نقد الاعجاز العلمي
 
 


 ادعاء زغلول النجار بنزول الحديد بالنيازك


الرد العلمي على زعم الإعجاز القرآني في إنزال الحديد

لحسن الحظ ، فإن النقاط التي يثيريها الأعجازيون المسلمون لم تجبرنا للقيام بمراجعة مفصلة أكثر مما عرضنا أعلاه لأنجح النظريات المعاصرة في تفسير تكون المجموعة الشمسية، وذلك لأن النقاط التي يثيرها الدكتور النجار ومن حذا حذوه من الإعجازيين تخاطب نقطة واحدة وهي نقطة رقم ثمانية من المسائل الفيزيائية المطلوب من نظرية التكوين حلها. وتتعلق هذه النقطة بتفسير العلو الكبير لكثافة الكواكب الداخلية ، عطارد، الزهرة، الأرض ، المريخ والتي تعزى لوجود نسبة عالية من الحديد فيها. وقد أجابت جميع النظريات العلمية على هذا التميز في الكثافة دون الحاجة لتوظيف الزخات النيزكية الحديدية التي يدعيها الدكتور النجار.

اللغة العربية كلغة ثرية ، لا بد أن تمتلك مفردات للدلالة على الأشياء الموجودة في الطبيعة مثل الرمل والحديد والماء ، وأيضا للدلالة على تفاعل هذه الأشياء عبر الظواهر الطبيعية مثل سقوط المطر من الغيم ، وهبوب الريح ، كما أنها مثل كل اللغات لا بد أن تمتلك القدرة على تمكين متكلميها من التعبير عن هذه الظواهر ووصفها عبر تركيبات لغوية مثل الجمل والشعر والنثر، وبدون هذه العناصر اللغوية الأساسية فإنه لا يمكن أن تعتبر لغة إنسانية. ومع أن اللغات تتطور عبر الزمن ، فإن هذا التطور بطئ يحتاج إلى عشرات ، أو مئات السنين لملاحظته في اللغات الحرة ، فما بالك بلغة مقيدة بكتاب يقدسه حملته على أنه منزل من عند الله؟ والمثال الذي بين أيدينا في هذا المقال عن "آية" تنزيل الحديد لا يعدو أن يكون أكثر من التعبير عن إعجاب وحتى رهبة محمد ومعاصريه المتخلفون تكنولوجيا من الحديد وآلاته ، وبالطبع فإن هذا الإعجاب في ذلك الوقت كان مشتركا مع كل شعوب الأرض، ولكنه بالنسبة لعرب مكة ومحيطها كان إعجابا أكبر وأعظم لعدم امتلاكهم لصناعة حديد محلية. بالإضافة إلى الدليل التاريخي الذي أوردناه عن أصول القول بتنزيل الحديد من السماء،  يتضح الآن أن العلم الحديث لم يقل ، لا من قريب أو بعيد ، وفي أي من نظرياته المتداولة بين علماء الفلك والبلانتولوجي أن حديد الأرض نزل إليها "من السماء" عن طريق "قذفها بوابل من النيازك الحديدية" كما يدعي الدكتور زغلول النجار وأتباعه. فالعرض السريع الذي قدمناه أعلاه لأشهر هذه النظريات ينفي هذا الأدعاء ، ولكنه أكثر من هذا يوضح للقارئ أن جميع هذه النظريات، وأيضا النظريات الأخرى التي لم نعرضها، تتطلب أن تكون دقائق الغبار ، المبنية حول نواة من الحديد والعناصر الثقيلة الأخرى، اللبنة التي يبدأ بها تكثف السديم النجمي إلى أجسام صلبة متزايدة في الحجم إلى أن تتكون الكواكب.

المحرج في كل هذا الموضوع ( إن كان هناك ما يحرج الإعجازيين المسلمين ) هو أن أي دراسة للنظريات العلمية عن تمايز مكونات الكواكب الداخلية لا تدع أي مجال في ذهن القارئ للتخيل أن العلم الحديث يقول بتنزيل حديد الأرض من السماء ، ولهذا فإنه لا يمكن القول أن الدكتور النجار أوَّلَ الحقائق العلمية فأخطأ التأويل ( فله أجر بدلا من أجرين) ولكن لا بد من القول أنه كذب وحرف واستغل إيمان المسلمين بالقرآن لتحقيق مكاسب شخصية وأن من تبعه يقع في نفس الجرم.

 ما يلي بعض الملاحظات الإضافية عن هذا الموضوع:

  1. من وجهة نظر علم الإحتمالات ، فإن أحتمال "رجم الأرض" بالنيازك الحديدية باتجاه مواز للمستوى المداري للمجموعة الشمسية احتمال ضئيل (السهمان باللون الأزرق في شكل 9) بسبب احتلاله لزواية ضئيلة من مجموع الزواية الكروية ثلاثية الأبعاد ، كما أن فاعلية هذا "الرجم" من هذا الإتجاه ستكون ضئيلة جدا لأنه سيتوجب على النيازك أن تسير مسافة هائلة من خلال مدارات كواكب المجموعة الشمسية (التي يفترض الإعجازيون أنها  كانت قد "خلقت" في ذلك الوقت) لضرب الأرض ، ولأن هذه الكواكب كبيرة جدا ، فهي تشكل حاجزا منيعا يوقف معظم الأجسام الواردة نحو الشمس من هذا المستوى، وبهذا فإن أغلب النيازك الحديدية القادمة نحو الأرض من هذا الإتجاه ستقع في حقول جاذبيتها قبل أن تصل هدفها الأرضي . ودور هذه الكواكب معروف في حماية الأرض من النيازك القادمة نحوها من المستوى المداري. فمثلا حسب العلماء أن غياب المشتري من مداره سيزيد من عدد النيازك القادرة على تدمير الأرض بعشرة آلاف مرة. ولولا حماية المشتري والكواكب الخارجية لما كان هناك حياة على الأرض.  أما إن جاء "الرجم النيزكي" باتجاه من خارج المستوى المداري (كما نشير بالسهم الأحمر)، فإن عظم كتلة هذه النيازك والتي كانت ستشكل أكثر من نصف كتلة الأرض قبل أن تلتحم بها، كانت ستخرج الأرض عن المستوى المداري بشكل كبير. وهذا يخالف واقع الأرض. بالإضافة إلى ذلك فإنه على الدكتور النجار أن يثبت رياضيا كيف أن مجموعة نيازك قادمة من نقطة بعيدة جدا عن المجموعة الشمسية من هذا الإتجاه ستسقط في الأرض وليس في الشمس. من خبرتنا في علوم الدكتور النجار وجمهور الإعجازيين، فإن هذه الأسئلة لن يجاب عنها إلا بتوظيف القدرة الإلهية ، أي بالتخلي عن العلم الذي يقولون به واللجوء إلى الغيبيات.



:
من وجهة نظر علم الإحتمالات ، فإن أحتمال "رجم الأرض" بالنيازك الحديدية باتجاه مواز للمستوى المداري للمجموعة الشمسية احتمال ضئيل جدا لصغر الزاوية في هذا الإتجاه بالنسبة للزاوية الصلبة (السهمان باللون الأزرق). أما رجمها باتجاه خارج عن هذا المستوى فإنه سيخرجها من الدوران في المستوى المداري بشكل كبير كما أنه كان سيغير من اتجاه محور دورانها الحالي بزاوية عالية جدا. ومن الأمثلة على تغير محور الدوران بسبب التصادم مع جرم آخر محور يورانوس الذي يوازي تقريبا المستوى المداري.

  1. لا يذكر الدكتور النجار أي تفصيل عن كيفية تكون النيازك الحديدية التي يدعي أنها ضربت الأرض. وللتحايل على هذه النقطة يقول في مقالته " وتتناثر أشلاء النجم المنفجر في صفحة السماء لتدخل في نطاق جاذبية أجرام سماوية تحتاج إلي هذا الحديد" . وهو هنا يستخدم كلمة "أشلاء" حتى يدخل في ذهن القارئ أن النجم العملاق المنفجر سيتقسم إلى شظايا صلبة لتكون النيازك التي يدعي. والحقيقة أن هذه النجوم عندما تنفجر تنفجر بطاقة هائلة تبخر قلب النجم الحديدي إلى ذراته الأساسية . وإذن يبقى أن يجد الدكتور النجار طريقة علمية يصف بها كيف تكونت هذه النيازك. ولن يجد دكتورنا معجز الخيال إلا أن يعترف أن الطريقة الوحيدة لتكوين هذه النيازك هي أن تكون قد تكثفت أثناء انهيار سديم نجمي لتكوين مجموعة نجمية جديدة كما بينا باختصار في النظريات المعروضة أعلاه. بعد ذلك يتبقى على الدكتور النجار وأتباعه ، وعلى وجه الخصوص العالم الفلكي الدكتور النواوي أن يثبتوا لنا علميا كيف أفلتت هذه النيازك من الدوران حول نجمها الذي تكونت في مجال جاذبيته وكيف سافرت عبر الفضاء لتتكرم علينا بحديدها ذي البأس الشديد.

  2. تثبت نظائر الحديد المشعة الموجودة على الأرض أن عمر الحديد على أرضنا وعمر حديد النيازك التي تضرب الأرض هو نفس عمر المجموعة الشمسية وهذا يثبت أن حديد مجموعتنا الشمسية كان موجودا فيها من زمن ولادتها.

  3. يقدم الدكتور النواوي من بين الإعجازيين أقرب وصف لتكون المجموعة الشمسية من الوصف العلمي ولكنه ليوافق القرآن وعملية التنزيل يزعم أن سحابتنا السديمية تغذت من حديد قادم من نجم عملاق. ومع أن هذه الوصف يتجنب الكذبة الكبيرة التي يقول بها الدكتور النجار، إلا أنه يتخلى عن النظرية الإسلامية لتكون الكون وعن فصله إلى أرض وسماء وذلك لأن القرآن واضح بأن التنزيل يحدث من الإعلى (السماء) إلى الأسفل (الأرض). بيان رقم 2 يحوي وصف الدكتور النواوي لعملية التنزيل.


المصادر:

 

Solar System Evolution, a New Perspective, Stuart Ross Taylor, page 153, second edition, Cambridge University Press, 2001.