علم البيلوجيا
 
 

ذيك السنة يوم تزوجني مسيار الشيخ بريك السعد



الكاتبة : شادية عسكر

ملاحظة : أيها الأعزاء أي أسم يرد في هذه السلسلة هو اسم وهمي ..

----

مقدمة :

يجهل الناس في هذي الدنيا أن الطقاقة لها قلب ومشاعر وافكار وروئ أبعد من الطق والطار والزيران
ووالله الذي رفع سبع سماوات ونزل سبع لو فتحت شادية العسكر قلبها وعقلها لقرأتم قصة التحولات الاجتماعية والتغيرات السنتوجرافية وتاريخ الاستشراق وكتاب النفط ومسودة الصحوة وخلاخيل الحدوة وشهوة المسيار وما الله به عليم وانتم سادرون
من خوية ليبرالية لسواق الشيوخ فرج الله
إلى زوجة مسيار لشيخ الشيوخ بريك السعد

( 1 )

فرج الله كان فتى أسمر فيه طلاوة وتكسوه حلاوة ويحب سماع فريد الاطرش ومشاهدة أفلام حسين صدقي
ملازمته لعمته الخمسينية وهو يسوق بها السيارة في شوارع الرياض او يسافر معها لمكة والطائف عودته على حياة الارستقراطية وآدابها وعاداتها وبذخها
عشت معه في الرياض القديمة صولات وجولات
ماكان يبخل علي بشيء
وأنا يا كثر ما غنيت له أغنيتي المفضلة وانا اتمايل متعمدة أن أشعل النار في قلبه المشتعل
يا يا دلع يا دلع دلع
وبالحلوين تطلع ..
روحي حبت روحك وقلبي فيك تولع ..
ويا كثر ما رقصت له ومنحته الرحيق المختوم بلا حساب ولا محاسبة
كان زمااان بسيط وجميل
أما بريك السعد فهو رجل لايعرف طلاوة ولاتكسوه حلاوه عرفته عندما انقلب الزمان وصارت الرياض غير الرياض .

كان الفرق بين فرج الله وبريك السعد كبيرا
لايوجد بينهما سوى قاسم مشترك واحد هو الولاء للشيوخ بطريقة أو بأخرى.
كنت لفرج الله حبيبة وحدانية لاشريك لي ولم يكن لي كفؤا أحد ..
وكنت لبريك زوجة مسيار ورقم عشوائي في سلسلة حريمه
وبين الفتى الطائر والرجل المسمر إلى الأرض تبدلت اشياء عديدة
لكن بقي شيء واحد لايتغير
هو روح الطقاقة الخفيفة المتمردة بفطرتها التي تقاوم أي حزن أو ضياع بمزيد من الطق والطق .. والغناء والطق

( 2 )

أركبني فرج الله سيارته الخاصة الفولكس واجن ذات اللون الارجواني الفاقع التي اشتراها قبل أشهر معدودة بعد 12 سنة من الخدمة المتواصل ليلها بنهارها لعمته وبناتها وعبداتها
وبدأ يمخر بي عباب شوارع الرياض في طريقنا للمربع.
كان فرج يدخن طول الطريق ليغالب قلقه وهو يوصيني بمايجب أن أفعله وأقوله لعمته..
العنود ستقيم حفل عرس لاحدى بناتها وطلبت أن تراني وتتأكد من خبرتي شخصيا فلم تكتفي بالمديح الكثير الذي سمعته من فتى عمري الطائر
نجحت في الاختبار ولم أخرج منها إلا وراسي دايخ من أجواء القصر الباذخ بحدائقه ونوافيره ومن كثرة التعليمات والتوجيهات الموجهة لي وعن طريقي لباقي بنات الفرقة.
نبي أغاني سميرة توفيق وهيام يونس
احفظوا اغنية محمد عبدو الجديدة ماهقيت إن البراقع يفتنني
البسوا كلكم جرسيه أحمر مو كل وحده تلبس شكل
وتبودروا .. مانبي ديرمان وما ديرمان
من سبع ونص تكونون جاهزين بطيرانكم
توالت التعليمات وانا ارد بعبارة وحده حفظني اياها فرج في السيارة:
ان شاء الله عمتي .. تامرين يا عمتي
في طريق العودة كان فرج يهنئي بدخولي لمملكة السعد والهناء
ويعدني بأن الخير من الآن سيغطيني حتى عظام جدي الخامس عشر
أوقف السيارة أمام بيتنا في حي السبالة .. وإذا بالشايب راجع من صلاة العصر يتلمس الطريق بعصاه
خطف فرج مني قبلة سريعة طبعها فوق الشيلة الشيفون الشفافة وهو يكتم صوته وأنفاسه عن أبي ثم نزل من السيارة:
هاااه يا عم تراي رجعت الامانة كاملة مانقص منها يد ولا رجل
ضحك أبي ببراءة ذاك الزمان حتى بانت لثته التي تساقطت كل أسنانها
عندما دخلت بيتنا شعرت بالفارق يخنقني ..
الفاصل كان مئة سنة .. بل ألف سنة .. بين جنة المربع وطين السبالة

( 3 )

كادت خيالات القصر أن تطيّر عقلي
تمددت على فراشي وأنا استرجع مادار في الساعة الماضية
حبيبي فرج الله يحب لي الخير ويريدني أن أصبح أشهر طقاقة في الرياض
يريدني أن أحرق المراحل وأقفز مرة واحدة من الطبقة المسحوقة إلى طبقة النبلاء
يريدني أن أصير نجمة متألقة ..
طقاقة برجوازية تملك المال والنفوذ في عالم الرياض السفلي المليء بالضعفاء والخدم والخويا حيث يبدأ التاريخ من الطار وينتهي بالزار

وهذا لايمكن أن يحدث إذا كنت خطواتي لاتترك السبالة إلا لها أو حولها
كان يجب أن تمتد خطوتي لخارج السبالة بشوارعها الضيقة ودكاكينها الصغيرة وحفرها وغبارها وأوحالها
كان يجب أن تمتد خطوتي لذلك العالم الناعم والدنيا الرغيدة .
إلى المربع حيث القصور والرياش والنوافير والموائد والسيارات والوجوه النظيفة جدا واللهجة النجدية المتعالية
اجتهدت خلال الأسبوعين المتبقين على الزواج في التحضير وتدريب البنات.
عملنا (بروفة) تلو الأخرى لأغاني هيام وسميرة توفيق ومحمد عبدو
كنت أدرب البنات بتوجيات فرج كيف يمشين ويجلسن ويلقين السلام ويضحكن حيث كل شيء محسوب بدقة متناهية في وسط عالم لا ننتمي له ولا ينتمي لنا
اشتريت طاقة قماش جيرسيه من سويقه وشيال جديده وجزم ذات كعوب دقيقة تشبه الدبابيس
عملت كل شيء في طاقتي حتى أنجح في الليلة الموعودة وينتشر صيتي في الرياض كلها خاصة بين نساء القصور
وحين لم يتبق على الحفل سوى ليلتين مر بي فرج وطرق الباب ثلاث طرقات كعادته.
فتحت وأنا أسوي شيلتي على رأسي.
كنت سعيدة ومستثارة جدا لقرب حلول الموعد. ولكن صدمني وجهه المتجهم وعينيه المنكسرتين.
قال : خلاص يا شادية يا عيوني ماعد فيه عرس !
كدت أقع على الارض من هول الصدمة.
كيف لم يعد هناك عرس. لقد اعتذرت عن ثلاثة أعراس وضحيت بما كنت سأجنيه منها بسبب انشغالي بالتحضير لعرس بنت الشيوخ.
قلت بيأس:
اش بلاهم ..
رد وهو يعطيني ظهره :
بلاهم اللي بلاهم ..عمتي هونت عنك، جابت فرقة مصرية أو مدري حجازية معهم رقاصات ..
شعرت وكأن جردلا من الماء البارد سكب على رأسي حتى أفقدني الكلام

( 4 )

انكسر قلبي وتهشم
وتبخرت أحلامي مثل سحاب الصيف
لكن الذي أوجعني أكثر من أي شيء آخر كان شعوري بالمهانة والضعة
شعرت بأنني مجروحة في عمق كرامتي
ضج الغضب المكتوم في داخلي ولم أتمكن من النوم في تلك الليلة
في الصباح الباكر كانت الفكرة قد اختمرت تماما في ذهني
خرجت من البيت وأخذت سيارة تاكسي صفراء مهترئة محتملة فضول سائقها البدوي ونظراته المزعجة
أخذني للمربع
لم أكن أعرف طريق القصر بشكل دقيق فاستغرقنا ساعة وأنا أخرجه من شارع لآخر وهو يتهكم علي:
تبين قصور الشيوخ ..!
وما أن رأيت النخيل المتطاول من خلف الأسوار العالية وذاك الشجر الباسق حتى عرفت بأنني بلغت مرادي.
دخلت من البوابة الكبيرة المشرعة بدون أن يستوقفني أحد.
قطعت المدخل الطويل جدا ثم فجأة وجدت نفسي أمام رجل أسود طويل سألني بخشونة عن من أكون وكيف دخلت وماذا أفعل في حديقة القصر في هذه الساعة المبكرة من الصباح.
قلت له باستعطاف: أنا شادية من طرف فرج الله. قل كذا لعمتك العنود وهي تعرفني.
ما ان انتهيت من جملتي حتى قهقه الرجل الأسود بصوت عال جدا واهتزت كرشه مع أكتافه من شده انفعاله.
عندما تمالك نفسه قال مستهزئا:
لا يا شيخة.. أقول لعمتي وهي تعرف .. أقول : اذلفي هالساعة لا والله تكرهين ساعة جيتي فيها للدنيا.
صحت فيه :
وإن قلت لك لا .. منيب ذالفة .
كنت في الواقع خائفة ومرعوبة من هذا الشبح الأسود الطويل ولكن أحاول أن أحتمي بجدار هش وضعيف وهو أني فتاة وبالتالي لن يجرؤ على لمسي أو حملي وقذفي في الشارع.
في هذه اللحظة بالذات انفتح باب القصر الداخلي وأطلت منه شابة نحيلة لتقول للشبح:
جرس ..وش فيه ؟
وقبل أن ينبس هذا الجرس ببنت شفه أسرعت بخطاي متوجهة لها .
وحين صرت أمامها عرفت أنها مضاوي التي على وشك الزواج: بادرتها بظلال ابتسامة على شفتي:
عمتي أنا شادية .. الطقاقة اللي جيبت مع فرج الله .. ماعرفتيني ؟!
قالت بسرعة وكأنها تقابلني للمرة الأولى: نعم .. وش تبين بالضبط ..
قلت لها في عبارات لاهثة ومتلاحقة حجم العناء الذي لقيته في الاعداد للعرس ..
وعن حلمي الذي صحبني لأسابيع بأن احيي الحفل ..
قلت خصصوا لي ساعة وحدة فقط من العرس لكن لاتحطموا مرة واحدة هذا الحلم. ومتأكدة سأبيض وجوهكم
حين سكت أنتظر ماتقوله، وجدتها توجه الكلام لشبحها الأسود وهي تغلق بابها مختفيه في عالمها:
جرس .. شف شغلك !
أسرع الشبح نحوي وهو يشدني من عباءتي ويسرع بي.
تعثرت أكثر من مرة وأنا أسبه وأشتمه، وهو يبادلني الشتائم.
قذف بي على الرصيف وهو يلعن السوقة من أبناء وبنات الشوارع.
وفي غمرة نحيبي سمعت صرير البوابة الكبيرة وهو يغلق.

( 5)

مشيت على غير هدى في الشوارع القريبة من القصر
أكفكف دموعي وألعن ضعفي وبؤسي
كرهت في هذه اللحظة نفسي وكرهت فرج الذي عرضني لهذا الهوان
واصلت المشي بلاهدف .. السيارات تمر بقربي وبعض سائقيها يرمونني بكلمات غزل عفيفة أو خادشة.
لكني لا اسمع إلا شتائم (العبد) وقهقهاته المتشفية.
تمنيت في هذه اللحظة لو أن زلزلا يضرب الرياض ويخفيها كلها ويبلع مقدسها ومدنسها ورجالها ونسائها
وأغنيائها وفقرائها .
تمنيت لو سوي المربع بالأرض وقبله منفوحة والسبالة والعطايف

توسطت الشمس في السماء وقدماي تحملاني حيث لا أحد ولا هدف سوى التراب و الهواء السموم ..
وحين جفت دموعي وبالكاد صرت قادرة على المشي أوقفت سيارة تاكسي وقلت وأنا أرتمي على مقعدها:
ودني للسبالة ..

( 6 )

وجدت الشايب ينتظرني على العتبة متلفعا بعباءته
تنهدت وأنا أقبل رأسه ويديه
كان يراني بقلبه وقد انطفئت عينيه، لذا سألني:
وش فيك يا شديّن ؟
غسل سؤاله قلبي، فقلت وأنا آخذ بيده وأدخله البيت:
مافيه شيء .. مير ميلة البخت يا بييّ
حكيت له ماحدث بدون أن آتي على سيرة (العبد) وصنيعه معي.
قال وهو يرشف قهوته ويعاتبني على ذهابي إلى هناك:
وأنا أبوك .. عنز الشيوخ نطّاحة.
في الحادية عشرة ليلا طرق فرج الباب طرقاته الثلاث الخفيفة.
فتحت له بهدوء حتى لايستيقظ والدي، بينما رائحة عطره الليموني تسبقه:

ابتسم وهمّ بالدخول لكني أبقيت يدي على الباب نصف المفتوح ..
كنت غاضبة ومتحرقة للانفجار في وجهه بسبب مالحقني في الصباح من مهانة.

قلت له مباشرة وهو لايجد لفعلي أي تفسير:
هات اللي معك ..
ناولني كيس الورق فأخرجت منه قارورة العرق وقذفت مافيها على وجهه ..
وقبل أن يتمالك نفسه أو يمسح وجهه المبلول قلت وأنا أقفل الباب :
رح لعمتك يا بو عمة ولا توريني وجهك ثانية

( 7 )

بعد أن طردت فرج بهذه الطريقة رحت أبكي بحرارة
لأني أعرف بأني تعمدت جرحه وإهانته لأن لاحيلة لي في جرح سواه
ما كان يستحق مثل هذه المعاملة لكني محبطة ولا أرى أمامي غيره
لم تكن المرة الأولى التي أنفجر في وجهه ولن تكون الأخيرة
ربما كان هذا عزائي

سنعود إلى بعضنا مثل كل مرة
لطالما احتمل ثورات غضبي خلال السنين الثلاث التي شكلت عمر علاقتنا ولطالما احتمل جنون غيرتي
كنت أحترق كلما تذكرت أشكال (العمات) اللواتي يختلط بهن .. وروائحهن وغنجهن وبذخهن..
هو استشعر ذلك فتوقف كليا عن ذكرهن أمامي أو الحديث عنهن ..
كنت أخاصمه وأعنّفه على أشياء فعلها أو لم يفعلها لكني أعود له مجددا مثل قطة صغيرة تتمسح بصاحبها بحثا عن الدفء والحنان
كنت أعرف وهو يعرف أن لاسبيل إلى زواجنا بسبب إرث التقاليد .. مع ذلك لم تكن لنا أي نية في تحدي هذا الميراث أو الاعتراض عليه .. حتى بالصوت
لكننا نعرف أيضا أن لاطاقة لنا على الفراق فهذا الإرث مهما شيد من سدنة و حراس لايملك مصادرة ساعات قليلة نسرقها محلقين فيها بعيدا عن واقعنا المسحوق
واقعنا المغموس بالفقر والقهر ..
فرج مجبول على الغفران والتسامح
وعلى روح النكتة
يسخر من لونه البني وشكل أنفه .. يسخر من أهله ومن الناس ومن الدنيا
وحدهم الشيوخ كانوا بالنسبة له الخط الأحمر الذي لايقترب منه ولايسمح لي بالاقتراب
الشيوخ هكذا على اطلاقهم حيث تكون عمته العنود الممثلة الرمزية لطبقة كاملة ..
طبقة كبيرة مرئية وغير مرئية في ذات الوقت .

( 8 )

بعد ثلاثة أسابيع عاد كل شيء إلى طبيعته
وكأن الأيام هي دواء كل علّة
طويت في قلبي قصة القصر وأعراسه وسندريلاته ولم أعد اذكر منها شيئا وعدت لأرض أحلامي الواقعية..
أرعى أبي وأسامر فرج خلسة في ديوانيتنا الصغيرة في بعض الأماسي ..
وأحيي مع البنات عرسا في ليلة لأجلس بعدها عاطلة أسابيع طويلة ..
كانت الأيام مثل بعضها لايكسر روتينها الممل سوى الأعراس.. فأدفن همومي وسط الغناء والطبول والأجساد المنتشية رقصا.
أحلق مثل الحمامة النافرة مبعدة عن كل شيء.
كنت أحب عملي وفخورة به مهما كانت نظرة الناس له دونية.
يشعرني (الطق) أني حرة نفسي، وسيدة قراري وأني (ملكة) في عالمي.
يشعرني بكل هذا مهما كان المال الذي أجنيه منه تافها في نظر فرج الذي يحكي لي في كل مرة عن أهمية الصعود .. ضرورة اقتناص الفرص للصعود ..
لكن أي صعود .. كان فرج يصعد باتجاه ماذا ؟!
زاد شعوري بأني حرة منذ جرجرني عبد وألقاني على قارعة الطريق
بدأت أرثي في قرارة نفسي لحال فرج..
أشعر بأنه مثل المربوط من عنقه في ساقية لا تتوقف عن الدوران.
لايمكنني أن أكون مثله ولا أريد مع أنني مشيت ذات لحظة بقدميّ لهذا المصير.

( 9 )

كيف تحدث الأشياء في الدنيا ..
ترتيب في كتاب الأزل ؟ أم أنها الصدف التي لاترتهن لحكم إله أو بشر..
وكيف تحدث لنا الأشياء الجميلة .. التي لفرط جمالها تبقى عالقة معلقة في قلوبنا مهما مرّ عليها الزمن ..
وهل من الصدف أن يقودني فرج بيديه إلى مروان .. الذي يصبح وصفه بالمجنس تارة وبالفلسطيني تارة أخرى ، نقيصة، أو هو العار الأبدي الذي يدمغ به فرج غريمه اللدود كلما ضج غيرة أو غضبا ..

كان فرج يخطط لصعودي كما فعل مرات وخاب .. لكن نجاحه هذه المرة كان إيذانا بخيبته هو معي .. فلم يكن مروان الحب الصاعق .. أو الحب المخاتل المخالف لما عرفت وحسب، لكنه الرجل الذي علّم بدون غطرسة فتاة الأعراس في رياض السبعينات كتاب الحياة ..

( 10 )

ظل فرج لأشهر يضمر هاجسه: لابد أن يعوضني عن الفرصة التي ذهبت بها ريح الشيوخ العاتية
كان يشعر أنه خذلني بشكل ما .. أيضا ربما كان موجوعا من فكرة أني عرفت أخيرا مكانته الحقيقة عند أولئك الناس.. فبعدها لن يجدي أي إدعاء أو ترقيع ..
قلت له مرارا بأني راضية بما انتهت إليه الأمور .. لا أبتغي أكثر مما أنا فيه اليوم .. أب وحبيب وسقف .. أما حادثة القصر فقد نسيتها بدون أن أضمر حقد أو كراهية لأحد ..
فلم يكن ذلك النصيب قد قسم لي في أي لوح أو كتاب ..
وأنا طالما استندت على مثل هذا الايمان لمواجهة اخفاقي في أي طريق أسلكه ..
لكنه فرج الذي دائما ما يتكسر قولي على صخرة عناده أو تصميمه ..
جاءني ذات يوم ليزف لي الخبر الذي انعطف بحياتي تدريجيا إلى حد أن خلق مني فتاة أخرى ..
محمد العقاد أحد أغنى وأشهر رجال المقاولات سيقيم عرسا باذخا لابنته التي تريد والدتها من فرقة طقاقات المشاركة في الزفة السعودية الفلسطينية المصرية.
لم أكن في وارد أن أسأل فرج كيف بلغه هذا العرض لأني أعرف أن الدائرة التي يعمل فيها مهما اتسعت ستحيل دائما على بعضها ..
لكني كنت ممانعة ومتوجسة..
أما فرج فقد أخذ يستعرض أمامي ثقافته:
شديّن .. تدرين إن العقاد عائلة مشهورة في نابلس قبل يجون لمنا .. طيب تدرين وش أشهر أكلات أهل نابلس .. الكنافة واليخنة .. وعندهم بعد فسيخ مثل المصارية ..
لاشك أن فرج يتغلب علي دائما إذا جئنا على سيرة المأكولات والبلدان والأفلام المصرية، لأنه طالما عاش على حافة عالم آخر ..

( 11 )

فيلا العقاد التي تقع في منطقة هادئة وجميلة بالملز تغمر الداخل إليها بموجة من الدفء والألفة.
كأنك تعرف هذا المكان أو زرته من قبل في صحوك أو منامك.
كنت مرتبكة لكن لطف السيدة الكريمة هوّن علي الأمر كثيرا.
كانت ترتدي ثوبا فلسطينيا مطرزا وتزواج في حديثها بين الكلمات السعودية والشامية.
ظلت طوال الساعة تناديني بـ بنتي حتى شعرت تدريجيا بالطمأنينه تسيل في أوردتي.
قالت ماتريده مني .. ولم تفاوضني أو تناقشني في السعر المرتفع الذي حدده لي فرج وهو يلاطفني ويقبل يدي في السيارة حتى أرضح أنا الأخرى لاقتراحه بلا نقاش.
وحين نهضت منصرفة كان هو يدخل .. !
جاء صوت السيدة الودود معتذرا: هذا ابني مروان .. فيها شي إذا يسلم عليكي ؟!
لم يأبه بسؤال أمه ولم ينتظر جوابي فتقدم وعلى شفتيه إبتسامة فاتنة كادت تنسيني من أنا ..
طفح وجهي بالعرق .. فبينما أمه تحدثه عن ترتيباتها الأخيرة كان هو منشغلا بالنظر إليّ بوقاحة.
وسيم إلى درجة أشعرتني بالقلق والحرج ..
كان قلبي يرجف بقوة كما لم يفعل من قبل .. لا ادري لم ؟ يرجف كقلب فتاة ساذجة لم يقترب منها رجل ..
كأنني في تلك اللحظة لست شادية ..

( 12 )

لحقني هذا المروان إلى الباب مودعا مع والدته..
كنت أتمنى لو قلت اذهب عني بعيدا .. أرجوك اذهب حتى آخر نقطة تصلها قدميك .. لأن قربك مني بهذه الطريقة يوترني .. جاذبيتك توترني .. نظراتك الشرهة توترني .. شعرك البني المنسدل يرترني .. ابتسامتك
توترني .. قامتك الطويلة توترني .. كل مافيك يوترني جدا .. ويفقدني انطلاقي وجرأتي ..
يضيع صوتي في لجة الخجل والارتباك وأنا أودعهما وأخرج مسرعة لفرج الذي ينتظرني في الفولكس واجن ..
يمطرني الفتى الطائر بالأسئلة :
ماذا قالوا وماذا قلت ؟
ماذا عن سعرك؟
على ماذا اتفقتم؟
هل أثاث بيتهم كان جميلا؟
حريمهم لابسين إلين الركب ؟
هل أخبروك من الذي سعّودهم؟!
هل قدموا لك الكنافة النابلسية؟
هل .. وهل ..

لاشك كان علي أن أرثي لفرج المسكين .. فقد سأل عن كل شيء .. سأل عن الوقتي والهامشي والعابر خلال (زيارة العمل) تلك ..
سأل ليطمئن على حال محبوبته .. وسأل ليرضي فضوله عن ركب الفلسطينيات وثيابهن وكنافتهن ..
لكنه لم يسأل عن ذاك (الشيء) الذي زلزل كياني .. وأثار موجة من البرد في عظامي.

( 13 )

كان أول شيء فعلته حين دخلت أن مررت بحجرة أبي فإذا هو يغط في نومه العميق ..
قبلت جبينه وخرجت أمشي على أطراف أصابعي ..
خلعت عباءتي ووقفت أنظر في صورتي المنعكسة في المرآة الطويلة المسندة في باحة البيت..
تفرست في عينيّ ورموشي الطويلة وأنفي وبشرة وجهي القمحية الصافية ..
نقضت شعري الأسود الطويل المعقوص (كعكة) .. واستدرت لأراه منعكسا في المرآة حتى منتصف ظهري ..
تأملت ثوبي (الكلوش) الأزرق المنقط بالدوائر السوداء ..
شددته على جسمي أكثر ثم رفعته حتى منتصف ساقي متخيلة أني ألبس فستانا قصيرا مثل زبيدة ثروت التي يدندن فرج باسمها وجسمها ..
نظرت إلى تقاطيع جسدي النحيل وأنا أتقدم خطوة وأتراجع خطوة وألف على هذا الجنب أو ذاك..
لأول مرة أشعر بأني مزهوة بنفسي وشبابي على هذا النحو.. ومزهوة أكثر بكوني استرعيت انتباه شاب غني وسيم لاشك أنه رأى من النساء أصنافا مختلفة ..
لم أكن أعرف من قبل أني يمكن أن ألعب دور الجذابة أو المغوية لأحد أخر غير فرج ..
أصلا لم يكن الرجل يعني لي سوى أحد اثنين .. أبي الضرير وبعده (خويي) الطائر .. فرج ..

( 14 )

أبي كان يخصص أول جمعة من كل شهر للسفر إلى الخرج ثم العودة منه صباح السبت.
حيث يمضي يومه مع أولاد أخته منيرة التي توفيت عنهم وهم صغارا فبقي والدهم دون زواج خوفا على صغاره من امرأة لاتراعي الله فيهم حتى غدوا شبابا دون أن يقطع أبي عادته التي كانت تجلب له راحة الضمير والسلوى أيضا فهو يحب هواء الخرج وأوديتها ومزارعها.

كانت أول جمعة من الشهر تعني أن أجهز لأبي دلة القهوة وابريق الحليب مع بعض الخبز أو المراصيع من بعد صلاة الفجر مباشرة، فإذا اقتربت عقارب الساعة من السادسة صباحا يبدأ صوت منبه سيارة فرج يشق سكون الصباح مرتين أو ثلاثا متعاقبة من غير مبالاة منه بالجيران النيام في هذه الساعة المبكرة.

أفتح الباب لأبي وعصاه في يده وهو يذكر الله ويستغفره بصوت عال فيساعده فرج في ركوب المقعد الأمامي ثم يلتفت لي وأنا مازلت واقفة بالباب متلفعة بشيلتي الخفيفة فيطيّر لي قبلة في الهواء وهو يشير بسبابته على ساعة يده السيكو المذهّبة.
كانت هذه هي الاشارة المتفق عليها بيننا ليذكرني بما اعتدنا عليه أو بأنه ساعة يعود من مشواره فإننا سنمضي اليوم معا.
حين عاد لي فرج في الضحى كنت قد أعددت لوازم للأكل والشرب، أخذتها معي وركبت السيارة إلى جواره متوجهين لـ (ديراب) حيث وعدني أنه سييطبخ لي كبسة شيوخ .. مهوب طبخي (الماصل) ..

قبل توجهنا للبر ذهب لشارع الشميسي، ثم أوقف سيارته أمام أحد البيوت بعد أن تجاوز الجامع بمسافة. خرج وفي يده غرض ملفوف، خمنت مباشرة ماهو .. عرق !
قلت له وهو يستوي خلف مقود السيارة : والله إنك هيس أربد ..!
قهقه وهو يلفت وجهه نحوي : بس الهيس الأربد يحبك ..

أخذنا طريقنا لديراب وهو يكلمني بحماسة :
- عمتي تبي تسافر لمصر تعالج كلاها ويمكن تاخذني معها ..
- الشرهة ياعيوني ذا السنة مابعد شفناها وإلا ناوي أشتري لك (غوايش) ..
استمر يحكي بدون تعليقات مني مطلقا لذا قال وهو يبتسم ابتسامة خبيثة :
إيييييييييه .. عيوني ماتبيني أروح لمصر لا ألفي على غيرها !

وصلنا لأرض مستوية فنزلنا وفرشنا البساط ونصبنا لوازم الطبخ. أنزل فرج مسجله الصغير وأداره على صوت فريد الأطرش الذي يعشقه محاكاة لعمته المصون .

صدحت الأغنية تحت سماء ديراب وفرج يداعبني ويعبث بشعري :

جميل جمال .. مالوش مثال
زي الغزال .. جميل جمال
ليه الدنيا جميلة وحلوة وانت معايا
ليه تخلي القلب بنشوة وأنت أساي
تسألني ليه معرفش
والسر إيه مفهمش ..

( 15 )

في طريق عودتنا من ديراب وقد اقتربت الشمس من المغيب استأذنني فرج أن يمر بزميل له من مخضرمي خويا القصر ليخبره برسالة من العنود.
بلغنا قريبا من ساحة الصفاة فأوقف فرج الفولكس واجن على الطريق ونزل لجهته طالبا مني الانتظار.
كنت مخنوقة لسبب لا أدريه .. ربما هو مرتبط بحلول الظلام فمنذ طفولتي الأولى وبدايات الليل تصيبني بكآبة تشتد أحيانا حسب مزاجي أو حالتي النفسية.
نزلت من السيارة ومشيت باتجاه جامع الامام تركي بن عبدالله. لا أدري لماذا لكن قدمي ساقتني إلى هناك.
كان المصلون يدلفون إلى الجامع الكبير فوقفت أمامه بعيدة عن الداخلين وبدأت في التنفس بعمق وكأني أسحب أنفاسي من عمق صدري الذي تطبق عليه قوة تخنقه.
كان صوت الامام حين بدأ في القراءة رخيما لدرجة أبكتني .. وجدت دموعي تتساقط مدرارا بدون نشيج أو بكاء.
راودني الشعور العميق بالذنب وعينيّ مسمرة بالجامع الكبير ومئذنته .. الشعور بالإثم .. الشعور الذي أصارعه أحيانا إذا تأملت في علاقتي بفرج فأشعر بأني خاطئة ومذنبة ..
لكني كثيرا ما أقمع هذا الشعور ولا أسمح له بالاستيلاء عليّ .. خالقة لنفسي المبررات.. أنا لا أملك خيارات .. حياتي كانت مقفرة باردة محدودة قبل فرج .. هو نافذتي الوحيدة على دنيا الأحلام والمشاعر .. بل هو نافذتي الوحيدة على الدنيا بأكملها .. بدونه ستكون أيامي متشابهة .. و ..
بدأ المصلون في الخروج فانتبهت لنفسي .. أسرعت إلى السيارة فإذا فرج ينتظرني قلقا ومتسائلا ..

( 16 )

ناولني سائق آل العقاد مظروفا صغيرا قائلا بأن أم مروان تقول : هذا نص المبلغ والنص الثاني بعد نهاية العرس.
فتحته في المطبخ بينما النعناع يغلي فوق النار محدثا رائحة لذيذة، فشهقت من السعادة وأنا أعد الألف وخمسمائة ريال. بقي لي عند السيدة مثلها.
سأتقاسم هذا المبلغ مع البنات الثلاث كما هو عادتنا حيث أتميز عنهن دائما بزيادة ما أقدرها حسبما أرى بوصفي (رئيسة) الفرقة والبحث عن العمل والاتفاق عليه وجميع الترتيبات تأتي عن طريقي.
كان هذا أكبر رقم حصلت عليه مع بنات الفرقة أو فكرنا في الحصول عليه حتى ذلك اليوم.
لم يكن المال الذي نقبضه من الناس وفيرا وكنا نعاني مماطلة غريبة من البعض وكثيرون كانوا يخلفون بوعودهم أو يعطوننا في النهاية مبلغا صغيرا مع أشياء عينية لاقيمة لها كقطع القماش أو قدور الطبخ أو الطرح وأكياس الحناء.
لكن الشيء الذي أذهلني مساء الغد هو حين عرفت من سيدة آل العقاد أن عرسهم سيكون مختلطا، وأنهم سيقيمونه في قصر أحد أقاربهم، إذ تأكدوا من استحالة اقامته وهو مختلط في فندق أو صالة.
لم أكن أتصور ذلك، ولم أعرف ما إذا كن البنات سيفسدن الاتفاق باعتراضهن على هذا التقليد الذي لم يعتدنه.

كل شيء بدا لي غريبا وطريفا.
قالت لي السيدة بأنها ستسهل الأمور علينا وستسمح لمن تريد بلبس البرقع بشرط الالتزام بالفساتين السماوية التي ستكون بدون أكمام وعارية الظهر ..
كيف سنبدو ياترى ؟! عرايا ومبرقعات في ذات الوقت ؟!
قلت لنفسي مؤنبة: هذا جزا من يدخل في شغل مع فلسطينيين.
للحق لم تكن لدي مشكلة على الصعيد الشخصي.

لا أبالي كثيرا بأن أختلط برجالهم، خاصة والحابل سيكون مختلطا بالنابل وكل واحد منشغل بنفسه .. ولا أبالي أكثر خصوصا إذا تأكدت بأنني في مكان لن يراني فيه أو يعرفني أحد ممن أعرفهم.

لكن المشكلة كان في: هل ستوافق الأخريات على هذه الباقعة ؟!
الجزء الثاني
الجزء الثالث
الجزء الرابع