نقد الاعجاز العلمي
 
 


 سقوط التأويل العلمي لآيات الخلق


فكرة الخَلْق الإلهي للكون تطوَّرت، تاريخياً، حتى غدا الخالِق في كثير من العقائد (الدينية والفلسفية) شبيها بـ "الخالِص" من "الفكر (العقل، الوعي، الروح). أقول "شبيهاً"؛ لأنَّ فكرة "خالِق الكون"، في الأديان، ظلَّت، على ما بلغته من "تجريد (فكري)"، محتفظةً بشيء من "التجسيم"، وكأنَّ هذا الخالِق لا يُمْكِن فَهْمه وتصوُّره إلاَّ على أنَّه "كائن روحي لَمْ يتحلَّلَ بما يكفي مِمَّا ينتمي إلى عالَم المادة"، فقد ظلَّ شيءٌ من المادة، ومن "الجُسْمانية"، راسِبٌ في قَعْر وسفل هذا "الفنجان" الممتلئ "روحاً".
وفي الأديان السماوية الثلاثة، بَلَغَت فكرة "خالِق الكون" الدرجة العليا من "التجريد" في الإسلام، وفي الآية القرآنية "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ والأرض جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الأنعام أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" على وجه الخصوص، فالله "ليس كمثله شيء". هنا، "الكاف" زائدة؛ لأنَّ الله "لا مِثْلَ له"، فهو لا يُشْبِهُ أيَّ شيء (أيَّ مخلوق أكان عاقلاً أم غير عاقل) وليس من شيء يُشْبِهُ الله.
على أنَّ هذا الإفراط القرآني في تجريد فكرة "الخالِق" قد اقْتَرَن بما يُمْكِن أن يفهمه كثير من الناس على أنَّه "شيء من الجُسْمانية"، فالله من صفاته أنَّه "سميعٌ" و"بصيرٌ" و"عليمٌ"..؛ فإذا كان الإنسان "يَسْمَع"، فالله "سميع"، وإذا كان الإنسان "يُبْصِر"، فالله "بصير"، وإذا كان الإنسان "يَعْلَم"، فالله "عليم". وهذه الصفات الإلهية هي جميعا صفات على وزن "فَعيل"، وهو من صِيَغ المبالغة. والتنزيه القرآني لـ "الذات الإلهية"، والذي نراه على وجه الخصوص في نَبْذِ ورَفْض كل ما من شأنه أنْ يُفسَّر ويُفْهَم على أنَّه "شِرْكٌ بالله"، بدا في العبارة القرآنية "فَتَبَارَكَ اللَّه أَحْسَن الْخَالِقِينَ" أقل قوَّةً ووضوحاً؛ لأنَّ "أحْسَن الخالقين" عبارةٌ قد تُفْهَم على أنَّها إقرارٌ من "الواحِد الأحد" بوجود غيره من الخالقين، وإنْ كان هو "أحْسَنَهُم". وعليه، قال مُفَسِّرون إنَّ عيسى ابن مريم كان يَخْلُق، فأخبر الله عن نفسه أنَّه يَخْلُق أحْسَن مِمَّا كان يَخْلُق عيسى. وقال غيرهم إنَّ المعنى هو أنَّ الله "خير الصانعين"، فالبشر "يَصْنَعون (ولا يَخْلُقون)"؛ والله "يَصْنَع" أفْضَل وأحْسَن من البشر جميعا. وكانت العرب تُسمِّي كل صانع خالِقاً. وبدا كذلك في الآية "بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ.."؛ أي كيف يكون له وَلَد ولم تَكُن له صاحبة أو زوجة؟!
في التوراة، ظَهَرَ "خالِق الكون" على أنَّه من الصِّغَرِ بمكان، فهو إله بني إسرائيل فحسب، فضَّلَهم على سائر البشر، واتَّخَذَهم شَعْبَاً له، ومنحهم أرضاً ليست لهم، فَلَمْ أرَ إلهاً يَصْغُر بما قال، وبما عمل، كـ "إلههم"، فَهُمْ خلقوه على مثالهم الاجتماعي والتاريخي؛ ثمَّ جاء رَجُلٌ من بني إسرائيل يُدْعى "يسوع المسيح"، فَبَلَغَ به "التجسيد"، و"التجَسيم" و"التَمَثُّل" درجته العليا، فالله، "خَالِقُ الكون" انتقلَ ليستقر، على هيئة جنين بشري ذَكَر، في رَحْم امرأة (غير متزوِّجة) هي "مريم العذراء"، فنما هذا الجنين حتى وَلِدَتْهُ "أُمُّه" على هيئة ابن الله؛ وليس من فَرْق في النوع أو الماهيَّة بين الله وابنه. جاء "يسوع المسيح" إلى شعبه، أيْ إلى بني إسرائيل؛ لكنَّه لَمْ يَجئ ليؤكِّد أنَّهم "شعب الله المختار"، وإنَّما ليؤكِّد أنَّ الله ذاته قد "تَهَوَّد"، أي أصبح يهودياً، وإلاَّ ما معنى أن يكون "ابن الله"، الذي ليس من فَرْق في النوع أو الماهيَّة بينه وبين "الله"، "أبيه"، "يهودياً"؟!
ولقد ظَهَرَ "يسوع المسيح"، حتى في القرآن، على أنَّه يقوم بأعمال هي من اختصاص الله وحده، فهو كاد أن يَخْلُق كما خَلَقَ الله آدم من طين.. "وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ وَالأبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ". وقيل في تفسيرها "أَنِّي (أي المسيح) أَخْلُق لَكُمْ مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر، فَأَنْفُخ فِيهِ، فَيَكُون طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّه. وَكَذَلِكَ كَانَ يَفْعَل يُصَوِّر مِنْ الطِّين شَكْل طَيْر، ثُمَّ يَنْفُخ فِيهِ، فَيَطِير عِيَانًا بِإِذْنِ اللَّه الَّذِي جَعَلَ هَذَا مُعْجِزَة لَهُ تَدُل عَلَى أَنَّهُ أَرْسَلَهُ". وهنا، نرى فِعْلَ "النَفْخ" في معناه الحقيقي غير المجازي، فالمسيح كان يقف أمام الناس، يَصْنَع من "الطين (الحقيقي لا المجازي)" كائناً على هيئة طير، ثمَّ يَنْفُخَ فيه نَفْخَاً حقيقيا لا مجازيا، فـ "يطير عياناً". وكان يَفْعَل كل ذلك "بإذن الله"، أي أنَّ الله أكسبه هذه القدرة التي هي له من دون سواه حتى يُقْنِع قومه بأنَّه مُرْسَلٌ من عند الله.
مبدعو ومُطوِّرو فكرة "الخالِق" حاروا في معرفة وتبيان وشرح "كيف" خَلَقَ الله وأنشأ وأبدع الطبيعة.. وحاروا أكثر في معرفة السبب الذي حَمَلَه على خَلْق الكون، فـ "عَظَمَةُ الخالِق" تَبْهَت إذا ما خَلَق الكون لـ "غاية ما".. لغايةٍ مُعْلَنة أو مُضْمَرَة.
هل نَفْتَرِض أنَّ "الروح الخالصة"، في خَلْقِها للكون، لَمْ تتحوَّل هي إلى طبيعة، وإنَّما أنشأت وأبدعت الطبيعة من "العَدَم"؟
ليس بـ "الأمْر (أمْر كُنْ)" يمكن أن تَخْلُق "الروح الخالصة" المادة من العَدَم؛ فـ "الأمْرُ" إنَّما هو علاقة بين طرفين: "آمِر" و"مأمور". "الروح الخالصة" يمكن ويجب أن تكون هي "الآمِر"؛ لكن أين هو، وما هو، "المأمور"؟!
تَخَيَّلْ أنَّكَ تريد أن تَخْلُق "طاولة" بما يشبه طريقة الخَلْق بـ "الأمْر كُنْ". إنَّكَ ستأمُر "شيئاً"، هو "لوحٌ من خَشَب"، بأنْ يكون (أي يُصبِح ويصير) طاولة، فإذا أمَرْته، وأطاع أمْركَ، ونشأت الطاولة من ثمَّ، فإنَّكَ لَمْ تَخْلُق الطاولة من العدم.. من لا شيء.
أمْرُكَ إنَّما هو أمْرٌ لـ "شيء" موجودٌ معكَ، بأنْ "يتحوَّلَ".. من "لوح خشبي" إلى "طاولة"، فهذا الشيء، وهو "الخشب" كان على هيئة "لوح"، فغدا إذْ أمْرتهُ وإذْ أطاع أمْركَ، على هيئة "طاولة".
كل الجهد الذي بذله "المؤوِّلون العِلْميون المعاصرون (المُغْرِضون)" إنَّما يشبه لجهة مَنْطِقه ونتائجه أن تَفْهَم الآية "وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ" على أنَّها "إشارة قرآنية" إلى "السَّيَّارة" التي نَعْرفها اليوم!
ولقد فعلوا ما يشبه ذلك إذ أعلنوا اكتشافهم "إشارة قرآنية" إلى "الذرَّة" Atom في الآية "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ".
ولو لَمْ يَنْزِل القرآن "بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ" لَقُلْنا مع القائلين بوجوب وجود "العباقرة" من "المؤوِّلين العِلْميين" الذين يتوفَّرون على التدليس في "لغة" القرآن توصُّلاً إلى تفسير آياته للعامَّة من المسلمين بما يقيم الدليل، على ما يتوهَّمون، على أنَّ في آياته قد بُذِرَت بذور كل الاكتشافات الكونية المهمة.
بالتأويل يستطيع المرء، وبقليلٍ مِنَ الجهد، أنْ يَجِد في أيِّ نصٍّ المعاني التي يريد ويبتغي.. يستطيع أنْ يرى ما يرغب في (أو عن) رؤيته!
"إلا يَسْجُدوا لِلهِ الَّذِي يُخْرِجُ الخَبْءَ فِي السَّمَواتِ والأَرْضِ". إقْرَأوا هذه الآية القرآنية، وحاولوا فَهْمَ "معناها الحقيقي". في هذه الآية يُظْهِر الخالِق قدرته وعظمته، وكيف جَعَلَهُما مَصْدَر خير للبشر، لعلَّهم يعبدوه ويؤمنون به. وأحسبُ أنَّ كلمة "الخَبْء" هي مِنْ نمط الكلمات والعبارات القرآنية التي، بجهد تأويلي ليس بشاق، يمكن تحويل "معناها الحقيقي" إلى "المعنى الذي نريد".
"الخَبْء"، لغةً، هو ما أُخْفِيَ وادُّخِر. فمِنْ أوجه عظمة "الخالِق" أنَّه يُخْرِج، أو يُظْهِر، ما أُخْفِيَ في السماء والأرض، فما هو هذا "الخَبْء" الذي يُخْرِجَهُ في السماء والأرض؟
في "التفاسير"، فسَّروا "الخَبْء" على أنَّه "مطر السماء" و"نبات الأرض". وهذا "التفسير"، الذي يكسو "العِظام"، في "المعنى اللغوي" لكلمة "الخَبْء"، لحماً، ويَجْعَل "المعنى العام" يلبس لبوس "المعنى الخاص"، ليس بالتفسير المُجانِب للحقيقة. نقول بذلك، ولكنْ مِنْ غير أنْ نضرب صفحاً عن حقيقة أنَّ "الخَبْء" في السماء والأرض قد يشمل، أيضاً، غير "المطر" و"النبات". قد يشمل، مثلاً، "البراكين"، فـ "المواد المنصهرة والغازات والأبخرة" التي تَخْرُج مِنْ "فتحة في القشرة الأرضية" هي، أيضاً، مِنْ هذا "الخَبْء" في الأرض الذي يُخْرِجه "الخالق".
أمَّا لو أرَدَتُ أنْ أَحْذو حذو "المؤوِّلين المعاصرين" لاكتشفتُ لكم في الآية "إشارة قرآنية" إلى "الطاقة النووية"، ولشرحتها، من ثمَّ، على النحو الآتي: إنَّ مِنْ آيات الخالِق أنَّه يُحرِّر الطاقة الحرارية الحبيسة في نوى ذرَّات الهيدروجين في بواطن النجوم في السماء، فهذا "الخَبْء" في بواطن النجوم في السماء يُخْرِجه الخالِق عند اندماج نوى ذرَّات الهيدروجين، التي لا تندمج إلا عملاً بإرادته. و"الخَبْء" في الأرض إنَّما هو "الطاقة النووية" التي تُحرِّرها "المفاعِلات النووية". وهو الذي يُخْرِجُ هذا "الخَبْء"؛ لأنَّه هو الذي مكَّن البشر مِنْ إخراجه. ولسوف أرى، وأُريكم، مِنْ ثمَّ، وجهاً آخر لـ "الإعجاز"، فـ "السموات"، في الآية، ذُكِرِت أوَّلاً، أي قَبْلَ ذِكْر "الأرض". وفي هذا ما يؤكِّد أقدمية السماء في "تحرير الطاقة النووية".
"والنَّجْمِ إذا هوى". في هذه الآية، كَثُرَ واختلف "التفسير" و"التأويل" حتى أنَّ الصلة بين "الدال" و"المدلول" انقطعت. في هذه الآية يقسم الخالِق بمخلوق مِنْ مخلوقاته، فالخالِق، وبخلاف البشر، يقسم بما شاء مِنْ خلقه. الخالِق، هنا، يقسم بـ "النَّجْمِ إذا هوى"، أي إذا سقَط مِنْ عُلْوٍ إلى سُفْل. بعض المفسِّرين قال إنَّ الخالِق يعني بالنجم "الثريا إذا سقطت مع الفجر". وبعضهم قال إنَّه "الزهرة". وبعضهم قال إنَّه "القرآن إذا نزل". وكان دليلهم، الآيات "فلا أقسم بمواقع النجوم. وإنَّه لقسم لو تعلمون عظيم. إنَّه لقرآن كريم. في كتاب مكنون. لا يمسه إلا المطهرون. تنزيل مِنْ ربِّ العالمين". وبعضهم قال إنَّه "الشهاب إذا رُمي به الشياطين".
وإنَّني لا أعرف السبب الذي منع المسلمين في زمن النبي مِنْ أنْ يسألوه عن معنى هذه الآية، وعن معنى كل آية لم يكن معناها واضحاً في أذهانهم، فظَهَرَ، من ثمَّ، هذا الاختلاف والتضارُب، وهذه الكثرة، في "التفسير" و"التأويل". وأحسبُ أنَّ الرغبة في تقوية الإيمان في النفوس كان ينبغي لها أنْ تحملهم على طلب الشرح والتوضيح والتفسير، فالإيمان يحتاج إلى "نصٍّ ديني مفهوم وواضح المعنى"؛ ولو طَلَبوا، وأُجيب طلبهم، لانتفت الحاجة إلى "المفسِّرين" و"المؤوِّلين" بَعْدَ وفاة النبي، الذي لو قال في معنى بعض الآيات إنَّ الله وحده هو الذي يعلم معناها عِلْم اليقين لما عاد لـ "المفسِّرين" و"المؤوِّلين" مِنْ حقٍّ في أنْ يجتهدوا في تفسير تلك الآيات. أليس مِنْ شروط "الإيمان بهذه الآية" أنْ يقف المؤمِنْ على معناها الحقيقي؟! أليس مِنْ حقِّه أنْ يَعْلَم على وجه اليقين ما هو هذا النجم الذي أقسم به الخالِق؟! هل هو "الثريا"، أم "الزهرة"، أم "الشهاب"، أم "القرآن"، أم..؟!
"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلا بسلطان". في هذه الآية يؤكِّد الخالِق أنَّ معشر الجن والإنس لن يتمكَّنوا أبداً مِنَ الخروج، أو الهروب، مِنْ نواحي السماوات والأرض، فخروجهم، أو هروبهم، منها يحتاج إلى "قوَّة (أو قدرة)" لن يملكوها أبداً، وكأنَّه يقول لهم إنَّكم لا تستطيعون هرباً مِنْ أمر الله وقدره، فهو محيط بكم، وليس لكم، من ثمَّ، مِنْ مفر. إنَّ في قوله "فانفذوا" أمر تعجيز، فمعشر الجن والإنس لا قدرة لهم على ذلك. هذا هو التفسير الحقيقي للآية.
على أنَّ غزو الإنسان للفضاء، وهبوطه على سطح القمر، قد حملا بعض "المؤوِّلين" على إلغاء هذا التفسير الحقيقي، وتفسير الآية على أنَّها إشارة قرآنية إلى "غزو البشر للفضاء"، فالخالِق، بحسب "التأويل المعاصر" للآية، قد أمر البشر بغزو الفضاء، موضحاً لهم أنَّهم لن يتمكَّنوا مِنْ ذلك إلا بامتلاكهم ما يكفي مِنْ سلطان (أو قوَّة) العِلْم!
في "حواره مع صديقه الملحد"، يتوفَّر مصطفى محمود على "تأويل" النص القرآني في طريقة تسيء إلى "اللغة" و"العقل" و"العِلْم".
"وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ".
في هذه الآية مِنْ "سورة النمل" يرى مصطفى محمود إشارة قرآنية إلى أنَّ "الأرض تسبح بجبالها في الفضاء"، فـ "الجبال التي تبدو جامدة ساكنة هي في الواقع سابحة في الفضاء". ويرى، أيضاً، أنَّ "تشبيه الجبال بالسحب فيه إشارة قرآنية إلى أنَّ المادة (أو الجبال هنا) تتألَّف مِنْ "ذرَّات"، فـ "السُحُب تتألَّف مِنْ قطيرات".
لقد قرَّر مصطفى محمود، في سبيل تثبيت هذا التأويل، أنْ يضرب صفحاً عن حقيقة أنَّ الآية تصف حال الجبال يوم القيامة. قال الْقُشَيْرِي: وهذا يَوْم الْقِيَامَة، أَيْ هي (الجبال) لِكَثْرَتِهَا كَأَنَّهَا جَامِدَة أَيْ وَاقِفَة في مَرْأَى الْعَيْن وَإِنْ كَانَتْ فِي أَنْفُسهَا تَسِير سَيْر السَّحَاب.
ولو كان مصطفى محمود ينشد الحقيقة لما ضرب صفحاً، أيضاً، عن الآية التي سبقتها والتي جاء فيها: "وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ".
ولو كان في الآية التي ذكرها مصطفى محمود إشارة قرآنية إلى أنَّ الأرض تسبح في الفضاء لذُكِرَت الأرض في عداد تلك الأشياء المذكورة في القرآن ضِمْنَ عبارة "وكلٌّ في فلكٍ يسبحون"، ففي "سورة يسن"، مثلاً، نقرأ الآية "لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ". وقد جاء في تفسير ابن كثير: "وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ "، يَعْنِي اللَّيْل وَالنَّهَار وَالشَّمْس وَالْقَمَر كُلُّهمْ يَسْبَحُونَ أَيْ يَدُورُونَ فِي فَلَك السَّمَاء. وهذه الآية تكفي دليلاً على أنَّ الأرض، في النص القرآني، ليست كمثل تلك الأشياء الأربعة (الشمس والقمر والليل والنهار) التي تسبح في الفضاء.
"لا الشمس ينبغي لها أنْ تُدْرِكَ القمر"، أي أنَّ الشمس، وعلى الرغم مِنْ جريانها (نهاراً) في السماء، لن تُدْرِكَ القمر، فتَظْهَر، من ثمَّ، ليلاً. ونحن نعرف الآن أنَّ الشمس تجري في الفضاء؛ لكنَّها لا تجري فيه حَوْلَ الأرض، فهي (أي الشمس) تدور حَوْل محورها، كما تدور، في الوقت نفسه، حول مركز مجرَّتنا (درب التبَّانة). ونحن لا نرى "المشْهَد الحقيقي" عندما نرى الشمس تجري (نهاراً) حَوْل الأرض.
وغني عن البيان أنَّ التفسير الصحيح لظاهرتي "الليل" و"النهار" لا تقوم له قائمة قَبْلَ اكتشاف حقيقة أنَّ الأرض تدور حَوْل محورها، فَقَبْلَ ذلك، يمكن فحسب أنْ نقول بتصوِّر مِنْ قبيل أنَّ الشمس تَظْهَر وتجري "في النهار"؛ ولكنَّها مهما أسْرَعَت في جريانها لن تُدْرِكَ القمر، وتَدْخُلَ، من ثمَّ، الليل.
القمر يُرى نهاراً، ويضيء ليلاً؛ لكنَّ الشمس لا تُرى أبداً ليلاً؛ لأنَّها، بحسب هذا التصوُّر، ينبغي لها ألاَّ تُدْرِكَ القمر. وبحسب التصوُّر نفسه، يدور الليل والنهار في فلك السماء كما تدور الشمس ويدور القمر؛ ولكن "لا الليل سابق النهار"، فالنهار هو، دائماً، سابق الليل.
هل الليل سابق النهار، أم النهار سابق الليل؟
الأرض مُذْ وُجِدَت لم تعرف ليلاً يسبق النهار، ولا نهاراً يسبق الليل، فدائماً كانت نهاراً في أحد نصفيها، وليلاً في نصفها الآخر، فنهارها وليلها متلازمان؛ لأنَّها جسم كروي يدور حَوْل محوره، وهو يدور حول الشمس. أمَّا "التعاقُب" فلا نراه إلا في نصفها هذا أو ذاك، فالنهار عندنا يعقبه ليل، والليل يعقبه نهار. والنهار عندنا، ليل في الولايات المتحدة، مثلاً، والليل عندها، نهار عندنا.
"حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأمْسِ". وهذه الآية مِنْ "سورة يونس" يؤوِّلها مصطفى محمود بما يخدم قصده وهو "اكتشاف" إشارة قرآنية إلى "كروية الأرض".
المعنى الحقيقي للآية هو الآتي: "حَتَّى إذَا أَخَذَتْ الأرْض زُخْرُفهَا"، أي بَهْجَتهَا مِنْ النَّبَات. "وَازَّيَّنَتْ"، أي تزيَّنت بِالزَّهْرِ. "وَظَنَّ أَهْلهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا"، أي مُتَمَكِّنُونَ مِنْ تَحْصِيل ثِمَارهَا. "أَتَاهَا أَمْرنَا"، أي قَضَاؤُنَا أَوْ عَذَابنَا "ليلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا" أَيْ جَعَلْنا زَرْعهَا "حَصِيدًا"، أي كَالْمَحْصُودِ بِالْمَنَاجِلِ. كَأَنَّهَا "لَمْ تَغْنَ بالأمْسِ"، أي لم تَكُنْ بالأمس.
هذه الآية لا تنطوي على إشارة إلى "التزامُن"، أي تزامُن الليل والنهار في الكرة الأرضية، فهي إنَّما تشير فحسب إلى "تعاقبهما" في المكان ذاته، أي في نصف الكرة الأرضية الشرقي، أو في جزء منه، فـ "قضاء" الله، أو "عذابه"، يأتي بغتةً، في الليل أو النهار.
مصطفى محمود يُفْرِغ عبارة "ليلاً أو نهاراً" مِنْ معناها الحقيقي هذا، ليملأها، مِنْ ثمَّ، بمعنى "تزامُن الليل والنهار في الأرض؛ لأنَّها كروية". ويفعلُ الشيء نفسه في عبارتي "فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ"، و"رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ"، قائلاً: "لو كانت الأرض مسطَّحة لكان هناك مشرق واحد ومغرب واحد".
الشمس تشرق كل يوم في هذا البلد أو ذاك؛ لكنَّها لا تشرق كل يوم مِنَ الموضع نفسه، فمواضع وأماكن شروقها (أو غروبها) تختلف في البلد الواحد يومياً باختلاف موضع الكرة الأرضية في مدارها حول الشمس. كما أنَّ المشرق هو، أيضاً، موضع "شروق" القمر (او هذا الكوكب أو ذاك) في هذا البلد أو ذاك.
قال ابْن عَبَّاس: "إِنَّ الشَّمْس تَطْلُع كُلَّ سَنَة في 360 كُوَّة. تَطْلُع كُلَّ يوم في كُوَّة". وجاء في تفسير الجلالين أنَّ المشارق والمغارب هي مشارق ومغارب الشمس والقمر والكواكب.
مِنْ الصفات القرآنية لـ "السماء" أنَّها "ذات الحبك"، و"ذات الرجع". عبارة "ذات الحبك" يفهمها مصطفى محمود على أنَّها إشارة قرآنية إلى "المسارات والطرقات والمجالات" في السماء. أمَّا عبارة "ذات الرجع" فيفهمها على أنَّها إشارة قرآنية إلى أنَّ السماء تُرْجِع إلى الأرض كل ما يرتفع مِنَ الأرض إليها، فهي تُرْجِع بخار الماء مطراً، و"تُرْجِع الأجسام بقوَّة الجاذبية الأرضية"، وتُرْجِع الأمواج اللاسلكية، فـ "طبقة الأيونوسفير" تقوم بإرجاع هذه الأمواج إلى الأرض. كما تُرْجِع الأشعة دون الحمراء، فتُدفئ الأرض ليلاً. وهي "ذات الرجع"؛ لأنَّها، بحسب تأويله، تحمي الأرض مِنْ القذائف القاتلة للأشعة الكونية والأشعة فوق البنفسجية.
لقد أجمعت تفاسير القرآن على أنَّ السماء وُصِفَت بأنَّها "ذات الحبك"؛ لأنَّها "حُبِكَت (أو زُيِّنت) بالنجوم"، فإذا نَسَجَ النسَّاج ثوباً يُقال "ما أحسن ما حَبَك". و"الحُبُك" مفردها "حبيكة". و"الحبيكة" هي "مسير النجم". وكلُّ مَنْ يَنْظُرَ إلى السماء يمكن أنْ يرى فيها ما يشبه ثوباً حُبِكَ بالنجوم. كما يمكنه أنْ يرى فيها مساراتٍ للنجوم.
أمَّا "ذات الرجع" فهي صفة للسماء، منشؤها "رجوع المطر، كل عام، إلى الأرض مِنَ السماء"، فـ "السماء"، في القرآن لا تُرْجِع بخار الماء إلى الأرض مطراً، فهي التي منها يُنْزِلُ الخالِق المطر، الذي ليس مِنْ إشارة قرآنية إلى أنَّ مَصْدَرَهُ هو مياه البحار والأنهار التي تبخَّرَت بحرارة الشمس. والسماء ليست هي التي تُرْجِع الأجسام وكل ما يرتفع إليها مِنَ الأرض، فـ "الجاذبية الأرضية" هي التي تُرْجعها؛ وهي تفشل في إرجاع الجسم إلى الأرض إذا كانت سرعته تتجاوز "سرعة الإفلات مِنَ الجاذبية الأرضية".
"لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ ولا فِي الأرْضِ ولا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ ولا أَكْبَرُ". في هذه الآية مِنْ "سورة سبأ" يكتشف مصطفى محمود إشارة قرآنية إلى "الجسيمات دون الذرية" كـ "الإلكترون" و"البروتون" و"النيوترون" و"الكوارك" و"النيوترينو"..!
يقول: "قديماً، كانوا ينظرون إلى مثقال الذرَّة على أنَّه أصغر مثقال. وكانوا ينظرون إلى الذرَّة على أنَّها مادة غير قابلة للانقسام، أي أنَّها لا تتألَّف مِنْ جسيمات أصغر. وها نحن نرى في هذه الآية إشارة قرآنية إلى ما هو أصغر مِنَ الذرَّة".
أوَّلاً، لا أعْرِف لماذا تجاهل مصطفى محمود الآية "وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ"؟! لماذا اهتمَّ بـ "مثقال ذرَّة" وأهمل "مثقال حبَّةٍ مِنْ خرْدلٍ"؟!
"الذرَّة"، لغةً، هي "الهباء المنتشر في الهواء"، و"القدر الضئيل مِنَ التراب أو غيره". والقرآن في تعبيره عن "أقل شيء"، أو عن "ما لا قيمة له"، يَسْتَخْدِم عبارتي "مثقال ذرَّة"، و"مثقال حبَّةٍ مِنْ خردل". و"الذرَّة"، في تفسيري الجلالين والقرطبي، هي "أصغر نَمْلة".
إنَّ "الذرَّة القرآنية" ليست هي ذاتها "الذرَّة" Atom في الفيزياء والكيمياء. وعندما اكْتُشِفَت "الذرَّة" Atom حار اللغويون العرب في تعريب الكلمة إلى أنْ اتَّفقوا على اتِّخاذ لفظ "ذرَّة" تسميةً لـ " Atom". وكان ممكنا أنْ يتَّخِذوا لفظاً آخر تسميةً لها.
تخيَّلوا أنَّ اللغويين العرب اتَّخذوا لفظ "الطارق" تسميةً لـ "النجم النيوتروني". لو فعلوا ذلك لجاءنا مصطفى محمود مكتشفاً "إشارة قرآنية" إلى هذا النجم!
أمَّا "الأصغر مِنْ مثقال ذرَّة"، والذي تضمَّنَتْهُ العبارة القرآنية "ولا أصغر مِنْ ذلك"، فهو شيء أكبر مِنْ "جزيء الماء" بآلاف أو ملايين المرَّات، فأصغر "نَمْلة" تتألَّف مِنْ ملايين الجزيئات. فكيف يجرؤ مصطفى محمود على الادِّعاء بأنَّ "الأصغر مِنْ مثقال ذرَّة" هو "الجسيم دون النووي" كـ "الإلكترون" أو "البروتون" أو "الكوارك"..؟!
نحن نَعْلَم أنَّ ديموقريطس كان أوَّل مَنْ قال بـ "الذرَّة"، أي Atom. وقد اعتبر أنَّ كل الأشياء التي نراها بالعين المجرَّدة تتألَّف مِنْ عناصر لا تُرى بالعين المجرَّدة، وأنَّ كل عنصر مِنْ هذه العناصر (أي كل "ذرَّة" Atom) في حركة دائمة ضمن فراغ. وبَعْدَ اكتشاف "الذرَّة" Atom جاء "التأويل"، ففُسِّرت "الذرَّة القرآنية" على أنَّها Atom. وفُسِّرَت عبارة "ولا أصغر مِنْ ذلك" على أنَّها إشارة قرآنية إلى "الجسيمات دون الذرِّية". اللغويون العرب أرادوا لفظاً في اللغة العربية يُقابِل كلمة "Atom". وقد وَقَعَ اختيارهم، واتَّفقوا، على لفظ "الذرَّة". وكان ممكناً أنْ يتواضعوا على لفظ "كِسْرَة"، أو لفظ "جزئية". فلو هُمْ تواضعوا على هذا اللفظ أو ذاك لحبط سعي "المؤوِّلين" لاكتشاف إشارة علمية إلى "الذرَّة" Atom في تلك الآية القرآنية وفي غيرها!
في الموقف مِنْ هذا "التأويل العلمي" للقرآن، لا أرى موقفاً أصح مِنْ موقف أبو أسحق الشاطبى المتوفى سنة 790 هجرية، فهو يرى "أنَّ كثيراً مِنَ الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحد، فأضافوا إليه كل عِلْم يُذْكَر للمتقدِّمين أو المتأخِّرين مِنْ علوم الطبيعيات، والمنطق، وجميع ما نَظَرَ فيه الناظرون مِنْ أهل الفنون وأشباهها. وهذا ليس بالصحيح. ثمَّ أنَّ السلف الصالح مِنَ الصحابة والتابعين ومَنْ يليهم كانوا أعرف بالقرآن وبكلامه وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنَّه تكلَّم أحد منهم في شيء مِنْ هذا المدَّعى.. ولو كان لهم في ذلك خوض ونظرة لبلغنا ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أنَّ ذلك لم يكن، فدل على أنَّه غير موجود عندهم.. ". هذا الرأي السديد هو الذي ينبغي لكل المفكِّرين الإسلاميين التزامه.
"الإيمان الديني" لا يقوم على "نصٍّ ديني" يحفظه المؤمن عن ظهر قلب من غير أن يَفْهَم معانيه الحقيقية ومراميه، فكيف لإيمان المسلم أن يَثْبُت ويتوطَّد إذا ما حَمَلوه، عبر "تأويلهم العِلْمي"، على أن يفهم الآية ذاتها وكأنَّها آيات مختلفة، متضاربة ومتناقضة، معنى وتفسيرا؟!
"إِنَّ رَبَّكُمْ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ".
إنَّ أحداً من المسلمين لَمْ يُجادِل، من قَبْل، أي من قَبْل ظهور ما يسمَّى "التأويل العلمي" للقرآن، أو لبعضٍ من آياته، في "معنى" عبارة "سِتَّة أيَّام". ولَمْ نَقِفَ على أيِّ جِدالٍ في هذا الأمر في عهد النبي على وجه الخصوص، فكلُّ من اعتنق الإسلام كان يَفْهَم "سِتَّة أيَّام" على أنَّها "أيَّامٌ أرضية (دنيوية)". وقد جاء في "تفسير الجلالين": إنَّ رَبّكُمْ اللَّه الذي خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض في سِتَّة أَيَّام من أَيَّام الدُّنْيَا، أَيْ في قَدْرهَا؛ لأنَّه لَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَمْس. ولو شَاءَ لَخَلَقَ السَّماوات والأرض في لَمْحَة. و"الأحد"، بحسب "تفسير الجلالين"، كان أوَّلها، أي أوَّل أيَّام الخَلْق السِتَّة، و"الجمعة" كان آخرها.
والله بَعْدَ ذلك، أي بَعْدَ انتهائه من خَلْق السَّماوات والأرض، "اسْتوى على العرش"؛ لكن أين كان الله قبل ذلك، أي قبل أن يشرع يَخْلِق السَّماوات والأرض؟ هذا السؤال ليس من الكُفْر في شيء، فقد سُئِلَ النبي (من مسلمين) السؤال نفسه؛ وقد أجاب عنه.
"وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ".
في "تفسير الجلالين" جاء: كان عرش الله على الماء "قَبْلَ أن يَخْلِق السَّماوات والأرض (في سِتَّة أيَّام)".
وجاء في "تفسير ابن كثير": يُخْبِر الله عَنْ قُدْرَته عَلَى كُلِّ شَيْء، وَأَنَّهُ خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض فِي سِتَّة أَيَّام، وَأَنَّ عَرْشه كَانَ عَلَى الْمَاء. وقد قال النبي: اِقْبَلُوا الْبُشْرَى يَا أَهْل الْيَمَن. قَالُوا قَدْ قَبِلْنَا، فَأَخْبِرْنَا عَنْ أَوَّل هَذَا الأمر كَيْف كَانَ؟ قَالَ النبي: كَانَ اللَّه قَبْل كل شَيْء، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء، وَكَتَبَ في اللَّوْح الْمَحْفُوظ كل شَيْء. وقَالُوا للنبي: جِئْنَاك نَسْأَلك عَنْ أَوَّل هَذَا الأمر، فأجاب قائلاً: كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله. وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء، وَكَتَبَ في الذِّكْر (اللوح المحفوظ) كل شَيْء، ثُمَّ خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض. وسُئِلَ النبي: يَا رَسُول اللَّه، أَيْنَ كَانَ رَبّنَا قَبْل أَنْ يَخْلُق خَلْقه؟ فأجاب قائلاً: كَانَ فِي عَمَاءٍ (العَمَاء هو السَّحاب) مَا تَحْته هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ بَعْدَ ذلك (على الماء). وَقَالَ مُجَاهِد ووَهْب بْن مُنَبِّه وَضَمْرَة وَقَتَادَة وَابْن جَرِير: كان عَرْشه عَلَى الْمَاء قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا.. قَبْل أَنْ يَخْلُق السَّمَاوَات والأرض، فَلَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض قَسَمَ ذَلِكَ الْمَاء قِسْمَيْنِ فَجَعَلَ نِصْفًا تَحْت الْعَرْش وَهُوَ الْبَحْر الْمَسْجُور (أي البحر الْمَمْلُوء). وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَات والأرض فِي سِتَّة أَيَّام، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء، فَكَانَ كَمَا وَصَفَ نَفْسه تَعَالَى، إِذْ لَيْسَ إلاَّ الْمَاء، وَعَلَيْهِ الْعَرْش، وَعَلَى الْعَرْش ذُو الجلال والإكرام وَالْعِزَّة وَالسُّلْطَان وَالْمُلْك وَالْقُدْرَة وَالْحِلْم وَالْعِلْم وَالرَّحْمَة وَالنِّعْمَة الْفَعَّال لِمَا يُرِيد. وسُئِلَ ابن عَبَّاس: عَلَى أَيِّ شَيْء كَانَ الْمَاء؟ قَالَ عَلَى مَتْن الرِّيح.
وفي "تفسير الطبري" جاء: قال وهب بن مُنَبِّه: إِنَّ الْعَرْش كَانَ قَبْل أَنْ يَخْلُق اللَّه السَّمَوَات والأرض, ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَة مِنْ صَفَاء الْمَاء, ثُمَّ فَتَحَ الْقَبْضَة فَارْتَفَعَ دُخَان, ثُمَّ قَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ..
وسؤالنا الآن إلى "المؤوِّلين العلميين للقرآن" هو الآتي: هل ما نُسِبَ إلى النبي من أقوال وإجابات، في "التفاسير الثلاثة"، قد جاء من مسلمين افتروا على النبي كذبا؟ إنَّه سؤالٌ ينبغي لهم إجابته قَبْل، ومن أجل، أن يصبح لـ "تأويلهم العلمي" مَنْطِقاً.
عرش الله، قَبْلَ الخَلْق، كان على "الماء"، فهل لهذا "الماء" من معنى غير الذي نَعْرِف؟!
هل هذا الماء غير الماء الذي يتألَّف الجزيء منه من ذرَّتي هيدروجين وذرَّة أوكسجين؟!
عندما سُئِلَ النبي "أَيْنَ كَانَ رَبّنَا قَبْل أَنْ يَخْلُق خَلْقه؟"، أجاب قائلاً: "كَانَ فِي عَمَاءٍ مَا تَحْته هَوَاءٌ، وَمَا فَوْقَهُ هَوَاءٌ، ثُمَّ خَلَقَ الْعَرْشَ بَعْدَ ذلك".
إلى أنْ يقيموا الدليل (ولن يقيموا) على أنَّ هذه الإجابة قد نُسِبَت إلى النبي زوراً وبهتاناً، لا بدَّ لنا من أن نستمسك بهذا "التصوُّر الكوزمولوجي"، فالله، قَبْلَ الخَلْق، كان في عَمَاءٍ، أي في سَحاب. ومِنْ حَوْل هذا السَحاب كان "هواء".. كان من فوقه، ومن تحته، "هواء"؛ ثمَّ قام الله بـ "خَلْق" عرشه.. وقد خَلَقَه على الماء، "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ.."؛ وكان "اللوح المحفوظ" أيضاً.
إنَّ الله، وقَبْلَ أن يشرع يَخْلُق السَّماوات والأرض، أو قَبْل أَنْ يَخْلُق خَلْقه، كان في "عَمَاءٍ"، من فوقه ومن تحته، "هواء"؛ وكان "ماءٌ"، وكان "اللوح المحفوظ"؛ وقام الله من ثمَّ بخَلْق عرشه، فكان عرشه على الماء.
كان الله، ولَمْ يَكُن "العرش"؛ وكان، أيضاً، "العَمَاء"، و"الهواء"، و"الماء"، و"اللوح المحفوظ"؛ ثمَّ خَلَقَ الله عرشه، فكان عرشه على الماء، ثمَّ "بدأ الخَلْق"، أي خَلْق السَّماوات والأرض؛ وقد استغرق هذا الخَلْق "سِتَّة أيَّام" أرضية. وليس في القرآن، أو في تلك الأحاديث النبوية، ما يُشير إلى أنَّ الله قد خَلَقَ (قبل خَلْقِهِ السَّماوات والأرض وما بينهما) العَمَاء، والهواء، والماء، واللوح المحفوظ.
النبي قال: كَانَ اللَّه قَبْل كل شَيْء، وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء..
وقال: كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله. وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء..
وقَوْلاه "كَانَ اللَّه قَبْل كل شَيْء"، و"كَانَ اللَّه وَلَمْ يَكُنْ شَيْء قَبْله"، لا يتعارضان مع القول القرآني، وقوله، "وَكَانَ عَرْشه عَلَى الْمَاء.."، فـ "الماء الذي عليه كان عرش الله" كان ولَمْ تَكْنْ السَّماوات والأرض وما بينهما؛ فـ "لَيْسَ إلاَّ الْمَاء، وَعَلَيْهِ الْعَرْش، وَعَلَى الْعَرْش ذُو الجلال والإكرام وَالْعِزَّة وَالسُّلْطَان وَالْمُلْك وَالْقُدْرَة وَالْحِلْم وَالْعِلْم وَالرَّحْمَة وَالنِّعْمَة الْفَعَّال لِمَا يُرِيد".
وقد قال مُجَاهِد ووَهْب بْن مُنَبِّه وَضَمْرَة وَقَتَادَة وَابْن جَرِير: كان عَرْشه عَلَى الْمَاء قَبْل أَنْ يَخْلُق شَيْئًا..
وجواباً عن سؤال "عَلَى أَيِّ شَيْء كَانَ الْمَاء؟"، قال ابن عبَّاس: "عَلَى مَتْن الرِّيح".
أمَّا وهب بن مُنَبِّه فقال: إِنَّ الْعَرْش كَانَ قَبْل أَنْ يَخْلُق اللَّه السَّمَوَات والأرض, ثُمَّ قَبَضَ قَبْضَة مِنْ صَفَاء الْمَاء, ثُمَّ فَتَحَ الْقَبْضَة فَارْتَفَعَ دُخَان, ثُمَّ قَضَاهُنَّ سَبْع سَمَوَات فِي يَوْمَيْنِ..
من هذا الماء، الذي كان "على متن الرِّيح"، والذي كان عليه عرش الله، ومن "الصافي النقي" منه، قبض الله قبضة، ثمَّ فتح القبضة فارتفع "دخان"، أي ظَهَرَ "بخار الماء"؛ ومن هذا "البخار"، أو "الدخان"، خَلَقَ الله، في يومين من أيَّام الخَلْق السِتَّة، سَبْع سماوات. وذاك "الصافي النقي" من الماء هو ما يُفَسِّر "صفاء وشفافية" السماء.
وهذا "البخار"، أو "الدخان"، يمكن ويجب فهمه على أنَّه "السماء الأولى، أو البدائية، أو الهُيُوليَّة" التي "سَبَّعها" الله، أي جَعَلها "سَبْع سماوات".
في "كتاب الله"، أو في "اللوح المحفوظ"، ويوم خَلَقَ الله السَّماوات والأرض، كَتَبَ الله وقرَّر أنَّ "عدد" الشهور عنده 12 شهراً. "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ".
عدد الشهور عند الله 12 شهراً.. وعدد أيَّام الأسبوع عند الله يجب أن يكون 7 أيَّام؛ وهذه الأيَّام السبعة يجب أن تكون السبت، والأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.
ويكفي أنْ نُمْعِن النظر في معاني هذه الآية حتى يتَّضِح لنا ويتأكَّد أنَّ الله قد خَلَقَ السَّماوات والأرض وما بينهما في سِتَّة أيَّام أرضية؛ فهل من "تأويلٍ" لعبارة "في سِتَّة أيَّامٍ" يَصحُّ بَعْدَ ذلك؟!
إنَّ "الخَلْقَ من العَدَم" ليس بالخَلْق الذي يقول به القرآن، فالله كان، وكان عرشه على "الماء"، ولَمْ تَكُن السَّماوات والأرض (وكان أيضاً "العَمَاء"، و"الهواء"، و"الريح"، التي على متنها كان الماء).
"أَوَلَمْ يَرَى الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ".
"السَّماوات" و"الأرض" كَانَتَا "رَتْقًا"، أَيْ كانتا متَّصلتين، مُتلاصقتين، مُلْتَزقتين، مُتَرَاكِمتين، في ابتداء الأمر، أي قَبْل أن يشرع الله يَخْلُق السَّماوات والأرض وما بينهما. ثمَّ "فَتَقَ" الله هذه مِنْ تلك، فَجَعَلَ السَّمَاوات سَبْعًا والأرض سَبْعًا؛ وَفَصَلَ بَيْن السَّمَاء الدُّنْيَا والأرض بِالْهَوَاءِ، فَأَمْطَرَتْ السَّمَاء، وَأَنْبَتَتْ الأرض؛ وَلِهَذَا قَالَ "وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُل شَيْء حَي أفلا يُؤْمِنُونَ".
"الفتق"، لغة، هو "شقُّ" الشيء، أي فصل بعضه عن بعض. قال ابن منظور في "لسان العرب": "الرَّتْقُ هو ضد الفَتْق". وقال ابن سيده: "الرَّتْقُ هو إلحام الفتْقِ وإصلاحه. نقول: "رتقه، يرتقه، رتقا، فارتتق"، أي "التَأَم". ونقول: "فتقه يفتقه فتقا"، أي شقَّه"، فالفتق خلاف الرتق.
وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير ورواية عكرمة، عن ابن عباس، إنَّ المعنى هو: كانتا شيئاً واحداً. كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما، ورفع السماء إلى حيث هي، وأقرَّ الأرض. وهذا القول يوجب أنَّ خلق الأرض مقدَّم على خلق السماء؛ لأنَّ الله لمَّا فصل بينهما ترك الأرض حيث هي وأصعد الأجزاء السماوية.
وقال ابن عبَّاس: "كانت السَّماوات رتقا لا تمطر، وكانت الأرض رتقا لا تنبت، فلمَّا خلق للأرض أهلاً فتق السماء بالمطر، وفتق الأرض بالنبات".
وقال عطية العوفي: "كانت السماء رتقاً لا تمطر فأمطرت، وكانت الأرض رتقاً لا تنبت فأنبتت".
وقال إسماعيل بن أبي خالد: "كانت السماء واحدة، ففتق منها سبع سماوات، وكانت الأرض واحدة، ففتق منها سبع أرضين".
وقال أبو جعفر: أوْلى الأقوال، في ذلك، بالصواب، قول مَنْ قال إنَّ السَّماوات والأرض كانتا رتقاً مِنَ المطر والنبات، ففتقنا السماء بالغيث، والأرض بالنبات، لدلالة قوله "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ..".
وقال كعب: "خلق الله السَّماوات والأرض بعضها على بعض، ثم خلق ريحاً في وسطها، ففتحها بها، وجعل السَّماوات سبعاً والأرضين سبعاً".
الآية، في ضوء كل تلك التفاسير، تفيد معنيين. الأوَّل هو أنَّ السَّماوات والأرض كانتا رتقاً مِنَ المطر والنبات، ففتق الله السماء بالغيث، والأرض بالنبات. والدليل على هذا المعنى قوله "وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ". والمعنى الثاني هو أنَّ السماء والأرض كانتا ملتصقتين، ففصل الله بينهما بالهواء، أو الريح، فالسماء رفعها عن الأرض بغير أعمدة (تأكيداً لقدرته) أي جعلها مُقبَّبة على الأرض مثل القُبَّة.
لقد بنى الله السماء، أي رفعها بغير عمد، وجَعَلَهَا سقفاً. فما معنى ذلك؟
معناه، الذي لا يختلف فيه اثنان يحتكمان إلى المنطق، هو أنَّ السماء كانت ملتصقة بالأرض، ففصلها عن الأرض إذ رفعها عنها بغير عمد، فصار بينهما هواء أو ريح.
الآية إنَّما خاطبت عقول الناس الذين أدهشتهم رؤية السماء مرفوعة عن الأرض كسقف لا أعمدة له، فقالت لهم إنَّ السماء كانت، مِنْ قَبْل، ملتصقة بالأرض، فرفعها الله بقدرته الخارقة بغير عمد ترونها. ولَمَّا فصلها ورفعها عن الأرض صار ممكنا أنْ تمطر السماء، وأنْ تنبت الأرض، وأنْ تكون حياة، فمِنَ الماء خلق الله كل الكائنات الحية.
إذا كان "الخَلْقُ" هو "الفَتْق" فغنيٌ عن البيان أنَّ "الأرض"، وعلى هيئة ما، كانت قبل "الخَلْق".. كانت "ملتصقة، ملتزقة، بالسماء (الهُيُوليَّة)"، فبدأ "الخَلْق"، من ثمَّ، بـ "فَصْل" كلتاهما عن الأخرى. كانت "الأرض" و"السماء" مُرْتتقتين؛ ثمَّ فَصَلَ الله بينهما إذ أصْدَر أمْر "الفَتْق".
إنَّكَ لا تَخْلُقَ من العَدَم الهيدروجين والأوكسجين "المُرْتتقين (أي المتَّحِدين)" في الماء، أيْ في جزيء الماء، إذا ما قُمْتَ بـ "فتقهما (أي فصلهما)". إنَّكَ تُغَيِّر فحسب حال وجودهما، فَهُما كانا (الهيدروجين والأوكسجين) متَّحِدين (اتِّحاداً كيميائياً) في جزيء الماء فَجَعَلْتُهُما (بالفتق الكيميائي) منفصلين.
وإنَّكَ لا تستطيع أن تَزْعُم أنَّكَ قد خَلَقْتَ الهيدروجين والأوكسجين من العَدَم إذ قُمْتَ بـ "فتقهما" فَتْقَاً كيميائياً.
خَلْقُ السَّماوات والأرض في سِتَّة أيَّام شُرِح على خير وجه في سورة "فُصِّلَت"، وإنْ لَمْ تأتِ هذه السورة على ذِكْر "الفَتْق".
في تلك السورة، نَقِف على جوهر "التصوُّر الكوزمولوجي القرآني"، فقد جاء فيها: "قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ. وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ".
وبحسب "التفاسير القرآنية"، التي يسعى أصحاب "التأويل العِلْمي" للآيات الكونية القرآنية إلى تخطِّيها، تنطوي هذه الآيات على إِنْكَار من اللَّه عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ عَبَدُوا مَعَهُ غَيْره وَهُوَ الْخَالِق لِكُلِّ شَيْء؛ فكيف "تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا" أَيْ نُظَرَاء، وشُركاء، وأمثالاً تَعْبُدُونَهَا مَعَهُ، وهو الذي "خَلَقَ السَّمَوَات والأرض فِي سِتَّة أَيَّام"؟!
وهنا، أي في تلك الآيات، ميَّزَ الله ما يَخْتَص بالأرض مِمَّا يَخْتَص بِالسَّمَاءِ. ولقد ذَكَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الأرض أوَّلاً لأنَّها كالأساس؛ والأصل أَنْ يَبْدَأ الخَلْقَ أو البناء بالأساس، ثُمَّ بَعْده بِالسَّقْفِ كَمَا قَالَ "هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأرض جَمِيعًا ثُمَّ اِسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْع سَمَوَات".
ولكن، في الآية "أَأَنْتُمْ أَشَدّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكهَا (أي سَقْفها) فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا والأرض بَعْد ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَال أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ ولأنعامكم"، من سورة "النازعات"، نرى أنَّ دَحْو الأرض كان بَعْد خَلْق السَّمَاء، فَالدَّحْو هُوَ مُفَسَّر بِقَوْلِهِ "أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا". وَكَانَ هَذَا بَعْد خَلْق السَّمَاء.
قارِن الآن بين "التصوُّرين الكوزمولوجيين" في القرآن كما وردا في سورة "فُصِّلَت" وسورة "النازعات": في سورة "فُصِّلَت"، جاء "لقد خَلَقَ الله (للبشر) ما في الأرض جميعا (أي كل ما في الأرض) ثمَّ (أي بَعْدَ ذلك) استوى إلى السماء (أي قَصَدَها وتوجَّه وارتفع إليها، فهي كانت موجودة قبل أن يخلق منها، أو يجعلها، سبع سماوات) فسوَّاها (أي جعلها) سبع سماوات؛ وقد قال "سوَّاهُنَّ" ولم يَقُلْ "سوَّاها"؛ لأنَّ الضمير في "سوَّاهُنَّ" يرجع إلى السماء التي هي في معنى الجمع الآيلة إليه, فصيَّرها "سبع سماوات في يومين". و"سَوَّى"الشيءَ معناه: قَوَّمَه وعَدَّلَه وجَعَلَه سَويًّا؛ و"سَوَّى" العمل معناه: أَتَمَّهُ.
أمَّا في سورة "النازعات" فيقول الله إنَّه قد قام بـ "دحو (بَسْط)" الأرض، مُخْرِجاً منها ماءها ومرعاها، بَعْدَ خَلْق السماء. وهذا قد يُثير التساؤل الآتي: كيف يقوم الله بـ "دحو" الأرض مُخْرِجاً منها ماءها ومرعاها "بَعْد" خَلْق السماء، بحسب ما ورد في سورة "النازعات"، وهو الذي خَلَق (للبشر) ما في الأرض جميعا "قَبْل" أن يجعل السماء سبع سماوات، بحسب ما ورد في سورة "فُصِّلَت"؟!
إنَّ الأرض (أي كوكب الأرض) بحسب هذا "التصوُّر الكوزمولوجي القرآني"، الذي تضمَّنته سورة "فُصِّلَت"، هي أوَّل وأقْدَم شيء خلقه الله. وهي أيضا الشيء الذي اسْتَغْرَق خلقه كاملا الجزء الأعظم من مُدَّة الخَلْق (أربعة أيَّام من زمن الخَلْق الذي هو ستَّة أيَّام). ومن هذا لا بدَّ لنا من أن نَسْتَنْتِج أنَّ الأرض أقْدَم وجودا من الشمس ومن مجرَّتنا (مجرَّة درب التبَّانة) وأنَّها (أي الأرض) مهما شاخت تَظل الشمس (مع سائر الأشياء في الكون) أصغر منها عُمْراً، وبما لا يزيد عن بضعة أيَّام. ويكفي أن تَعْتَقِد بأنَّ الأرض هي أوَّل وأقْدَم شيء خلقه الله حتى تَعْتَقِد، أي حتى يجب أن تَعْتَقِد، أيضاً، بأنَّ الأرض والكون بأسره متساويان عُمْراً، وبأنَّ الفَرْق في العُمْر بين الأرض وبين سائر المخلوقات في الكون لا يتعدَّى، ويجب ألاَّ يتعدَّى، بضعة أيَّام فحسب.
والله، في سورة "النازعات"، يَنْسِب ظاهرتي "الليل" و"الضحى" إلى السماء، وليس إلى الأرض، فقد "أغْطَش (أي أظْلَم)" ليلها، أي ليل السماء، وأخْرَج (أي أظْهَر) ضحاها، أيْ ضحى السماء. و"الضحى" لغةً "ضوء الشمس"، أو "ارتفاع النهار وامتداده"، أو "وقت ارتفاع النهار وامتداده وانتصافه". لقد نَسَبَ "الضحى" إلى السماء، وإنْ قال في سورة "الشمس": "وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا".
لقد رأيْنا هنا فَصْلاً لظاهرتي "الليل (الذي أظْلَمَه)" و"الضحى (الذي أظْهَرَه)" عن الأرض؛ ثمَّ فَصْلاً لهما عن "الجبال" التي قام بإرسائها (أي تثبيتها) لئلا تميد بالبشر.
وفي سورة "الأنبياء" ورد "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ". "يُغْشِي اللَّيْل النَّهَار". الله، هنا، يَذْكُر "الليل" و"النهار" مع "الشمس" و"القمر"، فَهُما، أي "الليل" و"النهار"، يدوران حَوْلَ الأرض (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) كما تدور الشمس (في الظاهِر) والقمر. والليل (الدائر حَوْل الأرض) يُغْشي، أي يُغطِّي (بظُلْمَتِهِ) النهار.
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ..". النهار (أو الليل) يَجِيء، ثُمَّ يَذْهَب وَيَخْلُفهُ الليل (أو النهار) لا يَتَأَخَّر عَنْهُ لَحْظَة؛ كما قال "لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ ولا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَار وَكُلٌّ فِي فَلَك يَسْبَحُونَ". تَارَة يَطُول هذا، وطورا يَقْصُر ذاك. هذا يَأْخُذ مِنْ ذاك، ثُمَّ يَتَعَاوَضَانِ؛ كَمَا قال "يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَار وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْل"، أَيْ يَزِيد مِنْ هذا في ذاك، وَمِنْ ذاك في هذا".
الله، في سورة "النازعات"، أنْجَز، بَعْد خَلْق السماء، ثلاثة أعمال (في الأرض) هي: دحو الأرض، وإخراج الماء والمرعى منها، وتثبيت الجبال فوقها. و"دحو" الأرض ليس من معانيه (اللغوية) أنْ يُخْرِج منها ماءها ومرعاها. معناه فحسب هو "بَسْطها".
ولكن، أين كانت الأرض؟
بحسب فهمنا للرواية القرآنية، كانت الأرض على سطح الماء. وقد أَنشد ابن بري لزيد بن عمرو بن نُفَيْل:
دَحَاها , فلما رآها اسْتَوَتْ على الماء , أَرْسَى عليها الجِبالا
وهذا إنَّما يعني أنَّ الأرض، بحسب "التصوُّر الكوزمولوجي القرآني"، تَعْدِل "اليابسة (من غير جبال)" فقط، وأنَّ "الماء" ليس بجزء من "كوكب الأرض"!
وفي تفاسير ابن كثير والجلالين والطبري والقرطبي جاء أنَّ الله خَلَق الأرض في يومين هما الأحد والاثنين.
وجاء في تفسير الطبري أنَّ اليهود أَتَتْ النَّبِي فَسَأَلَتْهُ عَنْ خَلْق السَّمَوَات والأرض, فقَالَ: "خَلَقَ اللَّه الأرض يَوْمي الأحد والاثنين ,وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثلاثاء, وَخَلَقَ يَوْم الأربعاء الشَّجَر وَالْمَاء وَالْمَدَائِن وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَاب, فَهَذِهِ أَرْبَعَة أيَّام. وَخَلَقَ يَوْم الْخَمِيس السَّمَاء, وَخَلَقَ يَوْم الْجُمُعَة النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر والملائكة.. وفي نهايته، أي في نهاية يوم الجمعة خلق آدَم وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّة, وَأَمَرَ إِبْلِيس بِالسُّجُودِ لَهُ, وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِر سَاعَة. قَالَتْ الْيَهُود: ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّد؟ قَالَ: "ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش", فقَالُوا: قَدْ أَصَبْت لَوْ أَتْمَمْت قائلاً ثُمَّ اسْتَرَاحَ-;- فَغَضِبَ النَّبِي غَضَبًا شَدِيدًا, فَنَزَلَ: "وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَات والأرض وَمَا بَيْنهمَا فِي سِتَّة أَيَّام وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوب فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ".
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (ق ـ 38)".
"ولقد خلقنا..".. فِعْل "الخَلْق"، هنا، انتهى؛ ولقد انتهى منذ زمن طويل؛ وإتمامه وانتهاؤه مؤكَّدين، لغوياً، بـ "قد"؛ ومؤكَّدين، معنوياً، أي بحسب المعنى، هنا، بالعبارة "وما مسَّنا من لغوب"، فلو أنَّ فِعْل الخَلْق هذا لم ينتهِ بعد، أو لم ينتهِ عند نزول هذه الآية، لانتفت الحاجة إلى قوله "وما مسَّنا من لغوب".
وجاء في تفسير الطبري أيضاً أنَّ اللَّه خَلَقَ يَوْمًا وَاحِدًا فَسَمَّاهُ الأحد, ثُمَّ خَلَقَ ثَانِيًا فَسَمَّاهُ الاثنين, ثُمَّ خَلَقَ ثَالِثًا فَسَمَّاهُ الثلاثاء, ثُمَّ خَلَقَ رَابِعًا فَسَمَّاهُ الأربعاء, ثُمَّ خَلَقَ خَامِسًا فَسَمَّاهُ الْخَمِيس-;- وقد خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ هما الأحد والاثنين, وَخَلَقَ الْجِبَال يَوْم الثلاثاء, وَخَلَقَ مَوَاضِع الأنهار والأشجار يَوْم الأربعاء, وَخَلَقَ الطَّيْر وَالْوُحُوش وَالْهَوَام وَالسِّبَاع يَوْم الْخَمِيس, وَخَلَقَ الإنسان يَوْم الْجُمُعَة, فَفَرَغَ مِنْ خَلْق كُلّ شَيْء يَوْم الْجُمُعَة. وفي تفصيل آخر، جاء أنَّ الله خَلَقَ التُّرْبَة يَوْم السَّبْت, وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَال يَوْم الأحد, وَخَلَقَ الشَّجَر يَوْم الاثنين, وَخَلَقَ الْمَكْرُوه يَوْم الثلاثاء, وَخَلَقَ النُّور يَوْم الأربعاء, وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابّ يَوْم الْخَمِيس, وَخَلَقَ آدَم بَعْد الْعَصْر يَوْم الْجُمُعَة.
الله "يُسَبِّع" الواحد، أي يجعله سَبْعاً، فالسماء الواحدة جعلها سَبْع سماوات؛ والأرض الواحدة جعلها سَبْع أرضين. "اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنْ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً".
"وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ". أي جَعَل في الأرض جبالا من فَوْقها (من فَوْق سطحها أو تربتها أو على ظَهْرِها). وباركَ فيها، أي أكْثَرَ خيرها بما جَعَلَ فيها من المياه والزروع والضروع. وقدَّر فيها أقواتها، أي قَدَّرَ أرزاق أهلها ومعاشهم، وخَلَق فيها ما يحتاج إليه البشر من الأرزاق، والأماكن التي تُزْرَع وتُغْرَس، والأنهار والأشجار والدواب.
في أربعة أيام، أي فِي تَتِمَّة أَرْبَعَة أَيَّام؛ وَمِثَاله قَوْل الْقَائِل: خَرَجْت مِنْ الْبَصْرَة إِلَى بَغْدَاد فِي عَشْرَة أَيَّام, وإلى الْكُوفَة فِي خَمْسَة عَشَرَ يَوْمًا-;- أَيْ فِي تَتِمَّة خَمْسَة عَشَرَ يَوْمًا.
في أربعة أيَّام من أيَّام الخَلْق الستَّة، وبحسب سورة "فُصِّلَت"، خَلَق الله الأرض (في يومين) وجَعَل فيها رواسي من فوقها، وجعلها صالحة للحياة (في يومين آخرين). وعليه استغرق "عمله الأرضي" هذا أربعة أيَّام. وفي اليومين الأخيرين (الخميس والجمعة) من أيَّام الخَلْق الستَّة، أنْجَز "عمله السماوي"، فاسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ.. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ.. وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا، وزَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ.
هنا، نرى في وضوح أنَّ الله لَمْ يَقُمْ في أثناء "عمله السماوي (الذي استغرق يومين هما اليومين الأخيرين من أيَّام الخَلْق الستَّة)" بـ "دحو" الأرض كما ذُكِرَ في الآية "أَأَنْتُمْ أَشَدّ خَلْقًا أَمْ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكهَا فَسَوَّاهَا وَأَغْطَشَ لَيْلهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا والأرض بَعْد ذَلِكَ دَحَاهَا أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَال أَرْسَاهَا مَتَاعًا لَكُمْ ولأنعامكم"، من سورة "النازعات".
لقد أخْرَجَ من الأرض ماءها ومرعاها، وقام بإرساء الجبال، "قَبْلَ" أن يبدأ "عمله السماوي"، فهو أنْجَزَ وأتَمَّ "عمله الأرضي" في أربعة أيَّام، ثمَّ أنْجَزَ وأتَمَّ "عمله السماوي" في يومين؛ ولم يَكُن من تداخُلٍ بين العملين. وقوام "عمله السماوي" كان الآتي: اسْتَوى إلى السماء وهي دخان، فَجَعَلَها سَبْع سماوات، مُزَيِّناً السماء الدنيا بمصابيح (أي نجوم). وفي آخر يَوْم الْجُمْعَة خَلَقَ اللَّه آدَم فِي عَجَل. ومعنى "اسْتوى إلى السماء وهي دخان" هو عمد إلى خلقها، وقصد إلى تسويتها، وهي بهيئة الدخان. و"الدخان"، بحسب تفسير ابن كثير، إنَّما هو "بخار الماء المتصاعِد من الأرض إلى السماء" حين خُلِقَت الأرض.
وجاء في تفسير الطبري: عن ابْن عَبَّاس, عَنْ النبي، أنَّ الله فَرَغَ مِنْ خَلْق الأرض وَجَمِيع أَسْبَابهَا وَمَنَافِعهَا مِنْ الأشجار وَالْمَاء وَالْمَدَائِن وَالْعُمْرَانِ وَالْخَرَاب فِي أَرْبَعَة أَيَّام, أَوَّلهنَّ يَوْم الأحد, وَآخِرهنَّ يَوْم الأربعاء.
وفي أمْرِ الرواسي، أو الجبال، جاء في تفسير القرطبي: لَمَّا خَلَقَ اللَّه الأرض مَادَتْ عَلَى وَجْه الْمَاء-;- فَقَالَ لِجِبْرِيل ثَبِّتْهَا يَا جِبْرِيل. فَنَزَلَ فَأَمْسَكَهَا فَغَلَبَتْهُ الرِّيَاح, فقَالَ: يَا رَب أَنْتَ أَعْلَم لَقَدْ غُلِبْت فِيهَا، فَثَبَّتَهَا (الله) بِالْجِبَالِ وَأَرْسَاهَا.
وهذا إنَّما يعني أنَّ الأرض خلقها الله على وجه الماء، وأنَّها في اليومين الأولين (من أيَّام خلقها الأربعة) كانت عُرْضَة لـ "المَيَدان"، أي التحرُّك والاضطِّراب والتمايل، فهي تشبه لوح خشب على وجه الماء، تجري به الرياح، ولا بدَّ، من ثمَّ، من وسيلة لتثبيته. وهذه الوسيلة، بالنسبة إلى الأرض، كانت "الجبال"، أو "الرواسي".
لقد أتّمَّ الله خَلْق الأرض في أربعة أيَّام، وقَبْل خَلْق السماء (أو السماوات السبع) والنجوم والشمس والقمر.
ويُقرِّر "المؤوِّلون العِلْميون المعاصرون" أنَّ "كل ما في السماء الدنيا يقع في داخل باقي السَّماوات"، مستنِدين إلى الآية "أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا. وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا". هذا تأويل فاسِد من الوجهة المنطقية، فَوِفْقَهُ ينبغي لنا أن نَفْهَم "باقي السَّماوات (سِتُّ سماوات)" على أنَّها سماوات لا يُوْجَدُ فيها إلاَّ ما هو موجود في "سمائنا"، أي "السَّماء الدنيا". ولو كان لديهم أقلِّ قدر من الذكاء لسألوا أنفسهم، قبل أن يبتدعوا هذا التأويل، السؤال الآتي: "هل يُمْكِن أن يكون القمر "نوراً"، والشمس "سراجاً وهَّاجاً"، في "السماء السادسة (أو السابعة)" مثلاً؟ هذا القمر ليس بـ "نور" بالنسبة إلى "سكَّان كوكب يقع في نهاية مجرَّتنا، أي مجرَّة "درب التبانة"، التي هي "نقطة" في "بحر الجزء الذي نُدْرِك من السماء الدنيا"!
"السماء" في "صورتها القرآنية" إنَّما هي "السقف" بالنسبة إلى الأرض، التي هي كـ "الأرضية" بالنسبة إلى "البناء الكوني"؛ "وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا..". "اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ قَرَاراً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً..".
وهذا "السَقْف"، الذي هو هلى هيئة "قُبَّة"، يُمْكِن أن يَقَع كله، أو "كِسَفاً (أي قِطعاً) منه"؛ لكنَّ الله الرؤوف الرحيم بالناس "يُمْسِك السماء" من "أنْ"، أو لئلاَّ، تقع على الأرض إلاَّ بإذنه، فتَهْلكوا. "أَلَمْ تَرَى أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ". "أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنْ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمْ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنْ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ".
قدرة الله إنَّما تكون "بين الكاف والنون (كُنْ فيكون)"، فهل نَقِفُ هنا على معنى "الخَلْقُ من العَدَم"؟ "بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "هُوَ الَّذِي يُحْيِ وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ".
في أَيِّ حَال يَقُول الله للأمر الَّذِي يَقْضِيه (يُريده ويُقَرِّره) كُنْ؟ أفي حَال عَدَمه؟ تِلْكَ حَال لا يَجُوز فِيهَا أَمْره, إذْ كَانَ مُحالاً أَنْ يَأْمُر إلاَّ الْمَأْمُور, فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْمَأْمُور اسْتَحَالَ الأمر-;- وَكَمَا مُحَال الأمر مِنْ غَيْر آمِر, فَكَذَلِكَ مُحَال الأمر مِنْ آمِر إلاَّ لِمَأْمُورِ. أَمْ يَقُول لَهُ ذَلِكَ فِي حَال وُجُوده؟ تِلْكَ حَال لا يَجُوز أَمْره فِيهَا بِالْحُدُوثِ, لأنَّه حَادِث مَوْجُود.
هل أراد الله وقرَّر خَلْق الشمس، مثلا، فأمَر هذا المأمور، وهو الشمس، أو أصْل الشمس، بأنْ يكون على هيئة شمس، فكان، أيْ أصبح على هيئة شمس؟!
لا بدَّ أوَّلاً من وجود المأمور، فيأمره الله بأن يصبح في هيئة مختلفة. لقد أمَرَ الله بعض اليهود بأن يكونوا، أي أن يصبحوا، قردة، وما كان لهذا الأمر أنْ يتحقَّق لو لم يكن من وجود لهؤلاء اليهود.
الله إذا أراد خَلْق شيء فإنَّه يقول لهذا الشيء كُنْ فيكون، أيْ أنَّه يقول لشيء موجود كُنْ على هيئة أخرى، فيصبح عليها. "المأمور" يجب أن يكون موجوداً. والأمْر إنَّما يَجْعَل هذا الشيء الموجود، قبل الأمر، على هيئة مختلفة، فالخَلْقُ، على ما نرى، لا يكون من العَدَم. إنَّه فِعْلُ "تحويلٍ" لشيء من صورة إلى صورة. إنَّ الله يقول للمأمور "كُنْ"، فيكون (ذلك المأمور) على ما أمره الله أن يكون وأراده.
"إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ". "إنَّ مَثَل عِيسَى"، أي شَأْنه الْغَرِيب، "عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم"، أي كشأن آدم. خَلَقَ الله آدم مِنْ تُرَاب، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ بَشَرًا "فَيَكُون" أَيْ فَكَانَ؛ وَكَذَلِكَ عِيسَى قَالَ لَهُ كُنْ مِنْ غَيْر أَب فَكَانَ. في خلق آدم، كان "المأمور" هو "التمثال الطيني"، فالله أمَرَ هذا التمثال، بعدما صنعه، بأنْ يكون (بأن يغدو أو يصبح) بشراً، فكان.
هل في القرآن ما يشير إلى "فناء المادة" يوم القيامة؟
إنَّكَ يكفي أن تقرأ ما وَرَدَ في القرآن من وصفٍ لـ "نهاية العالَم"، أيْ لـ "يوم القيامة"، ومن وصفٍ لـ "الجنَّة" و"النار"، وأنْ تَفْهَمَ ما قَرَأْت بمعانيه الحقيقية، أي بلا زيادة ولا نقصان، حتى تتأكَّدَ أنَّ "الإفناء الإلهي ـ القرآني" للعالم، أو لـ "الحياة الدنيا"، ليس فيه ما يشير إلى "فناء المادة"، أو إلى أنْ يَخْلِفَ العَدَمَ الوجود.
وتوصُّلاً إلى ذلك، أيْ إلى هذا الفَهْم، وهذا الاستنتاج، أمْعنوا النظر، واعْمِلوا التفكير، في معاني الآيات القرآنية الآتية:
"يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ".
"وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً".
"إِذَا وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ. لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ. خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ. إِذَا رُجَّتْ الأَرْضُ رَجّاً. وَبُسَّتْ الْجِبَالُ بَسَّاً. فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً".
"فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ. وَحُمِلَتْ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً. فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتْ الْوَاقِعَةُ. وَانشَقَّتْ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ".
"يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتْ الْجِبَالُ كَثِيباً مَهِيلاً".
"إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ. وَإِذَا الأَرْضُ مُدَّتْ. وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ. وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ".
"كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكّاً دَكّاً".
"إِذَا زُلْزِلَتْ الأَرْضُ زِلْزَالَهَا. وَأَخْرَجَتْ الأَرْضُ أَثْقَالَهَا".
"يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ. وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ".
"فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ. خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ. وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ".
"فناء العالَم" إنَّما يعني، في القرآن، أنْ "تُبَدَّلَ الأرضُ غير الأرض.."؛ وقيل في الشرح والتفسير أنْ تصير الأرض التي نَعْرِف "أرضاً بيضاء كالفضَّة". وغنيٌّ عن البيان أنَّ عبارة "تُبَدَّلَ الأرض غير الأرض (وأن تُبَدَّل السَّماوات أيضا)" لا تنطوي على أيِّ معنى من معاني الفناء والزوال، فـ "الأرض التي بُدِّلَت" تظلُّ صورة من صور "المادة"، وكأنَّ انتقالها من حالٍ إلى حال هو جوهر معنى "الفناء الإلهي ـ القرآني" للعالَم يوم القيامة.
وفي هذا "الفناء"، يُسَيِّر الله الجبال، أي يَذْهَب بها عن وجه الأرض؛ فهي إنَّما جَعَلَها الله في الأرض رواسي، تُثَبِّت الأرض، وتَمْنعها من أن تميد بالبشر. وبِرَفْعِهِ تلك الرواسي تغدو الأرض بارزةً، أي ظاهرة، ليس عليها شيء من جَبَلٍ ولا غيره.
وفي "يوم الفناء (القارعة)"، يَرُجُّ الله الأرض رَجَّاً، أي يُحَرِّكها حركة شديدة عنيفة، ويَبُسُّ الجبال بَسَّاً، أي يُفَتِّتها، فتغدو "هباءً مُنْبَثَّاً"، أي غباراَ مُنْتَشِراً.
وفي "يوم النَفْخِ في الصُّور نفخةً واحدةً"، تُحْمَل الأرض والجبال، أي تُرْفعا، فَيَدُّكهما الله دَكَّاً، أي يَدُقُّهما. وَدَقُّ الشيء يعني كسره؛ وَدَقُّ الحَبَّ يعني جَعْله مسحوقاً ناعماً. وفيه، أيضا، تَنْشَقُّ السماء، فتبدو واهيةً ضعيفةً.
وفي وَصْفِ "يوم فناء العالَم"، أو "الحياة الدنيا"، تَرْجُفُ الأرض والجبال، أي تُزَلْزَل الأرض والجبال، وتكون الجبال رَمْلاً مُجْتَمِعاً، فيَشْرَع يتساقط. والسماء تَنْشَق، والأرض تُمَد، أي تزيد سعتها، ولا يبقى عليها بناء ولا جَبَل، وتُلْقي ما فيها من الموتى إلى ظاهرها، مُتَخَلَّيةً عنهم. وهذا هو ذاته معنى أنْ تُزَلْزَل الأرض، وتُخْرِج أثقالها. والسماء لا تَنْشق فحسب، وإنَّما "تُطْوى"، فالله، "يوم القيامة"، يطويها كطيِّ السِّجِل للكُتُب؛ أمَّا "النتيجة النهائية" فنراها في قوله "كما بَدَأْنا أوَّل خَلْق نُعيدهُ"، أي يَهْلَك كل شيء، أي يعود "الكون" إلى ما كان عليه من حالٍ عند، أو قَبْل، خَلْق الله للسَّماوات والأرض وما بينهما في سِتَّة أيَّام.
إنَّ "القيامة" تؤثِّر في السَّماوات بالانشقاق، وفي الأرض بالزلزلة، وفي الجبال بالدكِّ والنسف، وفي الكواكب بالانتثار، وفي الشمس والقمر بالتكوير والانكدار. وتكون الجبال، أيْ تصبح، "يوم القيامة"، كالعهن المنفوش؛ إنَّها تصير كالصوف المتطاير، تتفرَّق أجزاؤها وتتطاير في الجوِّ حتى تكون كالصوف المتطاير عند الندف.
وبَعْدَ هذا "الإفناء الإلهي ـ القرآني" للعالَم، أو لـ "الحياة الدنيا"، يَخْلُد المؤمنون في الجَنَّة "ما دامت السَّماوات والأرض إلاَّ ما شاء ربُّكَ"، ويَخْلُد الكافرون في النار، أو جهنَّم، "ما دامت السَّماوات والأرض إلاَّ ما شاء ربُّكَ".
وهذا إنَّما يعني أنَّ أهل النار وأهل الجنَّة يَدُومان (يَخْلُدان، يَبْقيان) فيهما (أي في النار والجنَّة) ما دامت (ما بَقِيَت، ما خَلُدَت) السَّماوات والأرض؛ فـ "القيامة" لا تعني زوال، وفناء، السَّماوات والأرض، وإنَّما اختلاف وتَبَدُّل حالهما. أمَّا عبارة "إلاَّ ما شاء ربُّكَ" ففيها معنى "الاستثناء"، فدوام أهل النار وأهل الجنَّة في ما هُمْ فيه من الجحيم أو النعيم ليس أمْراً واجباً بذاته، بل هو مَوْكول إلى مشيئة الله.

عن الحوار المتمدن