علم البيلوجيا
 
 

ذيك السنة يوم تزوجني مسيار الشيخ بريك السعد


(31)

مشيت ببطء نحو مدخل العمارة وكأنني أستبقي الوقت .. دخلت فإذا أنا أمام باب زجاجي مقسم إلى مربعات ملونة بالأخضر والأحمر ..
رفعت الشيلة الخفيفة عن وجهي .. وأنا ادفع الباب بترقب ..
وجدت نفسي أمام ردهة صغيرة يتوسطها رجل متوسط في العمر خلف مكتبه. رفع عينيه قائلا:
أي خدمة ؟!

مشيت نحوه وسلمته الكارت الصغير الذي تعرّق في يدي دون أن أنبس بكلمة..
تأملني بعينيه الفاحصتين وهو يقول:
الأستاذ مروان معو مندوب لشركة بس يطلع تدخلي .. استريحي ..

تنفست الصعداء لأنني سألتقط أنفاسي قبل الوقوف بين يديه ..
جلست أتأمل في الصورة المعلقة في الحائط أمامي وأنتظر ..

بعد ربع ساعة تقريبا تناهى إلى سمعنا صوت باب يفتح ويغلق ثم سلام وتوديع .. قام الرجل من مكتبه وهو يقول مناديا:
مروان بيك فيه (جماعة) يستنوك ..
دخل مروان مباشرة ليرى الذي ينتظره .. فإذا أنا واقفة عن يمينه وكل من في العمارة كأنه يسمع ضربات قلبي:
ما إن وقعت عينه عليّ حتى قال وهو يبتسم ابتسامة عريضة:
ياهلا والله .. يامية هلا .. تفضلي ..

أشار بيده حتى أتقدم ففعلت مع أنني كنت خجلة جدا كونه يمشي خلفي بخطوة .. دخلنا مكتبه الباذخ والمؤثث تأثيثا ملفتا في أناقته.
لم يأخذ مكانه خلف مكتبه بل أجلسني وجلس في مقابلي على مقعدين جلديين أسودين كانا في زاوية تزينها طاولة صفت عليها صور عائلية لآل عقاد :

قال بصوت منخفض وكأنه يفشي سرا بينما هو ينحني مقربا وجهه مني:
شاي ولا عصير .. ؟!

تنفست الصعداء للمرة الثانية فهو لم يستغرب مجيئي وأعفاني من مهمة التعليل أو خلق المبرارات..
مع ذلك قلت له بارتباك واضح وسذاجة متناهية وكأنني أشرح سبب قدومي الذي لم يطلبه:
والله لقيت صدري ضايق بالحيل .. و .. ومدري .. جيت ..
ضحك بعذوبة وهو يرد كلامي نفسه محاولا تقليد لهجتي :
والله .. والله لقيتو ضايق صدري وجيت ..!

قبل أن أستفيق من استغرابي من جرأته هذه .. قال بلهجة مهجنة بين الفلسطينية والسعودية والسورية .. وبحنان ذبحني من الوريد إلى الوريد:

شادية .. شوفي .. شو ما كان السبب اللي جابك لمكتبي .. افهمي حاجة وحده .. أنتي عجبتيني من أول مره شفتك .. أنا مابعرف أكذب ولا ألف وأدور ..
رقص الفرح في دمي .. شعرت بأنه يداوي جرح فرج الطري وسخريته المرّة ..
تابع يسألني وبجرأة شديدة تصل حد التبجح:

شادية .. شو أنا ما بعجبك ..؟!

كيف أرد على هذا المجنون وبماذا أجيبه .. قلت له أتصنّع الغضب لنفسي أو كرامتي وأنا أقوم وأسوي عباءتي استعداد للخروج:
بس مهوب كلش(ن) يشرى بالأريل ..
اقترب مني بكل عفوية وكأنه يمارس فعلا عاديا أو حقا مشروعا وطبع قبلة على خدي قائلا :
كنوز هالدنيا كلها ماتشتري شعرة وحده من راسك..

أفاقت الأنثى جامحة في داخلي ..
وتمنيت في تلك الدقيقة لو أخذني هذا الرجل غصبا بين ذراعيه ..

(32)

سيكون مروان الحد الفاصل بين عالمين أو حياتين أو تجربتين ..
هذا ماقلته لنفسي وأنا أفتش في دولابي الصغير ذي الذرفتين وأنثر ثيابي القديمة فلا أجد بينها ما يرضيني ..

ذهبت بعد العصر إلى السوق .. أنفقت معظم نصيبي من مال سيدة آل عقاد في شراء الثياب الجاهزة والأحذية الجلدية ..
كان ذوقي قرويا يركز على الألوان الفاقعة والقصات المزركشة ..
اشتريت قارورة عطر .. وشيلة .. وعباءة .. وحقيبة يد بلاستيكية سوداء تبرق ..
وبعد تردد قليل قررت أن (المكحلة) و( البودر ) وحدهما لايكفيان .. فأنا أحتاج علبة مكياج .. اشتريت واحدة رخيصة بعد مفاصلة طويلة مع البائع (الزيدي) الذي تعمد لمس يدي أكثر من مرة ..

بعد المغرب ذهبت إلى البندري في بيتها .. في طريقي مرّ بي الأسود الطويل .. حمد العبيد على دباب (الهوندا) .. أسرعت في مشيي خائفة مع أني أعلم أن هواه مع (البزران) ..

طلبت من البندري أن تقص شعري الطويل .. أردته تحت أذنّي بقليل كما رأيت معظم النساء اللواتي سرقن لبي في قصر الآغا.

حسنا والدي (مايشوف) بالتالي فلن يعرف هذه ا(الخطيئة) ..
فجعت البندري حين سمعت طلبي وكأني كفرت، أو جحدت نعمة ربي، غير أنها رضخت في النهاية وهي تتحسر ..
وقفت طويلا طويلا أمام المرآة المسندة في باحة البيت أجرب ثيابي الجديدة .وأبي في عالمه الطيب .. يستمع إلى الراديو ويسبح ويهلل ..

ألبس هذا وأخلع ذاك..
أجلس وأقف وأدور ..
أتيت بصندوق خشبي وجلست عليه كما لو كان كرسيا .. وضعت رجلا على رجلا .. ورميت بخصلة من شعري القصير على عيني ..

هكذا هن النساء الجميلات .. ماذا أفرق عنهن .. لاشيء .. بل أنا أصبا وأشهى ..

رفعت فستاني إلى ركبتي .. نظرت إلى ساقيّ باعجاب وأنا لا أزال أضع رجلا على رجل ..

خطرت في بالي فكرة .. فتناولت المقص وقصصت الفستان الأحمر .. الذي كان أول فستان قصير مثير أرتديه في حياتي ..

ثم قلت في نفسي: آآآه سيطير عقل مروان .

(33)

كاد قلبي ينفطر حين سمعت منبه فرج في الصباح الباكر من تلك الجمعة، فلم أره ولم أسمع منه منذ ثلاثة أسابيع .. منذ نزلت ذلك المساء من سيارته أهرول مجروحة باكية ..

لكن كان لدي يقينا قويا بأنه سيأتي في أول جمعة من الشهر ليوصل أبي للخرج، وأنه لن يقطع عادته فجأة .. فلا أحد يعرف فرج وقلب فرج أكثر مني .. لذلك فإني قد رتبت أمري مع مروان منذ يوم الأربعاء ..

كنت أداري انقباضي وأنا أرقب أبي ينزل من العتبة .. أشعر بألم من فرج وألم عليه .. لمحته من الخلف .. فقد كان مصوبا وجهه نحو سيارته حتى لاينظر إلى الباب أو يلمحني وكأنه قد قرر أن يعطي ظهره لقلبه وذاكرته . زال انقباضي سريعا .. إن الفتى الطائر يشفى ويتعافى وينساني ..

الأيام كفيلة بمداوة جرحه ..

دخلت الحمام واغتسلت بالسطل من المياه الدافئة ومروان يرف أمام عيني. سيأتي بسيارته ليأخذني بعد صلاة العصر مباشرة مما جعل أنفاسي تتلاحق وأعصابي تتوتر كلما قترب الموعد ..

لبست فستانا بلون أخضر فاتح من الثياب التي اشتريتها مؤخرا ..
ووضعت على وجهي طبقة ثقيلة من المكياج وتبودرت بطلاء أحمر براق ..
ثم جلست أنتظر وكل خلية فيّ تنتفض ..

ركبت إلى جواره، وما ان خرجنا من حواري السبالة الضيقة حتى قبل يدي وهو يتمتم بكلمات حب، فشعرت بأني أميرة، قال:

بدنا ناخذ أكل خفيف .. ساندوتش يعني .. وبعدين طيران بحبيبة قلبي عل العش الهادي ..

لم أكن أدري عن أي عش هادئ يتحدث .. لكن هل كنت أحلم .. هل سأفيق وأنا بين يدي فرج نشرب الشاي تحت ديراب.. أو مع البنات في عرس بإحدى الحواري القديمة ..

عيني لم تنزل دقيقة عن يده الناعمة المشربة بحمرة وهي تحيط بمقود السيارة .. هل سيلمسني بهذه الأصابع ..؟! هل سيطوق خصري بهاتين اليدين ..؟!
وكنت أختلس النظر إلى رجليه الطويلتين .. بنطلون الجينز الفاتح .. والصندل المصنوع من الجلد البني الداكن ..

قطع حبل أفكاري وهو يسأل:
شادية .. كم عمرك ؟
كدت أقول ماقصة الفلسطينيين مع الأعمار .. لم هي أول مايسألون عنه .. لكني أجبته:
واحد وعشرين ..
ابتسم وهو يلتفت علي ويقبل يدي ثانية:
فرفورة ياقلبي .. أنا ست وعشرين ..

سكتنا ثم قال ونحن ندخل في شارع (العصارات) الحافل بالمطاعم الصغيرة ومحلات العصائر واستعراضات أولاد الذوات بسياراتهم الفارهة:

عارفة يا شادية .. أنا شو قد بكره هذا العالم .. الناس هون مزيفين .. كذابين .. فارغين من جوه ..

لم أعرف لماذا يصف هؤلاء الناس بالكذابين المزيفين ..

تابع مشيرا بيده نحو أحد الشباب المتكئ على سيارته الفيراري مسبلا شعره ويدخن:

يا لله تطلعي .. عبدالقادر الحريري هذا كل يوم جايب سيارة يوريها للعالم ..

لم يجد عندي أية تعليقات مناسبة فلم أكن أدري كيف ينبغي أن أرد .. وفي الأصل كنت منبهرة بما أراه للمرة الأولى .. أشكال الشباب وأرتال السيارات .. قال وهو يفتح الباب خارجا:

تاخذي ساندوتش معين .. ولا على ذوقي ؟!

أدركتني رحمة الله أو أنجدني هو .. فلم أكن أعرف ماذا أشتهي أو ماذا (يخبزون) في هذا الشارع فقلت:
أي شي .. على ذوقك ..
عشر دقائق ثم عاد بالساندوتشات والعصير ..

انطلقنا بالسيارة .. وبعد بضع دقائق أخرى توقف فجأة في طريق هادئ ..
فاجأني لدرجة خطفت لوني وعقدت لساني .. تناول منديلا وانحنى علي حتى شممت رائحته الزكية .. بدأ يمسح (البودر) الثقيل عن شفتي .. ويقول :
حبيبة مروان .. أنا بكره المكياج لما يكون هيك ..

ارتعشت شفتيّ خجلا ورهبة ..
أما هو فكان واثقا من نفسه كأنه لم يفعل شيئا .. انطلق بسرعة جنونية وصوت المسجل يهدر بأغنية انكليزية صاخبة ..

(34)

حين سمع (الصبي) منبه السيارة فتح باب (القراش) ..
أنزلني مروان من السيارة وهو يطوقني أمام الفتى الذي لم يتجاوز السابعة عشرة .. كانت فيلا في شارع جرير ذات حديقة صغيرة وتنظيم وأثاث جميل ..

دخلنا والفتى يتبعنا ويقول:
وش أصلح لكم يا عم ؟
أجابه مروان بما صدمني:
لاتعمل شي .. شاي بس .. مصطفى بيك جاي وجايب معه عشا ..

تحول ارتباكي إلى رعب حقيقي .. ماذا أتى بي إلى هنا ..؟! بالكاد أعرف مروان هذا فكيف وثقت به إلى حد الخروج معه؟ هاهو يعزم شيخا داعرا ؟ هل تراه يظنني رخيصة إلى تلك الدرجة ..

وأنا أخلع العباءة واقفة في الصالة فطن مروان لوجهي وكأنه قرأ هواجسي .. دنا مني .. احتضنني وهو يقول:

من شو قلقانة .. ؟!

أجبته ببراءة متناهية وأنا أخلص نفسي منه:

ليش عازم (ن) قريبك ؟

انفجر ضاحكا :

وحياة الله مش أنا اللي عازمة .. هو اللي عازمني ..

لاحظ حيرتي .. فقال وهو يجلسني على كنبة واسعة ويجلس بقربي :

هاي فيلا لمصطفى النمر .. إطّمني .. كل شي في السليم ..

قمت حانقة :

أنت وش حاسبني .. أنا محد(ن) قالي إن الفلسطينيين قليلين حيا ..

ضحك وهو يشدني من يدي حتى يستبقيني:

أنا سعودي غصب (ن) عن اللي خلفوكي .. يامجنونة مصطفى مش جاي هلا .. جاي بالليل ومعو صاحبته ..

جلست ورأسي يدور .. فتابع وهو يضحك خاطفا قبلة عجلى من فمي :

وصاحبته سعودية ميه بالمية مش زي بعض الناس.. أصلوا كلنا بنحب الدم الساخن !

(35)

غرقنا في المشاعر الروحية والجسدية .. فجر مروان فيّ ينبوع الحياة .. عرفت منذ تلك الأمسية أنني أدخل في حب جارف .. لم أعد مترددة أو حائرة تجاه هذه القصة .. ففي تلك اللحظات الحميمة التي جعلني فيها مروان (ألمس غيوم السماء) للمرة الأولى في حياتي أيقنت بأن فتنة هذا الشاب أقوى من احتمالي أو مقاومتي ..

في حدود الثامنة سمعنا جلبة (باب القراش) يفتحه (الصبي) .. دقائق وكان مصطفى يدخل علينا مع صاحبته .. قال وهو يصافحني بحرارة صاحب البيت:

أنا دايما بقول هذا الولد الشيوعي محظوظ ..!

كانت هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة شيوعي .. لم أفهم منها شيئا وإن كنت شعرت بأنه يمتدح حظ مروان في البنات ..

لكن تلك الكلمة كانت فاتحة لأسمع في هذه الفيلا فيما بعد عشرات التوصيفات والنقاشات السياسية الحامية عن نكسة حزيران والقضية الفلسطينية وجمال عبد الناصر وأمريكا والاتحاد السوفييتي وسياسة الملك فيصل .. وغيرها من المجادلات التي فتحت عيني تدريجيا على العالم من حولي ..

(جواهر) صديقة مصطفى في أواسط الثلاثينات، كانت قد تلقت تعليمها في لبنان، وهي سليلة أسرة نجدية أرستقراطية، ومطلقة منذ بضع سنوات..

حينما دخلت ونظرت لها بطرف عيني شعرت براحة تعرفها النساء. لاشك أنها أنيقة ومثيرة في فستانها الذي يعلو ركبتيها بقليل.. ولكني أجمل منها .. لكن المريح فعلا أنها كانت على سجيتها ولم تكن منفوخة أو متعالية، وأظهرت نحوي قدرا من الود.

ومثلما كانت المرة الأولى التي أسمع فيها كلمة شيوعي فقد كانت المرة الأولى التي أرى فيها زجاجات ويسكي وكان ذلك على العشاء ..

وحيث كانت لدي مشكلة حقيقية في الأكل بالشوكة والسكين فقد اكتفيت بأكل الفاكهة .. ثم ارتشفت قليلا من الويسكي تحت إلحاح مروان وأنا أخفي شعوري بأن النار تكوي حلقي ..

بعد العشاء جلسنا نحن الأربعة في الصالون .. جاء الصبي بالقهوة التركية التي لم أستسغ طعمها ..

ولم أستسغ أيضا حكاية الاحتضان والتقبيل العلني .. فمروان قد مد ساقه على فخذي وبدأ يثرثر في مشاريعه .. وجواهر تميل على مصطفى بين لحظة وأخرى توشوشه وتقبله ..

(36)

قال مصطفى حين انحرف الحديث بعيدا عن المشاريع والمقاولات ..
إذا ماتكون الرياض زيها زي عمّان أو بيروت في العشر سنين الجايين مابكون مصطفى ..

حين بدأت أتلمس طريقي الشاق في فهم مناقشاتهم، عرفت فيما بعد أن المهندس مصطفى النمر كان يرقب متفائلا التغيرات الاجتماعية ويحلم بتوسيع امبراطوريته المالية عن طريق المشاريع الفنية والترفيهية بما في ذلك المسارح والنوادي الليلية ..
لم تكن في رأسي أية صورة ذهنية عن عمّان أو بيروت التي ستصير الرياض مثلها .. لكن فكرتي البريئة والطريفة التي ستلازمني لوقت أن هذه المدن تشبه مروان في نظافتها ورونقها وجمالها ودفئها ..

أفشيت بعد أيام سري للبندري .. ولها وحدها .. فلم تكن لي ثقة في غيرها .. فعلت ذلك محتملة تأنيبها ولومها .. لأني كنت أعرف أني سأحتاج لها كثيرا حتى (تغطي) عليّ أمام أبي ..

قلت لها ونحن نشرب الشاي جلوسا في ديوانية بيتنا مع أن المسؤولة ليست بأعلم من السائلة:
وشلون ألبس وأحكي مثل ذولاك .. تكفين يا البندري وشلون أصير مثلهم؟!

لم تسأل البندري من هم (ذولاك) فمدلول الكلمة عندها هو مدلوله عندي .. طبقة وثقافة وفئة من الناس لاتمت لنا بأدنى صلة .. لكن الشوق يحرقنا لهم ..

لم تنبس ببنت شفة .. بل بدأت ترشف الشاهي وكأنها لم تسمعني .. تجاهلت تجاهلها وسألتها عن شيء آخر :
طيب .. تهقين يا البندري إنه يحبني صدق ؟

ردت على سؤالي بمعلومة انتشرت في وسط الرياض مثل النار في الهشيم:
يقولون إن العبد الأسود اللي ينط على السطوح متفصخ وداهن روحه بزيت حتى مايقوى أحد (ن) يمسكه ..

حنقت عليها لأنها تخترق جدار أحلامي الجميلة بقصصها السخيفة عن جرائم السطوح ، فقلت وأنا أرفع الأبريق إلى المطبخ متباهية بمعرفتي الجديدة :
الرياض تبي تصير مثل لبنان .. وأنتي إلى هالحين تخرطين في (العبيد ) ..

(37)

في المساء طلعت كعادتي في ليالي الصيف إلى (العلية) أرشها بالماء وأمد فراش أبي وأضع (غضارة) الشرب قرب رأسه.

شعرت بدفء يده المرقطة بالبقع البنية ونحن نرتقي الدرج بعد صلاة العشاء ..

ليتني أستطيع أن أفتح له صدري المثقل بالهموم والأسئلة والقلق. أو ليت أمي كانت موجودة. أو ليت لي أختا أو عمة. قلت له:
يبه .. عندي شوية قروش وودي نشتري تلفزيون ..

ضحك حتى بانت أسنانه المثلومة:
يقولون إنه تلف عيون يا شديّن .. بس ميخالف وصي فرج يشتريه ..

كان زوج نورة قد اشترى تلفزيونا منذ عاد من رحلته إلى البحرين، وبدأت تحدثنا وهي مستثارة عن المسلسلات اللبنانية والمصرية والأخبار والمطربات والمذيعين ..

فقلت لأبي ملمحة إلى أن فرج لن يستمر هو ذات فرج:
لا .. فرج لاه (ن) عنا .. زاد شغله مع الشيوخ .. أبوصي نورة توصي رجلها ..

أدخل التلفزيون الصغير في حياتي ثورة عظيمة، فبدأت أستوحي من المسلسلات اللبنانية والمصرية طريقة اللباس وقص الشعر وأساليب الكلام وطريقة الأكل.

كانت الممثلة اللبنانية نهى الخطيب تعجبني كثيرا. كنت أموت شوقا وولها وأنا أتفرج على المواقف الرومانسية التي تجمعها بإنطوان كرباج .. كانت دائما واثقة متمنعة ، مغرية بلا أغراء فاضح، لطالما قلت: هكذا يجب أن أكون مع مروان ..

أقف أمام المرآة وأقارن جسدي النحيل بجسدها النحيل وشعري الناعم القصير بشعرها الناعم القصير وأبتسم فخرا.

أدركت أن الفساتين الجاهزة التي بدأت حديثا في شرائها ليست جميلة ولا على الموضة ولاتشبه ثياب نهى الخطيب ولاهند أبي اللمع .. فعدت إلى شراء قطع القماش، لكن كنت أرسم الفستان أو التنورة من وحي ما أراه على التلفزيون ثم أقف على رأس أم جابر وهي تقص وتخيط ..

أدمن أبي على صوت أم كلثوم وبدأ يقول: هاذي مهيب من الناس ..!

وادمنت معه على متابعة مسلسل لعبد المجيد مجذوب. كنا نجلس ولايفصلنا عن التلفزيون سوى شبرين هو يسمع وأنا أسمع وأرى .. وأصف له بعض المشاهد الضرورية .. ذات يوم سألني على استحياء :
أوصفي لي يا شديّن ذا الحريم .. هن زينات !

كنت أود لو انشق قلبي عما فيه .. أبي يا مسكين إن كل شيء أبعد من هذا الطين (أزين) وأنقى وأحلى .. لكني ضحكت وبادرت سؤاله بسؤال أضحكه هو أيضا:
يبه .. إنت فيك شدّة تنشد عن الحريم ؟

(38)

سألتني نورة وهي تصب الكلام في أذني حتى لايسمع زوجها:
شفتي ذاك المزيون اللي يقرأ الأخبار .. غالب كامل ..

كان أيضا قد لفت انتباهي .. تابعت وهي تبعد عني متحدثة بصوت عادي وقد انتهى السر:
تراه فلسطيني ..

أوشكت أن ألقمها حجرا وأقول عبارة مروان: سعودي غصب (ن) عن اللي خلفوكي ..

لكن هذا لم يحدث .. وبدلا منه قلت:
ودي أشتري أغاني لعبدالحليم حافظ .. ياختي ذا المغني بدا (يصيحني) ..

قاد التلفزيون الصغير أيضا بلونيه الأبيض والأسود الثورة الجديدة في حياتي التي غيرت ذوقي وأرهفت شعوري تدريجيا ..

لقد وقعت أسيرة التعلق الروحي بعبدالحليم رغم قلة مايعرض التلفزيون من أغنياته.

وحين كان مروان يعطيني أعدادا من مجلة الكواكب المصرية أتسلى بها كانت تهمني الفساتين والتسريحات ثم أخبار عبدالحليم ..

تابعت على صفحاتها بألم حلقات عن خيبات حليم العاطفية، كنت أقرأ بحرقة حتى بلغت عشقه اليائس لزوجة الدبلوماسي الكبير التي قابلها على شاطئ الاسكندرية وفتنته فإذا بحرقتي تتحول إلى بكاء مكتوم .. بينما أسترجع في ذهني نغمة صوته الحزين:
زي الهواء ياحبيبي زي الهوا .. وآه من الهوا ياحبيبي أه من الهوا
وخذتني من إيدي ياحبيبي ومشينا .. تحت القمر غنينا وسهرنا وحكينا
وفي عز الكلام سكت الكلام ..وأتاريني ماسك الهوا بإيديه

لم أكن سابقا أستمع أو أطرب أو أغني في الأعراس سوى الأغنيات الشعبية الخليجية ذات الايقاعات الراقصة أو العالية، وفي أعراس نادرة حين كان مستوى الناس راق بالمعايير النسبية لذلك الوقت كنت أدخل بين أغنية وأخري القليل الذي أعرفه من الأغاني العربية الخفيفة لصباح او عفاف راضي ..

فريد الأطرش الذي عرفته وسمعته من خلال فرج الذي كان مهووسا به كإعادة انتاج لهوس عمته لم يرق لي أبدا .. بل كان يضجرني ويثقل على مسمعي، فأحتمله مجاملة لذاك الفتى الطائر ..

عصر ذلك اليوم ذهبت مع نورة لمحل الأشرطة الواقع في سويقة بجانب محلات قماش الغنام ..

كان المحل أشبه بفتحة صغيرة تخرج منها طاولة يقف خلفها أحد اليمنيين الذي لديه مسجلات وأشرطة جاهزة للنسخ. قلت له:
أبي خمس أغاني لعبدالحليم ..

لم أحدد وهو لم يسأل .. وأثناء النسخ، صاحت البندري .. كان أحد الرجال قد مرّ من خلفها وقرص مؤخرتها أو فعل أكثر .. ثم ركض مسرعا وبشته الداكن يكاد يقع من على كتفيه ..

وبدلا من أن تركض خلفه وتأخذ حقها منه، انقلبت علي أمام البائع:
هذا اللي خذناه من وقفتنا الشينة قدام هالمحل الشين .. حسبونا من إياهم !

كنت مصدومة من ردة فعلها ورغم أني أعرف الاهانة التي تشعر بها في هذا الموقف إلا أني لم أجد لها تبريرا ولا عذرا، فلم يكن لي أي ذنب ..

دفعت الحساب الذي طلبه الشاب مني بدون مفاصلة وغادرت معها صامتة ..

ومع بساطة الحدث إلا أن تأثيره فيّ لم يكن كذلك ..

لقد بدأت مؤخرا أشعر باغتراب يتزايد حين أكون برفقة واحدة منهن .. رغم أنهن ذات الفتيات اللواتي عرفتهن وعملت معهن ولطالما غنينا وسهرنا وضحكنا معا ..

لم أعد أفهمهن أو أنهن لم يعدن يفهمنني ..

كان هناك شيئا أشبه بالشرخ أو الكسر الذي سيبدأ في علاقتنا ثم يتدرج مع الوقت حتى يصبح مقاوما لأي ترميم ..

أنا كنت أتغير تدريجيا .. بينما هن ثابتات في ذات المكان والزمان والشعور

(39)

الأعراس كانت وسيلة رزق وتسلية .. كما كانت أيضا مكانا مثاليا لتسقط الأخبار الجديدة أو رؤية طقوس فرح غير معتادة ..

أحيينا في تلك الليلة عرسا صغيرا لأسرة عتيبية .. والمريح في أعراس البسطاء أننا لانحتمل أعباء نفسية في التفكير بها أو الإعداد لها ..

فغالبا ما كنت أنشغل طوال النهار بالجلوس مع الشايب أمام التلفزيون .. فإذا جاء المغرب تلاقيت مع البنات، وسرنا لوجهتنا .. بدون استعداد يذكر .. نؤمل أنفسنا بليلة مفرحة .. وبوجود فتيات عديدات مستعدات للرقص .. لأن ذلك يحمسنا ويساعد على انجاح مهمتنا.. أما إن حدث العكس فغالبا ما يحمل (الطق) جزءا من مشكلة لادخل له فيها ..

وحين لايتوافر لأي سبب العدد الكافي من القادرات على الرقص فإن العرس يستمر باردا وسط نداءات متكررة مني أو من والدة أحد العريسين للجالسات على الأرض في شكل خطوط مستقيمة أو دوائر بأن يتقدمن ويظهرن مهاراتهن ..

وغالبا مانرى إحدى قريبات العروس كأختها مثلا وهي تجر فتاة بيدها إلى دائرتنا تحت عبارات الترغيب والمديح .. وتلك خجلة تردد الجملة التي حفظناها ظهرا عن قلب:
معرف أرقص .. والله منيب رقاصة ..

في أعراس قليلة قد تتطوع إحدانا فتترك الطار وترقص (شوطا) على سبيل (الفزعة) أو بث جو من الحماس والجرأة يساعد الفتيات الخجولات على الرقص ..

أجرتنا كنا نأخذها بإحدى طريقتين .. إما أن والدة العروس (تتقاطع) معنا قبل العرس على سعر معين ..

وإما أن تكون أجرتنا على كل شوط منفرد .. وفي هذه الحالة فإن الراقصة تحذف علينا مبلغا صغيرا وهي تتقدم للرقص .. أو تقوم والدة العروس بحذف المبلغ الصغير نيابة عنها ..

الرقص قد يكون منفردا من فتاة أو امرأة واحدة ..

وقد يكون على شكل أزواج .. اثنتين اثنتين ..

وقد يكون جماعيا وهو الأسوأ .. وفي هذه الحالة الأخيرة تمتلىء الدائرة التي تتشكل من تحلقنا حول بعضنا بخمس أو سبع راقصات .. وتجد الخجولات أو غير المميزات في الرقص أو غير الجميلات أن هذا هو الأسلوب الأنسب لهن لأنه لايركز الأنظار عليهن ..

الرقص الزوجي أو رقص الاثنتين كان في بعض الأحيان يشي للعين المدربة منّا بطبيعة العلاقة الخاصة التي تربط بين الفتاتين الراقصتين ..

ومع أن مثل هذه العلاقات سريّة تماما .. إلا أن الطار كان قادرا على تسريب شيء من الخصوصية، بالذات حين يكون الطرب قد أخذ الناس إلى سماواته العالية .. فتظهر بعض الحركات اللاإرادية مثل الاقتراب الجسدي الشديد .. أو تقريب الوجه من الوجه بشكل ملفت .. أو تطويق الخصر مع نظرات عيون تكشف مكنون ذاتها ..


(40)

عرس العتبان في تلك الليلة كان مناسبة لتحصيل مبالغ مالية جيدة أبهجتنا، ذلك لأن لنسائهم طريقة فريدة في تقديم المال قبل الرقص، فهن لايحذفنه علينا في حركة سريعة مثل نساء الحضر وكأنهن يخفينه وهن بالفعل يخفينه فلا تميز غالبا باقي النساء المبلغ المحذوف .. بل كانت العتيبية تحمل الورقة النقدية وترفعها عاليا بيدها وهي ترقص حتى ترى أغلب الحاضرات الورقة أو الأوراق النقدية المرفوعة .. أو تربط الورقة النقدية بالحزام الذي يحيط بخصرها .. فكانت هذه فرصة طيبة لـ (التفاخر) بينهن ولمزيد من الكسب بالنسبة لنا ..

أنتهينا من الطق في حدود الحادية عشرة حين نودي بالنساء أن يدخلن على العشاء الذي قام الرجال منه لتوهم ..

أتوا لنا كالعادة بـ (تبسي)، فتحلقنا حوله .. وهنا بدأ العرس يلعب دوره كوكالة أخبار غير رسمية .. وسوالف نساء قليلات بقين قريبات منا صارت مسموعة تماما وقد خفّ الضجيج كثيرا ..

بدأنا نأكل صامتات على غير عادتنا وكأننا نتواطئ على سماع حديث النساء الذي كان ملفتا في قصته الغريبة .. تلك القصة المتماسكة التي سمعتها بعد ذلك في زوايا الثرثرة بمدينة الرياض بروايات مختلفة .. إنما بنهاية مفجعة واحدة ..

لا أظن بأن الحكاية أحدثت في نفوس البنات تلك الليلة أكثر مما تحدثه في العادة قصص الحوادث والغرائب ..

أما أنا فقد علقت في ذهني لأيام وليال قادمة كثيرة صورة الشاب .. ابن الموظف الرسمي الكبير .. وقد خنق غيلة وألقي في عمق (قليب) جراء حبه لفتاة من (فتيات القصور) ..

كنت أحاول أن أطرد الصورة فلا أستطيع حتى يغالبني النعاس ..

كان شعوري مزيجا من العطف والخوف والحيرة ..

كأن السماء ترسل إلينا إشاراتها بالنهايات العنيفة عقابا على كل خفقة قلب .. أو ارتعاشة شفه .. أو لمسة ذوبها العشق ..

نبكي قصص الغرباء ونهاياتهم .. لكننا في واقع الحال نبكي قصصنا الشخصية .. التي نقلبها بين أصابعنا مثل الجمر يحرق جوانحنا في أرض قاسية صلدة ..

أحيانا كان خيالي يصنع قصته .. فأرى الفتاة وحبيبها يتعانقان تحت ظلال شجرة في حديقة واسعة غناء .. خرير الماء وحفيف الشجر وأصوات الطيور .. ثم تنقلب الصورة إلى رجل أسود طويل يشبه (جرس) يهشم رأس الشاب بفأس أو عقب بندقية .

الجزء الرابع