .. وبلكونة تطل على الشارع ويزينها الزجاج المعشق ..

قال ابن شيحة لوالدي:
البلكونة (تعور) خلوها إلين أروّح لكم عمال (يزينونها) ..

لو كان لي صوت وقتها لصرخت :
خلها يا ابن شيحة .. تكفى لاتقربها .. نبي نشوف نور ربنا ..

ذبحتنا العتمة يا ابن شيحة .. لكن ..

ستنحفر في ذاكرتي إلى الأبد التحولات الجذرية التي عصفت بالسويدي على مدى بضع سنوات ..

منذ كان الحي الهادئ أراض خالية تتناثر فيه بضع فلل متباعدة حتى جاءه (الغزو) فشاهت سحنته الأولى وتبددت سكينته ..

صار الحي/ الحلم لتلك الطبقة الصاعدة من الطين هو الشاهد على مدينة ما إن تمطت مستيقظة من سباتها، نافضة عنها غبارها، حتى وقعت في (مصيدة) نصبتها لنفسها يوما بعد يوم .

وأخيرا أتوجه أولا بالشكر الجزيل للشبكة الليبرالية على ماوفرته لهذا العمل من رعاية وانتشار ..

كما أتوجه بالشكر لجميع الأعضاء الذين لولا كرمهم في الحضور والمتابعة والتدعيم لفقد هذا العمل الجزء الأكبر من رونقه .. لقد عرفت من خلالهم معدن الطيبة والنبل ..

وأعتذر من كل من رأى في هذا العمل شيئا من الازعاج أو الخروج عن السائد ..

سأتوقف هنا، تحت ضغط من إحدى دور النشر العربية التي تضمن الاتفاق معها هذا الشرط ، مع أني حاولت أن أتملص منه .. لكن في النهاية غلبت شديّن ..

أرجو منكم أن تجدوا لي العذر في هذا القرار ..

لكل من تابع وداخل قبلة على جبينه ..

وداعا ..

شادية عسكر