علم البيلوجيا
 
 

ذيك السنة يوم تزوجني مسيار الشيخ بريك السعد


 
( 17 )

حين يسيّل المال لعابك .. تصبح براغماتيا !
هذا القانون عرفته فيما بعد من معلمي مروان وأنا أتوسد ركبتيه ..
لم يكن صنيع البنات وفرج قبلهن وأنا أكشف الستار عن خبر المبرقعات العرايا سوى أفضل انعكاس لقانون مروان عن اللعاب والبراغماتية.
فرج استشاط حنقا وغيرة بعض الوقت شاتما فساد العرب وانعدام المروءة فيهم، مع أنه يشهد في قصوره أضعاف هذا لكنه نفاق فتاي الأسمر .. الذي لن يحتمل أيضا أن تكون فتاته حاضرة هذا (الفساد والخراب) ..
مع ذلك سرعان ماوزن فرج الموضوع في رأسه البرجوازي الصغير فقال :
طيب .. حنا بعد لازم نفهم إن هاذي عوايدهم .. مافيها شي تراهم ناس محترمين .. وبينكم وبينهم شغل .. ثم سلام .. سلام عليكم.

بالنسبة للبنات فقد انسحبت سارة قائلة : حدا الله بيني وبين الحرام .. بينما بقيت نورة والبندري ..
قلت لنفسي هذا أفضل من صداع الرأس الذي يجلبه لي كثرة التشكي الذي هو من لوازم سارة للبقاء على قيد الحياة. فقلما يعجبها أناس أو حفل أو يرضيها اتفاق أو مال .. فهي دائما ترى نفسها مغنية عظيمة لم يكرمها قومها ولم يفهموا موهبتها (العظيمة).

سارت الأمور بعد ذلك بمنتهى السلاسة. سلمت لنا الفساتين الضيقة العارية التي قلّبتها نورة بقولها : ياخزياه !
أعلمنا بما هو مناط بنا أثناء رقص المعازيم ومن ثم أثناء الزفة . أجروا لنا بروفة مع الفرقة الأخرى المكونة من ثلاث فلسطينيات ومصريتين.
وأعلمنا بضرورة الحضور ليلتها مبكرا قبل الخامسة مساءا لأن مكياجنا وتسريحاتنا ستكون على يد خبيرة .. !
ضحكت البنات كثيرا وكان ذلك يبدو لنا جميعا مثل حلم من أحلام ألف ليلة وليلة ..
سألت البندري مازحة: من العروس ؟ حنا ولا بنتهم ؟؟

( 18 )

أوصلنا فرج بيت العقاد مبكرا في حدود الرابعة عصرا من يوم الخميس .. قال لي مودعا قولا لم أفهمه وهو ينزل أغراضنا في مدخل الفيلا :
شديّن .. احفظي نفسك !
كان قلقلا من شيء غامض يتوقعه ولايعرفه. طمأنته ودخلت مع نورة والبندري مسرعات خلف الخادمة السودانية التي أجلستنا في الصالون وغابت لشأنها.
جلسنا قرابة نصف ساعة لم يسأل عنا أحد ونورة تتململ وتسأل:
وين ذولا ؟ وينهم طاسيّن ؟

كان أحدهم يدخل ويخرج بباقات ورد ملونة .. وسلال الشوكولاتة تحمل إلى الخارج .. وصوت الهاتف لايتوقف عن الرنين.
فجأة دخلت علينا أم مروان والتعب يبدو عليها .. قالت وهي تسلم علينا بعينين زائغتين:

جاهزين يا شادية.. جايبين كل الأغراض يا بنتي ؟
وقبل أن أجيب قالت :
هاهه .. زي ما قلت لك بدنا شغل يبيض وجوهنا قدام الناس .. وهلا تطلعوا فوق عند (مالو) تعمل لكم المكياج والشعر وبعدين تجيبكم السيارة مع أغراضكن عل الفرح ..!
قلت غاصّة بريقي:
نورة والبندري ماله موجب يتكوفرن .. !
لم تفهم السيدة فقاطعتني :
شو يعني ؟
قلت موضحة:
يعني ماله داعي يتمكيجون ويكدون شعورهم .. يبي يلبسن براقع ..!
ابتسمت السيدة:
إيه ماشي .. وأنتي حتتكوفري ؟
أجبت بإيماءة موافقة من رأسي ..
فقالت: إذا هيك .. يا الله .. شوفوا شغلكم.

كان كل شيء يحدث لنا ومعنا منذ هذه اللحظة تجربة جديدة في حياتنا، فلم نعهد من قبل شيئا كهذا. أو حتى يشبهه.
كنا نأتي للأعراس بوجوهنا المغسولة بالماء والصابون أو بالماء وحسب .. وبثياب بيوتنا المستترة خلف العبايات، وبشعورنا الملفوفة تحت الطرح. لم نكن شيئا مهما أو مثارا للعناية الفائقة حتى نعتني بأنفسنا.
أما في تلك اللحظة (التاريخية) التي نظرت فيها لنفسي في المرآة بعد ثلاثة أرباع الساعة من التلوين والتمشيط فقد كدت أصرخ ..
من خلفي البنتين لأ أدري أيهما شهقت وهي تقول:
يا الله .. أحلويتي يا شادية.. صرتي زي مغنيات التلفزيون !
داخلني بعض الغرور وانا أسمع التوصيف وأستدير أمام المرآة.. إذا الجمال لا يكلف أصحابه شيئا..
لكن سرعان ماقال صوتي الداخلي: أنت يا شدين جميلة بالفعل .. قبل .. وبعد ..
كانت الساعة تقترب من السابعة والنصف وحافلة صغيرة تنقلنا من فيلا العقاد بالملز لتوصلنا إلى قصر المهندس مصطفى النمر الآغا في عليشه ..

نزلنا على التوالي: البندري ونورة وأنا وبنات الفرقة الأخرى .
كانت العقود المضيئة تزين أسوار القصر وواجهاته وتتسلق جذوع الشجر.
البوابات الكبيرة مشرعة وعليها حراس بالثياب السعودية الفلكلورية الموشاة بالقصب.
خدعة بسيطة وضعوها للتمويه على حراس الفضائل وأصحاب المشاكل .. فقد كتبوا على لوحة ظاهرة نصبوها في الشارع: الرجال يدخلون مع البوابة الشرقية ..!

( 19 )

كان كل شيء في داخل القصر مذهلا في رونقه وتنظيمه وبذخه لدرجة تصيب الرأس بالدوار.
تقدمتنا بنات الفرقة الأخرى إذ كن أكثر منا جرأة بكثير وأكثر فهما لما يجب وتعودا على هذه الأجواء.
دخلنا غرفة صغيرة جانبية حيث خلعنا جميعا عباءاتنا. كان الوضع محرجا في البداية لي، فقد شعرت بأني عارية كيوم ولدتني أمي..
لن أعرف كيف أمشي بهيئتي هذه، أو أتصرف أو أضرب بيدي على الطار أو أغني أو أزف عروسهم.
بهت لوني والتصق لساني في فمي وأنا أنظر في مرآة حائطية لذراعي العاريتين وعنقي وشعري وصدري ومكياجي الصارخ.
الآن لم يعد هناك مسافة للتراجع أو للهرب .. لكن لو كان فرج معي لهان الأمر عليّ .. بل لو كان فرج هنا لشدني من هذا الشعر ورماني في الفولكس واجن..
حسدت البندري ونورة على برقعيهما. فتغطية الوجه حتى لو كان الجسد في فستان عار أو حتى بلا أي فستان سيجلب الراحة والشعور الخادع بالتخفي.
قلت لنفسي وأنا أعض شفتيّ ندما: ليتني أتيت على سبيل الاحتياط بالبرقع ..
لكن ما أعظم رحمة الله .. فبمجرد خروجنا من غرفتنا صادفنا بعض نساء آل عقاد وآل نمر الآغا يتبخترن حول المسبح وموائده كاشفات نحورهن وسيقانهن وأفخاذهن فأعطاني ذلك دفعة قوية من الشجاعة والشعور بالأمن.

على الأقل أنا لا أكشف مقدار كشفهن. كما أن الجميع لاهين في شؤونهم ولايبدو في تلك اللحظة بأن ثلاث طقاقات سعوديات مسحوقات سيلفتن بلباسهن انتباه أحد من هذه الارستقراطية الفلسطينية ..
الأرستقراطية التي جعلت البندري تهمس في أذني:
يقولون إن أكثر أهل النار من حريم مصر وفلسطين ..!

( 20 )

ظل الناس يتوافدون على الحفل حتى التاسعة .. وحين بدأ الاحتفال خشيت أن وجودنا كان صوريا أو شكليا.
لقد كانت الأغاني السعودية والأردنية واللبنانية تنطلق صافية .. وبعض المعزومين يقفون في صفوف متقابلة أو على شكل دائرة ويرقصون الدبكة على صوت عصام رجي أو سميرة توفيق.

نحن اتخذنا جلستنا الأرضية المعتادة وكن جاهزات للطق والغناء لكن أحدا لم يقفل الأستريو ولم يعطنا إشارة لنبدأ وكأننا لسنا موجودين.
بدأت البندري ونورة في التهامس: وراهم ماعطونا وجه؟ وين المعزبة ؟
أما أنا فحين طال الوقت على هذا النحو بدأت أشعر حقا بالحرج والمهانة .. وكتمت حنقي على السيدة ..
دارت الهواجس في صدري: لم إذا تعاقدت معنا حرمة العقاد وأتت بنا وأعطتنا تعليماتها العسكرية الطويلة إذا كانت في النهاية ستعتمد على المسجل والسماعات؟ !
بحثت عنها بعيني بين الطاولات وأمواج الأجساد لكني لم أرها وكاد الاحباط يصيبني لمرور هذا الوقت الطويل ونحن جلوس أمام الناس لانفعل شيئا ولا يأبه بأمرنا كائنا من كان.
وإذ تأكدت بأن التجاهل قد يطول على هذا النحو المهين قررت أن أتخلص من أي خجل أو خوف وأن أعالج الأمر بطريقتي الخاصة ..
فما أن بدأت أغنية جديدة حتى قمت من مكاني وبدأت بالرقص بينما نورة والبندري قد طارت عيونهن من محاجرها دهشة واستغرابا من جرأتي غير المتوقعة .. والمشينة في نظرهن.

لحظات قصيرة فقط وحدث ما كنت متأكدة منه، فراقصو الدبكة قد توقفوا وأصوات الكؤوس والضحكات قد خفتت وأبصار الرجال والنساء مشدودة لجسد هذه السعودية النحيلة التي ترقص بليونة وإثارة لاتعرفها دبكتهم الباردة .. وقلة يدرون من هي هذه الفتاة ؟ أو كيف هبطت على هذا العرس ..؟
فاقت نتيجة هذه الوصلة الراقصة كل توقعاتي ..
ليس فقط بعاصفة التصفيق الحارة التي قابلتني .. وبصفير الشباب والبنات ونظرات الاعجاب.. وبالتفاتة القوم الذين عرفوا أخيرا بوجودنا ..
بل أيضا في ذلك الرجل الكهل الأنيق الذي أربكني تصرفه كما لما يربكني أي شيء أخر في تلك الليلة.. فقد تخطى الطاولات ليطبع قبلة على يدي ..!
الرجل الذي عرفت أنه المهندس والملياردير مصطفى النمر الآغا نفسه.

( 21 )

حين أفقت من هول فعلة مصطفى الآغا وهول مافعلته أنا برقصي السافر في لحظة جنون انتبهت لوجود أم مروان التي وشى وجهها المتغضن بكم كانت مصدومة مستاءة من خرقي لـ (البروتكول) !
لم يكن الوقت وقت عتاب لأن في جعبتي من العتاب مثل ما في جعبتها .. لكنها انحنت علي وأنا جالسة أتحضر مع البنات لنبدأ في أول شوط من (الطق ) .. وقالت:
- خلص .. انتي ماتنفعي هون !
حسبتها تطردني .. فقلت بحنق:
الرازق الله .. قوموا يابنات ..
فقالت باستياء أكثر:
انتي بس .. الآغا بدوه إياك ع طاولته ..
نظرت لها ثم لنورة والبندري مشدوهة وقلت ببراءة بدون أن أفكر في طلبها الغريب:
وش يبي ..؟ وبعدين كذا يخرب الطق .. أصلا مافيه طق بثنتين !
ردت وقد نفذ صبرها وبدت لي إمرأة أخرى تماما غير تلك الودودة التي قابلتها للمرة الأولى في بيتها:
ينحرق الطق على سنينه .. يعني شايفة العالم حيموتي ع هالطبلة !
ثم أخذتني بيدي وكأنني طفلة بلهاء لا أملك من أمري شيئا .. قالت وهي تدفعني لطاولة عليها ثلاثة رجال وامرأتين متكلفة ابتسامة باهتة:
هاي شادية .. نجمة الليلة ..
ترك لي أحدهم الكرسي القريب من مصطفى النمر الآغا إلى كرسي آخر .. بدا وكأن الأحداث تسير في اتجاه يعرفونه جميعا باستثنائي ..
همس المهندس بلزوجة مقيتة ونظراته تتدرج نزولا من وجهي إلى عنقي :
شرفتينا يا شادية !

كان قلبي يدق بقوة وسيقاني تنتفض رهبة وحرجا .. لا أعرف لم أنا هنا في مكان ليس بمكاني .. وكيف سأتكلم وماذا سأقول . . وماذا يريدون مني؟
تمنيت في هذه اللحظة لو أطلقت ساقي للريح حتى أصل السبالة بأزقتها وغبارها..
لو كنت مع فرج نتمشى في الثميري .. نثرثر ونضحك ..
لو توسدت فخذ أبي ورحت في نوم عميق لا أرى فيه هذه الوجوه ولا أسمع تلك الأصوات ..

( 22 )

دقائق أعقبت جلوسي بينهم وبدأ يتدفق حديثهم بمشاركة المرأتين في موضوعات مبهمة .. في أخبار العقار والصفقات وعقود المقاولات ..
كانوا يأتون على سيرة أرقام فلكية وأحياء جديدة وشركات وأسماء شيوخ رنانة .. حتى لكأن وجودي بينهم في تلك اللحظة الزمنية كان أقرب لامتزاج المأساة بالكوميديا في ليل الرياض الطويل .. ليل الرياض الذي لا آخر له ..

عدت ثانية كأنني غير موجودة لولا أن المهندس ترك النقاش المحتدم ومال علي فجأة يسأل:
أنتي .. كم عمرك ؟
قلت واصابعي تروح وتجيء على كأس عصير التفاح :
واحد وعشرين ..
رد اجابتي وهو يهز رأسه ويمط شفتيه:
واحد وعشرين .. حلو !
لم أدري ماهو الحلو في الواحد والعشرين فنظرت متشاغلة إلى حلبة الرقص فإذا نورة والبندري قد اندمجتا مع بنات الفرقة الأخرى .. شعرت بارتياح ..
اندمجتا حتى والحابل قد اختلط بالنابل وضاع الطار مع (الأورج) ولم يسر أي شيء كما توقعناه أو خططنا له مع سيدة آل عقاد من قبل ..
وقبل انتصاف الليل بنصف ساعة أطفئت الأنوار اعلانا عن بدء زفة العروس .. هذه المرة الأولى التي أشهد فيها زفة بهذه الطقوس الباذخة ..
احتبست أنفاس الجميع وعروس العقاد تنزل الدرجات الرخامية بتؤدة تحفها راقصة ببدلة شبه عارية والبنات الصغيرات من خلفها يرفعن ذيل فستانها.
ارتفعت الزغاريد والتهليل وأصوات الموسيقى ..

ولمحت للمرة الأولى في هذه الليلة مروان .. لمحته ببدلة سوداء أنيقة وقد ربط شعره كذيل صغير وهو ينتظر مع أبيه عروسهما في أسفل الدرج ..
كان بصري معلقا بالعروس وقلبي يخفق وأنا أتخيل نفسي في مكانها بهذا الفستان الأبيض الجميل .. أمشي نحو فرج ..
فرج ولا أحد في الدنيا غيره .. لكن .. لا .. انتفضت واقفة ولا يضيء صالون هذا القصر الكبير سوى الشمعدانات ..
كان المهندس الفلسطيني الأشيب قد فقد رشده وهو يمد يده ويضغط بقوة على أعلى ذراعي .. كنت على وشك أن أنسى من أنا ومن هم ..
كنت على وشك أن أقلب الطاولة على هذه الوجوه الصفيقة وأصرخ فيها .. لكن شيئا من هذا لم يحدث .. نهضت بصمت مطبق وكأن شيئا لم يحدث .. كأني بلعت لساني !

( 23 )

خرجنا في الواحدة والنصف صباحا وفرج ينتظرنا..
بصعوبة وقعنا على الفولكس واجن الصغيرة بين عشرات السيارات الفارهة..
كان فرج مسترخيا بداخلها يغالب التعب أو النوم..
ارتمينا على المقاعد .. وبينما هو يلبس غترته سأل:
هاااه بشروا ؟ عسى الأمور زينة ؟
البندري و نورة التزمتا الصمت فليس من المعتاد أن تتحدثا أمام فرج بصوت عال، ولم أكن أصلا لأسمح لهما بذلك، مع أني أعرف بأن لديهما الكثير من الحكايا والنمائم..
ورغم أنه لم تكن لدي في هذا الوقت أي رغبة في الحديث والصداع يمسك برأسي.. فقد أجبته باختصار محاولة أن أرضي فضوله، بدون أن آتي على التفاصيل التي لا أريده أن يعرفها أبدا.

مشى فرج بسرعة في شوارع الرياض شبه الخالية .. صامت لايتكلم، وحين أوصلنا الفتاتين، تلاحقت أسئلته وهو ينفث دخان سيجارته:
شديّن .. وش شفتي ؟ وش صار ؟ من حكى معك؟ وشلون عرسهم؟
أعرف فرج كما أعرف نفسي .. قلبه الشفيف الذي لايكذب يقول له بأن لتلك الليلة أسرارها .. أسرارها التي ستغيرني ربما للأبد لكني تبرمت من سؤاله مدعية بأني قلت له كل ماعندي ..

سكت بعدها مجروحا وتركني لهواجسي المتلاطمة ..
كانت هذه الليلة مثل حلم أستفيق منه الآن ..
حلم أخرجني لساعات من بيتي وعالمي وذاتي ومهنتي وجلدي ..
ها أنا أعود إلى نفسي ..
ها أنا في طريقي إلى الطين الذي ولدت ونشأت فيه.. الذي شهد حماقاتي ومغامراتي وضم في دفئه أحلامي البسيطة ..
في طريقي إلى طين الرياض القديمة الذي كنت أريد قبل قليل الركض إليه هاربة من وجوه أنكرتها وأجواء غريبة أثقلت على نفسي ..
لكن الضيق يخنقني في هذه اللحظات التي نطل فيها على بيوت وطرقات السبالة أكثر مما فعل بي وأنا تائهة العينين على طاولة مصطفى النمر الآغا ..
ماذا يحدث معي لتنقبض نفسي هكذا وأنا أدخل من جديد في جلدي وفي ذاتي ..
مالذي تغير في السبالة حتى تطبق على أنفاسي هكذا ..؟!
مالذي يحدث معي ..؟!

( 24 )

تقلبت في فراشي بدون أن يغمض لي جفن.
كانت صور القصر بترفه ومؤسيقاه وموائده ورجاله ونسائه تتلاحق في رأسي بهوس يحرمني لذة الرقاد.
تأملت في حالي قبل بضع ساعات كأميرة بلا تاج تأسر القلوب والأبصار وفي حالي الآن حيث أتقلب على فراشي القطني البالي في بيت متهالك لأحسب صفوف الخشب المثبتة في سقف هذه الغرفة الخانقة ..

(شوفة) أبي في ساعات الصباح الأولى دفعت بعض الطاقة في جسدي ..
جلبت له القهوة والرطب وبدأ يحدثني مثل كل (شيّاب) نجد الطيبين عن (البرحي والسلج ) وبركة زرع النخل في الدار. كم هو طيب أبي، فلم يعرف يوما بركة القصور والمال والمقاولات وسيذهب لربه راضيا مرضيا قبل أن يعرفها ..

فعلى بعد مسافة قصيرة منا في ذات هذه المدينة التي يغطيها الغبار وتغلي من الشمس الحارقة توجد حيوات أخرى بلا غبار ولاسخونة ولا عتمة ولا بركة نخل .. حيوات استمرارها متعلق ببركات الآغا أو محمد العقاد أوالعنود بنت مساعد ..
تنهدت بقوة كمن يسحب أنفاسه من عمق بئر قصي .. وأستأذنت أبي في الخروج للسوق لشراء بعض اللحم والخضر .. لكن هذه لم تكن سوى حيلة مني لزيارة خيزرانة التي تقضي محكوميتها في السجن.
فقد عرفت قبل أيام أن المرأة التي تعلمت منها المهنة منذ كنت في الرابعة عشرة وبقيت في صحبتها حتى انفصلت بعملي عنها بناء على رغبة أبي الملحة في مفارقتها قد تورطت في قضية وحبست منذ عامين.

رأيت أنه من الوفاء أن أطمئن عليها فلطالما أحسنت وعطفت عليّ.
سائق التاكسي لم يتوقف عن النظر لي في المرآه أمامه منذ طلبت منه أن يوصلني إلى سجن النساء في شارع العطايف..
حين أوقفني أمام الشرطيين الواقفين يحرسان البوابة المفتوحة مددت له الريال ونزلت على عجل هاربة من عينيه الصفراوين..
اشتريت من دكان مجاور كيلو موز وبعض المرطبات..
استقبلتني خيزرانة بالضحك والأحضان. بدت غير مصدقة أنها تراني في هذا المكان. سألتني عن نفسي وأبي والبنات والطق والفلوس وأحوال فرج بدون ان تتوقف لحظة عن مضغ اللبان وفرقعته..

وحين جاء دوري لأسألها عن حالها تجنبت أن أستفهم عن سبب سجنها حتى لا أجرحها أو أحرجها فقد سمعت خليطا من الكلام عن السحر أو الشراب أو الرجال ..
لكن خيزرانة هي ذاتها خيزرانة التي لايهمها الناس منذ وعت الدنيا على حقيقة أن الناس لاتهتم بمجهول الأبوين .. قالت وهي ترفع كمي ثوبها عن ذراعيها السمراوين السمينين:
حسبي الله على من فتن علينا .. طبوا علينا وخذونا !
لم أعد أحتاج إلى توضيح حتى أفهم صيغة الجمع في كلامها.

لكن أي طريق ذهبت فيه يا خيزرانة وليس لك من ظهر يحميك .. ؟! أي طريق خطر أخذك وأنت لاتسكنين في حماية المربع ولا في عليشة ..؟!
هل كنت أنانية شريرة حتى أشعر بكل هذا الانشراح في نفسي وأنا أخرج من ممرات السجن المعتمة لضياء الشارع ..
خرجت منها مرتاحة وكأن زيارتها في هذه الحفرة كانت ضرورية لأغسل من عقلي خيالات قصر البارحة التي تعذبني ..
بدأت أمشي في شارع العطايف أرقى رصيفا مكسرا وأنزل من رصيف مكسر وأصوات أهل الدكاكين والعمال والأولاد تقول لي :
لتكن حياتك فقيرة تعيسة لكنك على الأقل لست سجينة مثل خيزرانة .. أنت لست هند العقاد .. لكنك ايضا لست تعسة ملعونة من فوق سبع سماوات مثل خيزرانة ..
واصلت مشيي حتى حاذيت مستوصف الفوطة .. فعدت عاكسة طريقي لأول الشارع.

( 25 )

ألم يعدني فرج حالما يستلم الشرهة بـ (غوايش) ؟!
جاء تحت جنح الليل .. وجاء بها معه ..
قمت أفتح له الباب متثاقلة أجرجر أقدامي..
لم يقفز قلبي فرحا وترقبا. لم أتعطر ولم ألبس (دراعة الزري) .. وظل شعري معقوصا بإهمال ..
أعرف اليوم بأن تلك الليلة كانت بطريقة غير محسوسة فاصلة في قصتي مع فرج .. القصة التي ظلت لأشهر طويلة تترنح .. حتى سقطت أنا ثمرة ناضجة في يد مروان ..
حين دنا مني الفتى الطائر أزعجتني رائحته كثيرا ..
لم أقو على احتمالها .. شعرت بالقرف والرغبة في تقيؤ كل ما في معدتي ..
كنت أنظر في يديه الداكنتين، أظافره الصفراء، شعر رأسه الأكرت، قماش ثوبه، نعله النجدي، وتداخلني مشاعر قوية بالنفور ..
سألت نفسي: متى كانت آخر مرة اغتسل فيها ؟! هل أسأله لأتعمد جرحه ؟
مؤكد أن رائحته هي ذاتها لم تتغير ..
مزيج من العرق والسجائر وعطر الليمون ..
الرائحة التي شممتها ألف مرة .. وألف مرة عذبتني واسكرتني وأشبعتني .. لكنها في هذه اللحظة تصيني بالغثيان .. فأتمنى لو كان بيني وبين صاحبها ألف جدار ..
سامحني يا فرج .. لست خائنة ولا قليلة أصل كما اتهمتني ..
لكن ألم أقل لك بأني خرجت من جلدي وتهت في طريق عودتي ..

(26)

بقي لي عند سيدة العقاد ألف ونصف حسب اتفاقنا على المبلغ المقدم والمؤخر لكن لم تكن لي نية في السؤال عن المال أو المطالبة به لآني أكثر من يعرف بأننا لم نفعل شيئا ذا أهمية فقد امضيت وقتي وركبتي في ركبة مصطفى الآغا بينما البنات (ما طقن) في حياتهن أسوأ من (طقهن) في تلك الليلة وقد انفرط عقدنا.

لكن المفاجأة حملها لي اليوم العاشر على انقضاء ليلة العقاد الساحرة .. وأي مفاجأة ؟!
حين وقفت على الباب أسأل عن الطارق وقد خمنته أحد (شيّاب أبي) .. جاءني الرد ..
مروان يا ستي.. مروان العقاد .. !
انتفضت وكأن تيارا صاعقا جرى في أوردتي .. إنه هو ؟
مالذي أتى به ؟
كنت بحركة لا إرادية سأضع الشيلة الخفيفة على وجهي قبل أن أفتح .. ولكني تداركت وفتحت سافرة وكأني أريده أن يراني ..
أو كأني مدفوعة لأثبت له : أنظر فأنا (متمدنة) مثلكم..
كان يرتدي بنطلون جينز أزرق فاتح وتي شيرت أبيض ويقف بجوار سيارته الكابريس البيضاء الجديدة .. موديل هذه السنة 72 .. قال بعفوية وكأنه يعرفني من زمن طويل:

مسا الخير شادية .. كيفك ؟
كنت بلا حنجرة تسعفني بالرد فتابع قائلا وهو يمد لي مظروفا يشبه المظروف الأول الذي جاء به سائقهم :
أمي بتشكرك .. وبتقول هاي باقي المبلغ ..
تلاقت أصابعنا وأنا آخذ منه المظروف فكأن حريقا أمسك بعصبي .. كنت متأكدة بأن نظراته الجريئة ستوقعني أرضا في أي لحظة.. قال وكأنه يتعمد إطالة وقوفنا:
ماتقطعينا يا شادية ..
ثم ناولني ورقة صغيرة وهو يقول:
عنوان شغلي وتلفوني لو حبيتي أي شيء أنا تحت أمرك ..
أقفلت الباب خلفه والأرض تدور بي .. كنت أحاول أن أفهم لم أتى بنفسه هنا .. !

(27)

قررت بيني وبين نفسي أن التدرج هو أفضل طريقة أنهي بها علاقتي بفرج .. سيتقبل الأمر وهو يرآني أنسحب من حياته تدريجيا .. أو أدفعه بعيدا عن حياتي بالتدريج..
أريد القرار أن يأتي منه هو حفاظا على كرامته .. أريده هو من يضع حدا لهذه العلاقة التي صارت عبئا علي ..
بدأت في رفض عروضه المتكررة للخروج معه .. وحين أخرج تحت إلحاحه أميل إلى الصمت واختلاق المشاكل..
قللت استقبالي له حتى أنه لم يدخل (الديوانية) منذ ثلاثة أشهر .. تعمدت أن أكون جافة باردة معه علّه يكرهني أو يطردني من قلبه .. علّه يريحني من هذا العذاب الذي يثقل ضميري ..
لا أريد أن أجرحه أو أسبب له أذى أو ألما .. لكني يا ربي لم أعد قادرة على الاستمرار ..
لا أريد أن أكون كاذبة أو ممثلة أو متلاعبة بمشاعر هذا الفتى الطيب .. أريده أن يتركني بسلام بدون لوم أو عذاب وأن يدعني أبحث عن حياتي ..
لكن لم يكن التخلص من فرج سهلا أو يسيرا كما صورت لي خبرتي القليلة بقصص الحب الجامح ..
كان فرج يزداد تمسكا وتشبثا بي وأنا أزداد نفورا وقسوة وبعدا .. كنت أحيانا امتلئ غضبا وأحيانا أمتلئ شفقة وأنا أراه يستعطفني بكافة الوسائل .. ويسترضيني بالعطايا .. ويعتذر عن أخطاء لم يرتكبها ولايعرف ماهي ..

كنت أود لو أهمس في أذنه:
يكفي يافرج أتركني لحالي.. لم يعد قلبي بيدي .. عصفورك الصغير اشتد عوده وسيطير من عشه... لم تعد من قوة في الدنيا قادرة على قصقصة أجنحته الصغيرة التي نمت ..

يحزنني حاله إذا طرق الباب طرقاته الثلاث الخفيفة المتفق عليها .. أفتح له فإذا أنا أمام وجهه المعروق وقد ترك ذقنه طويلة وعلى شفتيه ظلال ابتسامة .. فيقول :
شديّن .. أحبك .. والله أحبك يا بنت الناس ..

أغلق الباب في وجهه متذمرة من إلحاحة ومختلقة لنفسي الأعذار .. في المرة القادمة أكون ندمت على قسوتي فأهوّن عليه الأمر عساه يفهم :
فرج يا عيوني .. أنا ماكرهتك أبد .. بس اللي حنا نسويه غلط !

طبعا فرج لايجهلني .. هو يقرأ مافي نفسي بشفافيته التي أعرفها .. يدري أن مسائل الصح والخطأ والحلال والحرام لم تكن في أي يوم ذات شأن كبير في علاقتنا على الرغم من وخز الضمير الذي يراودنا من حين لآخر .. يجاوبني باستعطاف يقطع قلبي :
شدين والله أموت .. وراس أبوك أموت لو تركتيني .

(28)

في حدود العاشرة من تلك الليلة حدث ما كنت أخشاه ...
كان فرج يدق الباب وقد تعتعه السكر الشديد:
شديّن.. أنا أحبك يا شديّن ..
تجاهلته لدقائق والارتباك قد شلّ حركتي .. لم يكن فرج سكيرا ولم يسبق وأتى لي في مثل هذه الحالة المزرية ..
كان من طبعه الحرص الشديد والكتمان .. لكن من الواضح أنه قد بدأ يدرك فعلا أن علاقتنا تلفظ أنفاسها الأخيرة وهذا أفقده عقله ..

فتحت له الباب فإذا هو جالس على العتبة ثوبه متسخ ورأسه عار .. خاطبته بصوت خافت:
فرج انت سكران هالحين .. تبي تفضحني عند أبوي .. والسبالة كلها .. رح تكفى
قال بنبرة أعلى وقد وقف دافعا الباب الذي كنت أمسكه:
منيب رايح .. افتحي ..
لم أجد أي حل سوى أن أدعه مكرهة يدخل.. قال يتعتع وهو يرمي بنفسه على الأرض:
لي خمسة أيام مارحت للشيوخ .. يبي يفصلون حبيبك.. مهوب حرام ؟!

لم أجد ما أقوله، ولم أشعر في هذه الدقائق تحديدا بأي تعاطف معه حتى لو أرسله الشيوخ خلف الشمس .. بل ربما حسنا فعلوا حتى أرتاح ..

كنت ناقمة عليه إذ يعرضني لخطر الفضيحة بهذا الفعل الأهوج .. أنا لا أريد أن أنتهي وسيرتي مضغة في أفواه طقاقات الرياض .. من يدري أو ربما انتهيت جارة لخيزرانة في حبس الحريم ..

تغلب خوفي على أي شعور آخر .. كنت قلقة من سكره الواضح وأخشى أن يفتضح أمرنا.. وفي نفس الوقت أعرف أنه ليس وقت أي نقاش أو اقناع .. لذا جلست قربه .. أمسكت برأسه وقبلته .. فابتسم مثل طفل وهو يلمس بيده مكان تقبيلي .. قلت له:

فرج يا حبيّب قلبي مهوب وقت حكي .. هالحين رح لبيتك .. سم بالله ونم .. وبكره العصر مرني نطلع ..
ابتسم قائلا:
زي زمان .. بس وعد ؟!
أمسكت بيده أنهضه وأنا أقول له: إيه وعد .. زي زمان.. بس هالحين رح بشويش وأنت ساكت ..!

(29)

جاء فرج بعد صلاة العصر مباشرة، كان حليقا، نظيفا، وليس كما رأيته البارحة مع أن السهاد قد زحف على وجهه وعينيه تاركا آثارا واضحة ..

كنت قد عقدت عزمي على ضرورة التحدث معه بصراحة وصرامة حتى أطوي هذه الصفحة من حياتي .. وللأبد

كان فرحا مستبشرا أو حاول أن يكون كذلك وهو يتحدث ويفتعل الطرافة والمزاح..
كان يكذب على نفسه أو يريد اقناعها بأن علاقتنا في أحسن حال، حتى أنه لم يأت على ذكر ليلة البارحة أو أي شيء يتعلق بالأزمة التي دخلتها قصتنا منذ وقت ..
سألني وهو يقود السيارة: عيوني .. نروح للبر ؟

سارعت برفض اقتراحه، فوجودنا معا منفردين كان أخر ما أريده من الدنيا في تلك الساعة، أخر ما أريد أن يحضنني أو يقبلني .. أو يمنحني الفرصة لأشمه ..
قلت محاولة أن أستجمع شجاعتي حتى أكاشفه بما في نفسي : فرج .. أنا مشتهية عسكريم !

كأنني بعبارته هذه أهديته الدنيا فرد والبهجة تطفح على وجهه: أبشري يا قلب فرج ..
أخذ قطعتين مثلجتين ووقف بالسيارة على جانب الطريق.. قلت له بغباء كل ما أريده في عبارة واحدة وكأني أقذف رصاصة في وجهه:

فرج .. حنا عشنا أيام حلوة .. والله ستر علينا بستره .. وأنت تعرف قدرك عندي .. بس خلاص معد هنا نصيب ..!
بمجرد أن أنهيت جملتي كان فرج قد تحول إلى شيطان صغير لم يسبق وأن رأيته أو عرفته ..

يبدو أنه في الأيام الماضية كان قادرا على التحمل واستدرار عطفي لأنه كان يتذبذب بين التصديق والتكذيب .. يسمع مني إشارات غير قاطعة .. يمني نفسه بأن مايراه مني شكلا من الدلال أو (التغلي) أو (الطفش) والملل .. سرعان ما سأعود بعده قطة صغيرة مضمونة بين أحضانه ..
لكن مايحدث الآن جعله يتأكد بأن علاقتنا قد أصبحت بقرار منفرد مني في مهب الريح إن لم تكن قد ذهبت مع هذه الريح إلى غير رجعة .. صرخ في محاولا أن يكتم صوته من أن يسترعي اهتمام أحد:

ماشا الله .. لاتحسبينك بنت شيوخ .. متى مابغيتي ختي فرج .. ومتى مابغيتي ذبيتيه .. راس مالك شايب مهذري وطق (ن) في العروس .. اسمعي ..

قاطعته قبل أن يسمعني باقي كلامه وقد شعرت بإهانة عميقة جدا ولم أعرف ماالداعي إلى حشر والدي بيننا سوى رغبته في مزيد من إيلامي:
أنا أخير من شيوخك يا عبد الشيوخ .. خلاص دخلنا بالمعروف ونطلع بالمعروف .. ترا محد (ن) شرا الثاني ..
اندلع البركان أكثر ملقيا بحممه القذرة في وجهي ..
طايحت (ن) لك على سمرمدي .. هاااه ؟!

لم أكن أعرف أن بإمكان فرج أن ينحط في شتمه لي إلى هذا المستوى .. واصل تجريحه وقد خنقني البكاء ولم أعد قادرة على مجاراته فالتزمت الصمت ..
أسمعني كلمات سباب سوقية بذيئة لم يسبق وسمعتها على لسانه .. أراد أن يجرحني في صميم أنوثتي وكرامتي .. كما لو كان شعوره بأنه يفقدني نهائيا قد أخرجه من عقله وجعله يملك هذه القدرة على إلحاق الأذى بي ..
انهمرت دموعي غزيرة وأنا أنزل من سيارته وأمشي مسرعة على قدمي نحو الشارع الرئيسي مخلفة كل شيء ورائي ..
كان يؤلمني أن أسمع ماقاله فرج .. وكان يؤلمني أكثر أن تنتهي علاقتنا بهذا الشكل ..
كنت أتمنى لو انتهينا بالتراضي وبأن يتمنى كل واحد منا للآخر حياة جميلة .. كنت أتمنى لو أمسكني من شعري وضربني أو فعل أي شيء آخر ولم يجرحني كما فعل ..

ارتفعت أصوات المؤذنين لصلاة المغرب وأنا أمشي على قدمي ..
كانت الدنيا في هذه اللحظات قد ضاقت علي حتى أصبحت مثل خرم أبرة صدئة .. حتى الفقراء يجرحون الفقراء ويلقون (الزبالة) في وجوههم .. شعرت بأنني لاشيء .. بأنني لا اساوي شيئا وبأنني (مداس) حتى لمن منحته الحب الصافي مخاطرة بحياتي في مدينة مثل الرياض ..

دسست يدي قي جيبي وأخرجت ورقة مروان الصغيرة .. هكذا بدون تفكير أو تخطيط قررت أن أركب أول سيارة إليه

(30)

قرأت (الكارت) بعيني الغائمتين :

مروان محمد العقاد
مدير عام مؤسسة العقاد للتجارة والمقاولات
عليشة . عمارة زهرة السلام _ الطابق الأول
هاتف 55345

قلت للسائق بصوت متحشرج أن يأخذني إلى هناك. وفي الطريق داهمتني الهواجس..

أي جنون تراني أفعله؟ وكيف أذهب له ؟ ولماذا أذهب؟ وكيف سأبرر له قدومي؟ وكيف سيفسر مجيئي ؟ وهل سأجده في هذا الوقت ؟ وهل سيدخلونني أصلا ؟
أخذتني الأفكار في كل صوب وفكرت في أن أغير رأيي وأذهب لبيتنا واختفي تحت فراشي حيث لايراني أحد.
لكن قلت لنفسي : لا .. لن أتراجع .. يجب علي أن أفعل الآن شيئا وإلا قتلني النكد والألم ..
هل كنت أنتقم لذاتي الجريحة ؟
ربما .. لا أعرف .. قد تكون سخرية فرج الجارحة من (بنت الشيوخ) قد عجلت بذهابي لمروان لكنني في كل الأحوال كنت سأذهب .. كنت سأجرب .. كنت سأدخل دنيا أخرى .. واقترب من جسد آخر .. وأتذوق مشاعر أخرى ..

ربما أيضا كان هذا الشيء الآخر أو المختلف هو مايجذب مروان لفتاة أعراس فقيرة .. نصف متعلمة ..
قلت أحدث نفسي : مغامرة صغيرة لن تفسد نظام الكون ولن تأتي بأجلي.
بل مهما كان ماسيحدث معي في عمارة زهرة السلام هذه فإنه لن يكون أشنع مما حدث مع فرج قبل قليل ..
لكن من قال إن هذا الفلسطيني سيتذكرني ؟ أو سيتوقعني ؟ أو يريدني؟

عاد الصوت في داخلي : إذا لم قدم لطين السبالة بنفسه؟ لم طرق باب بيتنا؟ لم أعطاني هذه الورقة التي تجرني لمصيري؟ لم أطال الوقوف معي ؟ لم أكلني بعينيه حين كنا نقف على رخام بيتهم؟

حسنا أنا أصلا ماذا أريد منه أو أتوقع .. ؟
لم تكن لدي إجابة على أي سؤال .. وكل سؤال كان ينشق عن سؤال آخر ليوقعني صريعة حيرتي وجرحي ..

وفي اللحظة التي أشار فيها السائق لبناية كبيرة من ثلاثة طوابق، وددت لو ابتلعتني الأرض، وبدأت كل خلية فيّ ترتجف رهب


الجزء الثالث
الجزء الرابع